شرح الموطأ للشيخ ابو سليمان ين خلف الباجي الأندلسي
كتاب الطلاق الجزء 6
الْبَاب الْأَوَّل فِي ذِكْر مِنْ يَسْتَحِقّ النَّفَقَة مِنْ الزَّوْجَات وَتَسْتَحِقّ عَلَيْهِ مِنْ الْأَزْوَاج تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الزَّوْجِ الْحُرِّ لِزَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ مَا دَامَتْ الزَّوْجِيَّةُ بَيْنَهُمَا بَاقِيَةً وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قِبَلِهَا نُشُوزٌ , وَذَلِكَ إذَا دَخَلَ بِهَا أَوْ دُعِيَ إلَى الدُّخُولِ بِهَا وَكَانَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الِاسْتِمْتَاعِ , وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ بَالِغًا وَتَكُونَ هِيَ مِمَّنْ يُسْتَمْتَعُ بِمِثْلِهَا وَيُمْكِنُ وَطْؤُهَا , وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ , فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ أَوْ كَانَتْ هِيَ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا لِصِغَرِهَا فَلَا نَفَقَةَ لَهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي تَرْكِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ غَيْرُ مُتَأَتٍّ مِنْهَا فَلَمْ تَسْتَحِقَّ الْعِوَضَ مِنْ النَّفَقَةِ كَالْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنَةِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَهَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجَانِ مُوسِرَيْنِ , فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةٌ لقوله تعالى { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا } , فَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُتْبَعْ بِمَا أَنْفَقَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا حَالَ إعْسَارِهِ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَقٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الزَّوْجِ , وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إذَا أَيْسَرَ . ( مَسْأَلَةٌ ) : فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَأَرَادَ السَّفَرَ نُظِرَ إلَى قَدْرِ سَفَرِهِ فَوَضَعَ لَهَا مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ أَوْ أَقَامَ حَمِيلًا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ , وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لَهَا عَلَيْهِ حَمِيلٌ بِالنَّفَقَةِ , وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إذَا غَابَ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا تَحْصِيلُ النَّفَقَةِ مِنْ جِهَتِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا يَرَى مِنْ جِهَةِ سَفَرِهِ كَاَلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ يُرِيدُ سَفَرًا يَقْتَضِي حُلُولَ أَجَلِهِ قَبْلَ إيَابِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَجِّهَ وَجْهًا لِقَضَائِهِ , وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ نَفَقَةُ زَوْجَةٍ فَلَمْ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ تَوَثُّقُهُ بِهَا كَالْحَاضِرِ الْمُقِيمِ مَعَهَا .
الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا تَسْقُطُ بِهِ النَّفَقَةُ مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ نُشُوزٍ أَمَّا مَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْ الزَّوْجِ فَالطَّلَاقُ الْبَائِنُ ; لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ بِأَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ مِنْ عِوَضٍ أَوْ غَيْرِ عِوَضٍ , وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ لَا مِنْ أَجْلِ الزَّوْجِيَّةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { , وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا النَّاشِزُ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ : لَا نَفَقَةَ لِنَاشِزٍ خِلَافًا لِلْحَكَمِ , وَعَلَى هَذَا شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ , وَأَمَّا الْمَغَارِبَةُ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ فِي الْمَرْأَةِ يَغِيبُ زَوْجُهَا فَتَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَتَأْبَى أَنْ تَرْجِعَ وَيَأْبَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا حَتَّى تَرْجِعَ قَالَ مَالِكٌ : لَهَا إتْبَاعُهُ بِذَلِكَ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الْمَرْأَةِ تَهْرُبُ مِنْ زَوْجِهَا إلَى تُونُسَ أَوْ تَنْشُزُ عَنْهُ الْأَيَّامَ فَتَطْلُبُهُ بِالنَّفَقَةِ فَقَالَتْ : فَعَلْت ذَلِكَ بِغْضَةً فِيهِ فَلَهَا النَّفَقَةُ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ نَفَقَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ دُونَ مِلْكِهِ , فَإِذَا عَدِمَ التَّمَكُّنَ لَمْ تَجِبْ النَّفَقَةُ كَالثَّمَنِ , وَالْمَثْمُونِ فِي الْبِيَاعَاتِ , وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ النَّفَقَةَ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِبَاحَةِ فَمَتَى كَانَ الِاسْتِمْتَاعُ مُبَاحًا وَجَبَتْ النَّفَقَةُ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ وَلَا تَسْقُطُ بِمَنْعِ النِّكَاحِ كَمَا لَا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْعَبْدِ بِالْإِبَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ وَصِفَتِهَا فَأَمَّا قَدْرُ النَّفَقَةِ وَصِفَتُهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ بِقَدْرِ الْعُسْرِ , وَالْيُسْرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَيُرَاعَى قَدْرُهَا مِنْ قَدْرِهِ وَيُرَاعَى غَلَاءُ السِّعْرِ قَالَ مَالِكٌ : وَلَيْسَ الْمُرْضِعُ كَغَيْرِهَا وَيُفْرَضُ لِلْمُرْضِعِ مَا يَقُومُ بِهَا فِي رَضَاعِهَا . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَلَيْسَتْ النَّفَقَةُ بِمُقَدَّرَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّهَا مُقَدَّرَةٌ مُعْتَبَرَةٌ بِحَالِ الزَّوْجِ خَاصَّةً فَعَلَى الْمُوسِرِ مُدَّانِ , وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ مُدٌّ وَنِصْفٌ , وَعَلَى الْمُعْسِرِ مُدٌّ , وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ { صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِهِنْدِ بِنْتِ عَمَّتِهِ : خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ } وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ مُخْتَلِفَةٌ , فَإِذَا خَالَفَ حَالُ الْغَنِيِّ حَالَ الْمُتَوَسِّطِ خَالَفَ أَيْضًا حَالُ الْغَنِيِّ حَالَ غَنِيٍّ آخَرَ دُونَهُ فِي الْغِنَى ; لِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَهَا حَقٌّ وَلِلنَّفَقَةِ تَعَلُّقٌ بِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ بِحَالِهَا فِيهَا كَالْمَهْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَرْعٌ ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يُفْرَضُ لِلْمَرْأَةِ مُدٌّ بِمُدِّ مَرْوَانَ كُلَّ يَوْمٍ , وَهُوَ مُدٌّ وَثُلُثٌ بِمُدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ اتَّخَذَهُ هِشَامُ بْنُ إسْمَاعِيلَ لِفَرْضِ الزَّوْجَاتِ فَاسْتَحْسَنَهُ مَالِكٌ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا غَالِبُ أَقْوَاتِ النَّاسِ لِأَنَّ مُدَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَا يَبْلُغُ السَّعَةَ مِنْ الْقُوتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُفْرَضُ لَهَا فِي الشَّهْرِ وَيْبَتَانِ وَنِصْفٌ إلَى ثَلَاثِ وَيْبَاتٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَفِي الْوَيْبَاتِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : وَأَرَى الْقَفِيزَ الْقُرْطُبِيَّ فِي الشَّهْرِ وَسَطًا عِنْدَنَا وَفِيهِ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ مُدًّا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ إنَّمَا فَرَضَ الْوَيْبَتَيْنِ وَنِصْفًا إلَى الثَّلَاثِ بِمِصْرَ وَهِيَ أَرْخَصُ سِعْرًا وَأَوْسَعُ عَيْشًا وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ الْقَفِيزَ بِالْأَنْدَلُسِ . وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إنَّ الْوَيْبَتَيْنِ وَسَطٌ مِنْ الشِّبَعِ بِالْأَمْصَارِ , وَذَلِكَ نَحْوُ الْقَفِيزِ الْقُرْطُبِيِّ قَالَ مَالِكٌ : وَإِنَّ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ لَوَسَطٌ مِنْ عَيْشِهِمْ فَبَيَّنَ أَنَّ فِي الْبَلَدِ فِي ذَلِكَ تَأْثِيرًا يُرَاعَى ; لِأَنَّ النَّاسَ إنَّمَا يُحْمَلُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ فِي سَعَةِ الْأَقْوَاتِ وَضِيقِهَا فَلَوْ أُلْزِمَ رِجَالُ الْمَدِينَةِ أَقْوَاتَ أَهْلِ الْآفَاقِ لَأَجْحَفَ ذَلِكَ بِهِمْ , وَلَوْ قُصِرَ نِسَاءُ أَهْلِ الْآفَاقِ عَلَى أَقْوَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِهِنَّ فَكُلٌّ يُحْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ وَمَا أُلِفَ مِنْ قُوتِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إنْ كَانَ مِمَّنْ لَهُ السَّعَةُ زِيدَ عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَتْ سَعَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ زِيدَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى الْخَادِمُ وَنَفَقَتُهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : وَإِذَا كَانَ الْعَيْشُ الْبُرَّ فَالْأَقَلُّ مِمَّا تَعِيشُ بِهِ وَتَخْتَلِفُ أَحْوَالُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ الرَّجُلُ يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ وَيَقِلُّ كَسْبُهُ فَيُفْرَضُ عَلَيْهِ بِمِصْرَ وَيْبَتَانِ فِي الشَّهْرِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَقَلِّ أَهْلِ مِصْرَ . ( مَسْأَلَةٌ ) : هَذَا أَصْلُ الْقُوتِ وَيُضَمُّ إلَى ذَلِكَ دِرْهَمُ الطَّحِينِ , وَالْخَبِيزِ , وَالْحَطَبِ , وَالْمَاءِ , وَالزَّيْتِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَغَسْلُ ثَوْبٍ وَخَلٌّ وَلَا يُفْرَضُ عَلَى أَهْلِ السَّعَةِ اللَّحْمُ كُلَّ لَيْلَةٍ وَلَكِنْ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَلَا يُفْرَضُ لَهَا فَاكِهَةٌ وَلَا صَبْرٌ وَنَحْوُهُ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ هَذَا لِفَقْرِهِمَا وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ لِغِنَاهُمَا إذَا تَشَاحَّا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ وُجُوهٌ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِيعَابِهَا بِالْإِنْفَاقِ وَلَا يُضَافُ إلَيْهَا غَيْرُهَا , وَإِنْ وَقَعَتْ الزِّيَادَةُ , وَالنَّقْصُ فِي مُعْتَادٍ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ . وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ فَقَالَ : وَيُضَافُ لِذَلِكَ حِنَّاءٌ لِمَشْطِ رَأْسِهَا وَدَهْنِهِ وَسِرَاجِهَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ دُهْنٌ لِرَأْسِهَا وَسِرَاجِهَا ابْنُ الْمَوَّازِ , وَهَذَا لِلْمُوسِرِ , وَالْمُعْسِرِ إلَّا أَنَّ الْمُوسِرَ يُزَادُ عَلَيْهِ بِقَدْرِهِ مِنْ قَدْرِهِ يُرِيدُ فِي مَقَادِيرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَالَ : فَإِنْ كَانَ الْعُسْرُ بَيِّنًا فَالْأَقَلُّ مِمَّا تَعِيشُ بِهِ وَتَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ أَحْوَالُ النَّاسِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَهَا فِي الشَّهْرِ مِنْ الزَّيْتِ نِصْفُ رُبْعٍ وَمِنْ الْخَلِّ رُبْعٌ وَمِنْ اللَّحْمِ عَلَى الْمَلِيءِ بِدِرْهَمٍ فِي الْجُمُعَةِ وَدِرْهَمَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ فِي صَرْفِهَا مِنْ مَاءٍ وَغَسْلِ ثَوْبٍ وَطَحْنٍ وَخَبْزٍ وَغَيْرِهِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إنْ أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَهَا الشَّعِيرَ , فَإِنْ كَانَ النَّاسُ قَدْ أَكَلُوهُ فَذَلِكَ لَهُ , وَإِنْ كَانَ الْقَمْحُ هُوَ الَّذِي يُؤْكَلُ فَذَلِكَ عَلَيْهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشَّعِيرُ قُوتَ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ يَقِلَّ الْقَمْحُ وَيَعِزَّ لِغَلَاءِ السِّعْرِ حَتَّى يَأْكُلَ أَكْثَرُ النَّاسِ الشَّعِيرَ مِمَّنْ هُوَ فِي مَنْصِبِهِ , وَعَلَى مِثْلِ حَالِهِ فَهَذَا لَهُ أَنْ يُنْفِقَ الشَّعِيرَ , وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ قُوتُ أَهْلِهِ الْقَمْحُ وَكَانَ وَقْتَ خِصْبٍ فَأَرَادَ أَنْ يَخْتَصَّ بِالشَّعِيرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا الثِّيَابُ فَهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ثِيَابُ لِبَاسٍ وَهِيَ مَا تَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِهَا وَثِيَابٌ تُلْبَسُ عَلَى وَجْهِ التَّغَطِّي , وَالْغِطَاءُ , وَالْفُرُشُ وَاسْمُ اللِّبَاسِ أَظْهَرُ فِي الْأَوَّلِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَفَرْوٌ لِشِتَائِهَا مِنْ لِبَاسِ مِثْلِهَا مِنْ جَوَارِبَ أَوْ فَنِلِّيَاتٍ وَقَمِيصٍ يُوَارِيهِ وَمُقَنَّعَةٍ , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَخِمَارٌ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِزَارٌ وَخُفَّانِ وَجَوْرَبَانِ لِشِتَائِهَا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَلَيْهِ فِي اللِّبَاسِ بِقَدْرِهَا مِنْ قَدْرِهِ مِنْ غَيْرِ خَزٍّ وَلَا وَشْيٍ وَلَا حَرِيرٍ يُرِيدُ , وَإِنْ كَانَ مُتَّسِعًا فَعَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ لِلشِّتَاءِ , وَالصَّيْفِ مِنْ قَمِيصٍ وَجُبَّةٍ وَخِمَارٍ وَمُقَنَّعَةٍ وَسِبْتِيَّةٍ وَإِزَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا غِنَى لَهَا عَنْهُ , وَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا يَلْبَسُ الْقُطْنَ وَمِثْلُهُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فُرِضَ عَلَيْهِ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي الْمُوسِرِ لَهُ زَوْجَةٌ ذَاتُ شَرَفٍ فَلْيُفْرَضْ عَلَيْهِ مِنْ الثِّيَابِ الْوَسَطُ مِمَّا لَا يُعَرِّيهَا إذَا لَبِسَتْهُ وَلَا يُجْحِفُ بِمَالِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْعَصَبِ إلَّا غَلِيظُهُ وَكَذَلِكَ مِنْ الشَّطَوِيِّ , وَالْخَزِّ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى يَعْنِي فِي بَلَدٍ يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِبَاسُهُمْ وَيَكُونُ مَا يُفْرَضُ عَلَى مِثْلِهِ فِي قَدْرِ مَالِهِ قَالَ أَشْهَبُ مِنْهُنَّ مَنْ لَوْ كَسَاهَا الصُّوفَ أُدِّبَ , وَذَلِكَ عَلَى أَقْدَارِهِنَّ قَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ الصُّوفُ مِنْ لِبَاسِهِنَّ وَلَكِنْ يَحْكُمُ بِمَا يَرَى أَنَّهُ مِنْ لِبَاسِهَا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْفَرْوِ , وَالْقَمِيصِ عَلَيْهِ إنَّمَا ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ كَانَ زِيَّ بَلَدِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ , وَإِنَّمَا يَتْبَعُ فِي ذَلِكَ زِيَّ النَّاسِ فِي وَقْتِ الْحُكْمِ وَلَا يَخْرُجُ مَعَ ذَلِكَ عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا الْوِطَاءُ , وَالْغِطَاءُ , وَالْفُرُشُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إنْ كَانَتْ حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِالْبِنَاءِ وَعِنْدَهَا شُورَتُهَا مِنْ صَدَاقِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ مَعَهَا بِأُزُرِهَا وَبُسُطِهَا وَمَرَافِقِهَا وَوَسَائِدِهَا قَالَ أَصْبَغُ : إنَّمَا يُفْرَضُ ذَلِكَ لِلَّتِي لَا شُورَةَ لَهَا وَلَا شَيْءَ مَعَهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ , فَإِنْ طَالَ الْعُمُرُ وَخَلَقَتْ الشُّورَةُ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي صَدَاقِهَا مَا تَتَشَوَّرُ بِهِ فَعَلَيْهِ الْوَسَطُ مِنْ ذَلِكَ لِلصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ يُفْرَضُ لَهَا فِرَاشٌ وَمُرْفَقَةٌ وَإِزَارٌ وَلِحَافٌ وَلِبَدٌ لِلشِّتَاءِ وَسَرِيرٌ إنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِبَرَاغِيثَ أَوْ فَأْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا سَرِيرَ عَلَيْهِ وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ إلَّا اللِّبَدَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : عَلَيْهِ حَصِيرٌ مِنْ حَلْفَاءَ أَوْ بَرَدَى يَكُونُ تَحْتَ الْفِرَاشِ وَمَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ هَذَا الْأَصْلُ فِي كِسْوَتِهَا فَيُزَادُ فِي الْجَوْدَةِ وَيُنْقَصُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ حَالِهَا وَحَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَعَلَيْهِ خِمَارُ رَأْسِهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَعَلَيْهِ دُهْنُ رَأْسِهَا وَشِرَاءُ حِنَّاءٍ وَمُشْطٍ وَكُحْلٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ : لَيْسَ عَلَيْهِ نُضُوخٌ وَلَا إصْبَاغٌ وَلَا الْمُشْطُ وَلَا الْمُكْحُلَةُ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ لَهَا الْحِنَّاءُ لِرَأْسِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ الطِّيبُ , وَالزَّعْفَرَانُ وَخِضَابُ الْيَدَيْنِ , وَالرِّجْلَيْنِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رضي الله عنه : وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ زِينَتِهَا إلَّا مَا تَسْتَضِرُّ بِتَرْكِهَا إيَّاهُ كَالْكُحْلِ الَّذِي يَضُرُّ تَرْكُهُ بِبَصَرِ مَنْ يَعْتَادُهُ , وَالْمَشْطِ الَّذِي بِالْحِنَّاءِ , وَالدَّهْنِ لِمَنْ اعْتَادَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ لِمَنْ اعْتَادَهُ يُفْسِدُ الشَّعْرَ وَيُمَزِّقُهُ وَاَلَّذِي نَفَى ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّمَا هُوَ الْمُكْحُلَةُ وَلَمْ يَنْفِ الْكُحْلَ نَفْسَهُ فَتَضَمَّنَ الْقَوْلَانِ أَنَّ الْكُحْلَ يَلْزَمُهُ دُونَ الْمُكْحُلَةِ , وَعَلَى هَذَا يَلْزَمُهُ مَا تَمْتَشِطُ بِهِ مِنْ الدُّهْنِ , وَالْحِنَّاءِ دُونَ الْآلَةِ الَّتِي تَمْتَشِطُ بِهَا . ( فَرْعٌ ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إنَّ الْحَاكِمَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَوْ بِأَثْمَانِهَا , وَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ الْإِمَامُ إلَى أَنْ يَجْتَهِدَ فِي صِفَاتِهَا إنْ حَضَرَتْ كَمَا يَحْتَاجُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي قِيمَتِهَا , وَإِنْ غَابَتْ فَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِ وَأَقْرَبَ تَنَاوُلًا وَأَبْيَنَ وُصُولًا إلَى الْحَقِّ أَخَذَ بِهِ وَكَانَ الِاخْتِيَارُ فِي ذَلِكَ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ الْعَدْلَ فِي ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ بِأَيِّ وَجْهٍ أَمْكَنَ لَهُ وَأَيْسَرَ عَلَيْهِ . ( فَرْعٌ ) وَلِكَمْ يُفْرَضُ لَهَا عَلَيْهِ ؟ قَالَ ابْنُ سَحْنُونَ عَنْ أَبِيهِ : إنَّ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَرَى السُّلْطَانُ مِنْ جِدَّتِهِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجْرِي عَلَيْهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ وَمِنْهُمْ جُمُعَةً بِجُمُعَةٍ وَمِنْهُمْ شَهْرًا بِشَهْرٍ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَإِذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ أَجْرُ الْقَابِلَةِ عَلَى الزَّوْجِ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : إنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لِلْمَرْأَةِ فَذَلِكَ عَلَيْهَا , وَإِنْ كَانَتْ لِلْوَلَدِ فَذَلِكَ عَلَى الْأَبِ , وَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا فَذَلِكَ بَيْنَهُمَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ أَيَّدَهُ اللَّهُ : وَالْأَظْهَرُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ ; لِأَنَّهَا مِنْ الْمُؤَنِ الَّتِي لَا تَسْتَبِدُّ عَنْهَا الزَّوْجِيَّةُ غَالِبًا , وَإِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ , وَالْكِسْوَةُ , وَالْمَرْأَةُ تَنْفَرِدُ بِمَنْفَعَةِ ذَلِكَ فَبِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا تَنْفَرِدَ الْمَرْأَةُ بِمَنْفَعَتِهِ أَوْلَى وَلِذَلِكَ يُنْفَقُ عَلَى الْحَامِلِ بِسَبَبِ الْحَمْلِ , وَإِنْ كَانَ مُعْظَمُ الْمَنْفَعَةِ لِلْحَامِلِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَجْرُ الْحِجَامَةِ وَلَا الطِّيبِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ , وَذَلِكَ أَنَّهَا مِنْ الْمُؤَنِ الَّتِي تَنْدُرُ , وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ مَا لَا تَسْتَبِدُّ مِنْهُ مِنْ الْمُؤَنِ الْمُعْتَادِ كَالطَّعَامِ , وَالشَّرَابِ وَلِذَلِكَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْفَاكِهَةُ لَمَّا كَانَتْ مِمَّا تَسْتَبِدُّ عَنْهَا مِنْ الْمُؤَنِ وَتَسْتَغْنِي عَنْ اسْتِعْمَالِهَا . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَعَلَيْهِ إخْدَامُهَا إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْدِمُ نَفْسَهَا لِحَالِهَا وَغِنَى زَوْجِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهَا مِنْ الْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ فِي بَيْتِهَا شَيْءٌ , وَالْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ هِيَ الْعَجْنُ , وَالطَّبْخُ , وَالْكَنْسُ , وَالْفَرْشُ وَسَقْيُ الْمَاءِ إذَا كَانَ مَعَهَا وَعَمَلُ الْبَيْتِ كُلُّهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَهَا , وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الضِّعَةِ وَلَيْسَ فِي صَدَاقِهَا مَا تَشْتَرِي بِهِ خَادِمًا فَلَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَخْدِمَهَا وَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ , وَأَمَّا الْغَزْلُ , وَالنَّسْجُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِحَالٍ إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ , وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَلِيًّا إلَّا أَنَّهُ فِي الْحَالِ مِثْلُهَا مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَشْرَفِ الرِّجَالِ الَّذِينَ لَا يَمْتَهِنُونَ نِسَاءَهُمْ فِي الْخِدْمَةِ , وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إخْدَامُهَا , وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ قَدْرٍ وَشَرَفٍ وَعَلَيْهَا الْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ كَالدَّنِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْخِدْمَةَ جَارِيَةٌ عَلَى الْمُعْتَادِ مِنْ الْأَحْوَالِ , وَاعْتِبَارُ حَالِ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ أَوْلَى ; لِأَنَّ الْمَنْزِلَ لَهُ , وَالْحَالُ جَارِيَةٌ عَلَى قَدْرِهِ وَلِحَالِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ اعْتِبَارٌ , فَإِنْ كَانَا رَفِيعَيْ الْحَالِ فَالْخِدْمَةُ سَاقِطَةٌ , وَإِنْ كَانَ هُوَ شَرِيفًا رَفِيعَ الْحَالِ فَلَا خِدْمَةَ عَلَيْهَا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَكَانَ غَنِيًّا رُوعِيَ فِي هَذَا شَرَفُهَا مَعَ غِنَاهُ فَلَهَا الْخِدْمَةُ , وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا لَمْ يَنْفَعْهَا شَرَفُهَا وَكَانَتْ الْخِدْمَةُ عَلَيْهَا ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ كُلِّهِ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَاَلَّذِي يَلْزَمُهُ مِنْ الْخِدْمَةِ الْإِنْفَاقُ عَلَى خَادِمِهَا , وَإِنْ قَالَ : أَنَا أَدْفَعُ إلَيْهَا خَادِمًا وَلَا أُنْفِقُ عَلَى خَادِمِهَا وَلَمْ تَرْضَ هِيَ إلَّا بِخَادِمِهَا فَذَلِكَ لَهَا وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ , وَإِنْ لَمْ يَخْدُمْهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ خَادِمَهَا أَطْوَعُ لَهَا وَخِدْمَةُ خَادِمِهَا أَرْفَعُ لِحَالِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُضِرَّ بِهَا فِي إزَالَتِهَا عَنْهَا وَإِبْدَالِهَا بِغَيْرِهَا . ( مَسْأَلَةٌ ) : إذَا كَانَ مِثْلُهَا لَا تَكْفِيهَا خَادِمٌ وَاحِدَةٌ وَحَالُهُ يَحْمِلُ لَزِمَهُ أَنْ يَخْدِمَهَا خِدْمَةَ مِثْلِهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ لقوله تعالى { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ خِدْمَةَ الثَّانِيَةِ خِدْمَةٌ تَحْتَاجُ الزَّوْجَةُ إلَيْهَا مَعَ أَنَّ حَالَهُمَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِمَا فَكَانَتْ لَازِمَةً لِلزَّوْجِ كَخِدْمَةِ الْخَادِمِ الْأُولَى .
الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا يَجِبُ مِنْ الْخِيَارِ لِلزَّوْجَةِ بِالْإِعْسَارِ عَنْ ذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ رحمه الله أَنَّ الْإِعْسَارَ بِالنَّفَقَةِ , وَالْمُؤْنَةِ يُوجِبُ الْخِيَارَ لِلزَّوْجَةِ بَيْنَ أَنْ تَطْلُقَ عَلَيْهِ وَبَيْنَ أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ بِلَا نَفَقَةٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ بِذَلِكَ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نَوْعُ مِلْكٍ تَسْتَحِقُّ بِهِ النَّفَقَةَ فَكَانَ لِلْإِعْسَارِ بِهَا تَأْثِيرٌ فِي إزَالَتِهِ كَمِلْكِ الْيَمِينِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَإِنْ أُعْسِرَ بِمِثْلِ قُوتِهَا غَيْرَ أَنَّهُ يَجِدُ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ ذَاتُ الْحَالِ , وَالشَّرَفِ مِمَّنْ لَا تَلْبَسُ خَشِنَ الثِّيَابِ وَلَا تَتَنَاوَلُ غَلِيظَ الْعَيْشِ فَأُعْدِمَ الزَّوْجُ حَتَّى لَا يَجِدُ إلَّا كِسْوَةً دَنِيَّةً وَقُوتًا دُونَ قُوتِ خَادِمِهَا مِنْ قَمْحٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ سَلْتٍ غَيْرِ مَأْدُومٍ رَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَرُبَّ بَلَدٍ لَا يُنْفِقُ فَقِيرُهُمْ وَغَنِيُّهُمْ إلَّا الشَّعِيرَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا الْخُبْزَ وَنَحْوَهُ وَمَا يُوَارِي عَوْرَتَهَا , وَلَوْ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ قَالَ مَالِكٌ مِنْ غَلِيظِ الْكَتَّانِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا كَانَتْ غَنِيَّةً أَوْ فَقِيرَةً , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا اُضْطُرَّ لِعُسْرِهِ إلَى أَنْ يُنْفِقَ قُوتًا لَيْسَ مِنْ أَقْوَاتِهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ لَهَا الْخِيَارَ ; لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِقُوتٍ مُعْتَادٍ , وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهَا الْخِيَارُ إذَا لَمْ يَجِدْ قُوتًا مُعْتَادًا . ( مَسْأَلَةٌ ) : فَإِنْ عَدِمَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ النَّفَقَةَ أَوْ الْكِسْوَةَ وَوَجَدَ الْآخَرَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ إنْ طَلَبَتْهُ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ بِمَا يَلْزَمُهُ لَهَا بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَإِنْ أَعْسَرَ بِالصَّدَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ قَالَ سَحْنُونٌ أَوْ بِبَعْضِهِ فَلَهَا الْخِيَارُ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَهْرَ أَكْثَرُ اخْتِصَاصًا بِالنِّكَاحِ مِنْ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ عِوَضُ الْبُضْعِ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ بِالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ فَبِأَنْ يَكُونَ الْخِيَارُ بِالْإِعْسَارِ بِالْمَهْرِ أَوْلَى وَأَحْرَى . ( مَسْأَلَةٌ ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ , فَإِنْ أُعْسِرَ بِالنَّفَقَةِ وَاخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ فَقَدْ رَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ يُؤَجَّلُ الشَّهْرَ , وَالشَّهْرَيْنِ قَالَ أَصْبَغُ : إنْ لَمْ يُطْمَعْ لَهُ بِمَالٍ فَلَا يُؤَجَّلُ إلَّا الشَّهْرَ لَا يَبْلُغُ الشَّهْرَيْنِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ قِيلَ يُؤَجَّلُ الشَّهْرَ وَقِيلَ الْأَيَّامَ الْيَسِيرَةَ الثَّلَاثَةَ وَنَحْوَهَا وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ رَوَاهَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ وَمَا عَلِمْت أَنَّهُ يُضْرَبُ أَجَلٌ فِي النَّفَقَةِ إلَّا الْأَيَّامُ الْيَسِيرَةُ قَالَ مُحَمَّدٌ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا فِيهِ الشَّهْرُ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَيُسْتَأْنَى لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْكِسْوَةَ شَهْرَيْنِ , وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قَدْرِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْحَاكِمِ فَيُؤَجِّلُ لِلَّذِي يَرْجُو لَهُ إحْرَازَ النَّفَقَةِ مَا لَا يُؤَجِّلُ لِمَنْ لَا يَرْجُوهُ أَوْ لِمَنْ يَضْعُفُ فِيهِ الرَّجَاءُ مَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ إضْرَارًا كَثِيرًا وَعَدَمُ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ أَحَقُّ مِنْ عَدَمِ بَعْضٍ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي وَاجِدِ النَّفَقَةِ دُونَ الصَّدَاقِ يُؤَجَّلُ فِي الصَّدَاقِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَقَالَ أَيْضًا سَنَتَيْنِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ , وَإِنْ عَجَزَ عَنْ النَّفَقَةِ , وَالصَّدَاقِ لَمْ يُوَسَّعْ لَهُ فِي أَجَلِ الصَّدَاقِ , وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَهَذَا إذَا تَزَوَّجَتْهُ عَلَى الْغِنَى أَوْ تَزَوَّجَتْهُ عَالِمَةً بِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَّا أَنْ تَكُونَ عَرَفَتْ بِأَنَّهُ سَائِلٌ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ فَلَا حُجَّةَ لَهَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَوْ عَلِمَتْ أَنَّهُ فَقِيرٌ لَا يُجْرِي النَّفَقَةَ عَلَى النِّسَاءِ لِفَقْرِهِ فَلَا قَوْلَ لَهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ : وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا رَاضِيَةٌ بِعَيْبِهِ فَقَدْ أَقْدَمَتْ عَلَى مَعْرِفَتهَا بِحَالِهِ كَمُشْتَرِي السِّلْعَةِ بِهَا عَيْبٌ يَعْلَمُهُ فَلَا رَدَّ لَهُ بِهِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : إذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْفُرْقَةِ فَهِيَ فُرْقَةٌ بَعْدَ الْبِنَاءِ لَمْ يَسْتَكْمِلْ بِهَا عِدَّةَ الطَّلَاقِ وَلَا كَانَتْ لِعِوَضٍ وَلَا لِضَرَرٍ بِالزَّوْجِ فَكَانَتْ رَجْعِيَّةً أَصْلُ ذَلِكَ طَلَاقُ الْمَوْلَى وَصِحَّةُ رَجْعَتِهِ مُعْتَبَرَةٌ بِيَسَارِهِ , فَإِنْ ارْتَجَعَ كَانَتْ رَجْعِيَّةً مَوْقُوفَةً , فَإِنْ أَيْسَرَ فِي الْعِدَّةِ صَحَّتْ رَجْعَتُهُ , وَإِنْ لَمْ يَيْسُرْ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ بَطَلَتْ الرَّجْعَةُ وَبَانَتْ مِنْهُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( ش ) : قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي الْحَامِلِ بِرَأْيِهِمَا دُونَ نَصٍّ وَلَمْ تُنْكِرْ عَلَيْهِمَا أُمُّ سَلَمَةَ وَلَا أَبُو سَلَمَةَ وَلَا أَحَدَ دَلِيلٌ عَلَى الْإِجْمَاعِ بِالْقَوْلِ بِالرَّأْيِ , وَالْقِيَاسِ فِيمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ فِيهِ نَصٌّ , وَلَوْ كَانَ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ النَّصُّ الَّذِي أَظْهَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ لَاحْتَجَّ بِهِ كَمَا احْتَجَّتْ بِهِ أُمُّ سَلَمَةَ ; لِأَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَبْدَءُونَ فِي احْتِجَاجِهِمْ بِالنَّصِّ , وَلَوْ احْتَجَّ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ لَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْ مُخَالِفَتِهِ وَتَرَكَ مُعَارَضَتَهُ كَمَا أَمْسَكَ عَنْ الْمُرَاجَعَةِ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ النَّصُّ وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى الْقَوْلِ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ وَهِيَ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةُ أَنَّ الْحَامِلَ تَحِلُّ بِالْوَضْعِ وَبِهِ قَالَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه رَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ بَلَغَ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنَّ عَلِيًّا يَقُولُ هِيَ لِآخِرِ الْأَجَلَيْنِ يَعْنِي الْحَامِلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَنْ شَاءَ لَاعَنْته أَنَّ هَذِهِ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } وَلَيْسَ بَيْنَ الْحَدِيثِ , وَالْآيَةِ تَنَافٍ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ مَنْ لَيْسَ بِحَامِلٍ بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَمْلَ اسْتَمَرَّ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لَمْ تَنْقُصْ الْعِدَّةُ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَتَضَمَّنَتْ الْآيَةُ حُكْمَ الْحَامِلِ , وَالْحَدِيثُ تَضَمَّنَ حُكْمَ الْحَامِلِ , وَهُوَ مِنْ آخَرِ مَا حَكَمَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ; لِأَنَّ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا بِمَكَّةَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَذَهَبَ إلَى مَعْنَى النَّسْخِ وَلِذَلِكَ قَالَ أُنْزِلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } بَعْدَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } , وَقَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ بِمَا تَقْتَضِيهِ أُصُولُ أَصْحَابِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ . ( فَصْلٌ ) : وَسُؤَالُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ ذَلِكَ أُمَّ سَلَمَةَ لِمَا رَجَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا مِنْ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ فَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ظَنَّهُ وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ { سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ وَلَدَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِنِصْفِ شَهْرٍ , وَأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا : قَدْ حَلَلْت فَانْكِحِي مَنْ شِئْت } وَأَخْبَرَ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَدْ حَلَّتْ بِالْوِلَادَةِ حِلًّا تَسْتَبِيحُ بِهِ نِكَاحَ مَنْ شَاءَتْ , وَأَمَّا مَا رَجَاهُ أَبُو السَّنَابِلِ قِيلَ اسْمُهُ بَعْكَكُ بْنُ الْحَاجِّ الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِهَا مَنْ غَابَ مِنْ أَهْلِهَا إذَا قَدِمُوا , فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَصْرِفُوا رَغْبَتَهَا عَنْهُ إلَى الرَّغْبَةِ فِيهِ لَا أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ إجْبَارَهَا عَلَى مَا لَا تُرِيدُهُ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه لَوْ وَضَعَتْ وَزَوْجُهَا لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ لَحَلَّتْ يُرِيدُ أَنَّ وِلَادَتَهَا إذَا كَانَتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ , وَلَوْ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ فَقَدْ فَاتَ وَلَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ مُضِيُّ مُدَّةٍ , وَإِنَّمَا تُرَاعَى وِلَادَتُهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ . . ( ص ) : ( مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ { سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةَ نَفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ حَلَلْت فَانْكِحِي مَنْ شِئْت } مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ { عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ اخْتَلَفَا فِي الْمَرْأَةِ تَنْفَسُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ : إذَا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ آخِرُ الْأَجَلَيْنِ فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ : أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي يَعْنِي أَبَا سَلَمَةَ فَبَعَثُوا كُرَيْبًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُهَا عَنْ ذَلِكَ فَجَاءَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهَا قَالَتْ وَلَدَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْت } قَالَ مَالِكٌ : وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عِنْدَنَا ) ش قَوْلُهُ إذَا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا فَقَدْ حَلَّتْ يُرِيدُ انْقَضَتْ وِلَادَتُهَا , فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ وَاحِدًا حَلَّتْ بِتَمَامِ وِلَادَتِهِ , وَإِنْ كَانَ تَوْأَمَيْنِ فَوَلَدَتْ أَحَدَهُمَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا إلَّا بِوَضْعِ الثَّانِي قَالَ أَشْهَبُ : وَتَنْقَضِي الْعِدَّةُ فِي الْوَفَاةِ بِوَضْعِ الْعَلَقَةِ , وَالْمُضْغَةِ , وَأَمَّا الدَّمُ الْمُجْتَمِعُ فَلَا تَنْقَضِي بِهِ عِدَّةٌ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ : وَمَا أَلْقَتْهُ الْمَرْأَةُ مِنْ مُضْغَةٍ أَوْ عَلَقَةٍ أَوْ شَيْءٍ يُسْتَيْقَنُ أَنَّهُ وَلَدٌ , فَإِنَّهُ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ وَتَكُونُ بِهِ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ وَلَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ لِقَوْلِ أَشْهَبَ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الدَّمَ السَّائِلَ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ تَقْذِفَهُ الْأَرْحَامُ مِنْ حَيْضٍ أَوْ غَيْرِهِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدٍ أَوْ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ , وَأَمَّا الْعَلَقَةُ تَقَعُ بِهَا بَرَاءَةُ الرَّحِمِ , فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَمٍ سَائِلٍ بَلْ هُوَ مُجْتَمِعٌ عَلَى صِفَةٍ يُعْلَمُ بِهَا إنَّهَا وَلَدٌ .