un blog qui traite des sujets sur l'islam
9 Septembre 2013
شرح الموطاء كتاب البيوع الجزء12
( ش ) : قَوْلُهُ عَنْ رَجُلٍ سَلَّفَ فِي سَبَائِبَ قَالَ مَالِكٌ السَّبَائِبُ غَلَائِلُ ثَمَانِيَةٌ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ بَاعَهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا ذَلِكَ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ , وَكَرِهَ ذَلِكَ , وَقَالَ مَالِكٌ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ بَائِعِهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي دَفْعَ إلَيْهِ فِيهَا فَيَدْخُلُهُ الْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مُتَفَاضِلًا , وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَنْ يُرِيدَ بَيَانَ مَذْهَبِ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ الْمَرْوِيُّ فِي ذَلِكَ مِمَّا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ . وَقَدْ قَالَ عِيسَى سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ فَقَالَ ذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم { نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى } فَرِبْحُهُ حَرَامٌ قَالَ وَأَمَّا غَيْرُ الطَّعَامِ الْعُرُوض وَالْحَيَوَانُ وَالثِّيَابُ فَإِنَّ رِبْحَهُ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ ; لِأَنَّ بَيْعَهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ حَلَالٌ , وَمِنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ مِنْ رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ أَنْ يَبِيعَ لِرَجُلٍ شَيْئًا بِغَيْرِ أَمْرِهِ ثُمَّ يَبْتَاعَهُ مِنْهُ , وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بَيْعَك بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ , وَكَذَلِكَ بَيْعُك مَا ابْتَعْت بِالْخِيَارِ لَا تَبِعْهُ حَتَّى تُعْلِمَ الْبَائِعَ , وَيَشْهَدَ أَنَّك رَضِيته فَإِنْ تَعْلَمْهُ فَرِبْحُهُ لِلْبَائِعِ , وَإِنْ قُلْت بِعْتُ بَعْدَ أَنْ اخْتَرْت صُدِّقْتَ مَعَ يَمِينِك , وَكَذَلِكَ الرِّبْحُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا مَا خَلَا الْمَطْعُومَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِنْ بَائِعِهِ , وَمِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ عَدَدٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ كَالثَّوْبِ الْمُعَيَّنِ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كُلُّ مَا يُنْقَلُ , وَيُحَوَّلُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ , وَكُلُّ مَا لَا يُنْقَلُ , وَلَا يُحَوَّلُ مِنْ الدُّورِ , وَالْأَرَضِينَ , وَمَا أَشْبَهَهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا قَبْلَ اسْتِيفَائِهَا , وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ , وَتَعَلَّقَ شُيُوخُنَا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَطْعُومَ بِالنَّاسِ حَاجَةٌ إلَيْهِ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِيهِ وَاجِبًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رضي الله عنه , وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ الْمُسَبَّبُ بِهِ إلَى الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمِ حِينَ وُرُودِ النَّهْيِ فَاخْتَصَّ الْحُكْمُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ , وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } , وَهَذَا عَامٌّ فَحُمِلَ عَلَى عُمُومِهِ , وَدَلِيلُنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ فَجَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَمَنَافِعِ الْأَعْيَانِ فِي الْإِجَارَاتِ , وَدَلِيلٌ آخَرُ أَنَّهُ إزَالَةُ مِلْكٍ فَجَازَ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْعِتْقِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ , وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ سَلَّفَ فِي رَقِيقٍ أَوْ عُرُوضٍ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبِيعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ الَّذِي عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي سَلَّفَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ يُرِيدُ مَا دَامَ فِي ذِمَّتِهِ , وَقَبْلَ اسْتِيفَائِهِ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ دِينَارًا , وَأَخَذَ مِنْهُ بِهِ دِينَارَيْنِ , وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ مِنْهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ مِنْهُ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ; لِأَنَّهُ فِي بَيْعِهِ بِمِثْلِهِ يَعُودُ إلَى مَعْنَى الْقَرْضِ فَإِذَا بَاعَهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ بَعُدَ عَنْ التُّهْمَةِ ; لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُفْعَلُ لَا يَقْصِدُ أَحَدٌ أَنْ يُسَلِّفَ دِينَارَيْنِ فِي دِينَارٍ وَاحِدٍ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَيَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ الْعَيْنِ بِكُلِّ مَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ فِي السَّلَفِ فِيهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَتْ ثِيَابًا فُرْقُبِيَّةً فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ بِثِيَابِ قُطْنٍ مَرْوِيَّةٍ أَوْ هَرَوِيَّةٍ أَوْ حَيَوَانٍ فَجَعَلَ الْفَرْقَبِيَّةِ , وَهِيَ مِنْ رَقِيقِ الْكَتَّانِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ ثِيَابِ الْقُطْنِ الرَّقِيقَةِ لِاخْتِلَافِهَا فِي جِنْسِ الْأَصْلِ , وَسَيَتِمُّ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( ش ) : مَعْنَى قَوْلِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ مِمَّا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ , وَلَا ثَمَنٍ كَالْحِنَّاءِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالنُّحَاسِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ يَدًا بِيَدٍ , وَيَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ مَعَ الْأَجَلِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ هَذَا . ( فَصْلٌ ) : وَإِنْ كَانَ الصِّنْفُ يُشْبِهُ الصِّنْفَ الْآخَرَ , وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الِاسْمِ كَالرَّصَاصِ وَالْآنُكِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُبَاعَ مِنْهُ وَاحِدٌ بِاثْنَيْنِ إلَى أَجَلٍ يُرِيدُ بِالتَّشَابُهِ تَقَارُبُ الْمَنَافِعِ مَعَ تَقَارُبِ الصُّورَةِ كَالْآنُكِ وَالرَّصَاصِ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْقَصْدِيرِ فَإِنَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الْبَابِ , وَكَذَلِكَ الشَّبَّةُ وَالصُّفْرُ وَالنُّحَاسُ جِنْسٌ وَاحِدٌ , وَالْحَدِيدُ لَيِّنُهُ وَذَكِيرُهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ , وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِالْعَمَلِ فَإِذَا عُمِلَ الْحَدِيدُ سُيُوفًا أَوْ سَكَاكِينَ أَوْ النُّحَاسُ أَوَانِيَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ أَصْنَافًا بِاخْتِلَافِ الْمَنَافِعِ وَالصُّوَرِ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ نَقْدًا مُتَفَاضِلًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا مَا ذَكَرُهُ أَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ فِي مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الْفُلُوسِ , وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَنْعُهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مَنْعُهُ عَلَى التَّحْرِيمِ , وَجْهُ الْكَرَاهِيَةِ أَنَّ السِّكَّةَ فِي النُّحَاسِ صِنَاعَةٌ لَا تُخْرِجُهُ عَنْ أَصْلِهِ فَلَمْ تَنْقُلْهُ مِنْ إبَاحَةِ التَّفَاضُلِ إلَى تَحْرِيمِهِ كَصِنَاعَتِهِ طُسُوتًا وَأَوَانِيَ , وَوَجْهُ رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ أَنَّ السِّكَّةَ نَوْعٌ يَخْتَصُّ بِالْإِثْمَانِ فَوَجَبَ أَنْ تُؤَثِّرَ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ كَجِنْسِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ , وَمَنْ نَسَبَ مَالِكًا فِي هَذَا الْقَوْلِ إلَى الْمُنَاقَضَةِ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ وَجْهَ الْحُكْمِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( ص ) : ( قَالَ مَالِكٌ وَمَا اشْتَرَيْتَ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْهُ إذَا قَبَضْت ثَمَنَهُ إذَا كُنْت اشْتَرَيْته كَيْلًا أَوْ وَزْنًا فَإِنْ اشْتَرَيْته جُزَافًا فَبِعْهُ مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْته مِنْهُ بِنَقْدٍ أَوْ إلَى أَجَلٍ , وَذَلِكَ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنْك إذَا اشْتَرَيْته جُزَافًا , وَلَا يَكُونُ ضَمَانُهُ مِنْك إذَا اشْتَرَيْته وَزْنًا حَتَّى تَزِنَهُ وَتَسْتَوْفِيَهُ , وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا , وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا ) . ( ش ) : مَعْنَى قَوْلِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ مِمَّا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ , وَلَا ثَمَنٍ كَالْحِنَّاءِ , وَقَوْلِهِ وَمَا اشْتَرَيْت مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا فَبِعْهُ مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ إذَا قَبَضْت ثَمَنَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَك بَيْعُهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ مَا لَمْ تَسْتَوْفِهِ بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ , كَأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا مُعَيَّنًا فَإِنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْبَيْعِ حَتَّى تُوَفِّيَهُ فَصَارَ مِنْ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ , وَإِنْ اشْتَرَاهُ جُزَافًا جَازَ بَيْعُهُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ ; لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ يَكُونُ فِي ضَمَانِ الْمُبْتَاعِ , وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِضَمَانِ الْبَائِعِ , وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ رحمه الله , وَهَذَا فِي الْمَبِيعِ الْحَاضِرِ الَّذِي هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَأَمَّا الْغَائِبُ الَّذِي يَكُونُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ . ( ص ) : ( قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ مِثْلُ الْعُصْفُرِ وَالنَّوَى وَالْخَبَطِ وَالْكَتَمِ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ , وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ اخْتَلَفَ الصِّنْفَانِ فَبَانَ اخْتِلَافُهُمَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ , وَمَا اشْتَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ إذَا قَبَضَ ثَمَنَهُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِهِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ وَكُلُّ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ مِنْ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا , وَإِنْ كَانَتْ الْحَصْبَاءُ وَالْقُصَّةُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِثْلَيْهِ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ رِبًا , وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ , وَزِيَادَةُ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ رِبًا ) . ( ش ) : قَوْلُهُ إنَّ مَا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ , وَلَا ثَمَنٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ يَدًا بِيَدٍ مُتَسَاوِيًا مُتَفَاضِلًا , وَلَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا إلَى أَجَلٍ , وَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ إلَى أَجَلٍ , . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ , وَقَوْلُهُ وَكُلُّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ , وَإِنْ كَانَ الْحَصْبَاءُ وَالْقُصَّةُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ إلَى أَجَلٍ رِبًا , وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ التُّرَابَ الْأَبْيَضَ وَالتُّرَابَ الْأَسْوَدَ صِنْفَانِ قَالَ وَكَذَلِكَ الْجِيرُ وَالتُّرَابُ الْأَبْيَضُ قَالَ , وَكَذَلِكَ الْعُمُدُ بِالصَّخْرِ وَالْكَذَّانُ بِالرُّخَامِ وَالْجَنْدَلُ بِالْحِجَارَةِ وَالْحِجَارَةُ بِالْحَصْبَاءِ قَالَ فَهَذَا كُلُّهُ مُخْتَلِفٌ يَجُوزُ فِيهِ التَّسَاوِي وَالتَّفَاضُلُ إلَى أَجَلٍ , وَقَالَ غَيْرُهُ مَا اسْتَوَتْ مَنَافِعُهُ كَالْجَنْدَلِ بِالْحِجَارَةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا بِمِثْلِهِ , وَزِيَادَةُ شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ إلَى أَجَلٍ رِبًا يُرِيدُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ إلَى أَجَلٍ فَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْجِنْسِ , وَرُبَّمَا كَانَ مَنْفَعَةً أَوْ عَمَلًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ , وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
( ش ) : نَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ التَّحْرِيمِ , وَقَالَ الْفُقَهَاءُ فِي مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ أَنْ يَتَنَاوَلَ عَقْدُ الْبَيْعِ بَيْعَتَيْنِ عَلَى أَنْ لَا تَتِمَّ مِنْهُمَا إلَّا وَاحِدَةٌ مَعَ لُزُومِ الْعَقْدِ فَهَذَا هُوَ مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ مِثْلَ أَنْ يَتَبَايَعَا هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ , وَهَذَا الْآخَرُ بِدِينَارَيْنِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ أَحَدَهُمَا أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ , وَقَدْ لَزِمَهُمَا ذَلِكَ أَوْ لَزِمَ أَحَدُهُمَا فَهَذَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ بَيْعَتَانِ ; لِأَنَّهُ قَدْ عَقَدَ بَيْعَةً فِي الثَّوْبِ الَّذِي بِالدِّينَارَيْنِ , وَبَيْعَةً أُخْرَى فِي الثَّوْبِ الَّذِي بِالدِّينَارِ , وَلَمْ تَجْمَعْهُمَا صَفْقَةٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ الْبَيْعُ فِيهِمَا , وَيُوصَفُ بِأَنَّهُ فِي بَيْعَةٍ ; لِأَنَّهُ إحْدَى الْبَيْعَتَيْنِ فَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِنَقْدٍ وَاحِدٍ أَوْ نَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ خِلَافًا لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ فِي تَجْوِيزِهِ ذَلِكَ بِالنَّقْدِ الْوَاحِدِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ وَنَهْيُهُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ , وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ أَحَدَهُمَا بِالدِّينَارِ ثُمَّ تَرَكَهُ , وَأَخَذَ الثَّانِيَ وَدَفَعَ دِينَارَيْنِ فَصَارَ إلَى أَنْ بَاعَ ثَوْبًا وَدِينَارًا بِثَوْبٍ وَدِينَارَيْنِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ مِثْلَ أَنْ يَبِيعَهُ أَحَدَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ يَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ بِدِينَارٍ , وَقَدْ لَزِمَهُمَا ذَلِكَ أَوْ لَزِمَ الْبَائِعَ فَحَقِيقَةُ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ , وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ مَالِكٌ لَا خَيْرَ فِيهِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَمَكْرُوهٌ ذَلِكَ أَنْ يَخْتَلِفَ الثَّوْبَانِ كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ صِنْفَيْنِ اتَّفَقَ الثَّمَنُ أَوْ اخْتَلَفَ , وَمَعْنَى ذَلِكَ إذَا كَانَا مِنْ صِنْفَيْنِ فَأَمَّا إذَا كَانَا مِنْ صِنْفٍ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاضُلٌ يَسِيرٌ فَهَذَا لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهُ كُلُّ ثَوْبَيْنِ , وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الْجَوْدَةِ فَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ , وَبِهِ قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنْ كَانَتْ السِّلْعَتَانِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ تُسْلِمَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى إلْزَامِ إحْدَاهُمَا فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا كَانَ إحْدَاهُمَا مِنْ الْخَيْلِ السَّابِقَةِ أَوْ مِنْ رَقِيقِ الثِّيَابِ , وَالثَّانِيَةُ مِنْ حَوَاشِي الْخَيْلِ وَغَلِيظِ الثِّيَابِ لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ هَذَا مِمَّا تُسْلَمُ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى إلَّا أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكَادُ يَقَعُ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ لِخِيَارِ الْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ الْكَتَّانِ , وَيَكُونَ أَحَدُهُمَا شُقَّةً , وَالْآخَرُ ثَوْبًا مُفَصَّلًا بِحَيْثُ تَخْتَلِفُ فِيهِمَا الْأَغْرَاضُ فَقَدْ يَأْخُذُ الْأَدْوَنَ الْمُشْتَرِي لِغَرَضِهِ فِيهِ , وَيَأْخُذُ الْأَجْوَدَ لِفَضْلِهِ فَيَدْخُلُ هَذَا الْغَرَرُ . ( فَرْعٌ ) فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ , وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَمَا الَّذِي يُخْرِجُ هَذَا عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ , وَلَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالدَّلِيلِ لِتَعَرِّيه مِنْ الْغَرَرِ , وَالثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ ; لِأَنَّ مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيْعَتَيْنِ مَقْصُودَةً لِجِنْسِهَا مُخْتَصَّةً كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِغَرَضٍ غَيْرِ غَرَضِ الْأُخْرَى , وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِيهِ إذَا اخْتَلَفَ الثَّمَنَانِ أَوْ اخْتَلَفَ الْمَبِيعَانِ لِلْجِنْسِ أَوْ لِتَبَايُنِ الْجُودَةِ الَّتِي لَا يَتَسَاوَى مَعَهَا الثَّمَنُ فِيهَا فَإِذَا تَسَاوَى الثَّمَنَانِ , وَتَسَاوَتْ الْجُودَةُ أَوْ تَقَارَبَتْ تَقَارُبًا يَكُونُ فِي مَعْنَى التَّسَاوِي فَإِنَّهُ لَا تَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْبَيْعَتَيْنِ بِغَرَضٍ فَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ , وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ لِمَنْ اشْتَرَى قَفِيزَ حِنْطَةٍ مِنْ صُبْرَةٍ أَنَّهُ مِنْ بَابِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ , وَلَا بَيْعُ كِسْرَةٍ , وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَشَرَةَ أَكْبُشٍ يَخْتَارُهَا مِنْ عِشْرِينَ كَبْشًا مُعَيَّنَةً , وَإِنْ كُنَّا لَا نَشُكُّ أَنَّهُ لَا يَكَادُ أَنْ يَتَّفِقَ تَسَاوِيهِمَا , وَلَكِنَّهُ يَتَقَارَبُ كَثِيرٌ مِنْهَا مَعَ تَسَاوِي الْغَرَضِ فِيهَا أَوْ تَقَارُبِهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( ش ) : { نَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ } يَقْتَضِي فَسَادَهُ , وَمَعْنَى بَيْعِ الْغَرَرِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا كَثُرَ فِيهِ الْغَرَرُ , وَغَلَبَ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ الْبَيْعُ يُوصَفُ بِبَيْعِ الْغَرَرِ فَهَذَا الَّذِي لَا خِلَافَ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ , وَأَمَّا يَسِيرُ الْغَرَرِ فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي فَسَادِ عَقْدِ بَيْعٍ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْلُو عَقْدٌ مِنْهُ , وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي فَسَادِ أَعْيَانِ الْعُقُودِ لِاخْتِلَافِهِمَا فِيمَا فِيهِ مِنْ الْغَرَرِ , وَهَلْ هُوَ مِنْ حَيِّزِ الْكَثِيرِ الَّذِي يَمْنَعُ الصِّحَّةَ أَوْ مِنْ حَيِّزِ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يَمْنَعُهَا . ( مَسْأَلَةٌ ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْغَرَرُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَبِيعِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ وَالْعِوَضِ , وَالْأَجَلِ فَأَمَّا الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ فَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَجْهُولَ الصِّفَةِ حِينَ الْعَقْدِ كَشِرَاءِ الْأَجِنَّةِ وَاشْتِرَاطِهَا قَالَ مَالِكٌ لَا خَيْرَ فِي بَيْعِ الرَّمَكَةَ عَلَى إنَّهَا عُقُوقٌ , وَكَذَلِكَ الْغَنَمُ وَالْإِبِلُ إلَّا أَنْ يَقُولَ إنَّهَا عَقُوقٌ , وَلَا يُشْتَرَطُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ , وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ أَشْهَبَ يَجُوزُ ذَلِكَ , وَفِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ حِينَ اسْتِحْقَاقِ التَّسْلِيمِ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْجَمَلِ الشَّارِدِ وَالسَّلَمِ فِي ثَمَرِ حَائِطٍ بِعَيْنِهِ , وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ سِوَى الْإِبِلِ الْمُهْمَلَةِ فِي الرَّعْيِ فَإِنْ رَآهَا الْمُبْتَاعُ قَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ , وَكَذَلِكَ الْمَهَارَاتُ وَالْفِلَاءُ الصِّغَارُ بِالْبَرَاءَةِ , وَهِيَ كَبَيْعِ الْآبِقِ , وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُبَاعُ الْإِبِلُ الصِّغَارُ , وَمَا لَا يُوجَدُ إلَّا بِالْإِرْهَاقِ , وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُوجَدُ , وَعَلَّلَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا خَطَرٌ , وَزَادَ الْعُتْبِيَّةَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّهُ لَا يَدْرِي مَا فِيهَا مِنْ الْعُيُوبِ قَالَ كَبَيْعِ الْغَائِبِ بِغَيْرِ صِفَةٍ , وَأَنْكَرَ هَذَا أَصْبَغُ , وَقَالَ إنَّمَا يُكْرَهُ لِصُعُوبَةِ أَخْذِهَا , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَجَازَ , وَلَكَانَ بَيْعُ الْغَائِبِ وَغَيْرِهِ بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا لَا يُعْلَمُ جَائِزًا , وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِيعَتْ بِالْبَرَاءَةِ أَوْ بِغَيْرِ الْبَرَاءَةِ . ( فَرْعٌ ) إذَا ثَبَتَ مَنْعُ هَذَا الْبَيْعِ فَالْمَبِيعُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُبْتَاعُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ فَاتَتْ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبَضَهَا , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا مَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ الْغَرَرُ , وَمَا يُخَافُ مِنْ تَعَذُّرِ قَبْضِهِ فَإِنَّهُ مِنْ الْبَائِعِ , وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ الْمُبْتَاعُ بِالْقَبْضِ كَالْآبِقِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَقَدْ يَكُونُ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ , وَيَكُونُ الْغَرَرُ فِيهِ مِنْ أَجْلِ حَالِهِ كَالْعَبْدِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ لِمَرَضٍ يَمْرَضُ يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هُوَ مِنْ الْغَرَرِ , وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَفُتْ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ فَتَكُونُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ قَبَضَهُ.
( ش ) : { نَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ } يَقْتَضِي فَسَادَهُ , وَإِنَّمَا سُمِّيَ بَيْعَ مُلَامَسَةٍ وَمُنَابَذَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا حَظَّ لَهُ مِنْ النَّظَرِ وَالْمَعْرِفَةِ لِصِفَاتِهِ إلَّا لَمْسَهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ بِيَدِ صَاحِبِهِ حَتَّى يَنْبِذَهُ إلَيْهِ وَاللَّمْسُ لَا يَعْرِفُ بِهِ الْمُبْتَاعُ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمَبِيعِ الَّذِي يَخْتَلِفُ ثَمَنُهُ بِاخْتِلَافِهَا , وَيَتَفَاوَتُ , وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ انْعَقَدَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ , وَأَمَّا لَوْ أَمْكَنَهُ الْبَائِعُ مِنْ تَقْلِيبِهِ وَالنَّظَرِ إلَيْهِ , وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ ذَلِكَ فَاقْتَنَعَ الْمُبْتَاعُ بِلَمْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْعَ مُلَامَسَةٍ , وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ صِحَّةَ الْعَقْدِ , وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ مَنْ بَاعَ ثَوْبًا مُدْرَجًا فِي جِرَابِهِ فَوَصَفَهُ لَهُ , وَكَانَ عَلَى أَنْ يَنْشُرَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ يَنْشُرُهُ قَبْلَ الْبَيْعِ أَوْ بَعْدَهُ .
( ش ) : قَوْلُهُ إنَّ مَنْ قَدِمَ بِمَتَاعٍ فَبَاعَهُ مُرَابَحَةً لَا يُحْسَبُ فِيهِ أَجْرُ السَّمَاسِرَةِ , وَلَا أَجْرُ الطَّيِّ وَلَا الشَّدِّ وَلَا النَّفَقَةُ , وَلَا كِرَاءُ بَيْتٍ يُرِيدُ بِأَجْرِ السَّمَاسِرَةِ مِنْ كُلْفَةِ شِرَاءِ الْمَتَاعِ وَكَذَلِكَ أَجْرُ طَيِّهِ وَشَدِّهِ إعْدَالًا وَنَفَقَةُ التَّأْجِيرِ وَكِرَاءُ بَيْتِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَكِرَاءُ رُكُوبِهِ لَا يُحْسَبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي ثَمَنِ الْمَتَاعِ دُونَ أَنْ يُبَيِّنَ , وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ قَامَتْ عَلِيَّ بِكَذَا , وَلَوْ بَيَّنَ وَقَالَ لَا بَيْعَ مُرَابَحَةٍ إلَّا أَنْ أَعُدَّهَا فِي الثَّمَنِ , وَآخُذَ لَهُ رِبْحًا لَجَازَ ذَلِكَ.
( ش ) : قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْقَوْمِ يَشْتَرُونَ الْبَزَّ وَالرَّقِيقَ فَيَبِيعُهُ عَلَى الْبَرْنَامَجِ يُرِيدُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الرَّقِيقَ غُيِّبَ غَيْبَةً بَعِيدَةً يَشُقُّ عَلَى الْمُبْتَاعِ غَالِبًا التَّوَجُّهُ إلَيْهِمْ , وَلَوْ كَانُوا حَاضِرِينَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّظَرَ إلَيْهِمْ مُمْكِنٌ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ فَلَا يَنُوبُ عَنْهَا الْوَصْفُ , وَإِنَّمَا يَنُوبُ عَنْهَا إذَا كَانَ يَمْنَعُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا مَانِعٌ مِنْ بُعْدِ مَسَافَةٍ أَوْ تَغَيُّرِ طَيٍّ وَشَدٍّ يَلْحَقُ فِيهِ مُؤْنَةٌ وَنَفَقَةٌ , وَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَغْيِيرِ نَضَارَةِ الثَّوْبِ وَهَيْئَتِهِ الَّتِي تَزِيدُ فِي ثَمَنِهِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا خَيْرَ فِي أَنْ يَبِيعَ جَارِيَةً عِنْدَهُ فِي الدَّارِ حَاضِرَةً عَلَى الصِّفَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ ; لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى النَّظَرِ إلَيْهَا , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي النَّظَرِ إلَيْهَا مَضَرَّةٌ , وَشَرَطَا تَرْكَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ بَيْعِ الْمُنَابَذَةِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ , وَمِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ الَّذِي لَا يَجُوزُ إذَا قَصَدَهُ الْبَائِعَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( ش ) : قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم { الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ هُمَا الْمُتَسَاوِمَانِ ; لِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ إنَّمَا يُوصَفَانِ بِذَلِكَ حَقِيقَةً حِينَ مُبَاشَرَةِ الْبَيْعِ , وَمُحَاوَلَتِهِ , وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ { لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ } يُرِيدُ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا يَسُمْ عَلَى سَوْمِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا بِالْقَوْلِ , وَمَعْنَى تَفَرُّقِهِمَا عَلَى هَذَا كَمَالُ الْبَيْعِ بِإِتْمَامِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ تَفَرُّقَهُمَا قَدْ حَصَلَ بِأَنْ اسْتَبَدَّ الْمُبْتَاعُ بِمَا ابْتَاعَهُ , وَالْبَائِعُ بِثَمَنِهِ , وَقَدْ يَكُونُ التَّفَرُّقُ بِالِانْحِيَازِ إلَى الْمَعَانِي وَالتَّبَايُنِ فِيهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ } يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَفَرُّقَهُمْ فِي الْأَدْيَانِ وَمُبَايَنَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِيهَا , فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُتَسَاوِمَيْنِ لَهُمَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يُكْمِلَا الْبَيْعَ قَالَ بِهَذَا أَبُو حَنِيفَةَ وَالنَّخَعِيُّ , وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ , وَذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ هُمَا مَنْ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمَا التَّبَايُعُ , وَانْقَضَى بَيْنَهُمَا بِإِتْمَامِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ , وَأَنَّهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُوصَفَانِ بِأَنَّهُمَا مُتَبَايِعَانِ , وَإِنَّمَا يُوصَفَانِ بِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِمَانِ , وَمَعْنَى مَا لَمْ يَفْتَرِقَا بِالْأَبْدَانِ فَيَكُونُ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ بَعْدَ وُجُودِ الْإِيجَابِ , وَالْقَبُولِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ حَتَّى يَفْتَرِقَا بِأَنْ يَزُولَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ , وَيُفَارِقُهُ بِذَاتِهِ , وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ , وَهُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ كَالنِّكَاحِ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم { كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ } يَقْتَضِي , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى تَأْوِيلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ عَلَى صَاحِبِهِ مُدَّةً مُقَرَّرَةٍ يَثْبُتُ مِثْلُهَا فِي الْمَبِيعِ , وَلَا يُقَدَّرُ الْخِيَارُ بِمُدَّةٍ فَيَقْضِي فِيهَا بِالْوَاجِبِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا مِمَّا يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ إنَّهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا فَإِنَّهُ لَا خِيَارَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ التَّفَرُّقِ إلَّا فِي بَيْعِ الْخِيَارِ فَكَأَنَّهُ قَالَ حُكْمُ الْبُيُوعِ اللُّزُومُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إلَّا الْبَيْعَ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ الْخِيَارُ فَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارُ عَلَى حَسَبِ مَا شُرِطَ , وَمَعْنَاهُ عَلَى تَأْوِيلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ إلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ , وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ الْإِمْضَاءَ أَوْ الرَّدَّ فَيَخْتَارَ فَيَنْقَطِعَ بِذَلِكَ الْخِيَارِ وَيَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ عَلَى الْخِيَارِ إلَّا أَنْ يُوقَفَ عَلَى قَطْعِ الْخِيَارِ بَعْدَهُ , وَاللَّفْظُ فِي الْأَوَّلِ أَظْهَرُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ بَيْعَ الْخِيَارِ إذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ إثْبَاتُ الْخِيَارِ فِيهِ لَا قَطْعُهُ , وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ بَعْدَ كَمَالِ الْعَقْدِ أَجِزْ أَوْ رُدَّ لَا يَجِبُ أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ الْبَيْعُ بِأَنَّهُ بَيْعُ خِيَارٍ ; لِأَنَّ قَطْعَ الْخِيَارِ إنَّمَا يَطْرَأُ بَعْدَ كَمَالِ الْعَقْدِ , وَعَلَى تَأْوِيلِ مَالِكٍ يُوصَفُ بَيْعُهُمَا بِأَنَّهُ بَيْعُ خِيَارٍ ; لِأَنَّهُ مُشْتَرَطٌ فِيهِ , وَمُنْعَقِدٌ عَلَى حُكْمِهِ .