سورة “النساء”. الجزء 3
وبعد ذلك : يبين ربنا سبحانه وتعالى الأصل الأصيل الدائم فى موضوع الطاعة هذه فيقول :
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا } [الآية 64]
أى : ما أرسلنا رسولاً قط، إلا وشأنه أن يطاع بتوفيق الله وتيسيره، حيث إنه هو لمبلغ عن الله، وطاعة الله واجبة، ومن هنا : فطاعة الرسول واجبة.ولذلك أمر كلُّ رسول المبعوثَ إليهم، أن يطيعوه؛ لأنه مؤد عن الله.ومع هذا فالمنافقون لم يطيعوه، وظلموا أنفسهم.إلا أن التواب الرحيم يقول :
{.. وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} يعنى ولو أنهم حينما ظلموا أنفسهم بعدم طاعتك، واحتكامهم إلى الطاغوت، جاءوك تائبين من النفاق، معتذرين عما ارتكبوا من الاحتكام إلى غير الكتاب والسنة.لو فعلوا ذلك واستغفر لهم الرسول بالشفاعة، والدعاء لهم.ماذا يحدث ؟، لوجدوا الله تواباً رحيماً أى : لتاب الله عليهم، وقبل اعتذارهم، ورحمهم وعفا عنهم.
أيها الأحبة فى الله يقسم ربنا – جل جلاله – بنفسه الكريمة المقدسة : أنه لا إيمان حتى يُحكَّم الرسول صلى الله عليه وسلم فى جميع الأمور إذْ يقول :
{ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا } [الآية 65]
أى : فوربك لا يؤمنون إيماناً حقيقياً مقبولاً.حتى يحكموك إن كنت حياً يا رسول الله، ويحكموا الكتاب الذى جئت به، وهو القرآن، وسنتك المطهرة، بعد وفاتك، عن طواعية منهم، واختيار.ثم لا يجدوا فى أنفسهم بعد تحكيمهم لك، وحكمك فيهم ولهم.حرجاً مما قضيت، أى لا يجدون ضيقاً أو شكاً فى حكمك بينهم، وقضائك فيهم.ويسلموا تسليماً، أى : وينقادون لقضائك، وحكمك انقياداً ظاهراً وباطناً، من غير مخالفة، ولا منازعة ولذا فعليهم أن يحكموك، بكل رضى وتسليم.فهذا أمر هين.
{ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا } [الآيات 66 ، 67 ، 68]
يعنى : لم نكتب عليهم، ولم نطالبهم ونوجب عليهم ما كتبنا وأوحينا على بنى إسرائيل، لقبول توبتهم، من قتل أنفسهم، بأن يقتل بعضهم بعضاً، أو أن يخرجوا من ديارهم. ولو كتبنا عليهم ذلك ما فعله إلا قليل منهم؛ لصعوبة الأمر عليهم.وما دام الأمر كذلك فليفعلوا ما طلب منهم ووعظوا به وهو احتكامهم إليك، وطاعتهم لك، ورضاهم بحكمك.
{.. وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا } يعنى ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به، ويطلب منهم من اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والانقياد لحكمه، مهما كان الأمر، أو الحكم.لكان خيراً لهم فى الدارين.وأشد تثبيتاً لهم فى الإيمان، وعدم الشك والنفاق
{وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيمًا } أى : وإذْ يفعلون ذلك.لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ثواباً كثيراً عظيماً، لا ينقطع.أيضاً { وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا } يعنى فوق هذا الثواب والأجر الذى نعطيهم إياه ثبتناهم على الدين الحق، وهدينا قلوبهم إليه، وفيه، ثم يبشر الله تعالى – أيها الأحبة فى الله – من يطع الله ورسوله بأن يدخله دار كرامته، فى صحبة الكرام الطيبين.حيث يقول :
{ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا } [الآية 69]
يعنى ومن يطع الله والرسول فيعمل بالكتاب والسنة.فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم برضوانه، ثم عددهم فقال من النبيين وهم صفوة خلقه.والصديقين وهم الذين صدقوا مع الله ظاهراً وباطناً والشهداء وهم الذين باعوا أنفسهم لله، واستشهدوا فى سبيله.والصالحين وهم من صلحت قلوبهم وأحوالهم، وحسنت أعمالهم.وحسن أولئك رفيقاً أى : وما أحسن رفقة هؤلاء وعلى ذلك : فليعمل لنوالها العقلاء، ثم بين أن هذا الإنعام فضل منه وحده قائلاً :
{ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا } [الآية 70]
أى : ما أعطى الله المطيعين من الأجر العظيم، وما أنعم عليهم بمرافقة هذه الصحبة، التى أنعم الله عليها إلا بفضل منه وإكرام لهم. {.. وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا }، أى : وكفى به عليماً، يعلم من يستحق الفضل، ومن لا يستحق.حقاً فكل إنعام منه على عباده فهو تفضل وتكرم لا يليق إلا بذاته سبحانه.وعلى ذلك فعلى العباد أن يثقوا بما أخبرهم به محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يتمثلوا لما أمرهم به الله ونهاهم عنه، وبعد أن بين لنا رب العزة فيما سبق كثيراً من الأمور الدينية من عبادته تعالى، وعدم الشرك به.وكثيراً من الأمور المدنية كمعاملة ذى القربى، والجيران، وغيرهم وكثيراً من الأمور الشخصية كأحكام الزواج، والميراث، وغير ذلك.
يبدأ – عز وجل – فى بيان بعض الأحكام السياسية والحربية، وفى رسم الطريق التى نسير عليها فى حفظ ملتنا، وحكومتنا – المبنية على تلك الأصول – من الأعداء.فيقول :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا } [الآية 71]
وفى هذه الآية الكريمة : يأمر الله عباده المؤمنين بأمرين :
الأول : الحذر من عدوهم وهذا يستلزم منهم التأهب لأعدائهم؛ بإعداد الأسلحة والعُدَد، واليقظة الكاملة، ومعرفة أعدائهم، وكشف مخططاتهم للنيل من المسلمين
الثانى : النفير العام فى سبيل الله، والاستعداد الدائم الكامل لقتال الأعداء، بل قتالهم إذا لزم الأمر، وذلك يكون حسب الظروف التى تدعو إلى ذلك، سواء كان هذا النفير ثبات أى : جماعات متفرقة، وسرية بعد سرية، أو جميعاً أى : مجتمعين، فى صورة جيش كامل العَدَد والعُدَّة.ومن هذه الآية نفهم أنه ينبغى على المسلمين ألا يتركوا الجهاد فى سبيل الله أبداً على قدر ما يلزم، وبحسب ما يمكن وما أكثر غفلة المسلمين عن فهم ذلك!!، فهم حينما غاب عنهم فهم هذه الآية، أو غابوا عن فهم هذه الآية، وتركوا الجهاد فى سبيل الله : تغلب الكافرون على أرضهم، وسيطر الأعداء على بلادهم وذلوا فى أوطانهم لعدوهم، وطمع به كل طامع.
وننبه بشدة على أنهم إذا لم يعودا إلى دينهم بإحياء فريضة القتال فى سبيل الله على قدر المستطاع، ويملكوا الوسائل المعينة على ذلك : فلن تكون كلمة الله هى العليا لا فى أقطارهم، ولا فى العالم.وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وتركتم جهادكم سلط الله عليكم ذُلاً ، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم وكان ميزان الرجوع إلى الإسلام – على هذا – هو الجهاد.
وقد شدد الإسلام على هذا الأمر – أيها الأحباب – أيما تشديد، فى هذا الأمر.ويفهم ذلك جيداً من قوله تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم [الأنفال 60].
وحتى يكون صف المجاهدين قوياً متماسكاً ينبه الله عز وجل على أن بعض الذين يخالطون المؤمنين، ويتظاهرون بالإسلام يتخلفون عن القتال فى سيبل الله، ويتباطئون، ويبطئون غيرهم.وهؤلاء : ينبغى أن لا يكون لهم أثر أو تأثير فى عزائم المجاهدين فى سبيل الله. حيث يقول كاشفاً لهم :
إن الله سبحانه وتعالى : بعد أن ذكر أحكام القتال وبعد أن ختم الله سبحانه البيان لها بالتأكيد على أنه لا إله إلا هو وحده، لا غيره يخشى ضرره، أو يرجى خيره، حتى تترك هذه الأحكام لأجله بعد كل هذا يذكر عز وجل هنا أنه لا ينبغى التردد من المؤمنين فى أمر المنافقين، وينكر عليهم انقسامهم – بخصوص قتلهم – إلى فريقين.حيث يقول جل شأنه.
{ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } [الآية 88]
أى : ما الذى جعلكم أيها المؤمنون تنقسمون بخصوص قتال المنافقين، الذين ظهر نفاقهم، إلى فريقين، وما لكم لا تجمعون على رأى واحد، وتقطعون بكفرهم،.روى الإمام أحمد عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد، رجع ناس قد خرجوا معه، ولم يقاتلوا الكفار، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى موقفهم من هؤلاء فرقتين، فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول لا فأنزل الله هذه الآية.ينكر عليهم فيها رب العزة انقسامهم هذا، وعدم قتل هؤلاء المنافقين.خاصة والله أركسهم أى ردهم، وأعادهم إلى دورهم وبيوتهم.بما كسبوا من الكفر والمعاصى؛ بسبب خذلانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم قتالهم للكفار.ومن هنا كان حكمهم بجواز قتلهم.ثم يقول العزيز الحكيم للمؤمنين منكراً ومعاتباً {.. أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللّهُ .. ؟ } والمعنى : أتريدون أن تجعلوه من جملة المهتدين من جعله الله ضالاً، فرده عن شرف الجهاد، وحكم عليه بالكفر، وأجاز قتله، وذلك باللين معهم، ومسايرتهم فى موقفهم المخزى، وعدم قتلهم.لا ينبغى لكم ذلك.واعلموا جيداً أنه ، {.. وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً .. }، أى من شاء الله إضلاله، بسبب عمله، فلا طريق له إلى الهدى.وهؤلاء لم يرد الله هدايتهم. فكيف لا تكونون – أيها المؤمنون – صفاً واحداً أمامهم، ويداً واحدة عليهم.هؤلاء أيها المؤمنون.
{ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا } [الآية 89]
نعم نتم تنقسمون بخصوصهم، وتختلفون فى الحكم عليهم، وفيكم من يقول : لا نقتلهم.بينما هم – فى الوقت ذاته – يودون لو تكفرون كفراً مثل كفرهم، وضلالاً لكم مثل ضلالهم؛ ليتساووا معكم؛ وتتساووا معهم، فلا يكون لكم فضلاً عليهم، وشرفاً عنهم. ولذلك
{.. فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ } والمعنى : إذا كان حالهم هو هذا، ورغبتهم لكم أن تكفروا كما كفروا فلا ينبغى لكم أن توالوهم وتودوهم، وهذا الحكم بخصوصهم مستمر، حتى يؤمنوا، ويعلنوا ولاءهم الكامل للإسلام ظاهراً وباطناً، ويهاجروا فى سبيل الله مع رسوله صلى الله عليه وسلم للقتال، مخلصين صابرين محتسبين، وللعلم – أيها الأحبة الكرام – يقول العلماء الهجرة فى سبيل الله على ثلاثة أوجه، هجرة للمؤمنين فى أول الإسلام بالخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام، كما فى قوله تعالى ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله [النساء : 100].
وهجرة للمنافقين : وهى خروج الشخص مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ صابراً محتسباً، لا لأغراض الدنيا، وهى المرادة فى هذه الآية وهجرة عن جميع المعاصى يقول صلى الله عليه وسلم المهاجر من هجر ما نهى الله عنه .هذا فإن هاجر هؤلاء المنافقون مع النبى صلى الله عليه وسلم، وخرجوا معه لقتال الأعداء، صابرين، محتسبين لله فبها ونعمت.والأمر الآخر، {.فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ .}، أى : فإن أعرضوا ورفضوا الهجرة فى سبيل الله، بمعنى رفضوا قتال الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، مع الإخلاص والصدق وأقاموا على ما هم عليه من النفاق، وارتدوا، وصرحوا بالكفرفخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم فى الحل، أو فى الحرم؛ حيث إن حكمهم حكم سائر المشركين قتلاً وأسراً.{.. وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا } وهؤلاء بالطبع لا يجوز لكم أن تتخذوا منهم ولياً، توالونه، وتتعاملون معه، وتتوددون إليه أبداً، ولا أن تتخذوا منهم نصيراً لكم تنتصرون به على عدوكم، أو صديقاً تأتمنونه على أسراركم، أو تتطبعون معه علاقاتكم ومعاملاتكم.وبهذه الآية والتى قبلها بين الله لنا – أيها المسلمون الكرام – الحكم الأصلى، فى المنافقين وهو: قتلهم، وعدم إعطائهم النصرة والولاء، وعدم قبولها منهم – كذلك – حتى يكونوا مؤمنين حقاً، علماً وعملاً.هذا وبعد أن ذكر الله تعالى هذا الحكم الأصلي فى المنافقين.يذكر - سبحانه - صوراً : تدخل تحت هذا الحكم.وصوراً – أخرى – يستثنيها – عز وجل – من هذا الحكم.فمن الصور التى يستثنى فيها قتل المنافقين هذه الصورة.حيث يقول العزيز الحكيم.
{ إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } [الآية 90]
أى : لا تقتلوا من المنافقين من لجأ إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، يعنى: عهد، ومهادنة.وذلك لأن حكمهم يصبح كحكم من تعاهدتم معهم على عدم القتال والحرب.وهذه قمة الوفاء، ومراعاة العهود من الإسلام، والمسلمين بالطبع.ومن الصور كذلك التى يستثنى فيها قتل المنافقين : هذه الصورة أيضاً {.أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ .} أى : لا تقتلوا من المنافقين قوماً حصرت صدورهم: أى : تضيق صدورهم ولا تستريح لقتال المسلمين، ولا يستريحون – أيضاً – أن يقاتلوا قومهم معكم، يعنى هم لا لكم، ولا عليكم. هؤلاء، وهؤلاء من نعمة الله عليكم، ولطفه بكم أن كفهم عنكم، {.وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ } أى : ولو شاء الله لقوّى قلوبهم، وأزال عنها الضيق، وجعلهم يقاتلونكم.ولكنه لم يفعل ذلك، بل كفهم عنكم، ومنعهم من قتالكم.
{.. فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } يعنى : ما داموا لم يتعرضوا لكم بقتال، وأعطوكم السلام منهم، والمسالمة معكم فليس لكم أن تقاتلوهم، ما بقوا على ذلك، ثم يذكر ربنا عز وجل صورة ثالثة للمنافقين تشبه الصورة السابقة في الظاهر، ولكنها تختلف عنها في الحقيقة.
حيث يقول جل شأنه
{ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا } [الآية 91]
أى : ستجدون من المنافقين فريقاً ثالثاً، يظهرون للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام؛ ليأمنوا بذلك على دمائهم وأموالهم وذراريهم، جانب المسلمين.وفى الوقت ذاته : يصانعون الكفار فى الباطن فيعبدون معهم ما يعبدون من دون الله؛ ليأمنوا بذلك على دمائهم وأموالهم، وذراريهم، جانب الكفار.وهؤلاء
{.. كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا .. } أى : كلما دعاهم المشركون إلى قتال المسلمين استجابوا لهم، وقاتلوا المسلمين، وصاروا عليهم أشد من كل عدو لهم.هذا الفريق الثالث، أمر الله عز وجل المسلمين أن يوقفوهم عند حدهم فقال : {.. فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ } أى : هؤلاء عليهم أن يفعلوا ثلاثة أشياء، هى :
1- أن يعتزلوا، أى : يتركوا قتالكم.
2- أن يعلنوا الإسلام الكامل، ظاهراً وباطناً
3- أن يكفوا أيديهم عن إيذاء المسلمين، ومناصرة أعدائهم عليهم
فإن فعلوها فقد صاروا مسلمين.وإن لم يفعلوها فهم مرتدون.وفى هذه الحالة فحكمهم قول رب العزة : {.. فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ .. } أى : خذوهم واقتلوهم، حيث وجدتموهم، فى الحل، أو فى الحرم؛ حيث إن حكمهم حكم سائر المشركين، قتلاً وأسراً.
{. وَأُوْلَـئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا } وهؤلاء قد انكشف حالهم، وافْتُضِحَ سِتْرُهم ولذلك جعلنا لكم عليهم حجة واضحة، وتسليطاً ظاهراً؛ بسبب كفرهم وغدرهم، وإضرارهم بالمسلمين.
أيها الأحبة فى الله بعد أن وضح الله عز وجل أمر قتال الكافرين والمنافقين فإنه تبارك وتعالى يبدأ فى التحذير – وبشدة – من قتل المؤمنين.ويبدأ – أولاً – بالحديث عن القتل الخطأ فيقول عز من قائل :
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } [الآية 92]
أى : ليس المؤمن كالكافر الذى تقدمت إباحة دمه، فلا يليق بمؤمن، ولا يصح منه أن يقتل مؤمناً إلا على وجه الخطأ، وعدم القصد إلى ذلك.ولكن إذا حدث ذلك على سبيل الخطأ، ومن غير قصد.فما الحكم ؟ يقول رب العزة :
{.وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} فى هذه الحالة، أى: حالة قتل المؤمن للمؤمن خطأ، على القاتل واجبان :
الأول : الكفارة لهذا الذنب العظيم، حتى وإن كان خطأ وذلك بتحرير رقبة، أى : عتق رقبة، وإخراجها من الرق إلى الحرية، بشرط أن تكون هذه الرقبة التى يعتقها مؤمنة.والحكمة فى ذلك أنه لما أخرج نفساً مؤمنة من جملة الأحياء لزمه أن يدخل نفساً مثلها مؤمنة فى جملة الأحرار؛ حيث إن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها.
الواجب الثانى : الدية لأهل القتيل.وذلك عوضاً لهم عما فاتهم من قتيلهم، وخسروه بموته، بشرط أن تسلم هذه الدية إلى ورثته، يقتسمونها بينهم، كما يقتسمون الميراث.وعليه أن يدفع هذه الدية إلا فى حالة واحدة، وهى أن يتنازل عنها الورثة، صدقة منهم وتطوعا، ويلاحظ : أن هذا الحكم هو فيمن قتل مؤمناً خطأ، وكان يعيش بين قوم مؤمنين.ولكن لو كان المؤمن المقتول خطأ، يعيش بين قوم كافرين أهل حرب، يعنى كان مسلماً فى دار الحرب، ولم يهاجر إلى دار الإسلام، فقتله مسلم خطأ فما الحكم إذن؟.
يقول ربنا سبحانه وتعالى : {. فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} أى : إذا كان المقتول خطأ مؤمناً ، وهو فى دار الحرب فعلى القاتل واجب واحد فقط. وهو تحرير رقبة مؤمنة فقط.ولا دية عليه؛ لأن أولياءه من الكفار، أهل الحرب أيضاً لو كان المؤمن المقتول خطأ يعيش بين قوم كافرين، بينهم وبين المسلمين عهود ومواثيق، ولا حرب بينهم.فما الحكم – كذلك – فى هذه الحالة ؟
يقول ربنا سبحانه وتعالى : {. وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } أى إذا كان المقتول خطأ مؤمناً، وهو فى دار الكفر، ولكن بين المؤمنين وأهل الكفر هؤلاء عهد وميثاق على عدم الحرب، أو هدنة من الحرب.فعلى القاتل واجبان :
الأول : الدية، تسلم لهم، بناءً على هذا العهد، ووفقاً لهذا الميثاق، وذلك : من باب الوفاء بالعهود والمواثيق والثانى : تحرير رقبة بشرط : أن تكون مؤمنة، هذا حكم الله تعالى فى قتل الخطأ.ولكن : ما الحكم إذا عجز القاتل عن تنفيذ هذا الحكم؟ وذلك : بسبب فقره، وعجزه عن التملك.؟
أولاً : بالنسبة للدية تدفعها عائلته، أى : أهله، يعنى : يقومون بدفعها عنه، إلا إذا تنازل عنها أهل القتيل، حسب قول الله تعالى إلا أن يصدقوا.
ثانياً : بالنسبة لتحرير الرقبة:يقول تعالى : {.فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } أى : على القاتل – فى حال فقره، أو عدم وجود أرقاء، كما فى عصرنا هذا – عليه صيام شهرين متتابعين، لا إفطار بين أيامها وذلك : بدلاً عن عتق الرقبة.هذا وقد شرع الله ذلك : توبة لكم؛ ورحمة منه بكم، وهو العليم إذ يأمر، الحكيم إذْ يُقَدِّر وإذ يُشَرِّع