أى : لن تستطيعوا العدل التام بين النساء، حتى ولو كنتم حريصين على تحقيق ذلك، إلا فى الأمور التى تملكونها من النفقة و الكسوة والمبيت.أما الحب والرغبة فى الجماع، وغير ذلك فهى من أعمال القلوب، والقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء فلا مؤاخذة عليكم فيها.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه، ويعدل، ثم يقول اللهم هذا قسمى فيما أملك فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك، لكن إذا لم يكن العدل المطلق ممكناً
{.. فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ .. } أى فلا تجوروا وتظلموا المرغوب عنها، فتتركوها كالمعلقة، لا هى مطلقة، ولا هى ذات زوج، {. وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا }، يعنى وإن أصلحتكم فى أموركم، وعاملتموهن بالعدل فيما تملكون، واتقيتم غضب الله عليكم فى جميع الأحوال فإن الله يغفر لكم ما لا تملكونه من أحوال قلوبكم، ويرحمكم فلا يعاقبكم، فإن لم يصطلحا، ورغبا في الفرقة بينهما فلا مانع من ذلك
{ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًاحَكِيمًا }، أى وإذا تفرقا بالخلع، أو بتطليقه إياها، وإيفائه لها كل حقوقها، وكان فراقاً بالمعروف، يغن الله كلاً من سعته أى يغن الله كلاً منهما من غناه، بأن يرزقه – إن شاء – زوجاً خيراً من زوجه، وعيشاً أهنأ وأهدأ من عيشه، وكان الله واسعاً حكيماً واسعاً فى عطائه، بلا حدود، حكيماً فى شرعه؛ حيث أذن بالطلاق والتسريح بإحسان.
وفى النهاية : يبين الله تعالى أن الذي أمر به من العدل والإحسان إلى اليتامى والنساء إنما هو لمصلحة المكلفين، والأحسن لهم فى الدنيا والآخرة، حيث إنه المالك لكل شيء، والغنى عن كل شيء.يقول تعالى :
ثم يبين كذلك أن ما أمر به من تقوى الله شريعة قديمة، لم يلحقها نسخ أو تبديل.حيث يقول {.وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ }، أى أن الوصية بتقوى الله والالتزام بشرعه وصية دائمة لنا، وللأمم من قبلنا، ولستم يا أمة محمد مخصوصين بها، وكما أمر من قبلنا بالتقوى، وأمرنا بها كذلك : فقد قال لنا ولهم {.وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا }، أى غنياً عن خلقه، وعن عبادتهم.بل هو مستحق لأن يحمد سبحانه وتعالى؛ لكثرة نعمه، وإن لم يحمده أحد.
وإذا كان كذلك فلا تتكلوا على غيره، واتخذوه وحده وكيلاً لكم فى كل شئونكم.ثم يخوف ربنا عز وجل من عدم طاعته، وعدم تقواه، وعدم التوكل عليه وحده، وعدم الالتزام بشرعه.إذ يقول
يعنى إن شاء يعذبكم عذاب استئصال، يبيدكم به، إن لم تلتزموا بشرعه، ويأت بآخرين من غيركم، يعبدوه، ويتقوه وليس ذلك على الله بعزيز، فهو بالغ القدرة على كل شيء، ثم يرغب الغفور الرحيم الكريم فيما عنده من الكرامة فيقول :
أى : من كان يريد بعمله وحاله وقلبه واعتقاده ثواب الدنيا فقط : فعليه أن يعدل قصده ورغبته وإرادته، حتى يكون عمله للدنيا وللآخرة، ولو فعل ذلك فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ينعم عليه بهما، وكان الله سميعاً بصيراً سميعاً للأقوال، بصيراً بالأفعال؛ يعرف من يريد الدنيا فقط، ومن يريد الدنيا والآخرة
أى : كونوا مجتهدين فى اختيار العدل، وإقامته، محترزين عن ارتكاب الميل، والجور والظلم ومن العدل أن تكونوا {.. شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ }، أى كونوا مقيمين شهادتكم لوجه الله، ولأجل مرضاته، حتى ولو كانت هذه الشهادة، أو الإقرار بالحق والعدل وبالاً على أنفسكم، أو الوالدين والأقربين، بما تتوقعون من ضرر سلطان ظالم أو غيره.واعلموا أن المشهود عليه، {.. إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا.}، يعنى إن يكن المشهود عليه غنياً فلا يمنعكم غناه عن الشهادة عليه طلباً لمرضاه، وكذلك إن كان الشهود عليه فقيراً فلا يمنعكم فقره من الشهادة عليه رفقاً به، وترحماً عليه.لأن الله تعالى :أولى برعاية الفقراء والأغنياء.أما أنتم : فواجبكم إقامة شهادة الحق، دون نظر إلى الغنى أو الفقر.ولذلك {.. فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ }، أى فلا تتبعوا هواكم فى حب هذا أو بغض ذاك على عدم العدل، والامتناع عن الشهادة لإقامة الحق لوجه الله.{.. وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا }، أى فإذا حرفتم الشهادة، ولويتموها عن الحق، أو أعرضتم عن أدائها فإن الله بعملكم هذا خبير، فيجازيكم على ما فعلتم.وفى هذا من التهديد والتخويف من تغيير الشهادة، أو تحريفها، أو كتمانها ما فيه، ونظراً لأن الإنسان لا يكون قائماً بالقسط، شاهداً على نفسه بالحق إلا إذا كان قوى الإيمان، شديد الثقة فى دينه.ولذلك يقول ربنا تبارك وتعالى :
والمعنى : يا أيها الذين آمنوا اثبتوا على الإيمان بالله ورسوله، والقرآن، والكتب السماوية التى أنزلت قبله، وكونوا على ثقة فى هذا الدين، وصلاحيته لإصلاح الأمم، وتحقيق نهضتها، ودوام رقيها، إذا اهتدت به، وعملت بتشريعاته، وأقامت أركانه، وطبقت تعاليمه، ثم بين ربنا جل وعلا أن من يفقد الثقة فى هذا الدين، ويكفر بركن من أركانه فقد خرج عن طريق الهدى، وضل السبيل.حيث يقول :
{ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا }، لأن من يكفر بشيء من هذه الأركان فقد كفر بالجميع، وضل طريق الصواب.ولما رغب ربنا عز وجل فى الإيمان، ودعا إلى الثقة فيه، والطمأنينة به، بين فساد طريقة من يكفر بعد الإيمان. فقال
هذه الآية تبين حال قوم من أهل الضلال، وتوضح فساد تصرفهم؛ حيث آمنوا فى الظاهر نفاقاً، وكان الشك والكفر قد استحوذ على قلوبهم، ولم يجعل فيها استعداداً للفهم فهم فى ريبهم يترددون [التوبة : 45]، ولهذا لم يمنعهم ذلك من الرجوع إلى الكفر مرة بعد أخرى، إذ لم يفهموا حقيقة الإيمان، ولا ذاقوا حلاوته، ولا عرفوا فضائله، ولا أشربت قلوبهم حبه، حتى ماتوا على ذلك، هؤلاء لا يغفر الله لهم، ولا يجعل لهم فرجاً ولا مخرجاً مما يصيرون إليه من العذاب الأليم المقيم، وبعد الحديث عن أهل الإيمان، والحديث عن أهل الكفر تحدثنا الآيات الكريمة عن أهل النفاق.فيقول الحكيم الخبير.
وهذا وعيد وتهديد شديد للمنافقين، وبداية مخيفة في صدر الحديث عنهم، وفيها تهكم بهم وتوبيخ، حيث إن البشارة لا تستعمل غالباً إلا في الحي.
أيها الأحبة الكرام كأن قائلاً يقول ما أوصاف هؤلاء المنافقين الذين يبشرهم ربهم بهذا العذاب الأليم ؟ ويكون الجواب إنهم { الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } أى إن المنافقين هم الذين يتخذون الكافرين المعادين للمؤمنين أولياءً وأنصاراً، يحتمون بهم، ويلجئون إليهم، فى الوقت الذى يتركون فيه ولاية المؤمنين، بل يمالئون الكفار، ويساعدونهم على المؤمنين، اعتقاداً منهم، أن الدولة والغلبة ستكون للكافرين.وصدق الله إذْ يقول فترى الذين فى قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة [المائدة : 52]، ولكن ما الذى يدفعهم إلى هذه الموالاة للكافرين ؟، { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ }، أيريدون بهذه المولاة للكافرين العزة والجاه، والحماية لأنفسهم فى الدنيا؟.ضل عملهم، وخاب سعيهم، وضاع هدفهم، { فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا }، يعطيها لمن يشاء من عباده، فى الدنيا والآخرة.ولذلك فعلى من يريد العزة والقوة أن يطلبها منه تعالى، بصادق إيمانه، وصحيح اتّباعه لشرع الله.وقد أتاها الله للمؤمنين حينما اهتدوا بكتابه، وساروا على نهجه وتشريعه، ولما أعرضوا عن الهداية ذلوا وخضعوا لعدوهم، بل صار منهم منافقون يوالون الكافرين؛ يبتغون عندهم العزة وما هم لها بمدركين، حقاً ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون [المنافقون : 8].
أيها الإخوة الكرام قال المفسرون لكتاب الله تعالى إن المشركين بمكة كانوا يخوضون فى القرآن، يستهزئون به، والمسلمون يسمعون، ولا يستطيعون إنكاراً لهم، ولا رداً عليهم، فنزل قوله تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون فى آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا فى حديث غيره [الأنعام: 68]، فلما انتقلوا إلى المدينة كان أحبار اليهود يفعلون فعل المشركين، فى الوقت الذى يجلس معهم، ويستمع إليهم بعض المنافقين ولذلك وجه الله النهى عن مجالسة من يتنقص الدين، ويزدرى بأحكامه وتعاليمه، فقال مذكراً بما نزل قبل ذلك
وبهذا حرم الله الجلوس فى المكان الذى يكفر فيه بآيات الله، ويستهزأ بها، لمن لا يستطيع الرد، أو دفع هذا المنكر فإن جلستم، ورضيتم بذلك { إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا }، أى إذا جلستم مع الكافرين والمنافقين، ورضيتم بما يقولون فى آيات الله، ويستهزئون بها، وأقررتموهم على ذلك فقد شاركتموهم فى الذى هم فيه، ومن شارك الكافرين فى كفرهم؛ فقد استحق أن يشركه الله معهم، ويجمع بينهم فى نار جهنم أبداً، ثم وصف الله المنافقين لوصف آخر.فقال : { الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ.!! }، عنى من صفاتهم الخسيسة أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، وينتظرون زوال دولة الإسلام، وظهور دولة الكفر وانتصارها على المسلمين.ولكن لنفاقهم يخفون ذلك.وإذا رأوا نصراً للمسلمين يتوددون إليهم، بالتظاهر بأنهم معهم.وإذا رأوا نصرا الكافرين – أحياناً –يتوددون إليهم، ويقولون لهم : لقد ساعدناكم فى الباطن، وخذلنا المسلمين عنكم حتى انتصرتم عليهم وهكذا يصانعون المسلمين إن كانت لهم الغلبة.ويصانعون الكافرين إن كانت لهم الغلبة.ليأمنوا الجميع، ويتقربوا عند الجميع، ويحظوا عند هؤلاء وهؤلاء بالمكانة.وما ذاك إلا لضعف إيمانهم، وقلة يقينهم، وفساد طبيعتهم.ولذلك يهددهم الله تعالى قائلاً :{.فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .}، أى : يحكم الله ويفصل يوم القيامة بين المؤمنين الصادقين وبين المنافقين، حكماً يليق بشأن كل منهما، من الثواب والعقاب، فيثيب أحباءه، ويعاقب أعداءه.أما فى الدنيا فالحكم والمعاملة بحسب الظاهر، كما جاء فى الحديث الشريف فإذا قالوها – أى لا إله إلا الله - فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم، مع كل هذا
{.وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً }، أى إن المؤمنين ما داموا متمسكين بدينهم، متبعين لأمره ونهيه، قائمين ما يستدعيه الدفاع عن الدين وأهله من أخذ الأهبة، وإعداد العدة، وامتلاك القوة فلن يغلبهم الكافرون، ولن يكون لهم عليهم سلطان، وما غلب المسلمون على أمرهم – أيها الكرام – إلا بسبب تركهم هدى كتاب ربهم، وتركهم أوامر دينهم، وراء ظهورهم نسياً منسياً.ولذلك غلبوا بعد عزة ،ودخل عليهم الكفار فى عقر دارهم، وامتلكوا بلادهم، وتحكموا فى أمورهم، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ثم يكشف الله خبث المنافقين، وخيبة أملهم مهدداً لهم إذ يقول :
أى : إنهم حينما يخادعون الرسول صلى الله عليه وسلم، أو المؤمنين بإظهار الإيمان، وإخفاء الكفر فهم يخادعون الله تعالى.والله سبحانه وتعالى مجازيهم على هذا الخداع بأشد أنواع العقوبات وعبارة وهو خادعهم من باب المشاكلة، كما فى قوله تعالى ومكروا ومكر الله، وإلا فالخداع والخديعة، وهى من الكذب مستحيلة على الله تعالى بالمعنى الذى يستعملونه، والذى نعرفه من معنى اللغة ويبين لنا ربنا تبارك وتعالى صفة أخرى من صفاتهم الذميمة فيقول { وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً }، يعنى أنهم إذا قاموا إلى أشرف الأعمال، وهى الصلاة قاموا كسالى؛ لأنهم لا نيّة لهم فيها، ولا إيمان لهم بها، ولا خشية فى شأنها، ولا تعقل لمعانيها، بل لا يذكرون الله فيها.ومن ثَمَّ يقومون إليها كسالى، وهذه صفة ظاهرهم فى أدائها، أما صفة باطنهم فهى فاسدة، حيث لا إخلاص لهم فيها، إنما يؤدونها مراءاة للناس، ومصانعة لهم بها، وهم عنها ساهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون، ثم يوضح الله عز وجل لنا صفة سيئة خطيرة من صفاتهم كذلك، فيقول :{ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء }، أى أنهم حائرون مضطربون يميلون تارة إلى المؤمنين، وتارة إلى الكافرين، فهم يدورون مع منافعهم ومصالحهم حيث تكون.ولذلك فهم ضالون.{ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }، أى : لن تجد له طريقاً واضحاً ، وسلوكاً مستقيماً، ولا هداية إلى الصواب.
أيها الأحبة فى الله بعد أن اتضحت حال المنافقين، وصفاتهم وبعد أن علمنا الله أن أساس نفاقهم هو موالاة الكافرين.ينهى الله المؤمنين عن موالاة الكافرين، كما فعل ويفعل المنافقون.حيث يقول العليم الحكيم :
نهى واضح وصريح عن مصاحبة الكافرين، ومصادقتهم، ومناصحتهم، والتودد إليهم، وإفساد أشرار المؤمنين إليهم.وإن فعلنا فقد أخطأنا ويعاتبنا الله على ذلك، ويهددنا بعقابه.قائلاً { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا }، يعنى أتريدون وتحبون مخالفة أوامر الله، وارتكاب ما نهاكم عنه فتستحقون العقوبة والعذاب من الله على ذلك ؟، هذا لا يليق بكم أيها المؤمنون أبداً، كما لا ينبغى أن تكونوا مثل المنافقين، ولا تعاقبوا مثل عقابهم، أتدرون أين المنافقون، وكيف عقابهم ؟ اقرءوا هاتين الآيتين :
إن المنافقين بسبب سلوكهم، وكفرهم، يعذبون فى أسفل النار، حيث العذاب الشديد، لا يموتون فيستريحون، ولا يخرجون منها أبداً.وفوق ذلك : فلا ناصر لهم، ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من هذا العذاب الأليم.هذا مصيرهم فلا تكونوا أيها المؤمنون مثلهم، ثم يفتح الله باب رحمته لمن يتوب، ويعود إلى الله راجياً عفوه وغفرانه، من الكافرين، أو المنافقين.حيث يقول الرحيم الكريم، { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ }، أى إن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار أى يعذبون فيها، إلا من اتصف منهم بهذه الصفات :
1- تابوا فى الدنيا عن كفرهم ونفاقهم، وآمنوا قبل موتهم، ومن تاب تاب الله عليه.
2- وأصلحوا أعمالهم السيئة، وعملوا الصالحات.
3- واعتصموا بالله فى جميع أمورهم وأحوالهم.
4- وأخلصوا دينهم لله بدلاً من الرياء.
عندئذ يكونون مع المؤمنين الصادقين، وينالون من الجزاء الحسن ما ينال المؤمنون، { وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا }، وهم أيضاً يؤتيهم الله أجراً عظيماً؛ لأنهم صاروا مؤمنين.وبالنسبة لموضع العذاب فإن الله لا يعذب العباد إلا بذنوبهم، كما أنه لا يعذب من آمن به، وشكر نعمه، وهو الغنى عن العالمين.
يقول تبارك وتعالى { مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا } [الآية 147]، أى لا يعذب الله أحداً من خلقه انتقاماً منه، ولا طلباً لنفع، ولا دفعاً لضر؛ فهو الغنى عن كل أحد، المنزه عن جلب منفعة له، أو دفع مضرة عنه، بل إن العذاب – إن حدث – فهو جزاء الكفر بأنعم الله والله – أبداً – لا يعذب من آمن به، وشكر نعمه، سبحانه وتعالى، { وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا }، أى يجعل ربنا عز وجل ثواب المؤمنين الشاكرين، بحسب علمه بأحوالهم، كما أنه سبحانه يعطيهم من الدرجات أكثر مما يستحقون، بفيض كرمه، جزاءً على شكرهم وإيمانهم، وتفضلاً منه تعالى عليهم، كما قال تعالى لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابى لشديد [إبراهيم : 7].
فى هاتين الآيتين الكريمتين يعلمنا رب العزة سبحانه وتعالى ألا ندعو على أحد إلا إذا ظلمنا، وألا نتكلم على أحد إلا إذا ظلمنا ويحثنا تبارك وتعالى إلى العفو حتى فى مثل هذا.حيث إن من صفاته سبحانه : العفو مع كمال القدرة.ثم بين أنه – عز وجل – إن عاقب لا يعاقب إلا بعد استحقاق العذاب ومن هنا : فليحذر كل أحد عقوبته العادلة إن كفر أو نافق، أو عصى ويصير المعنى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من أحد أبداً إلا من ظلم فإنه يباح له دون أن يعاقبه الله على ذلك.إذْ يباح له أن يقول سرق مالى، أو سبنى، أو آذانى، ويدعو عليه دعاءً جائزاً، بقدر ظلمه له، فلا يدعو عليه بخراب داره، ولا بالهلاك، بل يقول اللهم خلص حقى منه، أو جازه بقدر ظلمه لى، كما لا يجوز أن يدعو عليه بسوء الخاتمة، أو الفتنة فى الدين وكان الله سميعاً عليماً أى : سميعاً لما يقال من الظالم والمظلوم، وهو السميع لكل ما يقال من كل أحد.عليماً بما يفعل وما يحدث من الظالم والمظلوم، وهو العليم بكل ما يفعل من كل أحد.
وفى هذا : وعد للمظلوم بالنصر والخير، ووعيد للظالم بالهزيمة والعقاب وبعد إقرار هذا الحق من الله تعالى للمظلوم أن يجهر بشكواه، وأن يرفع مظلمته : يحث عز وجل المؤمنين ويدعوهم إلى الأفضل، وهو عدم الجهر بالسوء من القول، وعدم الدعاء على الظالم، بل إلى العفو عنه، إِذْ يقول : { إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء }، أى فهو أولى لكم، وأليق بكم، وعنوان لمكارم أخلاقكم، حيث إن الله تعالى مع كمال قدرته على الانتقام من العصاة : يُكثر العفو عنهم، وصدق الله إذْ يقول إن الله كان عفواً قديراً، فعليكم إذاً أن تقتدوا بسنته، وأن تتمثلوا بعفوه وكرمه، مع قدرته، ففى الحديث : " ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ومن تواضع لله رفعه"، وبهذا : يظهر جيداً، أن من أخلاق المؤمنين ترك السوء، والعفو عمن ظلمهم.
وبعد أن بين رب العزة طرفاً من معاملة الخلق مع بعضهم البعض تعود الآيات الكريمة إلى قضية الإيمان؛ ليقرر فيها المولى سبحانه كفر من كفر بالله، وكفر من يؤمن ببعض الرسل ويكفر ببعض، ويناقش تبارك وتعالى فريقاً من هؤلاء فى اعتقاداتهم الخاطئة، ويعريهم فى مواقفهم السيئة.حيث يقول عز من قائل :
يخبر الله سبحانه ويتوعد الكافرين به، من اليهود والنصارى وغيرهم، وينصب التهديد الإلهى هنا خاصة على من يكفر ببعض رسل الله؛ حيث فرقوا بين الإيمان بالله تعالى وبين الإيمان برسله، كما فرقوا – من جهة أخرى – بين رسل الله، إذْ يقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض بمجرد التشهى والعادة، وما وجدوا عليه آباءهم، وليس عندهم دليل على ما يقولون وما يفترون، فاليهود عليهم لعائن الله : آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمدا عليهما الصلاة والسلام والنصارى : آمنوا بالأنبياء، وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وغيرهم والمقصود أن من كفر بنبى من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء؛ حيث إن الإيمان واجب بكل نبى بعثه الله إلى أهل الأرض والآية صريحة فى الدلالة على أن الكفر برسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بالله تعالى ورسله جميعاً وفيها الرد الواضح على كل من يعز عليه أن يسمى كافراً، وفى ذات الوقت، لا يعطى قضية الإيمان كل لوازمها، ومقتضياتها، ولذا يقول تعالى عن هؤلاء، { أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا }، أى كفرهم ثابت لا شك فيه، ولا مجال لإنكاره منهم أو من غيرهم، { وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا }، يعنى هيأنا وأعددنا وجهزنا للكافرين من هؤلاء، أو من غيرهم عذاباً مهيناً فيه إيلام لهم، ومهانة وإذلال يستحقونه، ويجازون به، بسبب استهانتهم بمن كفروا به، أو لعدم نظرهم فيما جاء به من الله، وإقباهم على جمع حطام الدنيا، أو بسبب كفرهم به بعد علمهم بنبوته.
وأما الذين آمنوا بالله وبكل الرسل : يقول عنهم رب العزة سبحانه وتعالى.
ولا يوجد هذا الوصف – بعد البعثة المحمدية – لأحد أبداً إلا لمن تابع محمداً صلى الله عليه وسلم، وآمن برسالته، حيث إن أمته تؤمن بكل نبى، وتؤمن بكل كتاب وهؤلاء أعد الله لهم الجزاء الجزيل، والثواب الجليل، والعطاء الجميل حيث يقول :{.أُوْلَـئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ }، وذلك جزاءً لهم على إيمانهم بالله تعالى وكل رسله.بل أكثر من ذلك يعدهم بالمغفرة والرحمة؛ حيث يقول {.وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا }، أى غفوراً لذنوبهم إن كان لهم ذنوب، رحيماً بهم فى الدنيا والآخرة وبعد تقرير هذه المفاهيم يبدأ ربنا تبارك وتعالى، وهو الحكيم العليم فى بيان ظلم اليهود، الذين لم يؤمنوا برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم فيقول عنهم :
نزلت هذه الآية الكريمة فى أحبار اليهود وعلمائهم؛ حيث قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم إن كنت نبياً حقاً فأتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بكتابه إلينا جملة.أو إن كنت نبياً حقاً فأتنا بكتاب بخط سماوى فى ألواح، كما نزلت التوراة على موسى أو إن كنت نبياً حقا فأتنا بكتاب ينزل إلينا بأسمائنا يخبرنا بأنك رسول الله وما كان قصدهم من هذه الأقوال كلها إلا التعنت والعناد والجدال يقول الحسن البصرى : ولو سألوه لكى يتبينوا الحق ويعرفوه، فيسلموا ويتبعوه صلى الله عليه وسلم لأعطاهم الله تبارك وتعالى على كل حال لا تستغرب منهم يا محمد، ولا تستكبر عليهم هذا التعنت، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك أى سأل آباؤهم موسى عليه السلام تعنتاً أيضاً، وطلبوا منه مطالب أكبر وأغرب مما سألوك إياه، حيث قالوا له كما يخبر رب العزة عن ذلك بقوله فقالوا أرنا الله جهرة أى نراه بأعيننا.وهؤلاء هم السبعون الذين خرجوا مع موسى عليه السلام إلى الجبل، للقاء ربه، كما فى قوله تعالى { واختار موسى قومه سبعين رجلاً ليمقاتنا } [الأعراف : 155]
فأخذتهم الصاعقة بظلمهم يعنى أخذهم العذاب الهائل، أو النار المحرقة لدرجة موتهم.وذلك بسبب ظلمهم، وتعنتهم، وتحكمهم على نبيهم فى سؤال الرؤية، وليس بسبب السؤال ذاته.ومع ذلك فقد أحياهم الله تعالى بعد موتهم، كما فى قوله تعالى وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون [البقرة 55، 56] فهل شكروا الله تعالى، وتابوا عن ظلمهم؟ كلا ، ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات يعنى : اتخذوا العجل إلهاً لهم من دون الله، بالرغم من توافر الدلائل الواضحات، والآيات البينات، على وجود الله تعالى، ووحدانيته، وقدرته، وعلى صدق موسى عليه السلام.وهنا قال موسى لقومه:{ يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم .} [البقرة : 54]، ففعلوا ما أمروا به – كما يقول الإمام ابن كثير – فغفر الله تعالى للقاتل والمقتول.يقول تعالى :فعفونا عن ذلك يعنى هؤلاء الذين أجرموا قديماً باتخاذهم العجل، قد تابوا إلى بارئهم، واستجابوا لأمره ونفذوا حكمه بأن يقتل بعضهم بعضاً، فعفونا عنهم، ولم نستأصلهم وننه على وجودهم بالكامل، فتوبوا أنتم أيضاً يا من تعاندون محمداً صلى الله عليه وسلم، وتتعنتون معه فى طلباتكم منه، وأسئلتكم له، وأما عن موسى عليه السلام فيقول رب العزة وآتينا موسى سلطاناً مبيناً أى أعطيناه دليلاً دامغاً لكفرهم، مظهراً وكاشفاً لعنادهم ولذلك فانحرافهم وكفرهم نتيجة لطبيعتهم القاسية، وقلوبهم المتحجرة.ولذا لا يستغرب كفرهم الحالى، وانحرافهم عن الحق، وظلمهم لأهله؛ حيث إن وضعهم هذا امتداد لوضعهم ذلك.فهل ينتظر – بعد ذلك – منهم خير؟ كلا وألف كلا.
أ- جاءهم موسى عليه السلام بشريعة التوارة؛ ليلتزموا بها، فامتنعوا وأبوا فرفع الله على رءوسهم جبلاً؛ ليلزمهم بها، فخافوا والتزموا، وأخذ عليهم الميثاق بذلك.ولكنهم – بعد ذلك – نقضوا هذا العهد والميثاق.
ب- وقيل لهم ادخلوا باب القدس سجداً، أى مطأطئين الرءوس، خاضعين لله، متواضعين لعظمته فاستجابوا ودخلوا ولكنهم دخلوا مخالفين؛ حيث دخلوا على غير ما أمروا به من الخضوع والتواضع.
جـ- وقيل لهم : احفظوا “السبت” أى يوم السبت، فلا تعتدوا فيه، وتصطادوا، والتزموا بشرع الله هذا ولكنهم خالفوا، وعصوا، واحتالوا على ارتكاب ما حرم الله عليهم.
د- أخذ الله عليهم عهداً شديداً، وميثاقاً غليظاً بالتزام شرعه، وتنفيذ أحكامه ولكنهم خالفوها جميعاً، ونقضوها واحداً واحدا ولذلك.
تفيد هذه الآيات الكريمة وما بعدها أن الله جلت حكمته وتعالت عظمته عاقب الذين كفروا وعاندوا من اليهود بأمرين، هما :
الأول : حرم عليهم طيبات كانت حلالاً لهم، يقول تعالى حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم.
الثاني : أعد لهم عذاباً أليماً فى الآخرة، يقول تعالى وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً.وكان هذا العقاب بسبب ارتكابهم عدة مخالفات سيئة، هى :
الأول : بسبب نقضهم المواثيق والعهود
الثانى : كفرهم بآيات الله ومعجزاته، التى شاهدوها على أيدى الأنبياء عليهم السلام.
الثالث : قتلهم الأنبياء ظلماً وعدوانا.
الرابع : قولهم – زوراً وبهتاناً – قلوبنا غلف أى : مغطاة، لا يصل إليها وعظ أو تذكير
الخامس : بكفرهم بعيسى عليه السلام
السادس : بقولهم على مريم – عليها السلام – بهتاناً عظيماً
السابع : قولهم – كذباً – إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم
الثامن : بظلمهم فى تعدِّيهم على شرع الله
التاسع : صدهم عن سبيل الله خلقاً كثيراً، ومنعهم من الإيمان بالله ورسله
العاشر : تحليلهم للربا وتعاطيهم له، وقد حرم عليهم، ونهوا عنه
الحادى عشر : أكلهم أموال الناس بالباطل، كالرشوة وغيرها من سائر المعاملات المالية المحرمة، وهنا : قضية ينبغى الإشارة إليها وهى : اعتذار اليهود عن عدم إيمانهم بأن قلوبهم غلف، أى مغطاة، ومحجوبة عن وصول الموعظة إليها، وهو اعتذار قبيح لا يليق.ولذلك رد الله عليهم بقوله عز وجل بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً أى بسبب كفرهم وجحودهم، وليس بسبب ما قالوا، أحدث عليها مانعاً من وصول الحق، فلا يؤمن منهم إلا قليل، كعبد الله بن سلام، وأمثاله، بل حتى اليوم : لا يؤمن منهم إلا القليل يقول تعالى لبيان مساوئهم.
يعنى : وبسبب قولهم هذا عاقبناهم، ولعنادهم؛ حيث قالوا إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله مفتخرين مبتهجين بقتل النبى، والاستهزاء به، إذْ قالوا عنه رسول الله وهم لم يؤمنوا به ولا برسالته وقد نفى الله سبحانه قتله أو صلبه عليه السلام، وكذب ادعاءهم هذا بقوله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم يعنى أنهم ما قتلوا عيسى عليه السلام، وما صلبوه – كما زعموا – بل قتلوا وصلبوا شبيهه، لا هو.وأما عيسى عليه السلام فرفعه الله إليه.ثم إن القوم لما لم يجدوا عيسى عليه السلام ولا الرجل الذى كان معه وقعوا فى الحيرة.وقالوا إن كان هذا المصلوب عيسى فأين الرجل الذى كان معه؟، وإن كان المصلوب هو الرجل فأين عيسى ؟، ومن هنا وقع الخلاف بينهم فى ذلك.يقول تعالى وإن الذين اختلفوا فيه أى فى عيسى عليه السلام ويلاحظ فى هذا الاختلاف أنه إن كان أثناء محاولة القتل، أو قبلها يكون المختلفون هم اليهود كما أنه إن كان بعد محاولة القتل يكون المختلفون هم النصارى على كل حال، إن كان المختلفون هؤلاء، أو هؤلاء فـ الذين اختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن أى أنهم لا يعلمون الحقيقة، حيث قال بعضهم لما رأوا المقتول الوجه وجه عيسى، والجسد ليس بجسده، ولذا : فليس هو عيسى وقال بعضهم بل هو عيسى نفسه.وأما الحقيقة : فيذكرها الله تعالى بقوله وما قتلوه يقيناً أى : أنهم ما قتلوه حقاً ويقيناً، أو أنهم ما قتلوه متيقنين من ذلك.
يعنى : رفعه الله إلى موضع فى السماء، وهذا الموضع هو السماء الثالثة، كما فى حديث الجامع الصغير آدم فى السماء الدنيا، تعرض عليه أعمال ذريته، ويوسف فى السماء الثانية، وابنا الخالة يحيى وعيسى فى السماء الثالثة إلخ.وكان الله عزيزاً حكيماً يعنى عزيزاً فى ملكه، والمراد من العزة كمال قدرته سبحانه، وفى ذلك تنبيه على أن رفع عيسى عليه السلام إلى السموات وإن كان بعيداً على البشر، لكنه غير بعيد على قدرة الله عز وجل وكذلك هو سبحانه حكيم فى صنعته، والمراد من الحكمة – كذلك – كمال العلم وفى ذلك تنبيه على أن هذا الرفع غير خال من الحكمة التى لا يعرفها إلا هو سبحانه وتعالى.ولكل هذا فهو سبحانه لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه، ولجأ إلى حماه.
هذه الآية الكريمة تحتمل معنيين المعنى الأول وما من أهل الكتاب – اليهود والنصارى - أحد إلا ليؤمنن بعيسى عليه السلام، قبل موت عيسى فى آخر الزمان وهؤلاء هم الذين يكونون فى زمان نزول عيسى قبل يوم القيامة.وهذا هو المعنى الراجح.المعنى الثانى وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن قبل موته هو ساعة الغرغرة بعيسى عليه السلام، وبأنه عبد الله ورسوله.وذلك يكون قبل أن تزهق روحه، حين لا ينفعه إيمانه؛ لانقطاع وقت التكليف.عن شهر بن حوشب قال اليهودى إذا حضره الموت، ضربت الملائكة وجهه ودبره، وقالوا يا عدو الله أتاك عيسى نبياً، فكذبت به، فيقول آمنت بأنه عبد الله ورسوله.و النصرانى كذلك، ويقال له أتاك عيسى نبياً، فزعمت أنه الله وابن الله، فيقول آمنت بأنه عبد الله فأهل الكتاب يؤمنون به.ولكن حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان.ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً يعنى : يشهد عيسى على اليهود بأنهم كذبوه، ويشهد على النصارى بأنهم غلوا فيه.
فى هاتين الآيتين يعود السياق للحديث عن اليهود، ومخالفاتهم، وعقوباتهم، بعد مناقشة ادعائهم قتل المسيح عليه السلام، واختلافهم هم والنصارى بخصوصه عليه السلام والمعنى بسبب ظلم اليهود، وصدهم الخلق الكثير عن سبيل الله ودينه، وأخذهم الربا بعد أن حرم عليهم ونهوا عن التعامل به، وأكلهم أموال الناس بغير حق إلى جانب من سبق ذكره من مخالفتهم بسبب كل ذلك، حرم الله عليهم طيبات كانت حلالاً لهم، ولمن تقدمهم من أسلافهم، ولكنهم افتروا على الله سبحانه وقالوا لسنا بأول من حرمت عليه، وإنما كانت محرمة على إبراهيم ونوح عليهما السلام، ومن بعدهما، حتى انتهى الأمر إلينا.ولكن الله تعالى كذبهم فى مواقع كثيرة، وبكتهم على ذلك، كما فى قوله تعالى كل الطعام كان حلاً لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فيما زعمتموه.وبالتالى : حرمها عليهم.وكذلك أعد لهم – إلى جانب هذا التحريم – عذاباً أليماً فى الآخرة.
هذه الآية الكريمة : نزلت فى عبد الله بن سلام، رضى الله عنه، وأمثاله من اليهود الذين دخلوا فى الإسلام، وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه، واتبعوه. والمعنى إذا كان عامة اليهود ينقضون الميثاق، ويكفرون بآيات الله ورسله، ويقتلون الأنبياء بغير حق فإن الراسخين فى العلم منهم، الثابتون فيه، المتقنون له، المستبصرون، غير التابعين للظن، الذين آمنوا، وصدقوا بالحق هؤلاء يؤمنون بالقرآن الذى أنزل إليك، ويؤمنون بما أنزل من قبلك من الكتب السابقة على إخوانك من الأنبياء عليهم السلام، ويقيمون الصلاة، ويحافظون عليها، ويؤتون زكاة الأموال والأنفس، ويؤمنون باليوم الآخر، يوم القيامة، يوم الجزاء، ويستعدون له بالعمل الصالح، هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات من أهل الكتاب سنؤتيهم أجراً عظيماً وهو الجنة، قال بعض اليهود لمحمد صلى الله عليه وسلم ما نعلم أن الله أنزل على بشر شيئا من الوحى بعد موسى عليه السلام، فأنزل الله تعالى ردّاً عليهم، مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم
والمعنى أن إنزال الوحى عليك يا محمد صلى الله عليه وسلم ليس بدعا، بل أوحى كما أوحى إلى الرسل من قبلك، فقد أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده كهود وصالح، وشعيب عليهم السلام، وكذلك أوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأٍسباط أى أولاد يعقوب عليه السلام، وأوحينا كذلك إلى عيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وكما آتيناك القرآن فقد آتينا داود زبوراً وهو الكتاب الذى أوحاه الله إلى دواد عليه السلام.ويلاحظ أن الله تعالى بدأ بذكر نوح عليه السلام؛ لأنه أول نبى بعث بشريعة، وأول نذير على الشرك، وأنزل الله عليه عشر صحائف، وأول نبى عذبت أمته لردهم دعوته، وأُهْلِك أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم عليهما السلام، وكان أطول الأنبياء عمراً، وقد صبر على أذى قومه طول عمره، ثم ذكر الله تعالى الأنبياء من بعده جملة، بقوله والنبيين من بعده.ثم خص جماعة من الأنبياء بالذكر؛ لشرفهم وفضلهم، فقال وأوحينا إلى إبراهيم الآية.وبعد هذا : يبين رب العزة أن هؤلاء الرسول إلى البشر كثيرون.