un blog qui traite des sujets sur l'islam
6 Septembre 2013
شرح كتاب النكاح
الجزء 4
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَاتِ الْمُحْصَنِ هِيَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا حُرًّا مُسْلِمًا يَصِحُّ مِنْهُ الْجِمَاعُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِ الْعَقْلِ فَأَمَّا الصَّغِيرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُحْصَنًا بِجِمَاعِهِ وَيُحْصِنُ الْكَبِيرَةَ وَلَا يُحْصِنُ الصَّغِيرَةَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ مُضَافٌ إلَى فَاعِلِهِ وَهُوَ الرَّجُلُ فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِحَالِهِ فَإِذَا كَانَ كَبِيرًا فَهُوَ جِمَاعٌ وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا فَلَيْسَ بِجِمَاعٍ فَإِذَا كَانَ الْمُجَامِعُ كَبِيرًا وَالْمُجَامَعَةُ صَغِيرَةً فَلَهُ حُكْمُ الْجِمَاعِ التَّامِّ فَيَجِبُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي حَقِّ مَنْ كَمُلَتْ لَهُ صِفَاتُ الْإِحْصَانِ دُونَ غَيْرِهِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ مَنْ عَدِمَ فِيهَا شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ كَالصَّبِيَّةِ الَّتِي عُدِمَ فِيهَا الْبُلُوغُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْإِحْصَانِ فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَوُجِدَ مِنْهَا الْجِمَاعُ فَهُمَا مُحْصَنَانِ وَمَنْ عُدِمْت فِيهِ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنْهُمَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِالْجِمَاعِ حُكْمُ الْإِحْصَانِ وَيَثْبُتُ لِلْآخَرِ إذَا وُجِدَتْ فِيهِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَإِنْ كَانَا مُسْلِمِينَ فَهُمَا بِالْجِمَاعِ مُحْصَنَانِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا فَهُوَ الْمُحْصَنُ دُونَهَا لِوُجُودِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ فِيهِ وَعَدَمُهُ فِيهَا , وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُسْلِمَةُ دُونَهُ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَصِحُّ . ( فَرْعٌ ) وَإِذَا ثَبَتَ لِلرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ حُكْمُ الْإِحْصَانِ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ حُكْمُ الْإِحْصَانِ فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا إلَّا بِإِحْصَانٍ مُسْتَأْنَفٍ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُؤْثَرُ هَذَا الْقَوْلُ . وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ مِنْ الرُّوَاةِ إنَّ رِدَّتَهُ لَا تُسْقِطُ حَصَانَتَهُ وَلَا إيمَانَهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قوله تعالى { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك } وَهَذَا قَدْ أَشْرَكَ فَوَجَبَ أَنْ يَحْبَطَ كُلُّ عَمَلٍ كَانَ عَمِلَهُ . وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنَّهُ إذَا ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ فَإِنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ تَعُودُ عَلَيْهِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعِيذَنَا بِرَحْمَتِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالرِّدَّةِ كَالطَّلَاقِ وَلِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ يَبْطُلْ طَلَاقُهُ وَتَعُودُ بِرِدَّتِهِ زَوْجَتُهُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا كَوْنُهُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْجِمَاعُ فَهُوَ السَّلِيمُ الَّذِي لَيْسَ بِهِ آفَةٌ تَمْنَعُهُ الْجِمَاعَ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا أَوْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبَ الذَّكَرِ وَلَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُ فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ وَإِنْ كَانَ خَصِيًّا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْجِمَاعَ يَتَأَتَّى مِنْهُ وَقَدْ وُجِدَتْ فِيهِ سَائِرُ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا الْجُنُونُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يَطَأْ إلَّا وَهِيَ مَجْنُونَةٌ وَهُوَ مُفِيقٌ فَهُوَ الْمُحْصَنُ دُونَهَا , وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا وَهِيَ مُفِيقَةٌ فَهِيَ الْمُحْصَنَةُ دُونَهُ . وَقَالَ أَشْهَبُ الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِحَالِ الزَّوْجِ فَإِنْ كَانَ مُفِيقًا دُونَهَا فَهُمَا مُحْصَنَانِ وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا دُونَهَا فَلَا يُحْصَنُ بِذَلِكَ أَحَدُهُمَا وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ سَوَاءٌ كَانَا مَجْنُونَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُمَا مُحْصَنَانِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَعْنَى إذَا كَانَ يُؤَثِّرُ فِي الْإِحْصَانِ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَدَّى تَأْثِيرُهُ مَنْ وُجِدَ فِيهِ كَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ بِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنْقِصُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَمَا لَا يُنْقِصُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ بِحَالِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ لِلْوَطْءِ كَوَطْءِ الصَّغِيرِ وَهَذَا خَالَفَ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَأْثِيرًا فِي نَقْصِ الْحُرِّيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ بِصِفَةِ الْفَاعِلِ خَاصَّةً بَلْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ حُكْمُ نَفْسِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ هَذَا وَطْءٌ صَحِيحٌ قَدْ وُجِدَ مِنْ بَالِغٍ مُسْلِمٍ فَوَجَبَ أَنْ يُحْصَنَ كَوَطْءِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا لِلْجُنُونِ تَأْثِيرٌ فِي مَنْعِ الْإِحْصَانِ .
( الْبَابُ الثَّانِي فِي وَصْفِ مَا يَكْمُلُ بِهِ الْإِحْصَانُ مِنْ الْعُقُودِ ) وَهُوَ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ اللَّازِمُ الَّذِي لَا خِيَارَ فِيهِ فَأَمَّا الْعَقْدُ الْفَاسِدُ فَلَا يَكُونُ بِهِ الْإِحْصَانُ . وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ كُلُّ نِكَاحٍ كَانَ حَرَامًا أَوْ فَاسِدًا يُفْسَخُ لِفَسَادِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يُحْصِنُ الْوَطْءُ فِيهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِحْصَانَ لَمَّا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْكَمَالِ وَتَمَامِ الْحُرْمَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ لِأَنَّهُ مُضَادٌّ لِلْكَمَالِ وَمُنَافٍ لَهُ فَلَا تَحْصُلُ بِهِ صِفَاتُ الْكَمَالِ . ( فَرْعٌ ) فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَوَطِئَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْلِ وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ وَإِثْبَاتِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ , وَأَمَّا إنْ وَطِئَ قَبْلَهُ وَهُوَ الَّذِي يَفُوتُ بِهِ النِّكَاحُ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَعِنْدِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا أَنَّهُ وَطْءٌ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِأَنَّ أَوَّلَهُ مَمْنُوعٌ وَبَاقِيَهُ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ إحْصَانٌ وَلَا إحْلَالٌ وَإِنْ قُلْنَا أَنَّهُ مُبَاحٌ لَزِمَنَا أَنْ نَقُولَ إنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِأَنَّ تَنَاوُلَهُ حَالَ الْإِيلَاجِ وَبِهِ يَلْزَمُ النِّكَاحُ وَمَا بَعْدَهُ يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ .
( الْبَابُ الثَّالِثُ فِي ذِكْرِ مَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ مِنْ الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ ) فَإِذَا غَابَتْ الْحَشَفَةُ أَوْ غَابَ مِنْ ذَكَرٍ مَقْطُوعِ الْحَشَفَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَدْ وَجَبَ الْإِحْصَانُ فِي حَقِّ مَنْ اجْتَمَعَتْ لَهُ صِفَاتُ الْإِحْصَانِ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ فَلَا اعْتِبَارَ فِيهِ لِإِنْزَالٍ كَالْحُدُودِ وَوُجُوبِ الْمَهْرِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَهَذَا فِي الذَّكَرِ الْمُنْتَشِرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَشِرًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّتِي تَزَوَّجَتْ شَيْخًا كَبِيرًا فَأَدْخَلَتْ بِأُصْبُعِهَا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا إنْ انْتَشَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَحَلَّهَا لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا وَإِنْ بَقِيَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّهَا قَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ وَطِئَهَا فَوْقَ الْفَرْجِ فَدَخَلَ مَاؤُهُ فِي فَرْجِهَا فَأَنْزَلَتْ هِيَ لَمْ يُحْصِنْهَا ذَلِكَ وَلَمْ يُحِلَّهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَهَذَا إذَا كَانَ الْوَطْءُ مُبَاحًا عَارِيًّا مِنْ الْكَرَاهِيَةِ , وَأَمَّا إذَا تَعَلَّقَتْ بِهِ كَرَاهِيَةٌ أَوْ تَحْرِيمٌ كَوَطْءِ الصَّائِمِ أَوْ الْمُحْرِمِ أَوْ الْمُعْتَكِفِ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ يَأْخُذُ مُطَرِّفُ زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ وَالْمُظَاهَرُ مِنْهَا . وَرَوَى مَالِكٌ يُحْصِنُ وَلَا يُحِلُّ لِلْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا وَبِهِ قَالَ الْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ وَانْفَرَدَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بِقَوْلِهِ يُحِلُّ وَيُحْصِنُ وَبِهِ يَأْخُذُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ نَفْيِ الْإِحْصَانِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ مَعْنًى يُؤَثِّرُ فِي الْإِحْصَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ كَعَقْدِ النِّكَاحِ وَوَجْهُ إثْبَاتِ الْإِحْصَانِ أَنَّ هَذَا الْوَطْءَ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُبَاحٌ وَإِنَّمَا وَقَعَ عَلَى صِفَةٍ مَحْظُورَةٍ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وُقُوعَ الْإِحْصَانِ بِهِ . ( فَرْعٌ ) إذَا قُلْنَا إنَّ الصَّائِمَ يَمْنَعُ الْإِحْصَانَ فَاَلَّذِي رَوَى مُحَمَّدٌ أَنَّ الصَّائِمَةَ تَمْنَعُ الْإِحْصَانَ وَلَمْ يُفَصِّلْ قَالَ وَهَكَذَا كُلُّ مَا نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ مُوَاقَعَةِ الْجِمَاعِ فِيهِ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَا كَانَ مِنْ صِيَامِ نَذْرٍ مَعِينٍ أَوْ صِيَامِ رَمَضَانَ أَوْ كَفَّارَةِ قَتْلٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ فِدْيَةٍ أَذًى أَوْ كُلِّ صَوْمٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبٍ فَهَذَا الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا صِيَامُ التَّطَوُّعِ أَوْ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَوْ نَذْرٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْوَطْءَ فِي ذَلِكَ يُحِلُّ وَيُحْصِنُ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ .
( الْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْإِحْصَانِ ) حُكْمُ الْإِحْصَانِ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَيَتَّفِقَا عَلَى الْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ لِلْمُقِرِّ وَلَا لِلْمُنْكِرِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَزَادَ سَحْنُونٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ يَقُولُ لَهَا أَنْ تُسْقِطَ مَا أَقْرَرْت بِهِ مِنْ الْإِحْصَانِ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ فِي زِنًا وَبَعْدَهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِحْصَانَ حُكْمٌ يَلْزَمُهَا بِالْوَطْءِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ بِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ الْقَائِلُ بِهِ مِنْ أَنَّ لِلزَّوْجَةِ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمُقِرَّةُ أَنْ تَقُولَ أَرَدْت بِالْإِقْرَارِ أَخْذَ الْمَهْرِ وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَقُولَ أَرَدْت أَنْ أُثْبِتَ عَلَيْهَا الرَّجْعَةَ وَأُوجِبَ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ , وَالْحُدُودُ تُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِهَا الشُّبْهَةُ , وَلَمَّا كَانَ يَجُوزُ إسْقَاطُ الْحَدِّ جُمْلَةً بِالرُّجُوعِ عَنْ الْإِقْرَارِ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ إسْقَاطُ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ بِالْإِنْكَارِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَالرُّجُوعِ إلَى شُبْهَةٍ . ( مَسْأَلَةٌ ) : فَإِنْ طَالَتْ مُدَّةُ مَقَامِهَا عِنْدَ الزَّوْجِ الْعِشْرِينَ سَنَةً وَنَحْوِهَا ثُمَّ وُجِدَتْ تَزْنِي فَأَنْكَرَتْ وَطْءَ الزَّوْجِ وَأَقَرَّ بِهِ الزَّوْجُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ هِيَ مُحْصَنَةٌ قَالَ سَحْنُونٌ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ الرُّوَاةِ لِأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَدْفَعَ بِإِنْكَارِهَا حَقًّا وَجَبَ , لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا فِيهِ دَعْوَى , وَفِي كِتَابِ الرَّجْمِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ إنْ طَالَ مَقَامُهَا مَعَهُ ثُمَّ زَنَى فَقَالَ لَمْ أُجَامِعْهَا , إنَّهُ إنْ لَمْ يُعْلَمْ وَطْؤُهُ إيَّاهَا بِوَطْءٍ ظَاهِرٍ أَوْ إقْرَارٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَيَحْلِفُ , فَإِنْ عُلِمَ مِنْهُ إقْرَارٌ بِالْوَطْءِ رُجِمَ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ وَهَذِهِ خَيْرٌ مِنْ الَّتِي فِي كِتَابِ النِّكَاحِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ إنَّ حَدَّهَا الرَّجْمُ إذَا أَنْكَرَتْ الْوَطْءَ بَعْدَ الزِّنَا وَلَوْ لَمْ يَبِتْ عِنْدَهَا إلَّا لَيْلَةً وَاحِدَةً قَالَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ . ( فَرْعٌ ) : وَهَذَا إذَا كَانَ بَعْدَ الزِّنَا وَأَمَّا إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ وَاخْتَلَفَا فِي الْوَطْءِ قَبْلَ الزِّنَا فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ مُحْصَنَةً وَإِنْ كَانَ قَدْ أَقَامَ مَعَهَا الدَّهْرَ الطَّوِيلَ وَالسِّنِينَ الْكَثِيرَةَ فَارَقَهَا فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُفَارِقْهَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ لِأَنَّ طُولَ الْمُقَامِ لَا يَمْنَعُهَا إنْكَارَ الْوَطْءِ كَمَا لَوْ ادَّعَتْ عَلَيْهِ الْعَنَتَ لَكَانَ لَهَا ذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ .
( ش ) : قَوْلُهُ رضي الله عنه نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ يُرِيدُ أَنَّهُ نَهَى ذَلِكَ الْيَوْمَ عَنْهَا وَنَسَخَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إبَاحَتِهَا وَالْمُتْعَةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ النِّكَاحُ الْمُؤَقَّتُ مِثْلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إلَّا سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ فَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَقَدْ بَطَلَ حُكْمُ النِّكَاحِ وَكَمُلَ أَمْرُهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ أَوْ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْمُسَافِرُ يَدْخُلُ الْبَلَدَ أَتَزَوَّجُك مَا أَقَمْت حَتَّى أَقْفُلَ , وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُتْعَةُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مُبَاحَةً وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَلِمَ الْإِبَاحَةَ وَلَمْ يَعْلَمْ التَّحْرِيمَ حَتَّى أَنْكَرَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه إبَاحَةَ ذَلِكَ وَأَعْلَمَهُ بِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّحْرِيمِ . وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ { عَلِيًّا بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا لَا يَرَى بِالْمُتْعَةِ بَأْسًا فَقَالَ إنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْهَا وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ } . وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَعَطَاءَ كَانَا يُجِيزَانِ الْمُتْعَةَ ثُمَّ رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ إنَّمَا رَجَعَ لِقَوْلِ عَلِيٍّ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ وَقَعَ يُفْسَخُ زَادَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْهَا وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَقْدُ نِكَاحٍ فَسَدَ بِعَقْدِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسَخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ كَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ .
( ش ) : قَوْلُهُ يَنْكِحُ الْعَبْدُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ مُبَاحٌ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُنَّ كَالْحُرِّ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ لِلْحُرِّ وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ أَمْ لَا قَالَ مَالِكٌ بِجَوَازِهِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّا لَنَقُولُ ذَلِكَ وَمَا أَدْرِي مَا هَذَا . وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ إلَّا اثْنَيْنِ وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قوله تعالى { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ { مَا طَابَ لَكُمْ } مَا حَلَّ لَكُمْ فَبَيِّنُوا أَوَّلًا أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ حَلَالٌ لِلْعَبِيدِ حَتَّى يَثْبُتَ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ لَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ فِي مُوَاجَهَةِ الْأَحْرَارِ وَالْعَبِيدِ فَإِذَا قَالَ لَهُمْ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَقَدْ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الَّذِي يَطِيبُ وَيَحِلُّ هُوَ مَثْنَى وَثُلَاثُ وَرُبَاعُ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَةَ الطَّيِّبِ أَبْيَنُ فِي اللَّذَّةِ وَمَا يَشْتَهِيهِ الْإِنْسَانُ لَا سِيَّمَا إذَا أُضِيفَ ذَلِكَ إلَى الْمُسْتَطِيبِ فَقِيلَ لَهُ افْعَلْ مَا طَابَ لَك فَإِذَا أُطْلِقَ وَلَمْ يُضَفْ إلَى الْمُكَلَّفِ جَازَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِبَاحَةُ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ وَلَوْ جَازَ حَمْلُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعَ الْإِضَافَةِ لَكَانَ فِيمَا قُلْنَا أَظْهَرُ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْخِطَابَ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْأَحْرَارِ دُونَ الْعَبِيدِ لِأَنَّ نَفَقَاتِ زَوْجَاتِ الْعَبِيدِ عَلَى سَادَاتِهِمْ وَهُوَ تَعَالَى يَقُولُ { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ لَا تَعُولُوا } مَعْنَاهُ يَكْثُرُ عِيَالُكُمْ وَيَشُقُّ الْإِنْفَاقُ عَلَيْكُمْ كَذَلِكَ فَسَّرَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ اعْتَبَرَ بِهِ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ بَلْ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ عَالَ يَعُولُ إذَا كَثُرَ عِيَالُهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ أَعَالَ يُعِيلُ إذَا كَثُرَ عِيَالُهُ وَإِنَّمَا يُقَالُ عَالَ يَعُولُ إذَا مَالَ وَعَالَتْ الْفَرِيضَةُ تَعُولُ إذَا زَادَ حِسَابُهَا وَالْعَوْلُ قُوتُ الْعِيَالِ وَهُوَ مَا يُعَالُونَ بِهِ وَالْعَيْلَةُ الْحَاجَةُ يُقَالُ مِنْهُ عَالَ يُعِيلُ إذَا افْتَقَرَ . وَاَلَّذِي قَالَ بِهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ أَنْ لَا تَعُولُوا أَنْ لَا تَمِيلُوا كَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَقَتَادَةَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمْ وَأَنْشَدُوا بَيْتَ أَبِي طَالِبٍ بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يَخُسُّ شَعِيرَةً وَوَزَّانِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ يَعْنِي غَيْرَ مَائِلِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَلَّ زَوْجَاتُهُ اللَّاتِي يَخَافُ أَنْ لَا يَعْدِلُ بَيْنَهُنَّ كَانَ أَبْعَدَ لَهُ مِنْ الْمِيلِ وَالْجَوْرِ فِيمَا بَيْنَهُنَّ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قوله تعالى { فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ لَا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ { فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } فَذَكَرَ مَا لَا يَحْرُمُ فِيهِ الْمِيلُ مِنْ السَّرَارِي وَلَا يَلْزَمُ بَيْنَهُنَّ الْعَدْلُ , وَلَوْ أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ كَثْرَةِ الْعِيَالِ وَالْإِنْفَاقِ لَمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْعِيَالِ تَحْصُلُ بِالْإِمَاءِ كَمَا تَحْصُلُ بِالْأَحْرَارِ , وَالْإِنْفَاقُ يَلْزَمُ عَلَيْهِنَّ كَمَا يَلْزَمُ لِلزَّوْجَاتِ , وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ إنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجَاتِهِ بَلْ ذَلِكَ لَازِمٌ فِيمَا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ يُوصَى لَهُ بِهِ وَأَمَّا سَيِّدُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ نَفَقَتِهِنَّ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَا طَرِيقُهُ الشَّهْوَةُ وَالْمَلَاذُ يَتَسَاوَى فِيهِ حُكْمُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي قوله تعالى { هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ } وَمَعْنَى ذَلِكَ إنْكَارُ مُسَاوَاةِ الْعَبِيدِ الْأَحْرَارَ فِيمَا رُزِقُوهُ وَيُلْغَى هَذَا الْحُكْمُ , وَلَوْ جَازَ لِعَبْدٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا لَكَانَ قَدْ سَاوَى الْحُرَّ فِيمَا رُزِقَهُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْآيَةِ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ إلَّا أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى نَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِيمَا خَلَقَهُ وَتَمَلَّكَهُ كَمَا لَيْسَ لِعَبِيدِنَا شَرِكَةٌ فِيمَا رُزِقْنَاهُ وَزَوْجَةُ الْعَبْدِ لَيْسَ مِمَّا رُزِقْنَاهُ فَيُشَارِكُنَا فِيهَا وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَإِنَّ الْعَبِيدَ يُشَارِكُونَ الْأَحْرَارَ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ مِنْ جَوَازِ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ وَتَحْرِيمِ الظُّلْمِ لَهُمْ وَإِبَاحَاتِ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْمَلَاذِ وَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ , وَأَمَّا النِّكَاحُ فَقَدْ أُبِيحَ لِلْعَبْدِ مِنْهُ مَا لَمْ يُبَحْ لِلْحُرِّ وَهُوَ نِكَاحُ الْإِمَاءِ مِنْ غَيْرِ عَدَمِ طَوْلٍ وَلَا خَوْفِ عَنَتٍ . وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّنَا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ نَفْيُ مُسَاوَاةِ الْعَبْدِ لِلْحُرِّ فِي النِّكَاحِ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْكِحُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَالْحُرَّ يَنْكِحُ بِغَيْرِ إذْنٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ الْمُسَاوَاةِ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى نَفْيِ الْمُسَاوَاةِ فِي عَدَدِ الزَّوْجَاتِ وَلَا لَفْظٌ عَامٌّ يُتَعَلَّقُ بِهِ وَلِذَلِكَ تُسَاوِي الْأَمَةُ الْحُرَّةَ فِي عَدَدِ الْأَزْوَاجِ وَقَدْ تَعَلَّقَ فِي هَذَا الْقَوْلِ مَنْ احْتَجَّ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنهم وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ وَهَذَا لَمْ يَشْتَهِرْ مِنْ قَوْلِهِمْ اشْتِهَارًا يَصِحُّ بِهِ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ الْخِلَافِ , وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَعْنَى ذُو عَدَدٍ بُنِيَ عَلَى التَّفْصِيلِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسَاوِيَ فِيهِ الْعَبْدُ الْحُرَّ كَالطَّلَاقِ وَالْعَدَدِ وَالْحُدُودِ وَوَصْفُهُ بِأَنِّي بُنِيَ عَلَى التَّفْصِيلِ غَيْرُ مُسْلِمٍ . ( فَرْعٌ ) إذَا قُلْنَا يَتَزَوَّجُ أَرْبَعًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُنَّ حَرَائِرَ وَجَمِيعُهُنَّ إمَاءٌ وَبَعْضُهُنَّ حَرَائِرُ وَسَائِرُهُنَّ إمَاءٌ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ أَرْبَعٍ فَجَازَ أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعَ حَرَائِرَ كَالْحُرِّ .
السَّيِّدُ يَمْلِكُ نِكَاحَ الْعَبْدِ وَلَهُ أَنْ يَجْبُرَهُ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَا يَجْبُرُهُ عَلَى النِّكَاحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ قوله تعالى { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } قُلْنَا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَمْلِكُوا الْإِنْكَاحَ لَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ , وَالثَّانِي أَنَّهُ قَرَنَ ذِكْرَهُمْ بِذِكْرِ الْإِمَاءِ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ لِلسَّيِّدِ إجْبَارَ أَمَتِهِ عَلَى النِّكَاحِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ بِمَنْزِلَتِهَا وَهَذَا مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِالْقَرَائِنِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ رِقَّهُ يَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ كَالْأَمَةِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إذَا انْفَرَدَ بِمِلْكِ جَمِيعِهِ وَلَمْ يُرِدْ بِإِنْكَاحِهِ ذَلِكَ الْإِضْرَارَ بِهِ , فَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ شَرِيكٌ أَوْ كَانَ بَعْضُهُ حُرًّا لَمْ يَمْلِكْ إجْبَارَهُ عَلَى النِّكَاحِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ انْتِزَاعَ مَالِهِ فَلَا يَمْلِكُ إنْكَاحَهُ كَالْحُرِّ . ( مَسْأَلَةٌ ) : إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ زَوَّجَهُ سَيِّدُهُ جَبْرًا مَلَكَ ارْتِجَاعَ زَوْجَتِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَبَاحَ لَهُ الْبُضْعَ بِالنِّكَاحِ أَوْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ فَقَدْ مَلَكَ جَمِيعَ أَحْكَامِهِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْعَقْدِ كَمَا لَيْسَ لَهُ مِنْهُ مَنْعُهُ مِنْ الْوَطْءِ , وَالرَّجْعَةُ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ فَمَلَكَهَا الْعَبْدُ بِذَلِكَ . ( مَسْأَلَةٌ ) : لَا يُجْبَرُ السَّيِّدُ عَلَى إنْكَاحِ عَبْدِهِ وَلَا إنْكَاحِ أَمَتِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ يُجْبَرُ عَلَى نِكَاحِ عَبْدِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ مَحْضُ مِلْكِ رِقِّهِ فَإِذَا دَعَاهُ إلَى إنْكَاحِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ كَالْأَمَةِ .
أَمَّا فِي حُكْمِ عَقْدِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَتَجْوِيزِ السَّيِّدِ لَهُ وَفَسْخِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنْ تَزَوَّجَ بِإِذْنِهِ فَنِكَاحُهُ صَحِيحٌ وَإِنْ بَاشَرَ الْعَبْدُ الْعَقْدَ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ النِّكَاحَ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ فِي ذَلِكَ إذْنُ السَّيِّدِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِمَنَافِعِهِ وَمَالِهِ , وَإِنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنَّ لِلسَّيِّدِ فَسْخُهُ وَهَلْ لَهُ أَنْ يُجِيزَهُ ؟ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ إجَازَتَهُ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْفَرْجِ أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إجَازَةُ السَّيِّدِ قَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي , وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَقْدٌ بَاشَرَهُ مَنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ وَإِنَّمَا فِيهِ الْخِيَارُ لِلسَّيِّدِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِمَنَافِعِهِ وَمَالِهِ , وَالْخِيَارُ إذَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ دُونَ الشَّرْطِ لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ النِّكَاحِ كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعُنَّةِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالْجُنُونِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ إنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْنَةَ الْأَجْنَبِيِّ الْبِكْرَ إنْ أَجَازَ ذَلِكَ أَبُوهَا وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ إنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْفَسْخِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَإِنْكَاحُ الرَّجُلِ ابْنَةَ الْأَجْنَبِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ فَلَا يَجُوزُ كَاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ . ( فَرْعٌ ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّ لِلسَّيِّدِ الْفَسْخَ أَوْ الْإِجَازَةَ فَإِنْ أَرَادَ الْفَسْخَ فَإِنَّهُ يَكُونُ طَلَاقًا وَكَمْ طَلْقَةً يَمْلِكُ السَّيِّدُ مِنْ ذَلِكَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ السَّيِّدَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَلَيْهِ وَاحِدَةً أَوْ أَلْبَتَّةَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً وَتَكُونُ تِلْكَ الطَّلْقَةُ بَائِنَةً , وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بِالشَّرْعِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ وَالْبَتَّةِ كَالزَّوْجِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ ذَلِكَ لِلسَّيِّدِ لِمَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ النِّكَاحُ فِي عَبْدِهِ مِنْ الْعَيْبِ وَالطَّلْقَةُ الْوَاحِدَةُ الْبَائِنَةُ تُفْرِغُ لَهُ عَبْدَهُ وَتُزِيلُ عَنْهُ عَيْبَهُ فَلَا حَاجَةَ لَهُ إلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إيقَاعُهُ .