un blog qui traite des sujets sur l'islam
9 Septembre 2013
شرح الموطاء كتاب البيوع الجزء14
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ الْمُحَاصَّةِ أَمَّا حُكْمُهَا فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى كُلِّ دَيْنٍ عَلَيْهِ مُؤَجَّلٍ أَجَلُهُ بِالْفَلَسِ , وَيُحَاصُّ صَاحِبُهُ لِغُرَمَائِهِ قَالَ مَالِكٌ لِأَنَّ الْفَلَسَ مَعْنًى يُفْسِدُ الذِّمَّةَ فَاقْتَضَى حُلُولَ الدُّيُونِ كَالْمَوْتِ , وَمَالَهُ مِنْ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ يَبْقَى إلَى أَجَلِهِ , وَيُبَاعُ لِغُرَمَائِهِ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ بِهِ لِأَنَّ خَرَابَ الذِّمَّةِ لَا يُوجِبُ حُلُولَ الدُّيُونِ الَّتِي لَهَا , وَإِنَّمَا يُوجِبُ حُلُولَ الدُّيُونِ الَّتِي عَلَيْهَا كَخَرَابِهَا بِالْمَوْتِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُونِ مُتَمَاثِلًا كَالْعَيْنِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ أَوْ غَيْرِ مُتَمَاثِلٍ , فَإِنْ كَانَ مُتَمَاثِلًا وَكَانَ جَمِيعُهُ عَيْنًا صَيَّرَ مَالَهُ عَيْنًا , وَيُقَاسِمُهُ الْغُرَمَاءُ بِأَنْ يَعْلَمَ مَا لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَيُجْمَعُ ثُمَّ يَنْظُرُ كَمْ مِقْدَارُ مَا وُجِدَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ فَإِنْ كَانَ النِّصْفَ أَخَذَ كُلُّ غَرِيمٍ نِصْفَ مَالِهِ مِنْ الدَّيْنِ , وَاتَّبَعَهُ بِالْبَاقِي فِي ذِمَّتِهِ مَتَى أَيْسَرَ . ( فَرْعٌ ) : وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ وَعَلَيْهِ مِثْلُهَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَدْفَعُ فِيمَا لَهُ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ أَنَّ إصَابَتَهُ بِالْمُحَاصَّةِ قِيمَتُهَا , وَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ كَطَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَكِيلِ أَوْ الْمَوْزُونِ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا كَانَ مَالُهُ طَعَامًا , وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ دُفِعَ إلَى غُرَمَائِهِ يُرِيدُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَتَحَاصُّونَ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا لَهُمْ كَالْعَيْنِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : فَإِنْ كَانَ مَالُهُ دَرَاهِمَ , وَعَلَيْهِ دَنَانِيرُ أَوْ كَانَ مَالُهُ دَنَانِيرَ وَعَلَيْهِ دَرَاهِمُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَصْرِفُهَا إلَّا أَنْ يَصْرِفَهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ بِمَا تَسْوَى بِرِضَاهُمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رضي الله عنه , وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ مِمَّا يَقْرُبُ مِنْ دَيْنِ الْغُرَمَاءِ , وَيُجْمَعُ إلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ فَلَا يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْحَيَوَانِ , وَالثِّيَابِ فِي لُزُومِ بَيْعِهَا , وَإِنْ أَرَادَ الْغُرَمَاءُ أَخْذَهَا تَحَاصَّوْا فِيهَا بِصَرْفِهَا . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَإِنْ كَانَ مَالُهُ عُرُوضًا فَاشْتَرَى بَعْضُ الْغُرَمَاءِ شَيْئًا مِمَّا بِيعَ عَلَيْهِ حُوسِبَ بِهِ فِيمَا يَقَعُ بِهِ مِنْ الْمُحَاصَّةِ . ( فَصْلٌ ) : وَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ غَيْرَ مُتَمَاثِلٍ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ عُرُوضٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَجْنَاسِ حَيَوَانٌ وَعَيْنٌ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ مَنْ أَفْلَسَ , وَعَلَيْهِ عُرُوضٌ وَحَيَوَانٌ أُسْلِمَ إلَيْهِ فِيهَا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يُحَاصُّ بِقِيمَةِ ذَلِكَ فَمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْقِيمَةِ اشْتَرَى لَهُ بِهِ مَا شَرَطَهُ , وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ حَاصَّ بِقِيمَتِهِ فَمَا أَصَابَهُ بِذَلِكَ يَشْتَرِي لَهُ بِهِ مِثْلَ طَعَامِهِ مَا بَلَغَ , وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْقِيمَةِ ثَمَنًا , وَلَوْ كَانَ السَّلَمُ فِي وَصِيفٍ فَدَفَعَ لَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ نِصْفَ وَصِيفٍ خُيِّرَ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ نِصْفَ وَصِيفٍ , وَيُتَّبَعُ الْمُفْلِسُ بِنِصْفِ وَصِيفٍ إذَا أَيْسَرَ وَبَيْنَ أَنْ يُتْرَكَ حَتَّى يَيْسَرَ صَاحِبُهُ فَيَأْخُذَ مِنْهُ وَصِيفًا كَامِلًا , وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ وَيَتَّبِعَهُ بِنِصْفِ وَصِيفٍ أَوْ يَهَبَهُ مَا بَقِيَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَصَابَهُ مِثْلَ رَأْسِ مَالِهِ فَأَقَلَّ فَيَكُونَ إقَالَةً جَائِزَةً قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ يُرِيدُ فِي غَيْرِ الطَّعَامِ الْمُسْلَمِ فِيهِ . ( فَرْعٌ ) : وَالِاعْتِبَارُ فِي الْقِيمَةِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْمُحَاصَّةِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ , وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَالَهُ مِنْ الدَّيْنِ قَدْ حَلَّ , وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَإِنَّمَا لَهُ قِيمَتُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْقَضَاءِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَشْتَرِي لَهُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ مِثْلَ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ فَإِنْ تَأَخَّرَ الشِّرَاءُ حَتَّى غَلَا سِعْرُهُ أَوْ رَخُصَ فَإِنَّهُ لَا تَرَاجُعَ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ , وَأَمَّا التَّحَاسُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُفْلِسِ فَفِي زِيَادَةِ ذَلِكَ أَوْ نُقْصَانِهِ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ بِالْقِسْمَةِ قَدْ اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُرَمَاءِ بِمَا صَارَ لَهُ بِالْقِسْمَةِ , وَصَارَ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِهِ فَزِيَادَتُهُ وَنُقْصَانُهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِسَائِرِ الْغُرَمَاءِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَإِذَا اشْتَرَى مِنْ مَالِهِ مِنْ السَّلَمِ اُعْتُبِرَ فِي ذَلِكَ الصِّفَاتُ الَّتِي اشْتَرَطَهَا فِي السَّلَمِ فَإِنْ كَانَ وَصَفَ الطَّعَامَ بِأَنَّهُ جَيِّدٌ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَشْتَرِي لَهُ أَدْنَى مَا تَقَعُ عَلَيْهِ الصِّفَةُ , وَقَدْ قِيلَ أَوْسَطُ تِلْكَ الصِّفَةِ , وَمَعْنَى ذَلِكَ مَا يَلْزَمُ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ مَعَ التَّشَاحِّ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ .
الْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَا تَقَعُ فِيهِ الْمُحَاصَّةُ وَأَمَّا مَا تَقَعُ فِيهِ الْمُحَاصَّةُ فَهُوَ كُلُّ دَيْنٍ ثَابِتٍ قَدْ لَزِمَ ذِمَّتَهُ . وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُحَاصَّ غُرَمَاءَ الزَّوْجِ بِصَدَاقِهَا أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ عَنْهُ , وَهَذَا إذَا كَانَ قَدْ بَنَى بِهَا فَإِنْ لَمْ يَبْنِ بِهَا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهَا تُحَاصُّ بِجَمِيعِهِ لِأَنَّهُ حَقٌّ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ لَهُ إسْقَاطُ بَعْضِهِ بِطَلَاقِهَا , وَلَهُ إثْبَاتُهُ بِاسْتِدَامَةِ نِكَاحِهَا فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ فَلَا تَأْثِيرَ لِطَلَاقِهَا فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ , وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الصَّدَاقِ أَوْ يَكُونَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهَا جَمِيعَهُ أَوْ بَعْضَهُ فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهَا شَيْئًا مِنْ الصَّدَاقِ حَاصَّتْ الْغُرَمَاءَ بِمَا وَجَبَ لَهَا مِنْهُ , وَهُوَ نِصْفُهُ , وَإِنْ كَانَ قَدْ دَفَعَ إلَيْهَا جَمِيعَهُ كَانَ لَهَا نِصْفُهُ , وَالنِّصْفُ الثَّانِي دَيْنٌ لَهَا عَلَيْهِ تُحَاصُّ بِهِ الْغُرَمَاءَ , وَإِنْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهَا نِصْفَهُ . فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الْبِنَاءِ , وَقَدْ كَانَ نَقَدَهَا خَمْسِينَ , وَبَقِيَ لَهَا خَمْسُونَ مُؤَخَّرَةٌ , وَفَلِسَ الزَّوْجُ فَلْتَرُدَّ نِصْفَ النَّقْدِ , وَتُحَاصَّ الْغُرَمَاءَ فِيمَا تَرُدُّ بِنِصْفِ الْمَهْرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ , وَهَذَا إذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ أَنْ أَفْلَسَ فَأَمَّا لَوْ طَلَّقَهَا , وَهُوَ قَائِمٌ الْوَجْهُ فَقَدْ أَوْجَبَ لَهَا مَا أَخَذَتْ , وَتَسْتَحِقُّهُ قَبْلَ فَلَسِهِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ , وَأَمَّا إنْ طَلَّقَ بَعْدَ الْفَلَسِ فَجَوَابُ ابْنِ الْقَاسِمِ صَحِيحٌ , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدٌ فِيهِ نَظَرٌ , وَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ , وَمَعْنًى آخَرَ , وَهُوَ أَنْ يَكُونَ نَقَدَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَإِنْ كَانَ نَقَدَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ عَلَى وَجْهِ اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ فَهَذَا إنَّمَا سَلَّمَهُ إلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ جَمِيعِ صَدَاقِهَا فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَالِ فَلَسِهِ كَانَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ التَّرَاجُعِ . وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْفَلَسِ فَلَمْ يَنْتَجِزْ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ فَلَا مُحَاصَّةَ لِأَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا دَفَعَ إلَيْهَا مِنْ الْمُعَجَّلِ , وَبَقِيَ نِصْفُ الْمُؤَجَّلِ إلَى أَنْ يَجِيءَ أَجَلُهُ , وَأَمَّا إنْ تَقَاصَّا فِي ذَلِكَ , وَرَضِيَ الزَّوْجُ بِتَرْكِ الرُّجُوعِ عَلَيْهَا فِي الْمُعَجَّلِ فَذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ , وَلَا تَرْجِعُ هِيَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ صَدَاقِهَا , وَلَا أَنَّهُ حَقٌّ لِاسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ , وَإِنَّمَا دَفَعَهُ إلَيْهَا عَلَى أَنَّهُ جَمِيعُ مَا قَدْ اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَكُونَ قَضَاهَا دَيْنًا لَهَا عَلَيْهِ مِنْ مُعَامَلَةٍ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَلَيْهَا مِنْ سَبَبِهَا شَيْءٌ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( ش ) : قَوْلُهُ { اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَكْرًا } يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ ثُبُوتِ الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ , وَإِنَّمَا يُضْبَطُ بِالصِّفَةِ , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا جَازَ ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ عِوَضًا عَمَّا يَسْتَقْرِضُهُ الْمُسْتَقْرِضُ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ عَلَيْهِ رَدَّ مِثْلَ مَا اسْتَقْرَضَ , وَوَافَقَنَا عَلَى ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ , وَمَنَعَ مِنْهُ فِي السَّلَمِ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ .
( ش ) : قَوْلُهُ رضي الله عنه فِي الَّذِي أَسْلَفَ طَعَامًا عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهُ بِبَلَدٍ آخَرَ فَأَيْنَ الْحَمْلُ تَبْيِينٌ لِوَجْهِ الْمَنْعِ وَمُقْتَضِي التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَ عَلَيْهِ زِيَادَةً فِي قَرْضِهِ , وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَى فَسَادِهِ لَا سِيَّمَا فِي مَالَهُ حَمْلٌ كَالطَّعَامِ وَسَائِرِ الْمَتَاعِ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ فَلَقِيَهُ بِبَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِ الْقَرْضِ جَازَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى الْقَضَاءِ حَيْثُ الْتَقَيَا رَوَاهُ عَبْدُ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ , وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ زِيَادَةُ الْمُقْتَرَضِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ .
( ش ) : قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم { لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ } يُرِيدُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَشْتَرِ , وَالْعَرَبُ تَقُولُ اشْتَرَيْت , وَشَرَيْت بِمَعْنَى بِعْت قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنْ الزَّاهِدِينَ } . وَقَالَ { لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ , وَقَالَ إنَّمَا النَّهْيُ لِلْمُشْتَرِي دُونَ الْبَائِعِ , وَنَحْوَ هَذَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ , وَأَبِي زَيْدٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَيْسَ لِلْحَدِيثِ وَجْهٌ غَيْرُ هَذَا عِنْدِي لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَكَادُ يَدْخُلُ عَلَى الْبَائِعِ , وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ أَنْ يَزِيدَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمُشْتَرِي وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ لِلْحُطَيْئَةِ وَبِعْت لِذُبْيَانَ الْعَلَاءَ بِمَالِكَا يُرِيدُ اشْتَرَيْت قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ , وَعِنْدِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيُمْنَعُ الْبَائِعُ أَيْضًا مِنْ أَنْ يَبِيعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ إذَا كَانَ قَدْ رَكَنَ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ , وَوَافَقَهُ فِي ثَمَنِ سِلْعَتِهِ , وَلَمْ يَبْقَ إلَّا تَمَامُ الْعَقْدِ فَيَأْتِي مَنْ يَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ عَلَى وَجْهِ غَيْرِ الْإِرْخَاصِ عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا حَمَلَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَى مَا قَالَهُ لِأَنَّ الْإِرْخَاصَ مُسْتَحَبٌّ مَشْرُوعٌ فَإِذَا أَتَى مَنْ يَبِيعُ بِأَرْخَصَ مِنْ بَيْعِ الْأَوَّلِ فَلَا مَنْعَ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ , وَقَدْ مَنَعَ مِنْ تَلَقِّي السِّلَعِ , وَذَلِكَ إرْخَاصٌ عَلَى مُتَلَقِّيهَا غَيْرَ أَنَّ فِيهَا إغْلَاءً عَلَى أَهْلِ الْأَسْوَاقِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ نَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ , وَالضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّلَقِّي . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ { عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ } يُرِيدُ الْمُسْلِمَ , وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ شَرْطًا فِيمَا يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ عَلَى بَيْعِهِ , وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِإِظْهَارِ قُبْحِ فِعْلِهِ , وَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ بِالْأُخُوَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ الْمُقَابَحَةَ , وَلَوْ كَانَ الَّذِي رَكَنَ إلَى بَيْعِهِ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَإِنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ , وَجَوَّزَ ذَلِكَ الْأَوْزَاعِيُّ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا لَهُ عَهْدٌ , وَذِمَّةٌ كَالْمُسْلِمِ أَيْضًا فَإِنَّ كُلَّ حُكْمٍ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ .
( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ { وَلَا تَنَاجَشُوا } سَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا , وَقَوْلُهُ { وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ مِنْهَا فِي تَعْيِينِ الْبَادِي الَّذِي يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ لَهُ وَالثَّانِي فِي التَّصْرِيفِ الَّذِي يُمْنَعُ لَهُ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ لَهُ إذَا وَقَعَ . ( الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَعْيِينِ الْبَادِي الَّذِي يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ لَهُ ) أَمَّا الْبَادِي الَّذِي مُنِعَ مِنْ الْبَيْعِ لَهُ فَإِنَّ أَهْلَ الْبَوَادِي ضَرْبَانِ ضَرْبٌ أَهْلُ عَمُودٍ وَضَرْبٌ أَهْلُ مَنَازِلَ وَاسْتِيطَانٍ فَأَمَّا أَهْلُ الْعَمُودِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمْ مُرَادُونَ بِالْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي النَّهْي عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي هُمْ الْأَعْرَابُ أَهْلُ الْعَمُودِ لَا يُبَاعُ لَهُمْ , وَلَا يُشْرَى عَلَيْهِمْ , وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ , وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْأَسْعَارَ فَيُوشِكُ إذَا تَنَاوَلُوا الْبَيْعَ لِأَنْفُسِهِمْ اُسْتُرْخِصَ مِنْهُمْ مَا يَبِيعُونَ لِأَنَّ مَا يَبِيعُونَهُ أَكْثَرُهُ لَا رَأْسَ مَالٍ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرُوهُ , وَإِنَّمَا صَارَ إلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْلَالِ فَكَانَ الرِّفْقُ بِمَنْ يَشْتَرِيهِ أَوْلَى مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْحَوَاضِرِ هُمْ أَكْثَرُ الْإِسْلَامِ , وَهِيَ مَوَاضِعُ الْأَئِمَّةِ فَيَلْزَمُ الِاحْتِيَاطُ لَهَا وَالرِّفْقُ بِمَنْ يَسْكُنُهَا . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَهْلَ الْقُرَى الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْأَثْمَانَ وَالْأَسْوَاقَ , وَلَا بَأْسَ بِهِ , وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا , وَرَوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ الْعُتْبِيُّ عَنْ مَالِكٍ , وَلَكِنَّهُ قَالَ فَأَمَّا أَهْلُ الْمَدَائِنِ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا , وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ , وَأَمَّا أَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ يُشْبِهُونَ أَهْلَ الْبَادِيَةِ فَلَا يُبَاعُ لَهُمْ , وَلَا يُشْرَى عَلَيْهِمْ قَالَ : وَإِنْ كَانُوا أَيَّامَ الرَّبِيعِ فِي الْقُرَى , وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فِي الصَّحْرَاءِ عَلَى الْمِيلَيْنِ مِنْ الْقَرْيَةِ , وَهُمْ عَالِمُونَ بِالسِّعْرِ فَلَا يُبَاعُ لَهُمْ , وَيَنْقَسِمُ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ الْبَدْوِيُّ لَا يُبَاعُ لَهُ عَرَفَ السِّعْرَ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ , وَالْقَرَوِيُّ , وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْأَسْعَارَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ لَهُ , وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُهَا لَمْ يُبِعْ لَهُ . ( فَرْعٌ ) : وَمَا قَدْرُ الْقَرْيَةِ الَّتِي تُبِيحُ الْبَيْعَ لَهُ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا نَهْيَ عَنْ الْبَيْعِ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مِيدَ أَيْ وَمَا أَشْبَهَهَا لِأَنَّ هَذِهِ مَدَائِنُ وَكُوَرٌ , وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ كُوَرٌ وَحَوَاضِرُ لِأَهْلِهَا مِنْ الْحُرْمَةِ مِثْلُ مَا لِغَيْرِهِمْ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْأَسْعَارِ وَالْأَسْوَاقِ , وَلَيْسَ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ لَهُمْ إلَّا الْإِضْرَارُ بِهِمْ دُونَ مَنْفَعَةٍ تُجْتَلَبُ بِذَلِكَ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَبِيعُ مَدَنِيٌّ لِمِصْرِيٍّ , وَلَا مِصْرِيٌّ لِمَدَنِيٍّ , وَفِي الْعُتْبِيَّةِ فَأَمَّا أَهْلُ الْمَدَائِنِ يَبِيعُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَأَرْجُو أَنْ يَكُون خَفِيفًا . فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ اغْتِرَابَهُمْ , وَبُعْدَ أَوْطَانِهِمْ يَقْتَضِي جَهْلَهُمْ بِالْأَسْعَارِ فَمَنَعَ مَنْ يَعْرِفُهَا مِنْ الْبَيْعِ لَهُمْ لِيَرْخُصَ بِذَلِكَ مَا جَلَبُوهُ , وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ حُرْمَتَهُمْ مُتَسَاوِيَةٌ , وَبِأَيْسَرِ مَقَامٍ فِي الْبَلَدِ يَعْرِفُونَ الْأَسْعَارَ , وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُخْفِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَلَا فَائِدَةَ لِكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ .
الْبَابُ الثَّانِي فِي التَّصَرُّفِ الَّذِي يُمْنَعُ لَهُ أَمَّا مَا يَمْنَعُ مِنْهُ مِنْ التَّصَرُّفِ لَهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْبَدْوِيِّ لَا يَبِيعُ لَهُ الْحَضَرِيُّ , وَلَا يَشْتَرِي عَلَيْهِ , وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ , وَكَذَلِكَ فِي أَهْلِ الْقُرَى الَّذِينَ يُشْبِهُونَ الْبَادِيَةَ . وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ إذَا قَدِمَ الْبَدْوِيُّ فَأَكْرَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ الْحَضَرِيُّ بِالسِّعْرِ , وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَا يَبْعَثُ الْبَدْوِيُّ إلَى الْحَضَرِيِّ بِمَتَاعٍ يَبِيعُهُ لَهُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا الشِّرَاءُ لِلْبَدْوِيِّ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَبِيعُ لَهُ , وَلَا يَشْتَرِي وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا الِاسْتِرْخَاصَ مَشْرُوعٌ مُسْتَحَبٌّ , وَلِذَلِكَ نَهَى أَنْ يَبِيعَ الْحَاضِرُ لِلْبَادِي طَلَبًا لِرُخْصِ مَا يَبِيعُ , وَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُبَاحَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ يَسْتَرْخِصُ لَهُ مَا يَشْتَرِيهِ , وَوَجْهٌ ثَانٍ , وَهُوَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَبِيعُهُ الْبَدْوِيُّ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ بِالْغَلَّةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي رُخْصِهِ كَبِيرُ مَضَرَّةٍ , وَمَا يَشْتَرِيهِ حُكْمُهُ فِيهِ حُكْمُ الْحَضَرِيِّ فَلِذَلِكَ خَالَفَ بَيْعَهُ شِرَاؤُهُ , وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ تَخُصُّهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهَا الْحَضَرِيُّ لِلْبَدْوِيِّ كَالْبَيْعِ .
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ لَهُ إذَا وَقَعَ قَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُفْسَخُ الْبَيْعُ حَضَرَ الْبَدْوِيُّ أَوْ بَعَثَ سِلْعَتَهُ إلَى الْحَاضِرَةِ , وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ , وَكَذَلِكَ الشِّرَاءُ . وَقَالَهُ أَصْبَغُ فِي بَيْعِ الْمِصْرِيِّ لِلْمَدَنِيِّ وَبَيْعِ الْمَدَنِيِّ لِلْمَصْرِيِّ , وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَسْخَهُ إذَا بَاعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ , وَرَوَاهُ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ نَهْيُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم , وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ , وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْعَقْدَ سَالِمٌ مِنْ الْفَسَادِ , وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِمَعْنَى الِاسْتِرْخَاصِ , وَلِذَلِكَ لَا يَعُودُ بِالْفَسْخِ لِأَنَّ الْبَدْوِيَّ قَدْ عَلِمَ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ ثَمَنَ سِلْعَتِهِ فَلَا يَرْخُصُ بِفَسْخِهِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ هَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُؤَدَّبُ , وَرَوَى زُونَانُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ يُزْجَرُ وَلَا يُؤَدَّبُ , وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِمَكْرُوهِهِ , وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ مَضَرَّةٌ عَامَّةٌ , وَقَدْ تَكَرَّرَ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْإِمَامِ فِيهَا فَكَانَ حُكْمُهُ الْأَدَبَ , وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الزَّجْرَ فِي ذَلِكَ كَافٍ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ التَّسْعِيرِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( ش ) : قَوْلُهُ إنَّ { رَجُلًا ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ } يُقَالُ إنَّهُ مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْمَازِنِيُّ جَدُّ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ , وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَصَابَتْهُ فِي رَأْسِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَأْمُومَةٌ فَغَيَّرَتْ لِسَانَهُ , وَغَيَّرَتْ بَعْضَ مَيْزِهِ , وَقَدْ قِيلَ إنَّ حِبَّانَ بْنَ مُنْقِذٍ هُوَ الَّذِي كَانَ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم { بِعْ وَقُلْ لَا خِلَابَةَ , وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ } , وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَاصٌّ بِهَذَا الرَّجُلِ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْحِرْصِ عَلَى الْبَيْعِ وَضَعْفِهِ عَنْ التَّحَرُّزِ فِيهِ . وَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي إشْرَافِهِ إذَا تَبَايَعَ النَّاسُ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ , وَكَانَ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ لَا يُخْبِرُ بِسِعْرِ ذَلِكَ الْمَبِيعِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَا خِيَارَ لَهُ , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ أَوْ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ وَالْمُتَعَارَفِ فِيهِ . قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ نَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ , وَمَنْ بَاعَ مَا يُسَاوِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ بِدِرْهَمٍ فَقَدْ أَضَاعَ مَالَهُ كَمَا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَقَدْ أَضَاعَ مَالَهُ قَالَ : وَنَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ تَلَقِّي السِّلَعِ , وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنْ الْغَبْنِ فِي الْأَثْمَانِ فَكَانَ مُؤَثِّرًا فِي الْخِيَارِ كَالْعَيْبِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حُكْمُ الْحَدِيثِ عَامًّا فِي كُلِّ أَحَدٍ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ مَعْنَى قَوْلِ حِبَّانَ بْنِ مُنْقِذٍ لَا خِلَابَةَ عَلَى وَجْهِ الْأَعْلَامِ مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَخْبُرُ الْأَثْمَانَ , وَعَلَى وَجْهِ الْإِعْلَامِ لِلنَّاسِ بِهَذَا الْحُكْمِ , وَأَنَّهُ لَا تَنْفُذُ خِلَابَةُ الْخَالِبِ عَلَى مَغْبُونٍ مُسْتَسْلِمٍ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَ الْمُتَبَايِعَيْنِ مِنْ جَهَلَةِ الْبَيْعِ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى مَا يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمٍ لَزِمَهُمَا , وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ { نَهَى أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ } قَالَ الْقَاضِي رضي الله عنه , وَيَحْصُلُ عِنْدِي ابْتِيَاعُهُ عَلَى الْمُرَابَحَةِ فَيَكُونُ قَوْلُ لَا خِلَابَةَ لِمَنْ يَزِيدُ عَلَيْهِ فِي الشِّرَاءِ , وَهَذَا حُكْمٌ عَامٌّ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى مُرَابَحَةً فَزِيدَ عَلَيْهِ فِي الثَّمَنِ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِيَاعُهُ بِالْخِيَارِ , وَأَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِطُهُ , وَيَقُولُ مَعَ ذَلِكَ لَا خِلَابَةَ بِمَعْنَى اشْتِرَاطِ الْخِيَارِ يَتَحَرَّزُ مِنْ اسْتِخْدَاعِهِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ بِعْ وَقُلْ لَا خِلَابَةَ , وَأَنْتَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةً } , وَلَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَكَمَ لَهُ بِهَذَا , وَحَجَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ بِغَيْرِ الْخِيَارِ , وَأَعْلَمَ النَّاسَ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْكُرَ حُكْمَهُ بِقَوْلِهِ لَا خِلَابَةَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُهُ أَنْ يَقُولَ لَا خِلَابَةَ عَلَى وَجْهِ الْأَعْذَارِ إلَى مَنْ يُبَايِعُهُ لِيَتَوَقَّى خَدِيعَتَهُ أَهْلُ الصَّلَاحِ وَالدِّينِ لَا لِيَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ إنْ خُدِعَ , وَلَكِنْ لِئَلَّا يُقْدِمَ عَلَى خَدِيعَتِهِ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ , وَكَانَ قَلِيلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا خِلَابَةَ فِي صِفَةِ النَّقْدِ , وَفِي وَفَاءِ الْوَزْنِ وَالْكَيْلِ , وَاسْتِيفَائِهِمَا فَمَنْ غَبَنَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ , وَهَذِهِ حَالَةُ جَمِيعِ النَّاسِ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ { قُلْ لَا خِلَابَةَ } الْخِلَابَةُ الْخِدَاعُ , وَلَيْسَ مِنْ الْخِدَاعِ أَنْ يَبِيعَ الْبَائِعُ بِالْغَلَاءِ أَوْ يَشْتَرِيَ الْمُشْتَرِي بِرُخْصٍ , وَإِنَّمَا الْخِلَابَةُ أَنْ يَكْتُمَهُ عَيْبًا فِيهَا , وَيَقُولَ إنَّهَا تُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا , وَأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ فِيهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى بِهَا . وَقَدْ رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ { الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَّا بُورِكَ لَهُمَا , وَإِنْ كَذَبَا , وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا } , وَلِذَلِكَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ النَّجْشِ } لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَدِيعَةِ فِي الْبَيْعِ , وَإِظْهَارُ النَّاجِشِ لِلْمُبْتَاعِ أَنَّ قِيمَتَهَا أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهَا , وَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَهَا .