un blog qui traite des sujets sur l'islam
1 Septembre 2013
كتاب الطلاق الجزء 2 )
( ش ) : قَوْلُهُ : إنَّهُ كُتِبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ الْعِرَاقِ عَلَى حَسَبِ مَا يَلْزَمُ مِنْ مُطَالَعَةِ رَأْيِ الْإِمَامِ الْعَلِيمِ بِمَا يَقَعُ لِلنَّاسِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا قَوْلٌ أَوْ تَقَدَّمَ فِيهَا الْخِلَافُ وَفِيهَا إشْكَالٌ وَلَمْ تُقَرَّرْ أَحْكَامُهَا بَعْدُ وَلَا اتَّضَحَ وَجْهُ الْحُكْمِ فِيهَا فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه مِنْ الْعِرَاقِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لِامْرَأَتِهِ : حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى عَامِلِهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُوَافِيَهُ فِي الْمَوْسِمِ , وَهَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي , وَالنَّاظِرِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَفْعَلَهُ إذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ أَنْ يُشْخِصَ مَنْ نَزَلَتْ بِهِ وَيُسَائِلَهُ وَيُنَاجِيَهُ عَنْ فُصُولِهَا , وَالْمَعَانِي الَّتِي يَتَعَلَّقُ الْحُكْمُ بِهَا وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا , فَإِنَّهُ أَقْرَبُ لَهُ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ مِنْ قَوْلِهِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى فَهْمِ مَسْأَلَةٍ أَوْ يَعِظَهُ لِيُقِرَّ بِجَمِيعِهَا وَلَا يَكْتُمَ شَيْئًا مِنْهَا وَلَعَلَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه إنَّمَا وَقَّتَ لَهُ الْمَوْسِمَ ; لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْقَاصِدِ فِي وُرُودِهِ وَانْصِرَافِهِ وَيُضِيفُ إلَى ذَلِكَ عَمَلَ الْحَجِّ وَتَحْصِيلَ عِبَادَةٍ فِي الْمَوْسِمِ إنْ تَيَسَّرَ ذَلِكَ لَهُ , وَلَوْ أَشْخَصَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَحْصُلُ لِمَنْ يَقْصِدُ مَكَّةَ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنَّهُ قَصَدَ الْمُبَالَغَةَ فِي وَعْظِهِ وَاسْتِخْبَارِ جَلِيَّةِ مَا عِنْدَهُ بِاسْتِحْلَافِهِ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْبَيْتِ لِمَا يَتَعَيَّنُ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إذْ لَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ طَاعَةً لَهُ وَامْتِثَالًا لِأَمْرِهِ بِأَنْ يُوَافِيَهُ فِي الْمَوْسِمِ فَلَمَّا أَنْكَرَ عُمَرُ رضي الله عنه قَصْدَهُ إيَّاهُ بِالسَّلَامِ عَلَى وَجْهِ مَا يَفْعَلُهُ مِنْ قَصْدِهِ وَأَرَادَ مُكَالَمَتَهُ وَإِعْلَامَهُ بِنَفْسِهِ قَالَ لَهُ مَنْ أَنْتَ فَأَعْلَمَهُ بِأَنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُوَافِيَهُ فِي الْمَوْسِمِ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه أَسْأَلُك بِرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ هَكَذَا رَوَاهُ قَوْمٌ الْبَنِيَّةَ , وَهُوَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ مُبْتَنًى لَكِنَّهُ خَصَّ الْبَيْتَ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ كَمَا قَالَ وَرَبِّ هَذَا الْبِنَاءِ وَرُوِيَ بِرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ عَلَى مِثْلِ فَعَيْلَةَ قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ الْبَنِيَّةُ الْكَعْبَةُ يُقَالُ لَا وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ مَا كَانَ كَذَا وَكَذَا وَقَوْلُهُ رضي الله عنه : مَا أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ لَمَّا عُلِمَ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسْلِمِينَ لِلْبَيْتِ وَصِدْقِ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَسْتَبِيحُ الْكَذِبَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إذَا اُسْتُحْلِفَ فِيهِ فَقَالَ الرَّجُلُ : لَوْ اسْتَحْلَفْتنِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ مَا صَدَقْتُك إخْبَارٌ عَنْ تَعْظِيمِهِ لِلْقَسَمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ , وَأَنَّهُ يَلْتَزِمُ مِنْ الْبِرِّ فِي حَلِفِهِ عِنْدَهُ مَا لَا يَلْتَزِمُ فِي غَيْرِهِ وَلَعَلَّهُ كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ صِدْقِهِ نَدَمُهُ عَلَى الطَّلَاقِ وَفَرْطِ مَحَبَّتِهِ لِمَنْ طَلَّقَ ثُمَّ قَالَ لَهُ : أَرَدْت بِهَا الْفِرَاقَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه : هُوَ مَا أَرَدْتَ يُرِيدُ أَنَّهُ أَلْزَمَهُ الْفِرَاقُ وَحَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ فِي الْحَدِيثِ مِقْدَارًا أَهُوَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ أَوْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا ; لِأَنَّهُ آخِرُ مَا بَقِيَ لَهُ فِيهَا أَوْ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ , وَلَفْظُ الْفُرْقَةِ عِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثٌ لَا يُنَوَّى فِي الْمَدْخُولِ بِهَا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ : فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَعَسَى أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً , وَلَوْ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ يُنَوَّى مَا خَالَفْتُهُ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ يَحْتَمِلُ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه فِي الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ بَنَى بِهَا أَوْ لَمْ يَبْنِ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ وَهُنَا يَقْتَضِي أَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَ عُمَرَ رضي الله عنه فِي الْفُرْقَةِ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ , وَقَوْلُ مَالِكٍ لَوْ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ نَوَّاهُ مَا خَالَفْتُهُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ , وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَقْتَضِيهِ هَذَا اللَّفْظُ , فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي عِنْدَهُ أَنْ يُنَوَّى لَمَا خَالَفَهُ الْعَرَبُ ; لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تُخَالِفُ فِي اللُّغَةِ لَا سِيَّمَا مَعَ مَا يَقْتَرِنُ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمِ عُمَرَ رضي الله عنه وَدِينِهِ وَفِقْهِهِ , وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِ بَعْضُ الْإِشْكَالِ وَلَا يَتَرَجَّحُ بَيْنَ أَنْ يُنَوِّيَهُ أَوْ لَا يُنَوِّيَهُ وَيَتَرَجَّحُ عِنْدَهُ الْآنَ أَنَّهُ لَا يُنَوِّيهِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَوْ صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه نَوَّاهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ الَّتِي قَدْ شَاعَتْ لَتَرَجَّحَ عِنْدَهُ هَذَا الْقَوْلُ وَظَاهِرُ قِصَّةِ عُمَرَ عِنْدِي يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ فِيمَنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ فِيمَنْ كَانَ لَهُ فِيهَا جَمِيعُ الطَّلَاقِ فَأُلْزِمَ الثَّلَاثَ , وَذَلِكَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : حَبْلُك عَلَى غَارِبِكِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَبْلَ هُوَ الَّذِي كَانَ بِيَدِ الزَّوْجِ مِنْهَا , وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ عِصْمَةِ الزَّوْجَةِ وَمِلْكِهِ لَهَا , فَإِذَا قَالَ لَهَا حَبْلُك عَلَى غَارِبِك فَقَدْ أَقَرَّ بِخُرُوجِهِ عَنْ يَدِهِ وَكَوْنَهُ بِيَدِهَا , وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ طَلَاقُهُ لَا رَجْعَةَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَهُ فِيهَا رَجْعَةٌ فَلَيْسَ حَبْلُهَا عَلَى غَارِبِهَا بَلْ هُوَ بِيَدِهِ وَيَرْتَجِعُهَا مَتَى شَاءَ وَخُرُوجُ الْمِلْكِ مِنْ يَدِ الزَّوْجِ حِينَ إيقَاعِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالثَّلَاثَةِ وَبِآخِرِ الطَّلَاقِ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ الْغَارِبُ مِنْ الْبَعِيرِ أَسْفَلُ السَّنَامِ , وَهُوَ مَا انْحَدَرَ مِنْ الْعُنُقِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ كَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُطَلِّقُونَ نِسَاءَهُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ وَمَعْنَاهُ أَمْرُكِ فِي يَدِكِ فَاصْنَعِي مَا شِئْتِ فَقَدْ انْقَطَعَ سَبَبُكِ مِنْ سَبَبِي . ( فَصْلٌ ) : وَظَاهِرُ قَوْلِ الرَّجُلِ لَوْ اسْتَحْلَفْتنِي فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ مَا صَدَقْتُكَ يَدُلُّ عَلَى الْبَيْنُونَةِ وَانْقِطَاعِ مَا بَيْنَهُمَا لَوْ كَانَ إنَّمَا أُلْزِمَ طَلْقَةً لَهُ بَعْدَهَا رَجْعَةٌ لَكَانَ الْتِزَامُهَا أَسْهَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَشْخَصَ مِنْ الْعِرَاقِ يُسْتَحْلَفُ عِنْدَ الْبَيْتِ عَمَّا أَرَادَ وَيُصَرِّحَ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَوْ اُسْتُحْلِفَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مَا صَدَقَ . ( فَصْلٌ ) : , وَأَمَّا اسْتِحْلَافُ عُمَرَ رضي الله عنه إيَّاهُ فَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى اسْتِحْلَافِ مَنْ يُنَوَّى أَنَّهُ مَا أَرَادَ إلَّا وَاحِدَةً ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْتَحْلَفُ إلَّا إذَا أَرَادَ ارْتِجَاعَهَا , إنَّمَا اسْتِحْلَافُهُ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِحْلَافِ لِلْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ , فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ أَمْضَاهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ , وَإِنْ أَنْكَرَهُ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَى يَمِينِهِ وَلَا قَضَى بِهَا وَنَظَرَ إلَى مَا يَلْزَمُهُ فِي صَرِيحِ الْحَقِّ وَلِذَلِكَ لَمْ يُجَاوِبْ الْحَالِفُ بِأَنَّهُ أَرَادَ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ , وَإِنَّمَا أَجَابَهُ بِأَنَّهُ أَرَادَ الطَّلَاقَ , وَقَدْ يَلْزَمُ الْمُفْتِيَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا بِالْمُسْتَفْتِي فِي الْحَلَالِ , وَالْحَرَامِ أَنْ يَعِظَهُ وَيُذَكِّرَهُ وَيُعَظِّمَ عَلَيْهِ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَحَارِمَهُ لِيَسْتَدْعِيَ بِذَلِكَ إقْرَارَهُ بِالْحَقِّ , فَإِنْ أَقَرَّ بِالْحَقِّ سَهَّلَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ طَرِيقَ الْفَتْوَى وَكَانَ ذَلِكَ أَقْوَى لِلْمَسْأَلَةِ فِي نَفْسِهِ , وَإِنْ تَمَادَى عَلَى الْإِنْكَارِ أَفْتَى عَلَيْهِ بِمَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( ش ) : التَّمْلِيكُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَنْ يُمَلِّكَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا , وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ لَهَا قَدْ مَلَّكْتُك أَمْرَك أَوْ يَقُولَ لَهَا : أَمْرُك بِيَدِك وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ قَدْ مَلَّكْتُك , إنْ لَمْ يَقُلْ : أَمْرُك وَلَا نَفْسُك , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : طَلَاقُك إلَيْك أَوْ بِيَدِك قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوْ قَالَ لَهَا : أَمْرُك بِيَدِك إنْ شِئْت أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا شِئْت فَهَذَا كُلُّهُ تَمْلِيكٌ مَحْضٌ , وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا السَّائِلُ الَّذِي سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَمْرُك بِيَدِك ; لِأَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ جَعَلْت أَمْرَ امْرَأَتِي فِي يَدِهَا . ( فَصْلٌ ) : : وَقَوْلُهُ فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا يَقْتَضِي أَنَّهَا جَاوَبَتْهُ تَقُولُ : طَلَّقْت نَفْسِي إلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تُسْئَلُ عَمَّا أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا طَلَّقْت نَفْسِي . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُسْئَلُ , وَهِيَ وَاحِدَةٌ فِي التَّمْلِيكِ قَالَ مُحَمَّدٌ : وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا تُسْئَلُ لِئَلَّا تَدَّعِيَ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَتُنَاكِرُ أَوْ تَمْضِي , وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا إنْ ادَّعَتْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهَا ; لِأَنَّ اللَّفْظَ كَثِيرًا مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ , فَإِذَا أَطْلَقَتْ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي الْوَاحِدَةِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهَا أَنَّهَا أَرَادَتْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِئْنَافُ دَعْوَى مِنْهَا كَمَا لَوْ قَالَتْ طَلَّقْت نَفْسِي وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَتْ أَرَدْتُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَزْيَدَ الْآنَ عَلَى ذَلِكَ . ( فَرْعٌ ) : وَهَكَذَا كُلُّ لَفْظٍ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الثَّلَاثِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ , فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُسْئَلُ عَمَّا أَرَادَتْ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُمَلَّكَةِ تَقُولُ قَدْ طَلَّقْتُك هِيَ وَاحِدَةٌ إلَّا أَنَّهَا تُرِيدُ الْمَرْأَةُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لَهَا ذَلِكَ فَثَبَتَ الْقَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : : وَأَمَّا إنْ قَالَتْ : قَبِلْتُ نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي أَوْ طَلَّقْت نَفْسِي ثَلَاثًا أَوْ بِنْتُ مِنْك أَوْ حَرُمْت عَلَيْك أَوْ بَرِئْت مِنْك , فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّلَاثِ وَلَا تُسْئَلُ الْمَرْأَةُ عَمَّا أَرَادَتْ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ : أَرَدْت أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا لَمْ تُصَدَّقْ فِيهِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ , وَهَذَا فِي اللَّفْظِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا الطَّلَاقَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهَا : أَنَا مِنْكَ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ بَائِنٌ , وَأَنَا عَلَيْك حَرَامٌ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا , فَأَمَّا قَبِلْت نَفْسِي وَحَمَلَهَا عَلَى الثَّلَاثِ , فَإِنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَبُولَهَا لِنَفْسِهَا قَبُولُهَا لِمِلْكِ نَفْسِهَا , وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِوَاحِدَةٍ قَبْلَ الْبِنَاءِ أَوْ بِثَلَاثٍ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَلِذَلِكَ حَمَلَ مِنْ قَوْلِهَا عَلَى الثَّلَاثِ فَلَمْ تُصَدَّقْ بَعْدَ الْبِنَاءِ عَلَى أَنَّهَا أَرَادَتْ بِهِ وَاحِدَةً . وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ لَهَا تَفْسِيرَ ذَلِكَ بِالْوَاحِدَةِ بِمَنْزِلَةِ قَبِلْت أَمْرِي وَلَا يَرَاهُ طَلَاقًا حَتَّى تَوَقَّفَ وَلَمْ يَرَهُ مِثْلَ أَخَذْت نَفْسِي . ( مَسْأَلَةٌ ) : : وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَلَّكَهَا عَلَى عِوَضٍ , فَإِنْ مَلَّكَهَا عَلَى عِوَضٍ أَعْطَتْهُ إيَّاهُ فَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنْ قَالَتْ لَهُ بَرِئْتُ مِنْك أَنَّهَا وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّهُ خُلْعٌ , وَهِيَ مِثْلُ الَّتِي لَمْ يَبْنِ بِهَا , فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَهَا نِكَاحًا جَدِيدًا أُحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا وَلَّيْتُهَا مِنْ أَمْرِهَا إلَّا وَاحِدَةً , وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَلَّكَهَا بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ وَنَاكَرَهَا فَتَكُونُ بَائِنَةً لِأَجْلِ الْعِوَضِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : : فَإِنْ قَالَتْ : خَلَّيْتُ سَبِيلَك فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ قَوْلَهَا لَهُ قَدْ خَلَّيْت سَبِيلَك أَوْ فَارَقْتُكَ كَقَوْلِهِ ذَلِكَ لَهَا ; لِأَنَّ ابْتِدَاءَ ذَلِكَ مِنْهُ يُحْمَلُ عَلَى طَلَاقِ السُّنَّةِ , وَهِيَ وَاحِدَةٌ حَتَّى يُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ , وَأَمَّا هِيَ فَمُمَلَّكَةٌ فَكَانَتْ إجَابَتُهَا عَنْ الْفِرَاقِ فَهُوَ عَلَى الْبَتَاتِ حَتَّى يُرِيدَ وَاحِدَةً , وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَصْلِ , وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ يَرَى فِي الزَّوْجِ يَقُولُ لِزَوْجَتِهِ : خَلَّيْت سَبِيلَك هِيَ ثَلَاثٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ الزَّوْجُ لَهَا أَوْ تَقُولَهُ الزَّوْجَةُ لِلزَّوْجِ , وَقَوْلُ أَصْبَغَ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَوْلَ الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ : خَلَّيْتُ سَبِيلَك وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ قَوْلِ الزَّوْجِ , وَالزَّوْجَةِ , إنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا مَعَ هَذَا الْأَصْلِ بِأَنَّ الزَّوْجَ مَلَكَ الطَّلَاقَ بِالشَّرْعِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُوقِعَ مِنْهُ مَا شَاءَ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ أَنْ يُفَرِّقَهُ , وَاللَّفْظُ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ أَرَدْت وَاحِدَةً , وَأَمَّا الْمَرْأَةُ , فَإِنَّ الزَّوْجَ مَلَّكَهَا وَلَمْ يَسْتَثْنِ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَلَّكَهَا جَمِيعَ الطَّلَاقِ وَلِذَلِكَ يُسْتَحْلَفُ إنْ نَاكَرَ فَلَمَّا جَاوَبَتْهُ بِالْفُرْقَةِ كَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ إيقَاعَ جَمِيعِ مَا مَلَّكَهَا إيَّاهُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : : فَأَمَّا إنْ كَانَ لَفْظٌ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ : قَبِلْتُ أَمْرِي , فَإِنْ قَالَتْ : أَرَدْت بِهِ قَبِلْتُ مَا جَعَلَ لِي مِنْ التَّمْلِيكِ أَوْ الْخِيَارِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهَا ثُمَّ قِيلَ لَهَا : طَلِّقِي بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ رُدِّي , وَإِنْ قَالَتْ : أَرَدْت بِقَوْلِي قَبِلْت أَمْرِي الطَّلَاقَ سُئِلَتْ مَا أَرَادَتْ مِنْ الطَّلَاقِ فَيَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى سُؤَالَيْنِ لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ تُسْئَلُ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ قَدْرِ مَا أَرَادَتْ مِنْ الطَّلَاقِ ; لِأَنَّ مَا تَلَفَّظَتْ بِهِ يَحْتَمِلُ مِنْ الطَّلَاقِ الْوَاحِدَةَ أَوْ أَكْثَرَ . ( مَسْأَلَةٌ ) : : فَإِنْ قَالَتْ قَدْ قَبِلْت لَمْ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ مِنْ الْمَجْلِسِ لَمْ أُرِدْ إلَّا أَنْ أَنْظُرَ وَأَسْتَخْبِرَ كَانَ لَهَا أَنْ تَقْضِيَ الْآنَ بِوَاحِدَةٍ فَتَلْزَمُهُ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ لَهَا الْمُنَاكَرَةُ ; لِأَنَّ لَفْظَ قَبِلْت مُحْتَمِلٌ . ( فَرْعٌ ) : فَإِنْ قَالَتْ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ : لَمْ أُرِدْ شَيْئًا لَمْ يُقْبَلْ . ( مَسْأَلَةٌ ) : : وَسَوَاءٌ أَضَافَتْ الطَّلَاقَ إلَيْهَا أَوْ إلَيْهِ فَقَالَتْ طَلَّقْتُ نَفْسِي أَوْ طَلَّقْتُك أَوْ أَبَنْتُ نَفْسِي أَوْ أَبْنَتُك ; لِأَنَّ إضَافَةُ الطَّلَاقِ إلَى جِهَةِ الزَّوْجِ كَإِضَافَتِهِ إلَى جِهَةِ الزَّوْجَةِ كَمَا لَوْ أَوْقَعَهُ الزَّوْجُ . ( فَصْلٌ ) : : وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَرَاهُ كَمَا قَالَتْ يُرِيدُ أَنَّ مَا قَالَتْ يَلْزَمُهُ عَلَى حَسَبِ مَا أَوْرَدَهُ هُوَ لَكِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ جَعَلَ أَمْرَ امْرَأَتِهِ بِيَدِهَا , وَهَذَا تَمْلِيكٌ مَحْضٌ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا طَلَّقَتْ نَفْسَهَا , وَهَذَا أَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ , وَلَعَلَّ السَّائِلَ , وَالْمَسْئُولَ قَدْ جَرَى مِنْهُمَا مَا فُهِمَ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : التَّخْيِيرُ , وَالتَّمْلِيكُ بِهَذَا اللَّفْظِ دُونَ لَفْظِ الطَّلَاقِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ فَيَكُونُ مَا نَوَى مِنْهُ , وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ وَقَالَتْ هِيَ : قَبِلْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت نَفْسِي فَلَيْسَ بِشَيْءٍ , وَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ فِيهِ سَلَفٌ , وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ : إنَّ قَوْلَ الزَّوْجِ قَدْ مَلَّكْتُكِ أَمْرَك , وَأَمْرُك بِيَدِك مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ , وَكَذَلِكَ قَوْلُهَا : قَبِلْت نَفْسِي مِنْ كِنَايَاتِهِ مِنْ جِهَتِهَا , فَإِذَا قَالَا جَمِيعًا أَرَدْنَا بِهِ الطَّلَاقَ وَقَعَ الطَّلَاقُ , وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا لَمْ أُرِدْ بِقَوْلِي طَلَاقًا فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ , وَإِنْ قَالَ الْآخَرُ أَرَدْت الطَّلَاقَ , وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : : وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْمُمَلَّكَةُ ثَيِّبًا مَحْجُورًا عَلَيْهَا أَوْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الطَّلَاقِ , وَلِذَلِكَ يَنْفُذُ طَلَاقُ السَّفِيهِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ بِكْرًا بَالِغًا ; لِأَنَّ الْبِكْرَ الْبَالِغَ يَلْزَمُهُ طَلَاقُهَا , وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ فِي الصَّغِيرَةِ تُخَيَّرُ فَتَخْتَارُ نَفْسَهَا ذَلِكَ لَهَا وَقَالَ ذَلِكَ لَهَا إذَا بَلَغَتْ فِي حَالِهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُرِيدُ بَلَغَتْ حَدَّ الْوَطْءِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا بَلَغَتْ مَبْلَغًا تَعْرِفُ مَا مَلَكَتْ أَوْ يُوطَأُ مِثْلُهَا فَذَلِكَ لَازِمٌ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ الْمَغْمُورَةِ يُخَيِّرُهَا زَوْجُهَا , وَهِيَ مُفِيقَةٌ فَتَخْتَارُ نَفْسَهَا وَهِيَ مَغْمُورَةٌ أَنَّ قَضَاءَهَا غَيْرُ جَائِزٍ , وَلَوْ خَيَّرَهَا مَغْمُورَةً فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا جَازَ قَضَاؤُهَا وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَّكَ صَبِيًّا أَمْرَ امْرَأَتِهِ جَازَ مَا قَضَى بِهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ يَعْقِلُ مَا جُعِلَ إلَيْهِ وَمَا يُجِيبُ بِهِ قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ وَكَذَلِكَ إذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ امْرَأَةٍ أَوْ ذِمِّيٍّ . ( فَصْلٌ ) : : وَقَوْلُ الرَّجُلِ لَا تَفْعَلْ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهِيَةِ لِمَا أَفْتَاهُ بِهِ , وَالْحِرْصُ عَلَى أَنْ يُعِيدَ النَّظَرَ لَعَلَّهُ يُخَالِفُ مَا قَدْ رَآهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَا فَعَلْتُهُ أَنْتَ فَعَلْتَهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ لَا صُنْعَ لِي فِي ذَلِكَ , إنَّمَا قَوْلُك وَعَمَلُك أَدَّى إلَى مَا أَفْتَيْتُكَ بِهِ ; لِأَنَّ الْفَتْوَى إنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ سُؤَالِ السَّائِلِ وَمَا يَقُومُ لَهُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ .
( ش ) : قَوْلُهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَتِيقٍ أَتَى زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ يَقْتَضِي بِمَا بَعْدَهُ فَرْطَ نَدَمِهِ وَتَأَسُّفِهِ عَلَى فِرَاقِ امْرَأَتِهِ , وَذَلِكَ يَقْتَضِي اعْتِقَادًا أَنَّهُ لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إمَّا ; لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ أَوْ أَنَّهَا ثَلَاثٌ , وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ لَرَاجَعَهَا وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى ذَلِكَ لِمَا فَعَلَ بَعْدَ أَمْرِهِ بِهِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَرْشَدَهُ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا شَأْنُك لَمَّا رَأَى بِهِ مِنْ الْبُكَاءِ , وَالنَّدَمِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ مَلَّكَ امْرَأَتَهُ فَفَارَقَتْهُ , وَأَنَّ ذَلِكَ الْمُوجِبَ لَمَّا رَأَى لَهُ مِنْ الْبُكَاءِ , وَالْجَزَعِ فَقَالَ زَيْدٌ مَا حَمَلَك عَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ تَوْبِيخَهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ , وَتَهْدِيدَهُ فِيهِ حَتَّى لَا يَأْتِيَهُ مَرَّةً أُخْرَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ سُؤَالَهُ عَنْ سَبَبِ هَذَا لِئَلَّا يَكُونَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سَبَبِهِ , وَإِنْ كَانَ مَلَّكَهَا بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَمَّا قَالَ الْقَدَرُ , وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ سَبَبٌ يُظْهِرُهُ أَجَابَهُ عَنْ مَسْأَلَتِهِ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُ زَيْدٍ : ارْتَجِعْهَا إنْ شِئْت , فَإِنَّمَا هِيَ وَاحِدَةٌ , وَأَنْتَ أَمْلَكُ بِهَا رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ مَالِكٌ : لَا آخُذُ بِحَدِيثِ زَيْدٍ فِي التَّمْلِيكِ وَلَكِنِّي أَرَى إذَا مَلَّكَ امْرَأَتَهُ أَنَّ الْقَضَاءَ مَا قَضَتْ إلَّا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهَا فَيُحَلَّفَ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ مَالِكٍ هَذَا أَنْ يُعْلَمَ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ مَذْهَبَ زَيْدٍ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا وَاحِدَةً وَإِنْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ قَالَ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنِّي لَا أَقُولُ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِقَوْلِهِ فَفَارَقَتْنِي وَالْفِرَاقُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدَةِ , وَالْحَدِيثُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ فِرَاقًا عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الْفِرَاقِ وَأَنَّهَا فَرَاقَتْهُ بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَلَّكَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً بِتَصْرِيحٍ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا زَادَتْ وَلَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ يَمِينٌ فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ : ارْتَجِعْهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوَافِقًا لِقَوْلِ مَالِكٍ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا إذَا كَانَ لَفْظُهُ مُحْتَمِلًا وَأَوْقَعَتْ الْمُمَلَّكَةُ أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ وَإِنَّمَا كَانَ جَزَعُ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ فَرْقًا مِنْ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَعَلِمَ مِنْ مُخَالَفَتِهَا لَهُ أَنَّهَا إذَا مَلَكَتْ نَفْسَهَا لَمْ تَعُدْ إلَيْهِ .
( ش ) : قَوْلُهُ : إنَّهَا خَطَبَتْ قَرِيبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَزَوَّجُوهَا مِنْهُ ثُمَّ إنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فِي أَمْرٍ يُرِيدُ أَنَّهُمْ وَجَدُوا عَلَيْهِ فِي أَمْرٍ خَالَفَهُمْ فِيهِ فَقَالُوا مَا زَوَّجْنَا إلَّا عَائِشَةَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ إنَّمَا وَثِقُوا بِفَضْلِهَا , وَأَنَّهَا لَا تَرْضَى لَهُمْ بِأَذًى وَلَا تُسَوِّغُ أَخَاهَا الْإِضْرَارَ بِهِمْ فِي وَلِيَّتِهِمْ فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ بِذَلِكَ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَعَلَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَصْرِفَهُ وَتَسْتَنْزِلَهُ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي عَتَبُوا عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ وَلَعَلَّهُ كَانَ نِكَاحًا عَلَيْهَا أَوْ تَسَرِّيًا أَوْ إيثَارًا . ( فَصْلٌ ) : : وَقَوْلُهُ فَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَمْرَ قَرِيبَةَ بِيَدِهَا يُرِيدُ مَلَّكَهَا أَنْ تَبْقَى عِنْدَهُ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي عَتَبُوا عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِهِ أَوْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا إنْ شَاءَتْ وَفِي ذَلِكَ إزَالَةُ مَلَامَتِهِمْ عَنْ عَائِشَةَ فَاخْتَارَتْ قَرِيبَةُ , وَهِيَ الْمُمَلَّكَةُ زَوْجَهَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ عَلَيْهِمَا وَلَا أَفْتَاهُمَا بِهِ مَنْ كَانَ يُفْتِي فِي الْوَقْتِ وَلَا رَآهُ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ كَعَائِشَةَ وَغَيْرِهَا , وَعَلَى هَذَا الْجُمْهُورُ . ( ص ) : ( مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ بِالشَّامِ فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : وَمِثْلِي يُصْنَعُ هَذَا بِهِ وَمِثْلِي يُفْتَاتُ عَلَيْهِ فَكَلَّمْت عَائِشَةُ الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ الْمُنْذِرُ : فَإِنَّ ذَلِكَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا كُنْت لِأَرُدَّ أَمْرًا قَضَيْتِهِ فَقَرَّتْ حَفْصَةُ عِنْدَ الْمُنْذِرِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا ) . ( ش ) : قَوْلُهُ إنَّ عَائِشَةَ زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ بِالشَّامِ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ : أَحَدَهُمَا أَنَّهَا بَاشَرَتْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ وَرَوَاهُ ابْنُ مُزَيَّنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ قَالَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ يُرِيدُ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حِينَ كَانَ بِهَا عِيسَى ; لِأَنَّ مَالِكًا وَفُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ لَا يُجَوِّزُونَ نِكَاحًا عَقَدَتْهُ امْرَأَةٌ وَيُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهَا قَدَّرَتْ الْمَهْرَ وَأَحْوَالَ النِّكَاحِ , وَتَوَلَّى الْعَقْدَ أَحَدٌ مِنْ عَصَبَتِهَا وَنُسِبَ الْعَقْدُ إلَى عَائِشَةَ لَمَّا كَانَ تَقْرِيرُهُ إلَيْهَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُقَرِّرُ أَمْرَ النِّكَاحِ ثُمَّ تَقُولُ : اعْقِدُوا , فَإِنَّ النِّسَاءَ لَا يَعْقِدْنَ النِّكَاحَ , وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَصِحُّ أَنْ تَعْقِدَ نِكَاحًا لِنَفْسِهَا وَلَا لِامْرَأَةٍ غَيْرِهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ . ( مَسْأَلَةٌ ) : : وَأَمَّا عَقْدُ نِكَاحِ حَفْصَةَ وَأَبُوهَا غَائِبٌ , وَهِيَ بِكْرٌ , فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ نِكَاحَ بِكْرٍ ذَاتِ أَبٍ غَيْرُ أَبِيهَا , وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ غَابَ غَيْبَةَ انْقِطَاعٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا تُرْجَى رَجْعَتُهُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِثْلُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ مِصْرَ غَازِيًا إلَى الْأَنْدَلُسِ وَإِفْرِيقِيَةَ أَوْ طَنْجَةَ فَهَذِهِ تُزَوَّجُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ : إذَا كَانَ اسْتِئْذَانُهُ يَتَعَذَّرُ , وَهِيَ عَانِسٌ بَالِغٌ . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا تُزَوَّجُ حَيَاةَ الْأَبِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ إذَا قَطَعَ نَفَقَتَهُ عَنْهَا وَأَطَالَ غَيْبَتَهُ زُوِّجَتْ , وَإِنْ جَرَتْ عَلَيْهَا نَفَقَةُ الْأَبِ لَمْ تُزَوَّجْ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلِأَبِي الْعَبَّاسِ الْإِبْيَانِيِّ فِي حَدِّ الْبُعْدِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنْ تَكُونَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُ الِابْنَةِ , فَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يَنْفُذُ فِيهِ كُتُبُهُ لَمْ تُزَوَّجْ عَلَيْهِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ : فَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ غَيْبَةَ الْأَبِ إذَا طَالَتْ وَانْقَطَعَ عَنْهَا أَضَرَّ ذَلِكَ بِهَا فَجَرَى مَجْرَى عَضْلِهَا , لَوْ كَانَ الْأَبُ حَاضِرًا وَعَضَلَهَا وَعُلِمَ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْإِضْرَارَ بِهَا لَزَوَّجَهَا عَلَيْهِ الْحَاكِمُ فَكَذَلِكَ مَعَ طُولِ الْغَيْبَةِ . وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْوِلَايَةَ بَاقِيَةٌ لِلْأَبِ لَا تَسْقُطُ بِغَيْبَتِهِ فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ إزَالَةُ الضَّرَرِ عَنْهَا , وَهَذَا مَوْجُودٌ مَعَ انْقِطَاعِ النَّفَقَةِ وَمَعْدُومٌ مَعَ إدَامَتِهَا فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ عَائِشَةُ رَأَتْ غَيْرَ هَذَا أَوْ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَدْ كَانَ وَكَّلَ مَنْ يَعْقِدُ هَذَا النِّكَاحَ فَعَقَدَ عَلَى أَدْنَى مِنْ الْمَهْرِ الَّذِي كَانَ يَعْتَقِدُ هُوَ أَنْ يُبْذَلَ لِمِثْلِهِ أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَعْقِدُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ دُونَ تَعْيِينٍ إلَّا أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَقُومُ لَهُ مَقَامَ التَّعْيِينِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْبِكْرَ ذَاتَ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْضَى بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا , وَأَمَّا الثَّيِّبُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ وَقِيلَ : إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُعَيِّنْ الزَّوْجَ وَظَنَّ أَنَّهُ يَعْدِلُ بِهِ عَنْ مِثْلِ الْمُنْذِرِ إلَى مِثْلِ عُرْوَةَ أَوْ عَبْدِ اللَّهِ مِمَّنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْمُنْذِرِ فَلِذَلِكَ أَنْكَرَ أَنْ يُصْنَعَ بِهِ مِثْلَ هَذَا أَوْ يُفْتَاتَ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ احْتَاجَ الْمُنْذِرُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ بِيَدِهِ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ النِّكَاحُ لَازِمًا لَمَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ , وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَرَّ عَلَيْهِ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رحمه الله وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدَ لِنِكَاحِ حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخُوهُ أَوْ ابْنُهُ إنْ كَانَ قَائِمًا بِأَمْرِهِ فَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ أُخْتَهُ الْبِكْرَ وَأَبُوهُ غَائِبٌ إنْ كَانَ الْقَائِمَ بِأَمْرِهِ فَأَجَازَهُ أَبُوهُ جَازَ , وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا جَازَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ النَّاظِرَ فِي عِيَالِ أَخِيهِ أَوْ أَبِيهِ , وَالْقَائِمَ لَهُ فِي حَوَائِجِهِ الْمُفَاوِضَ لَهُ فِي أُمُورِهِ فَتَغَيَّبَ الْأَبُ فَتُزَوَّجُ ابْنَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ بِوَجْهِ الصِّحَّةِ , وَالنَّظَرِ لَهُنَّ إذَا أَجَازَهُ الْغَائِبُ إذَا قَدِمَ جَازَ وَثَبَتَ وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الْغَيْبَةَ , إنَّمَا جَازَ أَنْ يُجَوِّزَهُ الْأَبُ بَعْدَ طُولِ الْغَيْبَةِ ; لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْفَسْخِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَعَلَى هَذَا إنْ كَانَ عَاقِدُ نِكَاحِ حَفْصَةَ ابْنًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْ أَخًا لَهُ إنْ كَانَ فِي حَيَاةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عَصَبَتِهَا مِمَّنْ كَانَ الْقَائِمَ بِأَمْرِهِ , وَالنَّاظِرَ لَهُ , فَإِنَّهُ مِمَّا يَجُوزُ إذَا أَجَازَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْأَخُ , وَالْجَدُّ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ كَمَا زَوَّجَتْ عَائِشَةُ بِنْتَ أَخِيهَا فَرَضِيَ قَالَ مَالِكٌ , وَذَلِكَ لِمَكَانِهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , وَقَدْ وَكَّلْت عَائِشَةُ رَجُلًا عَلَى الْعَقْدِ , وَهَذَا إذَا كَانَتْ بِكْرًا , فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَذَلِكَ جَائِزٌ لَازِمٌ , إنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَصْلٌ ) : : وَقَوْلُهُ فَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ الْمُنْذِرَ فِي ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهَا أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ سَخِطَ بَعْضَ الْأَمْرِ فَجَعَلَ الْأَمْرَ إلَيْهِ لِيُزِيلَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها لَوْمَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِأَجْلِ ذَلِكَ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ إبْطَالِ النِّكَاحِ تَسْلِيمًا لِمَا رَأَتْهُ عَائِشَةُ وَاخْتَارَتْهُ وَقَوْلُهُ مَا كُنْت لِأَرُدَّ أَمْرًا قَضَيْتِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ إضَافَةِ الْأَمْرِ إلَيْهَا لِمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ تَوَلِّيهِ وَتَقْرِيرِهِ .
( ش ) : قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ الْإِيلَاءُ الْيَمِينُ فَمَنْ حَلَفَ فَقَدْ آلَى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رضي الله عنه , وَهَذَا كَمَا قَالَ : إنَّ الْإِيلَاءَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْيَمِينُ . وَقَالَ أَبُو إسْحَاقَ الزَّجَّاجُ يُقَالُ آلَيْت أُولِي إيلَاءً وَأَلِيَّةً وَقَالَ الْمُفَضَّلُ الْإِيلَاءُ الْيَمِينُ يُقَالُ آلَى يُولِي إيلَاءً , وَالِاسْمُ الْأَلِيَّةُ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ قَلِيلُ الْأَلَايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ , وَإِنْ نَدَرَتْ مِنْهُ الْأَلِيَّةُ بَرَّتْ . وَقَالَ الْأَعْشَى فِي الْقَصِيدَةِ الَّتِي مَدَحَ بِهَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَآلَيْت لَا أَرْثِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ وَلَا مِنْ وَجًى حَتَّى تُلَاقِيَ مُحَمَّدَا نَبِيٌّ يَرَى مَا لَا يَرَوْنَ وَذِكْرُهُ أَغَارَ لِعَمْرِي فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا مَعْنَاهُ أَقْسَمْت إلَّا أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الشَّرْعِ فِي الْقَسَم عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ وَطْءِ الزَّوْجَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } فَقَالَ تَعَالَى { يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ } وَتَقْدِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يُقْسِمُونَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ نِسَائِهِمْ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ : آلَيْت مِنْ كَذَا , وَإِنَّمَا يُقَالُ آلَيْت عَلَى كَذَا وَآلَيْت لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَلَا فَعَلْت كَذَا لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مَعْنَاهُ آلَى لَيَمْتَنِعَنَّ مِنْ امْرَأَتِهِ وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَذَفَ ذَلِكَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ وَقِيلَ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ حَكَى هَذَا الْفَضْلُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ بَعْضِ النُّحَاةِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ إنَّ " مِنْ " هُنَا بِمَعْنَى عَلَى أَيْ يُؤْلُونَ عَلَى نِسَائِهِمْ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ : إذَا آلَى الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلَاقٌ , وَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ حَتَّى يُوقَفَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ الْإِيلَاءَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْغَضَبِ دُونَ الرِّضَا , وَأَنَّهُ إذَا حَلَفَ فِي الرِّضَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا ; لِأَنَّهُ حَلَفَ بِيَمِينٍ تُلْزَمُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ بِحَالِ الْغَضَبِ وَلِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ حَقًّا فِي الْوَطْءِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الِامْتِنَاعِ بِهِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَهَذَا إذَا كَانَ مِمَّنْ يَسْتَطِيعُ الْوَطْءَ وَكَانَتْ الزَّوْجَةُ لَهَا حَقٌّ فِي الْوَطْءِ , فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْجِمَاعَ كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَرَأْيُهُ أَنَّهُ فَإِنَّمَا الْإِيلَاءُ عَلَى مَنْ يَسْتَطِيعُ الْجِمَاعَ , وَأَمَّا مَنْ لَا يَسْتَطِيعُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ كَالْخَصِيِّ وَكَاَلَّذِي يَقْطَعُ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْإِيلَاءِ فَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ تَوْقِيتٌ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَصِيِّ : إنَّ إيلَاءَهُ لَازِمٌ وَيُوَقِّتُ عَلَى سَنَةٍ أَجَلَ الْإِيلَاءِ ; لِأَنَّ لَهَا مَنْفَعَةً يَلْتَذُّ بِهَا مِنْ مُبَاشَرَةٍ وَغَيْرِهَا . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَإِذَا آلَى الصَّبِيُّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ فَلَا يَلْزَمُهُ الْآنَ وَلَا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَلَيْسَ بِمُولٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ , وَالْأَيْمَانُ لَا تَنْعَقِدُ مِنْهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ : وَكَذَلِكَ مَنْ آلَى مِنْ صَغِيرَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى تَبْلُغَ حَدَّ الْوَطْءِ فَمِنْ يَوْمئِذٍ يَكُونُ أَجَلُ الْإِيلَاءِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ هَذَا الْحَالِفَ كَبِيرٌ يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ , إنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ , وَالتَّوْقِيتِ لَمَّا حَلَفَ عَلَى مَنْ لَا حَقَّ لَهَا فِي الِاسْتِمْتَاعِ فَلَمَّا بَلَغَتْ حَدَّ الْوَطْءِ وَصَارَ لَهَا حَقٌّ فِيهِ لَزِمَتْ الْيَمِينُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَكَانَ أَجَلُ الْإِيلَاءِ مِنْ يَوْمِ ثَبَتَ لَهَا فِي الْوَطْءِ حَقٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( بَابٌ : الْإِيلَاءُ يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِكُلِّ يَمِينٍ يَجِبُ عَلَى الْحَالِفِ بِهَا شَيْءٌ كَالْحَالِفِ بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ) قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : مِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ بِسُلْطَانِ اللَّهِ أَوْ بِقُدْرَتِهِ أَوْ بِذِمَّتِهِ أَوْ بِرَحْمَتِهِ أَوْ بِنُورِهِ أَوْ بِحَمْدِهِ أَوْ شَأْنِهِ زَادَ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَوْ عَظَمَتِهِ , وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ بِجَلَالِ اللَّهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ أَيْمَانٌ تَلْزَمُ بِهَا الْكَفَّارَةُ فَثَبَتَ بِهَا حُكْمُ الْإِيلَاءِ كَقَوْلِهِ لَا وَاَللَّهِ وَبَلَى وَاَللَّهِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : فَإِنْ قَالَ : أُقْسِمُ بِاَللَّهِ أَوْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَوْ أَعْزِمُ بِاَللَّهِ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ يَكُونُ مُولِيًا , وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ ; لِأَنَّهَا يَمِينٌ بِاَللَّهِ , فَإِنْ قَالَ أَحْلِفُ أَوْ أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ أَوْ أَعْزِمُ وَلَمْ يَقُلْ بِاَللَّهِ قَالَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِهِ إيلَاءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِاَللَّهِ وَنَوَاهُ فَيَكُونُ يَمِينًا وَيَكُونُ مُولِيًا فِي الْمُدَوَّنَةِ , وَالْمَبْسُوطِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَشْهَدُ وَلِعَمْرِي لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِاَللَّهِ فَيَكُونُ مُولِيًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَأَعْزِمُ أَوْ أَعْزِمُ عَلَى نَفْسِي عِنْدِي مِثْلُ قَوْلِهِ أُقْسِمُ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ فَيَكُونُ يَمِينًا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَائِلِ أَقْسَمْت أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَذَلِكَ أَحْلِفُ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا يَمِينٌ قَالَ وَلَيْسَ قَوْلُهُ : أَعْزِمُ أَنْ لَا أُكَلِّمَ فُلَانًا يَمِينٌ , فَإِنْ قَالَ أَعْزِمُ بِاَللَّهِ فَلَا أَشُكُّ أَنَّهَا يَمِينٌ , فَإِنْ قَالَ أَعْزِمُ عَلَيْك بِاَللَّهِ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ , وَهُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك : أَسْأَلُك بِاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ كَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَوْ قَالَ عَلِيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ أَوْ قَالَ عَلَيَّ نَذْرُ ذَلِكَ كُلُّهُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : فَإِنْ حَلَفَ بِالصِّيَامِ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ إنْ وَطِئْتُك فَعَلَيَّ صِيَامُ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ فَهُوَ مُولٍ , وَهَكَذَا عَلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ حَجٍّ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ , وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَا يَكُونُ مُولِيًا إلَّا بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قوله تعالى { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } وَلَمْ يُفَرِّقْ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ يَمِينٌ لَزِمَهُ بِهَا حُكْمٌ فَثَبَتَ بِهَا حُكْمُ الْإِيلَاءِ أَصْلُ ذَلِكَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنْ آلَى مِنْهَا بِصِيَامٍ فَهُوَ مُولٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ بِصِيَامٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ قِلَّتَهُ مِنْ كَثْرَتِهِ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا آلَى مِنْهَا بِصِيَامِ يَوْمٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ يَكُونُ مُولِيًا . ( فَرْعٌ ) : فَإِنْ قَالَ إنْ جَامَعْتُك فَعَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ الَّذِي أَنَا فِيهِ أَوْ شَهْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَأَقَلُّ , فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُولٍ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَكْثَرُهُ فِي الْمَبْسُوطِ .