شرح الموطأ للشيخ ابو سليمان ين خلف الباجي الأندلسي كتاب الطلاق الجزء 4
1 Septembre 2013
Rédigé par chayeb adel et publié depuis
Overblog
شرح الموطأ للشيخ ابو سليمان ين خلف الباجي الأندلسي
كتاب الطلاق الجزء 4
( ش ) : قَوْلُهُ : إنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ يُقَالُ : إنَّهُ عُوَيْمِرُ بْنُ أَبْيَضَ الْعَجْلَانِيُّ جَاءَ إلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ عَلَى حَسَبِ مَا يَلْجَأُ النَّاسُ فِي مُهِمِّ أُمُورِهِمْ وَمَا دَهَمَهُمْ إلَى أَهْلِ الْفَضْلِ , وَالْعِلْمِ , وَالتَّقَدُّمِ مِنْهُمْ وَعُوَيْمِرٌ هَذَا مِنْ أَقَارِبِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ الْمَذْكُورِ فَلَجَأَ إلَيْهِ لِيَسْأَلَ لَهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا نَزَلَ بِهِ لِكَوْنِ عَاصِمٍ مِمَّنْ يَقْرُبُ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِتَقَدُّمِهِ وَفَضْلِهِ مَعَ عِلْمِهِ وَدِينِهِ فَكَانَ أَعْلَمَ بِمَا سُئِلَ فِيهِ وَأَوْعَى لِلْجَوَابِ عَنْهُ . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ذُكِرَ الْمُتَلَاعِنَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَوْلًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُ : إنَّهُ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَالَ عَاصِمٌ مَا اُبْتُلِيتُ بِهَذَا الْأَمْرِ إلَّا لِقَوْلِي . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ : أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ , وَهَذَا مِنْ التَّحَرُّزِ فِي السُّؤَالِ لِئَلَّا يُصَرِّحَ بِقَذْفِ مَنْ نُسِبَ إلَيْهِ ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَعَلَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي امْرَأَتُهُ ; لِأَنَّ حُكْمَ اللِّعَانِ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ بَعْدُ وَلَعَلَّهُ أَيْضًا لَمْ يُرِدْ أَنْ يُعْلِنَ بِخَبَرِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ إعْلَانُهُ وَكِتْمَانُهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَبْدُو إلَيْهِ مِنْ حُكْمِ الْقَضِيَّةِ وَلِذَلِكَ اسْتَنَابَ عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ فِي السُّؤَالِ , وَمَعْنَى قَوْلِهِ : أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ الْقِصَاصُ , وَالثَّانِي هَلْ مِنْ وَجْهٍ يَصِلُ بِهِ إلَى إزَالَةِ مَا أَصَابَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِلَى شِفَاءِ غَيْظِهِ بِغَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ قَتْلِهِ الَّذِي إذَا فَعَلَ قُتِلَ بِهِ ثُمَّ قَالَ : سَلْ لِي يَا عَاصِمُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ : فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ كَرِهَ مِثْلَ هَذَا أَنْ يَقْذِفَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ وَيَرْمِيَهَا بِزِنًى مِنْ غَيْرِ أَنْ تُقَدَّمَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِمَا يَدَّعِيهِ لِمَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا يَجِبُ فِي قَذْفِهِ الْأَجْنَبِيَّةَ وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم { أَنَّهُ قَالَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ لَمَّا قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : الْبَيِّنَةُ وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِك فَقَالَ هِلَالٌ : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إنِّي لَصَادِقٌ فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنْ الْحَدِّ فَنَزَلَ { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } حَتَّى بَلَغَ { إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ } } وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صلى الله عليه وسلم كَرِهَ التَّسَرُّعَ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صلى الله عليه وسلم كَرِهَ السُّؤَالَ لِمَعْنًى يَقْتَرِنُ بِهِ فَكَرِهَهُ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ مِنْ سُؤَالِ مَنْ يُرِيدُ بِهِ التَّشْغِيبَ وَلَا يَقْصِدُ التَّفَقُّهَ كَمَا كَانَ يَسْأَلُهُ بَعْضُهُمْ عَنْ نَاقَةٍ ضَلَّتْ لَهُ , أَوْ مَنْ أَبُوهُ وَمَا جَرَى مَجْرَى هَذَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : اُتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ , فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَيْهِمْ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ كَانَ صلى الله عليه وسلم يَكْرَهُ كَثْرَةَ السُّؤَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ , وَإِنْ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ وَوَكَّلَ النَّاسَ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِ عُلَمَائِهِمْ , وَإِذَا سُئِلَ عَنْ الْقَضِيَّةِ وَنَصَّ عَلَيْهَا لَزِمَ امْتِثَالُ ذَلِكَ النَّصِّ وَلَمْ تَحِلَّ مُخَالَفَتُهُ وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ بَعْضُ التَّشْغِيبِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ { : إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ } وَلَيْسَ هَذَا حُكْمَ سَائِرِ النَّاسِ وَتَسَاؤُلِهِمْ عَنْ الْمَسَائِلِ , فَإِنَّهُ مَنْ قَصَدَ بِسُؤَالِ الْعَالِمِ التَّبْكِيتَ , وَالتَّعْنِيتَ , وَالْأَذَى لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ سَوَاءٌ وَجَدَ عِنْدَهُ عِلْمًا , أَوْ لَمْ يَجِدْ لِفَسَادِ مَقْصِدِ السَّائِلِ , فَإِنْ سَأَلَ عَلَى سَبِيلِ الْمُنَاظَرَةِ , وَالْمُجَارَاةِ فِيهَا لِيَتَبَيَّنَ الْحَقَّ أَوْ يُبْدِيَهَا فِي النَّظَرِ وَيُسْتَعَانُ بِذَلِكَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ فَهُوَ وَجْهٌ مِنْ السُّؤَالِ صَحِيحٌ , وَلَوْ سَأَلَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْتَاءِ مَنْ فَرْضُهُ ذَلِكَ فَهَذَا أَمْرٌ وَاجِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا وَجْهٌ يُتَوَقَّعُ الْآنَ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَنْتَقِلُ عَنْ الْجَوَازِ إلَى الْمَنْعِ لِتَكَلُّمِ الْعُلَمَاءِ فِي وَقْتِنَا هَذَا فِي الْمَسَائِلِ وَلَا لِسُؤَالِ الْعَالِمِ وَفُتْيَاهُ فِي الْأَحْكَامِ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ : فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ عُوَيْمِرٌ فَقَالَ : يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَك رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ فِي مَسْأَلَتِهِ الَّتِي كَلَّفَ عَاصِمًا السُّؤَالَ عَنْهَا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا جَاءَهُ مُقْتَضِيًا الْجَوَابَ فِيهَا حِينَ كَلَّفَهُ السُّؤَالَ عَنْهَا فَقَالَ لَهُ عَاصِمٌ : لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ يُرِيدُ أَنَّ مَا كَلَّفْتنِي مِنْ السُّؤَالِ لَمْ يُثْمِرْ خَيْرًا وَلَا سَبَبَهُ , فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ كَرِهَ مَسْأَلَتَك , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُخْبِرْ عَنْهَا بِشَيْءٍ غَيْرَ مَا أَظْهَرَ مِنْ كَرَاهِيَةِ السُّؤَالِ , وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ لَا يُسْرِعَ بِالْجَوَابِ عَمَّا اُسْتُفْتِيَ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ وَجْهُ الصَّوَابِ فِيهِ , وَإِذَا خَافَ أَنْ لَا يَتَسَبَّبَ بِهِ إلَى مَحْظُورٍ حَتَّى يَكْشِفَ عَنْ وَجْهِهِ وَسَبَبِهِ وَجِهَةِ السَّائِلِ وَمَقْصِدِهِ مَا أَمْكَنَهُ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُ عُوَيْمِرٍ : وَاَللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا يُرِيدُ اسْتِدَامَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ السُّؤَالِ عَنْ مَسْأَلَتِهِ وَطَلَبِ حُكْمِهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ عَنْ ذَلِكَ مَا ظَهْرَ إلَيْهِ مِنْ كَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِمَسْأَلَتِهِ حِينَ لَمْ يُمْكِنْهُ الصَّبْرُ عَلَى مَا زَعَمَ أَنَّهُ ظَهَرَ إلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَالَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْلِ , وَالْفِعْلِ وَلَعَلَّهُ خَافَ حَمْلًا فَاحْتَاجَ إلَى أَنْ يَعْلَمَ وَجْهَ نَفْيِهِ عَنْهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَأَوَّلَ فِي الْكَرَاهِيَةِ لِمَسْأَلَتِهِ بَعْضَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّا لَا يَمْنَعُهُ السُّؤَالَ عَنْهَا إنْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ بِهِ , أَوْ لَعَلَّهُ رَجَا أَنْ يُبَيِّنَ مِنْ حَالِهِ إذَا سَأَلَهُ مَا يَصِلُ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجِبَ عَلَى نَفْسِهِ حَدًّا وَتَرْتَفِعُ بِهِ الْكَرَاهِيَةُ فَلَمَّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَأَلَ عَنْ مَسْأَلَتِهِ بِمِثْلِ مَا كَانَ كَلَّفَ عَاصِمًا أَنْ يَسْأَلَ لَهُ عَنْهَا وَقَوْلُهُ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ زَادَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ رَآهَا تَزْنِي مَعَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ فَقَطْ , فَإِنْ كَانَ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ : إنَّهُ إذَا ادَّعَى الرُّؤْيَةَ وَوَصَفَ ذَلِكَ كَمَا يَصِفُ الشُّهُودُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَادَّعَى الرُّؤْيَةَ وَلَمْ يُفَسِّرْهَا عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ . فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ , وَأَمَّا إذَا لَمْ يَدَّعِ رُؤْيَةً فَهَلْ يُلَاعِنُ أَمْ لَا فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا : يُلَاعِنُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ , وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ , وَجْهُ قَوْلِنَا إنَّهُ يُلَاعِنُ قوله تعالى { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ رُؤْيَةً , أَوْ لَا وَلِأَنَّهُ قَاذِفٌ لِزَوْجَتِهِ لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ كَمَا لَوْ ادَّعَى رُؤْيَةً , وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا حُرَّةٌ عَفِيفَةٌ مُسْلِمَةٌ قَذَفَهَا مَنْ لَمْ يُحَقِّقْ قَذْفَهُ فَلَزِمَهُ الْحَدُّ كَالْأَجْنَبِيِّ وَلَفْظُ الْوُجُودِ مَعَ امْرَأَتِهِ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْقَذْفِ . وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ : وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا فِي لِحَافِهَا , أَوْ وَجَدْتُهَا قَدْ تَجَرَّدَتْ لِرَجُلٍ , أَوْ وَجَدْتُهَا وَهِيَ مُضْطَجِعَةٌ مَعَ رَجُلٍ عُرْيَانَيْنِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ لَا لِعَانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إلَّا أَنْ يَرْمِيَهَا بِزِنًى أَوْ يَنْفِيَ حَمْلَهَا فَأَرَى إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَ فَعَلَيْهِ الْأَدَبُ دُونَ الْحَدِّ , وَوَجْهُ ذَلِكَ إذَا فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْإِخْبَارَ عَمَّا تَلَفَّظَ بِهِ , وَأَمَّا لَوْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّعْرِيضَ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ يُحَدُّ الزَّوْجُ فِي التَّعْرِيضِ وَلَا يُلَاعِنُ , وَقَدْ وَجَدْت فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّهُ يُلَاعِنُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّعْرِيضِ بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ ; لِأَنَّ مَنْ اُمْتُحِنَ بِمِثْلِ هَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِمْسَاكِ , وَالسُّكُوتِ وَلِذَلِكَ جُعِلَ لَهُ الْمَخْرَجُ بِاللِّعَانِ , فَإِذَا عَدَلَ عَنْ التَّصْرِيحِ إلَى التَّعْرِيضِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى كَذِبِهِ . ( فَصْلٌ ) : : وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا , فَإِنَّهُ يُرِيدُ زَوْجَتَهُ ; لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إذَا أُطْلِقَ فُهِمَ مِنْهُ الزَّوْجُ فَاقْتَضَى ذَلِكَ إضَافَةَ الْقَذْفِ إلَى الزَّوْجِيَّةِ , وَلَوْ أَضَافَهُ إلَى غَيْرِ الزَّوْجِيَّةِ بِأَنْ يَقُولَ : رَأَيْتُكِ تَزْنِي قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ فَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قوله تعالى { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } ثُمَّ خَصَّهُ بِقَوْلِهِ { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ } فَخَصَّ الْأَزْوَاجَ بِحُكْمِ اللِّعَانِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَضَافَ الْقَذْفَ إلَى غَيْرِ زَوْجِهِ يُحَدُّ وَلَا يُلَاعِنُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَذَفَهَا بِزِنًى , وَلَوْ حَمَلَتْ مِنْهُ لَمْ يَلْحَقْهُ فَلَزِمَهُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً حِينَ الْقَذْفِ , وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَوْ قَذَفَهَا , أَنْكَرَ حَمْلَهَا ثُمَّ اسْتَدَامَ الزَّوْجِيَّةَ , وَالْوَطْءَ لَظَهَرَ بِذَلِكَ كَذِبُهُ وَحُدَّ , فَإِذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهَا زَنَتْ فِيهِ فَبِأَنْ يُحَدَّ وَلَا يُلَاعِنَ أَوْلَى وَأَحْرَى . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ : وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فِيهِ تَحَرُّزٌ مِنْ التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الْمَقْذُوفِ ; لِأَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَلَمْ تَقُمْ لَهُ الْبَيِّنَةُ لَكَانَ قَاذِفًا لَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهُ بِاللِّعَانِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُسْقِطُ ذَلِكَ تَلَاعُنُ الزَّوْجَةِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ شَخْصٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ بِالْتِعَانِ الزَّوْجِ فَلَمْ يَسْقُطْ قَذْفُهُ بِلِعَانِهِ مَعَ كَوْنِهِ مِمَّنْ يُحَدُّ قَاذِفُهُ كَالْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : : فَإِنْ حُدَّ لِلرَّجُلِ الْمُسَمَّى , فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ اللِّعَانُ قَالَ سَحْنُونٌ : وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حُدَّ بِقَذْفِ رَجُلٍ دَخَلَ فِيهِ كُلُّ قَذْفٍ ثَبَتَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْحَدِّ لِمَنْ قَامَ بِهِ , أَوْ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : : وَإِذَا لَمْ يُسَمِّهِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَدٌّ خِلَافًا لِأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ , وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يَجِبُ اسْتِيفَاؤُهُ لَهُ إلَّا بِمُطَالَبَةِ مُسْتَحِقِّهِ , وَإِذَا كَانَ مَجْهُولَ الْعَيْنِ , وَالِاسْمِ لَمْ تَصْلُحْ الْمُطَالَبَةُ بِهِ فَلَمْ يَجِبْ الْحَدُّ كَمَا لَوْ قَالَ : رَأَيْت رَجُلًا يَزْنِي . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ : أَرَأَيْت رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ سُؤَالٌ عَامٌّ لَكِنَّ جَوَابَهُ صلى الله عليه وسلم خَاصٌّ بِقَوْلِهِ { قَدْ نَزَلَ فِيك وَفِي صَاحِبَتِك قُرْآنٌ فَاذْهَبْ فَائِتِ بِهَا } وَقَالَ السَّائِلُ : أَيَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ , وَقَدْ سَأَلَ عَنْ قِصَّتِهِ بِلَفْظِ الْغَائِبِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُ حُكْمُ الْإِقْرَارِ وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ لَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ مِنْ حَدِّ الْقَذْفِ , وَالذَّهَابِ إلَى التَّسَتُّرِ أَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ إنْ كَانَ وَقَعَ لَهُ سَهْوٌ , أَوْ قِلَّةُ اسْتِثْبَاتٍ وَقَوْلُهُ : أَيَقْتُلُهُ فَيَقْتُلُونَهُ وَإِقْرَارُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ , فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم { : قَدْ نَزَلَ فِيك وَفِي صَاحِبَتِك قُرْآنٌ فَاذْهَبْ فَائِتِ بِهَا } يَقْتَضِي أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَرَفَ أَنَّهُ صَاحِبُ الْمَسْأَلَةِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْوَحْيِ الَّذِي أُنْزِلَ فِي قِصَّتِهِمَا فَأُعْلِمَ فِيهِ أَنَّ السَّائِلَ , وَإِنْ كَانَ وَرَّى فَلَمْ يُضِفْ الْأَمْرَ إلَى نَفْسِهِ , فَإِنَّهُ صَاحِبُ ذَلِكَ , وَالْمُبْتَلَى بِهِ فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ فِيهِ وَفِي صَاحِبَتِهِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ أُوحِيَ إلَيْهِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهَا وَمِمَّا يَجِبُ أَنْ يُبَاحَ لَهُمْ السُّؤَالُ عَنْهَا , أَوْ يَكُونَ ظَهَرَ ذَلِكَ إلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُ سَهْلٍ فَتَلَاعَنَا , وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ اللِّعَانِ الِاسْتِتَارُ بِهِ بَلْ مِنْ سُنَّتِهِ إحْضَارُ النَّاسِ لَهُ لِيَشْتَهِرَ أَمْرُهُ بِلُحُوقِ النَّسَبِ بِالزَّوْجِ أَوْ انْتِقَالِهِ عَنْهُ وَلَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ الْإِمَامِ , أَوْ الْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَفْتَقِرُ إلَى حَاكِمٍ بِهِ .
( ش ) : قَوْلُهُ رحمه الله : إنَّ وَلَدَ الْمُلَاعَنَةِ وَوَلَدَ الزِّنَا تَرِثُ أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ لِأُمِّهِ حُقُوقَهُمْ مِنْهُ , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ نَسَبُهُ مِنْ جِهَةِ أُمِّهِ ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي إلْحَاقِهِ بِهَا إلَى عَقْدِ النِّكَاحِ فَلِذَلِكَ لَا يَنْتَفِي عَنْهَا بِلِعَانٍ وَلَا إقْرَارٍ بِزِنًا وَلَا تَحَقُّقِهِ , وَإِنَّمَا يَنْتَفِي عَنْ الْأَبِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ إلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ , أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ فَلِذَلِكَ صَحَّ انْتِفَاؤُهُ مِنْهُ , وَإِذَا كَانَ أَصْلُ التَّوَارُثِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ لَبَطَلَ كُلُّ مِيرَاثٍ بِسَبَبِهِ وَلَمَا ثَبَتَ مِيرَاثُ الْأُمِّ مَعَ اللِّعَانِ , وَالزِّنَا ثَبَتَ كُلُّ مِيرَاثٍ بِسَبَبِهَا . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ رحمه الله فِي كِتَابٍ يَقْتَضِي أَنَّ عُمُومَ آيَاتِ التَّوَارُثِ يَتَنَاوَلُهُمْ مِنْ قوله تعالى { فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ } وقوله تعالى { وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ } . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ : رحمه الله تعالى وَوَرِثَ الْبَقِيَّةَ مَوَالِي أُمِّهِ إنْ كَانَتْ مَوْلَاةً , وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً فَبَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَوْلَاةً وَوَرِثَ بِالْوَلَاءِ كُلُّ مَنْ تَلِدُهُ فَمَوَالِي أُمِّهِ مَوَالِي كُلِّ مَنْ تَلِدُهُ , وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ مَنْ يَرِثُ إلَّا الْأُمُّ , وَالْإِخْوَةُ وَلَا يُحِيطُونَ بِالْمِيرَاثِ فَالْبَاقِي مَوْرُوثٌ بِالْوَلَاءِ , وَإِنْ كَانَتْ عَرَبِيَّةً فَلِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْأُبُوَّةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ مَا فَضَلَ عَنْ الْفُرُوضِ وَلَا تُورَثُ بِالْوَلَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( ش ) : قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ لِلَّذِي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَا نَرَى أَنْ تَنْكِحَهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَك تَصْرِيحٌ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ عَلَى غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا , وَعَلَى ذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَمَالِكٌ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَطَاءٌ : هِيَ وَاحِدَةٌ سَوَاءٌ وَقَعَ ذَلِكَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ , أَوْ أَلْفَاظٍ مُتَتَابِعَةٍ , وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } , وَهَذَا عَامٌّ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ إيقَاعُهُ الطَّلْقَةَ الْوَاحِدَةَ عَلَيْهَا صَحَّ أَنْ يُكْمِلَ لَهَا الثَّلَاثَ كَالْمَدْخُولِ بِهَا . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُ السَّائِلِ : إنَّمَا طَلَاقِي إيَّاهَا وَاحِدَةً يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ إنَّمَا أَوْقَعَهَا فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ , وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَيَجْمَعُ ذَلِكَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ إذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَزِمَتْهُ الثَّلَاثُ , وَإِذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ لَزِمَتْهُ الْوَاحِدَةُ دُونَ الثِّنْتَيْنِ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ مَالِكٌ : تَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ إذَا اتَّصَلَ كَلَامُهُ وَلَمْ يَنْفَصِلْ ; لِأَنَّ كُلَّ كَلَامٍ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ , فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْعَطْفُ عَلَيْهِ كَطَلَاقِ الْمَدْخُولِ بِهَا .
( ش ) : قَوْلُهُ : إنَّ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِحُكْمِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَمَا جَرَى فِيهَا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ صِفَةِ الطَّلَاقِ وَلِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِنْ الْحُكْمِ مِنْ سَائِرِ الرُّوَاةِ لِذَلِكَ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ : إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ , وَهُوَ مَرِيضٌ يُرِيدُ أَنَّ طَلَاقَهُ إيَّاهَا كَانَ أَلْبَتَّةَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى إبَاحَةَ ذَلِكَ , أَوْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فِي آخِرِ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَكَانَتْ تِلْكَ الطَّلْقَةُ بَتَّةً ; لِأَنَّهَا بِهَا تَبِينُ عَنْهُ , وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضي الله عنه وَرَّثَهَا مِنْهُ وَفِي ذَلِكَ بَابَانِ : أَحَدُهُمَا : فِي صِفَةِ الْمَرِيضِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَجْرِي مَجْرَاهُ فِي بَقَاءِ حُكْمِ الْمِيرَاثِ , وَالْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ . ( الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْمَرَضِ الَّذِي بِهِ يَبْقَى حُكْمُ مِيرَاثِ الْمُطَلَّقَةِ ) قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : إنَّ كُلَّ مَرَضٍ يُقْعِدُ صَاحِبَهُ عَنْ الدُّخُولِ , وَالْخُرُوجِ , وَإِنْ كَانَ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا , أَوْ فَالِجًا , فَإِنَّهُ يُحْجَبُ فِيهِ عَنْ مَالِهِ , وَإِنْ طَلَّقَ فِيهِ زَوْجَتَهُ وَرِثَتْهُ وَلَيْسَ لِلْقُوَّةِ , وَالرِّيحِ , وَالرَّمَدِ وَكَذَلِكَ إذَا صَحَّ الْبَدَنُ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ الْفَالِجِ , وَالْبَرَصِ , وَالْجُذَامِ يَصِحُّ مَعَهُ بَدَنُهُ وَيَتَصَرَّفُ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الزَّاحِفِ فِي الصَّفِّ أَنَّهُ كَالْمَرِيضِ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ فَأَمَّا مَا نَالَتْهُ شِدَّةٌ فِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ كَالْمَرِيضِ وَأَرَاهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَشْهَبُ : هُوَ كَالْمَرِيضِ وَجْهُ الْقَوْلِ أَنَّ الْمَخَافَةَ مِنْ شِدَّةِ الْبَحْرِ لَمْ تَتَعَيَّنْ وَلَا وُجِدَ سَبَبُ الْعَطَبِ ; لِأَنَّ الْعَطَبَ إنَّمَا يَكُونُ بِانْكِسَارِ الْمَرْكَبِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الزَّاحِفِ فِي الْقِتَالِ , فَإِنَّمَا هُوَ الْبَحْرُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَخَافَةِ فِي مَوْضِعٍ مَخُوفٍ وَلَمْ يُرَ بَعْدُ , وَالْوُقُوفُ فِي الْمُعَسْكَرِ مَعَ مُعَايَنَةِ الْعَدُوِّ دُونَ مُبَاشَرَةِ حَرْبٍ وَلَا يَقْرَبُ مِنْهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ فِي حَالَةِ مَخَافَةٍ عَلَى نَفْسِهِ يَتَكَرَّرُ مِنْهَا الْهَلَاكُ فَلَمْ تَمْنَعْ صِحَّةُ جِسْمِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَرِيضِ فِي مَالِهِ كَالزَّاحِفِ .
( الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ ) مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ وَرِثَتْهُ , وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَبَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ إذَا اتَّصَلَ مَرَضُهُ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ : إنَّ الْمَبْتُوتَةَ فِي الْمَرَضِ لَا تَرِثُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدٍ قَالَ : إنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا فُرْقَةٌ فِي حَالِ مَنْعِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ فَلَمْ يَقْطَعْ مِيرَاثَ الزَّوْجَةِ كَالْمَوْتِ وَلِأَنَّ لِلتُّهْمَةِ تَأْثِيرًا فِي الْمِيرَاثِ بِدَلِيلِ مَنْعِ الْقَاتِلِ الْمِيرَاثَ .
( ش ) : قَوْلُهُ : طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ فَمَتَّعَ بِوَلِيدَةٍ يُرِيدُ أَعْطَاهَا إيَّاهَا بِأَثَرِ طَلَاقِهِ إيَّاهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُتْعَةِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمُطَلِّقُ وَلَا يُحْكَمُ بِهَا عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ : إنَّهَا لَحَقٌّ عَلَى الزَّوْجِ وَلَا يَقْضِي بِهَا عَلَيْهِ وَلْيُحَرِّضْهُ السُّلْطَانُ عَلَيْهَا وَلَا تُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ بِهَا وَهِيَ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ لَا تَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَتْ وَهِيَ عَلَى الْمَوْلَى إذَا طَلَّقَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ سَلِمَ مِنْ نِهَايَةِ الْمُقَابَحَةِ وَارْتِجَاعِ شَيْءٍ مِنْ الزَّوْجَةِ فَأَمَّا مَنْ تَرُدُّ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَتْ فَكَيْفَ يُزَادُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْمُفَارَقَةُ عَنْ مُقَابَحَةٍ كَالْمُلَاعَنَةِ فَلَا مُتْعَةَ لَهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إسْحَاقَ : لِأَنَّ الْمُتْعَةَ تَسْلِيَةٌ عَنْ الْفِرَاقِ , وَالْمَلَاعِنُ لَا يُرِيدُ تَسْلِيَةَ مَنْ لَاعَنَ مِنْ الزَّوْجَاتِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَاَلَّتِي لَمْ يُسَمِّ لَهَا الصَّدَاقَ إذَا دَخَلَ بِهَا لَهَا الْمُتْعَةُ كَاَلَّتِي سَمَّى لَهَا وَدَخَلَ بِهَا , وَالصَّدَاقُ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْتَزِعُ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا فَارَقَتْ عَنْ نِهَايَةِ مُقَابَحَةٍ فَكَانَ لَهَا الْمُتْعَةُ كَاَلَّتِي سَمَّى لَهَا وَدَخَلَ بِهَا .
( ش ) : قَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لِنُفَيْعٍ , وَقَدْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ : حَرُمَتْ عَلَيْك يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيمِ اسْتِيفَاءُ عَدَدِ الطَّلَاقِ , وَالْمَنْعُ مِنْ الِارْتِجَاعِ إلَى الزَّوْجِيَّةِ , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَقْتَضِي إيقَاعَ الثَّلَاثِ وَتَضَمَّنَ الْحَدِيثُ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ إلَّا تَطْلِيقَتَيْنِ , وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً . ( ص ) : ( مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : إذَا طَلَّقَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً وَعِدَّةُ الْحُرَّةِ ثَلَاثُ حِيَضٍ وَعِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ ) . ( ش ) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذَا يَقْتَضِي مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيمِ اسْتِيفَاءُ الطَّلَاقِ , وَالْمَنْعُ مِنْ اسْتِئْنَافِ زَوْجِيَّةٍ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِمْ , وَطَرِيقُ هَذَا اللُّغَةُ فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَا قَالَهُ مِنْ ذَلِكَ , وَأَنْ يَحْمِلَ قَوْلَ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ عَلَى هَذَا وَمَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الطَّلَاقِ بِحَالِ الزَّوْجِ فِي الْحُرِّيَّةِ , وَالرِّقِّ وَفِي الِاعْتِبَارِ فِي الْعِدَّةِ بِحَالِ الزَّوْجَةِ , وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ رحمه الله وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلِابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ آخَرُ , وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي الطَّلَاقِ رِقُّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو ثَوْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( ش ) : قَوْلُهُ رحمه الله : لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى عَبْدٍ وَلَا عَلَى حُرٍّ طَلَّقَا مَمْلُوكَةً يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الطَّلَاقَ الْبَائِنَ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا , وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا ; لِأَنَّ ابْنَهَا رَقِيقٌ لِسَيِّدِهَا فَالنَّفَقَةُ تَلْزَمُهُ دُونَ الزَّوْجِ الْمُطَلِّقِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحَكَمِ أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ الْحُرِّ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ وَهِيَ حَامِلٌ , وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ نَفَقَةٌ تَجِبُ بِسَبَبِ الْوَلَدِ , وَهُوَ عَبْدٌ فَلَمْ يَلْزَمْ إيَّاهُ أَصْلُ ذَلِكَ نَفَقَتُهُ بَعْدَ الِانْفِصَالِ مِنْ الرَّضَاعِ وَغَيْرِهِ , وَأَمَّا إنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا فَحُكْمُهَا حُكْمُ الزَّوْجَةِ فِي النَّفَقَةِ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( ش ) : قَوْلُهُ رضي الله عنه : أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَقَدَتْ زَوْجَهَا فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ , فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ أَرْبَعَ سِنِينَ لَمْ يَعْتَبِرْ بِمَا أَقَامَتْ قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَ إلَيْهِ , وَلَوْ أَقَامَتْ عِشْرِينَ سَنَةً , وَالْمَفْقُودُ الَّذِي ذَهَبَتْ فِيهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هُوَ الَّذِي يَغِيبُ عَنْ امْرَأَتِهِ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُفْقَدْ فِي مَعْرَكَةٍ فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ هَلَاكُهُ فِيهَا فَهَذَا إذَا رَفَعَتْ امْرَأَتُهُ أَمْرَهَا إلَى السُّلْطَانِ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ : الْمَفْقُودُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ مَفْقُودٌ لَا يُدْرَى مَوْضِعُهُ فَهَذَا يَكْشِفُ الْإِمَامُ عَنْ أَمْرِهِ ثُمَّ يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ أَرْبَعَ سِنِينَ , وَمَفْقُودٌ فِي صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ فَهَذَا لَا تُنْكَحُ زَوْجَتُهُ أَبَدًا وَتُوقَفُ هِيَ وَمَالُهُ حَتَّى يَنْقَضِيَ تَعْمِيرُهُ وَمَفْقُودٌ فِي قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَهُمْ لَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ وَيَتَلَوَّمُ لِزَوْجَتِهِ بِقَدْرِ اجْتِهَادِهِ فَالْمَفْقُودُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَوَّلًا هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ أَهْلُهُ عَنْ وَجْهِ مَغِيبِهِ وَجِهَةِ سَفَرِهِ , وَعَنْ وَقْتِ انْقِطَاعِ خَبَرِهِ ثُمَّ يَسْأَلُ وَيَبْحَثُ عَنْ خَبَرِهِ . وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَيَكْتُبُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي الْكَشْفِ عَنْ أَمْرِهِ , فَإِنْ لَمْ يُوقَفْ لَهُ عَلَى خَبَرٍ اسْتَأْنَفَ لَهَا ضَرْبَ أَجَلٍ أَرْبَعَ سِنِينَ , فَإِنْ جَاءَ فِي الْمُدَّةِ , أَوْ جَاءَ خَبَرُ حَيَاتِهِ فَهِيَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ , وَإِنْ لَمْ يَأْتِ وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ خَبَرٌ حَتَّى انْقَضَتْ الْمُدَّةُ اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ , فَإِنْ جَاءَ فِي الْعِدَّةِ فَهِيَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ , وَإِنْ انْقَطَعَ وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ مَجِيئِهِ , أَوْ مَجِيءِ عِلْمٍ بِحَيَاتِهِ فَقَدْ حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ , وَإِنَّمَا قُلْنَا : إنَّ الْإِمَامَ يَضْرِبُ لَهَا أَجَلًا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْ أَمْرِ الَّذِي بِهِ يُعْلَمُ انْقِطَاعُ خَبَرِهِ لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَالَ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَهَا حَقٌّ فِي الزَّوْجِ , وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا لِفَرْقٍ بَيْنَهُمَا بِالْعُنَّةِ , وَمَغِيبُ عَيْنِهِ أَشَدُّ مِنْ الْعُنَّةِ فَأَنْ تَثْبُتَ لَهَا الْفُرْقَة بِهِ أَوْلَى , وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمَسْأَلَةِ . وَاَلَّذِي رَوَى عَنْ عَلِيٍّ ذَلِكَ رَوَاهُ عَنْهُ خِلَاسٌ وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ ضَعْفٌ وَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : هِيَ امْرَأَةٌ اُبْتُلِيَتْ فَلْتَصْبِرْ حَتَّى يَأْتِيَهَا مَوْتٌ أَوْ فِرَاقٌ وَهِيَ أَسَانِيدُ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ وَمَا اتَّصَلَ مِنْهَا فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ . وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ رَاهْوَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : هِيَ زَوْجَةُ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : : وَإِنَّمَا يُقَدَّرُ الْأَجَلُ بِأَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ ; لِأَنَّ النَّاسَ بَيْنَ قَائِلَيْنِ : قَائِلٍ يَقُولُ : لَا يُضْرَبُ لَهَا أَجَلٌ , وَقَائِلٍ يَقُولُ : يُضْرَبُ لَهَا أَجَلٌ غَيْرَ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ فَمَنْ قَالَ : إنَّهُ يُضْرَبُ لَهَا أَجَلٌ غَيْرَ أَرْبَعَةِ أَعْوَامٍ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ حَالِ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَنَّهُ يَسْمَعُ فِيهَا خَبَرَ مَنْ كَانَ حَيًّا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْبَحْثِ , وَالسُّؤَالِ عَنْهُ وَمُكَاتَبَةِ الْجِهَةِ الَّتِي غَابَ إلَيْهَا بِأَمْرِهِ , . وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : لَا يَضْرِبُ لَهُ الْأَجَلَ إلَّا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ , فَإِنْ ضَرَبَ الْأَجَلَ مِنْ يَوْمِ رَفَعَتْ الْأَمْرَ إلَيْهِ وَجَهِلَ ذَلِكَ لَمْ يَأْتَنِفْ ضَرْبَ الْأَجَلِ وَلَكِنَّهُ يَحْسِبُهُ مِنْ يَوْمِ ثَبَتَ عِنْدَهُ بَعْدَ الْفَحْصِ عَنْهُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : وَحُكْمُ الْإِمَامِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ حُكْمٌ لِلزَّوْجَةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ , فَإِذَا انْقَضَتْ الْأَرْبَعُ سِنِينَ كَانَ لَهَا أَنْ تَعْتَدَّ دُونَ إذْنِ الْإِمَامِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَعِدَّتُهَا ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ فِي حَقِّهَا , فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ : وَلَا يَحْتَاجُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إلَى إذْنِ الْإِمَامِ فِي تَزْوِيجِهَا قَالَ : لِأَنَّ إذْنَهُ قَدْ حَصَلَ بِضَرْبِ الْأَجَلِ . ( مَسْأَلَةٌ ) : : وَإِنْ كَانَ لَهُ نِسَاءٌ فَرَفَعَتْ إحْدَاهُنَّ أَمْرَهُ إلَى الْإِمَامِ وَأَبَى سَائِرُهُنَّ فَضَرَبَ لِلْقَائِمَةِ الْأَجَلَ بَعْدَ الْبَحْثِ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ : بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ سَأَلَ عَنْهَا فَتَفَكَّرَ ثُمَّ قَالَ : أَرَى ضَرْبَ الْأَجَلِ لِلْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ ضَرْبًا لِجَمِيعِهِنَّ , فَإِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ تَزَوَّجْنَ إنْ أَحْبَبْنَ .
Partager cet article
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :