un blog qui traite des sujets sur l'islam
6 Septembre 2013
شرح كتاب النكاح الجزء3 ( الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ مَنْ يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِشَهَادَتِهِ ) لَا يَثْبُتُ بِأَقَلِّ مِنْ شَاهِدَيْنِ مِنْ الرِّجَالِ وَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قوله تعالى فِي الطَّلَاقِ وَقِيلَ فِي الرَّجْعَةِ ( { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } ) وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُثْبِتُ حُكْمًا فِي الْبَدَنِ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ بِانْفِرَادِهِنَّ لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَتِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَدَلِيلٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ هَذَا جِنْسٌ لَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِاثْنَيْنِ مِنْهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الشَّهَادَةِ بِهِ كَالْعَبِيدِ وَالْفُسَّاقِ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه هَذَا نِكَاحُ السِّرِّ وَلَا أُجِيزُهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ النِّكَاحِ غَيْرَ أَنَّ تَعْلِيلَهُ لِمَنْعِهِ بِأَنَّهُ مِنْ نِكَاحِ السِّرِّ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نِكَاحِ السِّرِّ فَمَنَعَ مِنْهُ مَالِكٌ . وَقَالَ إنَّهُ يُفْسَخُ إنْ وَقَعَ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يُفْسَخُ وَاسْتِدْلَالُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَسْوَدِ الْقُرَشِيُّ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : أَعْلِنُوا بِالنِّكَاحِ } وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الِاسْتِسْرَارَ بِالنِّكَاحِ مَمْنُوعٌ لِمُشَابِهَةِ الزِّنَا الَّذِي يُتَوَاطَأُ عَلَيْهِ سِرًّا فَيَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ النِّكَاحُ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يَتَمَيَّزُ مِنْ الزِّنَا وَلِذَلِكَ شُرِعَ فِيهِ ضَرْبٌ مِنْ اللَّهْوِ وَالْوَلِيمَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِعْلَانِ فِيهِ . ( فَرْعٌ ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الَّذِي يُرَاعَى فِيهِ تَرْكُ التَّوَاطُؤِ عَلَى الْكِتْمَانِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عَقْدُهُ دُونَ ذِكْرِ كِتْمَانٍ وَلَا إعْلَانٍ فَمَتَى عَقَدَ عَلَى هَذَا فَهُوَ عَقْدٌ صَحِيحٌ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكِتْمَانِ وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْتَرِنَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ الْإِشْهَادُ عِنْدَ مَنْ يُخَالِفُنَا أَوْ تَرْكُ التَّوَاطُؤِ عَلَى الْكِتْمَانِ عِنْدَنَا . وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمَعْنَى دُونَ سَائِرِ الْعُقُودِ وَكُلُّ مَا يُلْزِمُنَا الْمُخَالِفُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَذِهِ يَلْزَمُهُ مِثْلُهُ فِي مَسْأَلَةِ مُقَارَنَةِ الْإِشْهَادِ لِعَقْدِ النِّكَاحِ , وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مُتَقَارِبَةُ الْأَسَانِيدِ لَا يَكَادُ يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه وَمَا شَاعَ مِنْهُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ يُقَوِّي الْمَنْعَ مِنْ الْكِتْمَانِ وَيَرْجِعُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ صِفَةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا النِّكَاحُ مِنْ السِّفَاحِ وَنَحْنُ لَا نُرَاعِي نَفْيَ الْكِتْمَانِ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ أَسْبَابِ الزِّنَا الَّذِي لَا يَكَادُ يُفَارِقُهَا وَيُرَاعَى الْإِشْهَادُ بِهِ فِي صِحَّةِ الْوَطْءِ وَمُفَارِقَتِهِ لِلزِّنَا فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْإِشْهَادِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِشْهَادِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ وَتَصْحِيحِ الْوَطْءِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَطْءِ الزِّنَا وَوَجْهٌ ثَانٍ مِنْ التَّرْجِيحِ وَهُوَ أَنَّنَا لَا نَشْتَرِطُ زِيَادَةً عَلَى إطْلَاقِ الْعَقْدِ فِي صِحَّتِهِ وَإِنَّمَا نَتَّقِي إحْدَاثَ صِفَةٍ تُشَابِهُ صِفَةَ الزِّنَا وَهِيَ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكِتْمَانِ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ : إنَّ إطْلَاقَ الْعَقْدِ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ حَتَّى يَشْتَرِطَ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْإِشْهَادُ وَيَصِحُّ إذَا اتَّفَقَا عَلَى صِفَةٍ لَيْسَتْ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَبِهَا يُشَابِهُ الزِّنَى وَهِيَ الْكِتْمَانُ , فَكَانَ مَا قُلْنَا أَوْلَى لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ صَحِيحٍ فِي الشَّرِيعَةِ فَإِنَّ إطْلَاقَهُ لِلْعَقْدِ مَعَ مَنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ مِنْهُ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَغَيْرِهَا . ( فَرْعٌ ) وَكُلُّ نِكَاحٍ اُسْتُكْتِمَهُ شُهُودُهُ فَهُوَ مِنْ نِكَاحِ السِّرِّ وَإِنْ كَثُرَ الشُّهُودُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَعُمَرُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ عِيسَى سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِمِصْرَ يَقُولُ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى هَذَا الْمَسْجِدِ ثُمَّ اُسْتُكْتِمُوا كَانَ نِكَاحَ سِرٍّ قَالَ أَصْبَغُ وَهُوَ الْحَقُّ وَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى قَالَ لَا يَكُونُ نِكَاحُ السِّرِّ إلَّا فِي مِثْلِ الَّذِي وَقَعَ بِعَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَأَمَأ أَنْ يَشْهَدَ فِيهِ رَجُلَانِ عَدْلَانِ فَصَاعِدًا فَهُوَ نِكَاحٌ حَلَالٌ جَائِزٌ وَإِنْ اسْتَكْتَمَ ذَلِكَ الشُّهُودَ لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَهُ عَدْلَانِ فَصَاعِدًا فَلَيْسَ بِسِرٍّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَعْقُودٌ عَلَى الْكِتْمَانِ الَّذِي يُنَافِي النِّكَاحَ وَيُشَابِهُ التَّسَبُّبَ إلَى الزِّنَا وَإِنْ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ وَالْأَوْلِيَاءُ عَلَى الْكِتْمَانِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ الشُّهُودُ فَهُوَ نِكَاحُ السِّرِّ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه وَلَوْ كُنْت تَقَدَّمْت فِيهِ لَرَجَمْت قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا هَذَا مِنْ عُمَرَ رضي الله عنه عَلَى وَجْهِ التَّشْدِيدِ فِي الزَّجْرِ عَنْهُ وَالْمَنْعِ مِنْهُ وَلَا رَجْمَ وَلَا حَدَّ إذَا وَقَعَ وَلَكِنْ الْعُقُوبَةُ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ يُعَاقَبُ الشَّاهِدَانِ إنْ أَتَيَا ذَلِكَ عَنْ مَعْرِفَةِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ وَإِنْ جَهِلَا ذَلِكَ لَمْ يُعَاقَبَا زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيُعَاقَبُ النَّاكِحُ وَالْمُنْكَحُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي فِي قَوْلِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ يُوجِبُ الْحَدَّ فِيهِ إذَا لَمْ يَقَعْ الْإِشْهَادُ بِهِ وَظَهَرَ بِهِمَا بَعْدَ الْبِنَاءِ وَالْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ مِنْ غَيْرِ إعْلَانٍ وَلَا إشْهَادٍ وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ إنَّمَا كَانَ فِي امْرَأَةٍ مُوَلَّدَةٍ تَزَوَّجَهَا رَبِيعَةُ بْنُ أُمَيَّةَ الْجُمَحِيُّ نِكَاحَ سِرٍّ فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَدَرَأَ عَنْهُمَا الْحَدَّ عُمَرُ رضي الله عنه لَمَّا لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ وَلَمَّا قَدَّرَ بِهِمَا مِنْ الْجَهْلِ بِمَنْعِهِ فَيَكُونُ قَوْلُ عُمَرَ لَوْ كُنْت تَقَدَّمَتْ فِيهِ لَرَجَمْت بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ تَقَدُّمًا لَمَنَعَ هَذَيْنِ النَّاكِحَيْنِ عِلْمُهُ وَلَا يَكُونَانِ مِمَّنْ يَجْهَلُ حُكْمَهُ فِيهِ لَرَجَمْتهمَا لِمَا ظَهَرَ مِنْ حَمْلِ الْمَرْأَةِ دُونَ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ . ( ش ) : قَوْلُهُ فَكَرِهَا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا يُرِيدُ أَنَّهُمَا كَرِهَا أَنْ يَجْتَمِعَ فِي مِلْكِهِ حُرَّةٌ وَأَمَةٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي حَقِّ الْحُرَّةِ وَكَانَ السُّؤَالُ إنَّمَا وَرَدَ عَلَى نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ فَأَجَابَ عَلَى مَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ السُّؤَالِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ وَهُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ وَالثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهُمَا جَمِيعًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ , وَالثَّالِثُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْحُرَّةَ عَلَى الْأَمَةِ لَكِنَّهُ لَمَّا تَسَاوَتْ عِنْدَهُمَا هَذِهِ الْوُجُوهُ فِي الْمَنْعِ أَجَابَ عَنْ جَمِيعِهَا وَإِنْ كَانَا سُئِلَا عَنْ أَحَدِهِمَا فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ فَقَدْ كَانَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْمَالِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يَجُوزُ وَيَتَخَيَّرُ الْحُرَّةَ وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ . وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَلَالٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِالْمَنْعِ قوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ } إلَى قوله تعالى { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } وَذَلِكَ أَنَّ الْحُرَّةَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هِيَ الطَّوْلُ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ يَمْنَعُهُ نِكَاحَ الْأَمَةِ فَبِأَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْحُرَّةِ زَوْجَةً لَهُ أَوْلَى وَأَحْرَى وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الطَّوْلَ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى صَدَاقِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهُ السَّعَةُ فِي الْمَالِ فِيهِ يُتَوَصَّلُ إلَى مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ نِكَاحِ الْحَرَائِرِ فَأَمَّا الْحُرَّةُ فَلَيْسَتْ تُسَمَّى طَوْلًا لُغَةً وَلَا شَرْعًا وَلَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النِّكَاحِ . ( فَصْلٌ ) : وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَلَالٌ فَقَدْ قِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ أَيْنَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَقَالَ أَرَاهُ يُرِيدُ قوله تعالى { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } وَهَذَا عَامٌّ قَالَ مُحَمَّدٌ فَهَذِهِ عِنْدَ مَالِكٍ نَاسِخَةٌ لقوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } إلَى قوله تعالى { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ } مِنْكُمْ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ كَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ : نِكَاحُ الْأَمَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَلَالٌ فَاسْتَوْقَفْنَاهُ عَلَيْهِ فِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ حَلَالٌ وَفِي أَيِّ الْآيَاتِ فَقَالَ لَا أَدْرِي وَمَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْآيَةَ النَّاسِخَةَ عِنْدَهُ عَامَّةٌ وَالْمَنْسُوخَةَ خَاصَّةٌ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِ إلَّا أَنْ يُنْقَلَ النَّسْخُ فِي ذَلِكَ وَالْأَوْضَحُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قوله تعالى { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ } إلَى قوله تعالى { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } فَأَبَاحَ لَهُ نِكَاحَهَا بِوُجُودِ شَرْطَيْنِ وَبَقِيَ مَا عُدِمَ فِيهِ الشَّرْطَانِ مَسْكُوتًا عَنْهُ عَلَى مَنْعِنَا الْقَوْلَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَمَنْعِنَا أَنْ يَكُونَ لَفْظُ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَصْرِ ثُمَّ وَرَدَ قوله تعالى { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } عَامًا مُطْلَقًا دُونَ شَرْطٍ فَكَانَ مَا قَابَلَ الْآيَةَ الْمُقَيَّدَةَ مِنْ الْآيَةِ الْمُطْلَقَةِ مُوَافِقًا لَهَا وَمُمَاثِلًا لِمَعْنَاهَا وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْآيَةِ الْمُطْلَقَةِ فَقَدْ بَيَّنَ فِي الْآيَةِ الْمُطْلَقَةِ وَسَكَتَ عَنْهُ فِي الْآيَةِ الْمُقَيَّدَةِ وَبِهَذَا نَقُولُ فِي الْآيَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْآيَةِ الْمُقَيَّدَةِ مَتَى وَرَدَتَا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ مُتَعَلِّقٍ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَإِنَّمَا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ مِنْ اللَّفْظِ عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ . وَيُحْتَمَلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَلَالٌ رَاجِعًا إلَى سُؤَالِ السَّائِلِ عَنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ فَقَالَ أَنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى حَلَالٌ وَأَشَارَ إلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } إلَى قوله تعالى { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } يُرِيدُ أَنَّهُ جَائِزٌ مَعَ وُجُودِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ وَأَنَّ كَوْنَ الْحُرَّةِ عِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ الْإِبَاحَةَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِطَوْلٍ وَلَا يَأْمَنُ مَعَهَا الْعَنَتَ فَيَكُونُ هَذَا مَعْنَى مَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تَحْلِيلِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَرْعٌ ) فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فَهَلْ ذَلِكَ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ مَنْ تَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمَةِ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ إنْ تَزَوَّجَهَا خُيِّرَتْ الْحُرَّةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِيجَابُ الْفَسْخِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَمَنْعُ الْفَسْخِ مَعَ مَنْعِ النِّكَاحِ أَوَّلًا يَقْتَضِي الْكَرَاهِيَةَ دُونَ التَّحْرِيمِ وَأَمَّا إذَا كَانَ وَاجِدًا لِلطَّوْلِ الَّذِي هُوَ الْمَالُ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّ مَالِكًا قَالَ لَا بَأْسَ لِلْحُرِّ تَحْتَهُ الْحُرَّةُ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً وَخَافَ الْعَنَتَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً قَالَ ابْنُ وَهْبٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالِكٌ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلِلْحُرَّةِ الْخِيَارُ فَعَلَى هَذَا فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ : إحْدَاهَا لَا يَجُوزُ وَإِنْ عَدِمَ الطَّوْلَ الَّذِي هُوَ الْمَالُ وَخَافَ الْعَنَتَ إذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ , وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا وَلَا خَافَ عَنَتًا , وَالثَّالِثَةُ وَيَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الطَّوْلِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ وَلَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ وَأَمَانِ الْعَنَتِ وَالطَّوْلُ فِي الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ أَظْهَرُ فِي الْمَالِ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْحُرَّةُ . ( فَرْعٌ ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَنْكِحُ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ فَإِنَّ لِلْحُرَّةِ الْخِيَارُ لِلنَّقْصِ الدَّاخِلِ عَلَيْهَا بِأَنْ تَكُونَ ضَرَّتُهَا أَمَةً وَمَا الَّذِي يَكُونُ لَهَا مِنْ الْخِيَارِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ إنْ أَحَبَّتْ أَوْ تُفَارِقَهُ إنْ شَاءَتْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْمُغِيرَةُ إنَّمَا يَكُونُ الْخِيَارُ لِلْحُرَّةِ فِي أَنْ تُقِيمَ أَوْ تُفَارِقَ إذَا كَانَتْ هِيَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الْأَمَةِ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ هِيَ الدَّاخِلَةَ عَلَيْهَا فَالْخِيَارُ لِلْحُرَّةِ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ إنْ شَاءَتْ أَقَرَّتْهُ وَإِنْ شَاءَتْ رَدَّتْهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْخِيَارَ إذَا ثَبَتَ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِمَعْنَى فِي جِهَةِ الْآخَرِ فَإِنَّمَا يَكُونُ خِيَارُهُ فِي أَنْ يُقِيمَ أَوْ يُفَارِقَ وَلَا يَتَعَدَّى خِيَارُهُ إلَى غَيْرِهِ كَعَيْبِ الْجَبِّ وَالْخِصَاءِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ . وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ لِإِزَالَةِ الضَّرَرِ الَّذِي لَحِقَهَا لِكَوْنِ الْأَمَةِ ضَرَّةً لَهَا وَدَاخِلَةً عَلَيْهَا فَلَهَا أَنْ تُزِيلَهُ عَنْ نَفْسِهَا بِرَدِّ نِكَاحِهَا وَمَتَى قُلْنَا أَنَّ خِيَارَهَا مِنْ أَنْ تَفْسَخَ نِكَاحَهَا كَانَ خِيَارًا فِي زِيَادَةِ الضَّرَرِ لَا فِي إزَالَتِهِ . ( فَرْعٌ ) وَهَذَا يَكُونُ لِلْحُرَّةِ أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ بِطَلْقَةٍ مُبْهَمَةٍ وَتَكُونُ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا وَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بِالْبَتَاتِ كَانَتْ ثَلَاثًا وَقَدْ خَالَفَتْ السُّنَّةَ وَفِي الَّتِي يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ عَلَيْهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً بَائِنَةً وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ فَتُخْرِجُ الرِّوَايَةُ الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا وَإِنَّمَا كَانَتْ الطَّلْقَةُ الْوَاحِدَةُ بَائِنَةً فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ الطَّلَاقَ بَاقٍ ثَابِتٌ وَهُوَ وُجُودُ الْأَمَةِ فِي عِصْمَتِهِ فَإِذَا كَانَ سَبَبًا لِإِبْطَالِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ لَمْ يَصِحَّ الِارْتِجَاعُ مَعَهُ لِأَنَّ الْخِيَارَ الثَّابِتَ لَهَا بِالشَّرْعِ فِي أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا يُبْطِلُ الرَّجْعَةَ وَكُلُّ طَلَاقٍ لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ مَعَهُ فَإِنَّهُ بَائِنٌ كَالْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ الْبَائِنِ , وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا النَّصْرَانِيَّةُ تُسْلِمُ تَحْتَ النَّصْرَانِيِّ ثُمَّ يُسْلِمُ فِي عِدَّتِهَا فَإِنَّهَا زَوْجَتُهُ لِأَنَّ إسْلَامَهَا لَيْسَ بِطَلَاقٍ وَلَا يَحْتَاجُ بِإِسْلَامِهِ إلَى ارْتِجَاعٍ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا فُرْقَةُ الْمَوْلَى فَإِنَّ الرَّجْعَةَ فِيهِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْوَطْءِ وَلِأَنَّ ضَرَرَ كَوْنِ الْأَمَةِ ضَرَّةً لَهَا ثَابِتٌ مُسْتَدَامٌ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ لَا يَكُونُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَأَشْبَهَ مَا يُوجَدُ بِجِسْمِهِ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ وَأَمَّا ضَرَرُ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْوَطْءِ فَإِنَّ الْوَطْءَ لَا يُسْتَدَامُ وَإِنَّمَا هُوَ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ فَأَشْبَهَ الِاعْتِبَارَ بِالْمَنْفَعَةِ . ( ش ) : قَوْلُهُ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْأَمَةَ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا بِكُلِّ سَبَبٍ وَعَلَى كُلِّ وَجْهٍ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ . وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا وَلَمْ تَتَزَوَّجْ غَيْرَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ فِي إبَاحَةِ الْوَطْءِ أَقْوَى مِنْ عَقْدِ الشِّرَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَقْصُودُهُ فَإِذَا لَمْ يَسْتَبِحْ وَطْأَهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَبِأَنْ لَا نُبِيحَ لَهُ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْلَى وَأَحْرَى . ( ص ) : ( مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سُئِلَا عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ عَبْدًا لَهُ جَارِيَةً لَهُ فَطَلَّقَهَا الْعَبْدُ أَلْبَتَّةَ ثُمَّ وَهَبَهَا سَيِّدُهَا لَهُ فَهَلْ تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَقَالَا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) . ( ش ) : قَوْلُهُمَا فِي الْعَبْدِ تُوهَبُ لَهُ زَوْجَتُهُ أَمَةً بَعْدَ أَنْ كَانَ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُهَا بِالْهِبَةِ مَا لَمْ تَنْكِحْ زَوْجًا غَيْرَهُ لِأَنَّ مِلْكَهُ إيَّاهَا هِبَةً أَوْ صَدَقَةً أَوْ ابْتِيَاعًا أَوْ مِيرَاثًا لَا يَخْتَلِفُ بِوَجْهِ الْمِلْكِ صِفَةَ الْمِلْكِ فَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي الْإِبَاحَةِ . ( ص ) : ( مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ رَجُلٍ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةٌ مَمْلُوكَةٌ فَاشْتَرَاهَا وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَقَالَ تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ مَا لَمْ يُبِتَّ طَلَاقَهَا فَإِنْ بَتَّ طَلَاقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) . ( ش ) : قَوْلُهُ فِي الَّذِي يَبْتَاعُ الْأَمَةَ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ وَجْهُهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ اسْتِبَاحَتُهَا بِالنِّكَاحِ فَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ اسْتِبَاحَتُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَالْأَجْنَبِيَّةِ لِأَنَّهُ مَلَكَ التَّمَتُّعَ بِعَقْدٍ يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ فَإِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ مِنْ الطَّلَاقِ مَا يَمْنَعُهُ ارْتِجَاعَهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَسْتَبِيحَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَإِذَا كَانَ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ فِيهَا مِنْ الطَّلَاقِ يَمْنَعُ ارْتِجَاعَهَا فَإِنَّهُ يَمْنَعُ اسْتِبَاحَةَ وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَمَا لَوْ ارْتَجَعَهَا وَاسْتَأْنَفَ نِكَاحَهَا . ( ش ) : قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فِي الْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا لَا أُحِبُّ أَنْ أَخْبُرَهُمَا يُرِيدُ لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونُ وَاطِئًا لَهُمَا جَمِيعًا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَتَى وَطِئَ إحْدَاهُمَا أَيَّتَهمَا كَانَتْ امْتَنَعَ مِنْ وَطْءِ الْأُخْرَى فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْد الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ قَدْ نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ } الْآيَةَ وَفِيهَا { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ } وَهَذَا عَلَى أَنْ يُحْمَلَ النِّسَاءُ عَلَى مُقْتَضَى اللُّغَةِ دُونَ عُرْفِهَا وَكَذَلِكَ الرَّبَائِبُ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ عَامًا فِي الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ وَبِمِلْكِ الْيَمِينِ . وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مَا وَصَفْت لَك أَنَّهُ يَحْرُمُ بِالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِالْمِلْكِ يُرِيدُ الْوَطْءَ فِيهِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَمَنْ وَطِئَ مِنْهُمَا الْأُمَّ وَالِابْنَةَ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْأُخْرَى أَبَدًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَمْلِكُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا كَالْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ فَلِذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مِلْكِ الْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا بِالْوَطْءِ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ مُحَرَّمٌ كَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه لَا أُحِبُّ أَنْ أَخْبُرَهُمَا جَمِيعًا مَعْنَاهُ أَعْرِفُ حَالَ هَذِهِ وَحَالَ هَذِهِ بِالْوَطْءِ مَأْخُوذٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ الِاخْتِبَارِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَهَذَا حُكْمُ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَكَذَلِكَ الِالْتِذَاذُ مِنْهَا بِالنَّظَرِ إلَى الْمَعَاصِمِ وَالصَّدْرِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَرُمَ لِلْوَطْءِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ لِلنَّظَرِ عَلَى وَجْهِ اللَّذَّةِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا عَقَدَ عَلَى الِابْنَةِ عَقْدَ نِكَاحٍ . ( ش ) : قَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه لِابْنِهِ حِينَ وَهَبَهُ الْجَارِيَةَ وَلَا تَمَسَّهَا يَقْتَضِي صِحَّةَ مِلْكِ ابْنِهِ لِمَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَإِنَّمَا نَهَاهُ عَنْهَا لِيُعَرِّفَهُ أَنَّهُ قَدْ جَرَى لَهُ فِيهَا مَا حَرَّمَ عَلَى ابْنِهِ وَطْؤُهَا وَالِاسْتِمْتَاعُ بِهَا . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ رضي الله عنه فَإِنِّي قَدْ كَشَفْتهَا يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ كَشَفَ عَنْهَا وَنَظَرَ إلَى بَعْضِ مَا تَسْتُرُهُ مِنْ جَسَدِهَا عَلَى وَجْهِ طَلَبِ اللَّذَّةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ مِنْهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ مَلَكَ أَمَةً فَتَلَذَّذَ مِنْهَا بِتَقْبِيلٍ أَوْ تَجْرِيدٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ مُغَامَزَةٍ أَوْ نَظَرٍ إلَى شَيْءٍ مِنْ مَحَاسِنِهَا نَظَرَ شَهْوَةٍ فَكُلُّ ذَلِكَ يُحَرِّمُ عَلَى ابْنِهِ وَعَلَى أَبِيهِ التَّلَذُّذَ بِشَيْءٍ مِنْهَا إنْ مَلَكَهَا بَعْدَهُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِك وَزَادَ وَكَذَلِكَ إنْ نَظَرَ إلَى سَاقَهَا أَوْ مِعْصَمِهَا تَلَذُّذًا فَلَا تَحِلُّ لِابْنِهِ وَلَا لِأَبِيهِ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّ نَظَرَهُ إلَى فَرْجِهَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ جَسَدِهَا لَا يُحَرِّمُهَا وَقَالَ وَالدَّلِيلُ لِذَلِكَ أَنَّهُ نَظَرَ إلَى جَسَدِهَا مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ وَلَا إنْزَالٍ فَلَمْ تَحْرُمْ بِذَلِكَ عَلَى ابْنِهِ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا نَظَرَ إلَى وَجْهِهَا مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ وَالدَّلِيلُ لِصِحَّةِ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا اسْتِمْتَاعٌ مُبَاحٌ فَوَجَبَ أَنْ تَحْرُمَ بِهِ عَلَى الِابْنِ كَالْوَطْءِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : فَأَمَّا إنْ نَظَرَ إلَيْهَا عِنْدَ اشْتِرَائِهِ , أَوْ مَرِضَ فَقَامَتْ عَلَيْهِ وَاطَّلَعَتْ عَلَى عَوْرَتِهِ وَمَسَّتْ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ مَرِضَتْ فَقَامَ هُوَ عَلَيْهَا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُحَرِّمُهَا ذَلِكَ عَلَى أَبِيهِ وَلَا عَلَى ابْنِهِ قَالَ أَصْبَغُ وَذَلِكَ عِنْدِي إذَا صَحَّ هَذَا وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ اللَّذَّةِ بِقَلْبٍ وَلَا بَصَرٍ وَلَا يَدٍ وَلَا فِعْلٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ اسْتِمْتَاعٌ وَلَا قَصْدٌ إلَى الِالْتِذَاذِ بِهَا فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى ابْنِهِ كَاسْتِخْدَامِهَا . ( ش ) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَحِلُّ نِكَاحُ أَمَةٍ يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ بِجَوَازِ ذَلِكَ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ رحمه الله مِنْ قوله تعالى { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } وَهَذَا عَامٌ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْمُشْرِكَاتِ يَتَنَاوَلُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَنَّ مَعْنَى الشِّرْكِ الْإِشْرَاكُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَمَنْ جَعَلَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ابْنًا لِلَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَهُ مَعَهُ وَبِذَلِكَ تَعَلَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْمَنْعِ مِنْ نِكَاحِ الْحَرَائِرِ الْكِتَابِيَّاتِ . وَقَالَ رضي الله عنه لَا أَعْلَمُ شِرْكًا أَعْظَمُ مِمَّنْ جَعَلَ لِلَّهِ صَاحِبَةً وَوَلَدًا , وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى { وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ } إلَى قَوْلِهِ { وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لَا إلَهَ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } , وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ امْرَأَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا نَقْصَانِ مُؤَثِّرَانِ فِي مَنْعِ النِّكَاحِ فَلَمْ يَجُزْ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَالْحُرَّةِ الْمَجُوسِيَّةِ اجْتَمَعَ فِيهَا نَقْصُ الْكُفْرِ وَنَقْصُ عَدَمِ الْكِتَابِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ هَذَا لِحُرٍّ وَلَا لِعَبْدٍ فَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ مِنْ أَمَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا نَقْصٌ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ يَمْنَعُ نِكَاحَ الْحُرِّ فَمَنَعَ نِكَاحَ الْمَجُوسِيَّةِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَمَنْ كَانَ تَحْتَهُ مِنْ النَّصَارَى أَمَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ فَأَسْلَمَ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُفَارِقُهَا وَعَنْ أَشْهَبَ لَا يُفَارِقُهَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَعْنًى يُنَافِي ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ فَوَجَبَ أَنْ يُنَافِيَ اسْتِدَامَتَهُ كَالْأُخُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي قَوْلِ أَشْهَبَ لَعَلَّهُ يُرِيدُ إنْ أُعْتِقَتْ أَوْ أَسْلَمَتْ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ بَعْدَ هَذَا مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } فَهُنَّ الْحَرَائِرُ مِنْ الْيَهُودِيَّاتِ وَالنَّصْرَانِيَّات يُرِيدُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِالْحَرَائِرِ خَاصَّةً دُونَ الْإِمَاءِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُشْرِكَةٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } ثُمَّ خَصَّ هَذَا الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } فَهُنَّ الْحَرَائِرُ فَأَبَاحَ تَعَالَى نِكَاحَ حَرَائِرِهِنَّ وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَقَالُوا الْآيَةُ مُخَصَّصَةٌ بِعُمُومِ الْآيَةِ الْمَانِعَةِ وَقَدْ تَزَوَّجَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مَنَعَهُ غَيْرَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه وَتَعَلَّقَ فِيهِ بِعُمُومِ الْآيَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنِّي لَا أَرَى أَنْ يَضَعَ وَلَدَهُ عِنْدَ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُ الْخِنْزِيرَ وَيُغَذِّيهِ وَإِنَّمَا غِذَاءُ اللَّبَنِ بِمَا تَأْكُلُهُ الْمَرْأَةُ وَتُغْلَبُ عَلَى الصَّبِيِّ فَتَضُرُّ بِهِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ وَيُضَاجِعُهَا الرَّجُلُ وَلَا تَغْتَسِلُ فَتَرْكُ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ . ( ش ) : قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رضي الله عنه إنَّ الْمُحْصَنَاتِ مِنْ النِّسَاءِ هُنَّ أُولَاتُ الْأَزْوَاجِ قَدْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءَ وَطَاوُسٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ إلَّا مَنْ أُحِلَّ لَهُ بِالتَّزْوِيجِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إسْحَاقَ فَتَأَوَّلَ قَوْمٌ مِمَّنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ إلَّا مَنْ أُحِلَّ لَهُ بِالتَّزْوِيجِ قَالَ وَإِنَّمَا قَالُوا بِذَلِكَ جُمْلَةً وَلَمْ يَبْلُغُوا بِهِ اسْتِقْصَاءَ التَّفْسِيرِ وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي تَفْسِيرِهَا إنَّمَا حَرَّمَ الزِّنَى فَلَمْ يُبَيِّنُوا أَيْضًا مَذْهَبَهُمْ وَإِنَّمَا جَاءَ حَقِيقَةُ التَّفْسِيرِ مِنْ مَعْنَاهُ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُ الرَّجُلِ مِنْ الْمُسْلِمَاتِ فَإِنَّ لَهُ إذَا اشْتَرَاهَا وَلَهَا زَوْجٌ أَنْ يَغْشَاهَا وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ فِي سَبْيٍ أَوْ طَاسٍ فَإِنَّ الْآيَةَ إنَّمَا نَزَلَتْ فِي النِّسَاءِ اللَّاتِي لَهُنَّ أَزْوَاجٌ فِي بَلَدِ الشِّرْكِ فَإِذَا سُبِينَ انْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ فَإِنَّ نِكَاحَ الْعَبْدِ الْأَمَةَ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا وَنِكَاحَ الْحُرِّ لَهَا بِإِذْنِ سَيِّدِهَا إذَا لَمْ يَجِدْ طَوْلًا وَخَافَ الْعَنَتَ بَانَتْ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ يَجُوزُ نَقْضُهُ إلَّا بِحَجَّةٍ وَلَا نَعْلَمُ لِلَّذِينَ قَالُوا خِلَافَ هَذَا الْقَوْلِ حُجَّةً يُرِيدُ الْقَاضِي أَبُو إسْحَاقَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ قَالَ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقَهَا وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَيُرِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يُتِّمُوا التَّفْسِيرَ الَّذِي أَشَارُوا إلَيْهِ وَمَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ أَنَّهُ حَرَّمَ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ إلَّا مَا مَلَكَتْ الْيَمِينُ بِابْتِيَاعِ جَارِيَةٍ لَهَا زَوْجٌ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ لِأَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ يَفْسَخُ نِكَاحَ زَوْجِهَا وَيُزِيلُ عِصْمَتَهُ عَنْهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو إسْحَاقَ وَذَهَبَ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُ إلَّا مَنْ سَبَى جَارِيَةً لَهَا زَوْجٌ بِبَلَدِ الْحَرْبِ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِأَنَّ السَّبْيَ يَفْسَخُ النِّكَاحَ فَاخْتَارَ لِذَلِكَ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ هُنَّ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُمْ وَاخْتَارَ أَنَّهُ يُبَاحُ مِنْهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ الْمَسْبِيَّاتُ وَلَمْ يَنْقُلْ مَالِكٌ مِنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا لَمَّا لَمْ يَرَ ذَلِكَ وَأَنَّ الصَّوَابَ قَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي نِكَاحِهَا فُرْقَةً وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي { حَدِيثِ بَرِيرَةَ إنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها اشْتَرَتْهَا وَأَعْتَقَتْهَا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم } وَلَوْ كَانَ بَيْعُهَا يَفْسَخُ نِكَاحَهَا لَمَا خَيَّرَهَا . ( فَصْلٌ ) : وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءَ وَطَاوُسٍ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ هُنَّ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ وَقَوْلُهُمَا إنَّ مَعْنَى قوله تعالى { إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } إلَّا مَا أُحِلَّ لَكُمْ مِنْ التَّزْوِيجِ وَقَوْلُ الْقَاضِي أَبِي إسْحَاقَ أَنَّهُمَا لَمْ يَبْلُغَا نِهَايَةَ التَّفْسِيرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُمَا قَصَّرَا فِي النَّظَرِ وَلَمْ يَسْتَوْعِبَا اسْتِيعَابًا يَصِلَانِ بِهِ إلَى الصَّوَابِ وَخَالَفَهُمَا فِي مَوْضِعَيْنِ فِي قَوْلِهِمَا إنَّ الْمُحْصَنَاتِ هُنَّ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ وَفِي قَوْلِهِمْ إنَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ الزَّوْجَاتُ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَوَابٌ عِنْدِي لِأَنَّ لَفْظَ الْمُحْصَنَاتِ لَا يَقَعُ عَلَى النِّسَاءِ وَإِنَّمَا يَقَعُ عَلَى نَوْعِ مِلْكٍ أَوْ أَنْوَاعٍ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ لَا يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةِ النِّسَاءِ فِي قوله تعالى { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ } وَمِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ بَعْضُ النِّسَاءِ وَلَا تُحْمَلُ ( مِنْ ) عَلَى أَنَّهَا زَائِدَةٌ لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ لَا تَكُونُ زَائِدَةً إلَّا فِي النَّفْيِ فِي قَوْلِهِمْ مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ وَإِنْ سَلَّمْنَا كَوْنَهَا زَائِدَةً فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ أَوْ لِلْجِنْسِ وَهُوَ يَعُودُ إلَى مَعْنَى التَّبْعِيضِ فَلَا يُعْدَلُ إلَى أَنَّهَا زَائِدَةٌ إلَّا بِدَلِيلٍ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ لَا يُرَادُ بِهِ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ قوله تعالى { إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } وَإِذَا كَانَ الْمُحْصَنَاتُ جَمَاعَةَ النِّسَاءِ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُنَّ مِنْ مُبَاحٍ فَثَبَتَ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ نَوْعٌ مِنْ النِّسَاءِ فَعَلَّقَ التَّحْرِيمَ بِهِنَّ وَأَحَلَّ غَيْرَهُنَّ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُ تَعَالَى حَرَّمَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَسَائِرَ أَنْوَاعِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَمَا يَحْرُمُ بِالْمُصَاهَرَةِ وَهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ نَوْعًا مِنْ النِّسَاءِ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ , وَعَطَفَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ جَمَاعَةُ النِّسَاءِ وَثَبَتَ هَذَا بِلُغَةٍ أَوْ شَرْعٍ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ مَعْنَاهُ وَالنِّسَاءُ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى الرِّجَالِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ بِالنِّكَاحِ وَمِلْكِ الرَّقَبَةِ وَهَذَا وَجْهٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطَاءَ وَطَاوُسٍ زَوْجَتُك مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُكَ . وَقَدْ قَالَ عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ إنَّ الْمُحْصَنَاتِ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَةِ هُنَّ مَا زَادَ عَلَى الْأَزْوَاجِ وَأَبَاحَ الْأَرْبَعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } وَاسْتَثْنَى مِنْ الزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعِ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَرَجَعَ ذَلِكَ إلَى أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الزِّنَا وَرَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَكُونُ إحْصَانٌ بِزِنًا وَلَا يَكُونُ إلَّا بِنِكَاحٍ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ ذِكْرٌ لِلزِّنَا وَلَا سِيَّمَا عَلَى تَأْوِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رضي الله عنه وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ إذَا كُنَّ ذَوَاتِ أَزْوَاجٍ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْعَقِدَ عَلَيْهِنَّ عَقْدُ نِكَاحٍ فَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ التَّحْرِيمُ إلَى الْوَطْءِ دُونَ الْعَقْدِ وَذَلِكَ زِنًا إلَّا بِمِلْكِ الْيَمِينِ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ , وَمَا قُلْنَا أَوَّلًا مِنْ اخْتِيَارِ الْقَاضِي أَبِي إسْحَاقَ أَظْهَرُ مَا قُلْنَاهُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَاتِ الْمُحْصَنِ هِيَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا حُرًّا مُسْلِمًا يَصِحُّ مِنْهُ الْجِمَاعُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِ الْعَقْلِ فَأَمَّا الصَّغِيرُ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُحْصَنًا بِجِمَاعِهِ وَيُحْصِنُ الْكَبِيرَةَ وَلَا يُحْصِنُ الصَّغِيرَةَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِعْلَ مُضَافٌ إلَى فَاعِلِهِ وَهُوَ الرَّجُلُ فَيَجِبُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِحَالِهِ فَإِذَا كَانَ كَبِيرًا فَهُوَ جِمَاعٌ وَإِذَا كَانَ صَغِيرًا فَلَيْسَ بِجِمَاعٍ فَإِذَا كَانَ الْمُجَامِعُ كَبِيرًا وَالْمُجَامَعَةُ صَغِيرَةً فَلَهُ حُكْمُ الْجِمَاعِ التَّامِّ فَيَجِبُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي حَقِّ مَنْ كَمُلَتْ لَهُ صِفَاتُ الْإِحْصَانِ دُونَ غَيْرِهِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ مَنْ عَدِمَ فِيهَا شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ كَالصَّبِيَّةِ الَّتِي عُدِمَ فِيهَا الْبُلُوغُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْإِحْصَانِ فَإِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَوُجِدَ مِنْهَا الْجِمَاعُ فَهُمَا مُحْصَنَانِ وَمَنْ عُدِمْت فِيهِ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنْهُمَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ بِالْجِمَاعِ حُكْمُ الْإِحْصَانِ وَيَثْبُتُ لِلْآخَرِ إذَا وُجِدَتْ فِيهِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَإِنْ كَانَا مُسْلِمِينَ فَهُمَا بِالْجِمَاعِ مُحْصَنَانِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا فَهُوَ الْمُحْصَنُ دُونَهَا لِوُجُودِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ فِيهِ وَعَدَمُهُ فِيهَا , وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُسْلِمَةُ دُونَهُ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَصِحُّ . ( فَرْعٌ ) وَإِذَا ثَبَتَ لِلرَّجُلِ أَوْ الْمَرْأَةِ حُكْمُ الْإِحْصَانِ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ حُكْمُ الْإِحْصَانِ فَإِنْ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا إلَّا بِإِحْصَانٍ مُسْتَأْنَفٍ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُؤْثَرُ هَذَا الْقَوْلُ . وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ مِنْ الرُّوَاةِ إنَّ رِدَّتَهُ لَا تُسْقِطُ حَصَانَتَهُ وَلَا إيمَانَهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قوله تعالى { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك } وَهَذَا قَدْ أَشْرَكَ فَوَجَبَ أَنْ يَحْبَطَ كُلُّ عَمَلٍ كَانَ عَمِلَهُ . وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ إنَّهُ إذَا ارْتَدَّ ثُمَّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ فَإِنَّ فَرِيضَةَ الْحَجِّ تَعُودُ عَلَيْهِ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعِيذَنَا بِرَحْمَتِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الزَّوْجِيَّةِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالرِّدَّةِ كَالطَّلَاقِ وَلِأَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ لَمْ يَبْطُلْ طَلَاقُهُ وَتَعُودُ بِرِدَّتِهِ زَوْجَتُهُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا كَوْنُهُ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْجِمَاعُ فَهُوَ السَّلِيمُ الَّذِي لَيْسَ بِهِ آفَةٌ تَمْنَعُهُ الْجِمَاعَ مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا أَوْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَجْبُوبَ الذَّكَرِ وَلَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُ فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ مَا يُمْكِنُ وَطْؤُهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْإِحْصَانُ وَإِنْ كَانَ خَصِيًّا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْجِمَاعَ يَتَأَتَّى مِنْهُ وَقَدْ وُجِدَتْ فِيهِ سَائِرُ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَأَمَّا الْجُنُونُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يَطَأْ إلَّا وَهِيَ مَجْنُونَةٌ وَهُوَ مُفِيقٌ فَهُوَ الْمُحْصَنُ دُونَهَا , وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا وَهِيَ مُفِيقَةٌ فَهِيَ الْمُحْصَنَةُ دُونَهُ . وَقَالَ أَشْهَبُ الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِحَالِ الزَّوْجِ فَإِنْ كَانَ مُفِيقًا دُونَهَا فَهُمَا مُحْصَنَانِ وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا دُونَهَا فَلَا يُحْصَنُ بِذَلِكَ أَحَدُهُمَا وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ سَوَاءٌ كَانَا مَجْنُونَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُمَا مُحْصَنَانِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمَعْنَى إذَا كَانَ يُؤَثِّرُ فِي الْإِحْصَانِ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَعَدَّى تَأْثِيرُهُ مَنْ وُجِدَ فِيهِ كَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ بِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنْقِصُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَمَا لَا يُنْقِصُ مِنْ الْحُرِّيَّةِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ بِحَالِ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ الْفَاعِلُ لِلْوَطْءِ كَوَطْءِ الصَّغِيرِ وَهَذَا خَالَفَ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَأْثِيرًا فِي نَقْصِ الْحُرِّيَّةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ بِصِفَةِ الْفَاعِلِ خَاصَّةً بَلْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ حُكْمُ نَفْسِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ هَذَا وَطْءٌ صَحِيحٌ قَدْ وُجِدَ مِنْ بَالِغٍ مُسْلِمٍ فَوَجَبَ أَنْ يُحْصَنَ كَوَطْءِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا لِلْجُنُونِ تَأْثِيرٌ فِي مَنْعِ الْإِحْصَانِ .