أيها الأحبة فى الله بعد الأمر الإلهى بالعبادة وبعد التذكير بمشهد من مشاهد يوم القيامة يأتى النهى عن الصلاة فى حال السكر؛ لأن الصلاة جزء من العبادة، ومن الطبيعى : أن العبادة التى تحقق المراد هى العبادة الواعية الخاشعة ولذلك يقول رب العزة :
وسبب هذا النهى ما روي : أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما، ودعا أناساً من الصحابة إليه، فطعموا، وشربوا، قبل أن ينزل تحريم الخمر.وحضرت صلاة المغرب فتقدم بعض القوم، فصلى بهم المغرب، وقرأ قل يا أيها الكافرون فأخطأ فيها – بسبب السكر – ولم يقمها.فأنزل الله هذه الآية.فكانوا – بعدها – قد يشربون فى أوقات الصلوات، فإذا صلوا العشاء شربوها، فلا يصبحون إلا وقد ذهب عنهم السكر، وعلموا ما يقولون.ثم نزل تحريمها على الإطلاق – بعد ذلك – فى سورة المائدة ومعنى الآية لا تصلوا وأنتم فى حالة سكر، حتى تعلموا ما تقولون، فتفهموا ما تقرءون، فتخشعوا لله فى صلاتكم. وإذا كان هذا نهى عن قربان الصلاة فى هذه الحالة فقد تبعه فى الآية نهى آخر عن قربان موضع الصلاة بسبب آخر يقول تعالى {.. وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ .. }
أى : ولا تقربوا المساجد، وأنتم جنباً إلا عابرى سبيل، إلا مارين منها، لعدم وجود مكان تعبرون منه سواها، أى : للضرورة فقط، من غير مكث وبقاء فيها، وأنتم فى حال الجنابة، ثم يذكر ربنا عز وجل حالات أخرى من حالات الضرورة.فيقول {..وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا .. }
وهذا – أيها الكرام – من باب التيسير فى العبادة ومعنى الآية وإن كنتم مرضى بمرض يضر الإنسان استعمال الماء معه أو على سفر أى : مسافرين، وأصابتكم جنابة، أو حدث أصغر، أو جاء أحد منكم من الغائط وهو المكان المعد لقضاء الحاجة، وقد قضيتم حاجتكم، أو لامستم النساء وهو كناية عن الجماع، أى : إن كنتم فى حالة من هذه الحالات الثلاث : وأردتم الصلاة، فلم تجدوا ماءً تتطهرون به، من الحدث الأكبر أو الأصغر، لعدمه، أو بعده، أو لمانع منه، إضافة إلى حالة المرض. فتيمموا أى : فاقصدوا بعد دخول وقت الصلاة، صعيداً طيباً أى : تراباً طهوراً، واضربوا بأيدكم عليه ضربتين، بنية “التيمم”، فامسحوا بوجوهكم بواحدة وأيديكم مع المرفقين بالضربة الأخرى، إن الله كان عفواً بهذه الرخصة، وهذا التيسير، غفوراً عن الخطأ، والتقصير.
وبعد وضوح هذه الأحكام الميسرة فى شريعتنا الإسلامية، يوضح الله الرؤيا للمتقين، بطبائع أهل الكتاب، ومواقفهم، كى لا نغتر بهم، بل يحذر فيها من موالاتهم.فيقول عز من قائل :
وهذا : تعجيب للمؤمنين من أحبار اليهود، وهم الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، أى : التوراة.، حيث إنهم يفضلون الضلالة على الهدى، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، كما أنهم يودون لو أنكم تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى، والعلم النافع، ويبذلون لتحقيق ذلك كل الوسائل، ونظرة إلى واقع أهل الكتاب الحالى نرى أن خصائصهم السيئة هذه مستمرة ومستقرة، ولكن من نعم الله على المسلمين أنه يعلم أعداءهم، ويكفيهم شرورهم، لو أنهم تمسكوا بدينهم، معرفة وتطبيقاً حيث يقول :
أي : أن الله أعلم بأعدائكم، ومدى عداوتهم لكم فاحذروهم، ولا توادوهم، ولا تستنصحونهم في أموركم، وكفى بالله ولياً في الدفع عنكم، ورد كيدهم إلى نحورهم. و كفى بالله نصيراً فثقوا بولايته لكم، واعتمدوا عليه وحده، والتزموا بشرعه، ينصركم عليهم، وكفى به لكم نصيراً.
أى : من اليهود فريق.يحرفون الكلم أى : يغيرون الوصف الذى أنزل الله فى التوراة لمحمد صلى الله عليه وسلم، عن مواضعه التى وضع عليها، ونزل فى التوراة بها ويقولون للنبى صلى الله عليه وسلم، إذا أمرهم بشيء :سمعنا قولك وعصينا أمرك ثم يدعون عليه، مستهزئين به، قائلين واسمع غير مسمع أى : اسمع لا سمعت وهى كلمة تحتمل أمرين :
الأول : اسمع حال كونك لا تسمع أصلاً لصمم أو موت.
الثانى : اسمع منا لا سمعت مكروهاً.
وكانوا يظهرون المعنى الثانى، ويضمرون الأول و كانوا يقولون له صلى الله عليه وسلم أيضاً، راعنا وهى كلمة سب بلغتهم العبرانية أو السريانية.وهى كلمة – أيضاً – تحتمل أمرين :
الأول : بمعنى السب فى لغتهم و الثانى : بمعنى ارقبنا وانتظرنا بكلمك.وكانوا يظهرون المعنى الثانى، ويضمرون الأول.مع أن هذا المعنى الذى كانوا يقصدونه منهى عنه، فى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا [البقرة : 104]، و مع ذلك لو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهم وأقوم.ولكن طبيعتهم فاسدة، وأخلاقهم رديئة، وعقيدتهم كافرة، لعنهم الله بكفرهم أى : طردهم من رحمته بسبب كفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً .
هذا وبعد أن ذكر الله للمسلمين ألواناً من مكر اليهود، وسوء طبعهم، وشدة عداوتهم يتوجه ربنا عز وجل بالخطاب لليهود أنفسهم آمرًا لهم بالإيمان، مهددًا لهم بشديد العقاب.حيث يقول :
أى : آمنوا أيها اليهود بالقرآن المصدق للتوراة، فيما جاءت به من أصول الدين.من قبل أن نعاقبكم على كفركم ومكركم، بواحدة من أمرين، أو بالأمرين معاً
الأول : أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها أى : نمحو ما فى الوجوه من العين، والأنف، والفم، وغير ذلك، فتصير كالقفا، لا يعرف لهم أمام من خلف، أو نحول ما فى الأمام بعد طمسه إلى الخلف، وما فى الخلف إلى الأمام.
الثانى : أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت أو نمسخهم قردة وخنازير كما مسخنا أصحاب السبت، الذين خالفوا أوامرنا وهذا تهديد لهم من الله تعالى ، بوقوع العذاب عليهم، وما يريده الله تعالى لا راد له.وكان أمر الله أى : قدره، وإرادته مفعولاً أى : واقع لا محالة.
ولما كان اليهود – أيها الأحبة الكرام – يفعلون ما يفعلون من التحريف، والكذب على الله، وغير ذلك، ويطمعون فى مغفرة الله لهم، كما فى قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا [الأعراف : 169] فقد هددهم الله سبحانه وتعالى، مبيناً أنه لن يغفر لهم مع كفرهم وشركهم. حيث قال : { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا } [الآية 48]
والمعنى : أن الله لا يغفر لمن مات على الشرك أبداً، أما ما دون الشرك : فالله يغفر جميع الخطايا والذنوب، لمن يشاء من عباده.و لهذا من يشرك الله فقد كذب كذباً شنيعاً، وافترى إثماً عظيماً يستحق به عذاباً أليماً.و العجيب أن اليهود لما نزلت هذه الآية. قالوا: لسنا مشركين، بل نحن أبناء الله وأحباؤه [المائدة : 18].وقالوا : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى [البقرة : 111]. وقالوا : إن آباءنا كانوا أنبياء، فسيشفعون لنا.والأعجب أن اليهود ما يزالون يعيشون فى أوهامهم هذه إلى اليوم، حيث يدعون أنهم “شعب الله المختار”.ولذلك يتندر الله بهم، ويعجب من أقوالهم. حيث يقول عنهم :
أى : أرأيت هؤلاء الذين يمدحون أنفسهم، وهم اليهود إنه لأمر عجيب، على كل حال : ليست العبرة بتزكيتهم لأنفسهم، بل العبرة بتزكية الله لمن يشاء من عباده الصالحين، الذين يوفيهم أجورهم كاملة ولا يظلمون فتيلاً ولا ينقصون منها أدنى شيء، ولو كان مثل ما فى شق النواة؛ لأنه سبحانه العالم بمن هم أهل تزكيته وثوابه.
انظر أيها المؤمن، وتعجب من حالهم وكيف أنهم يفترون على الله الكذب بكل أنواعه، ومنه تزكيتهم لأنفسهم وكفى به أى : بهذا الكذب إثماً مبيناً ذنباً شنيعاً واضحاً، يستحق أشد العقوبات، ثم يذكر رب العزة جرماً آخر من جرائمهم يعرضه أمام المؤمنين، ويلفت أنظارهم إليه؛ ليزداد حذرهم من اليهود، حيث يقول تبارك وتعالى :
هؤلاء اليهود الذين أوتوا حظاً من الكتاب : يرتكبون جرمين شنيعين :
الأول : أنه بالرغم من نزول التوراة إليهم، فهم يؤمنون بالجبت أى : بما عبد من دون الله، كالأصنام، والكواكب، وغير ذلك، كما يؤمنون بالطَّاغوت، وهو الشيطان، أو كل من تجاوز حدود الله وشرعه.
الثانى : يقولون للكافرين أنتم أهدى سبيلاً، وأقوم طريقاً من محمد – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه، بالرغم من علمهم أن الأمر على خلاف ذلك.على كل حال :
{ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا } [الآية 52]، أى : هؤلاء الموصفون بكل ما سبق، وهم اليهود، هم الذين لعنهم الله أى : أبعدهم من رحمته ومن يلعن الله فلن تجد نصيراً يعتد به، وتنفع للنهاية نصرته.وبعد هذا الحكم الإلهى العادل عليهم ينكر عليهم رب العزة حالهم، ودوافعهم لهذه التصرفات الكافرة الخسيسة منهم.حيث يقول :
أى : ما الذى يدفعهم إلى ارتكاب هذه الجرائم التى يرتكبونها ؟ أهو ما يملكون؟، إنهم لا يملكون شيئاً يعتد به، ويدفعهم لما يفعلون، نهم لو كانوا يملكون شيئاً ذا أهمية لما أعطوا أحداً شيئاً، ولو كان تافها، مثل النقير، وهى النقطة فى ظهر النواة؛ لفرط بخلهم.، إذاً ليس الغنى، والسخاء هو الذى يدفعهم إلى ذلك، فليس إذاً إلا خسة طبعهم، وفساد أخلاقهم، هل هناك شيء آخر يدفعهم إلى ارتكاب هذه الجرائم ؟
أهو الحسد الذى دفعهم لعدم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله رزقه النبوة، وهو من العرب، وليس من بنى إسرائيل ؟ فلم يحسدون؟ ولم يكفرون ليس هذا هو السبب الوحيد.إنما هى طبيعتهم الفاسدة.{.فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا } أى : أنزل الله مع ذرية إبراهيم وهم أسباط بنى إسرائيل التوارة، وجعل فيهم الحكمة. وأتاهم ملكاً عظيماً مثل : يوسف، وداود، وسليمان، عليهم السلام. فماذا فعلوا ؟
أى : فمن اليهود من آمن بما ذكر بالكتاب، الذى أنزل على الأنبياء من آل إبراهيم عليه السلام.ومنهم : من كفر به، وصد الناس عنه، ومنعهم من اتباعه، والاهتداء بهديه، مع علمه بصحته.وهذه هى طبيعتهم.فليس مستغرباً كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. على أية حال : سنعذبهم على هذا فى جهنم. {.. وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا } أى : وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم، وعنادهم، ومخالفتهم كتب الله ورسله.
أخى المؤمن اقرأ معى هذا القرار الإلهى العادل الخالد، الذى يختم به هذا الموضوع. حيث يقول تبارك وتعالى :
نعم إن الذين كفروا بآياتنا بعد إرسال الرسل، وإنزال الكتب، ووضوح الدلائل يستحقون ما يحدث لهم.ماذا يحدث لهم ؟ سوف نصليهم ناراً سندخلهم ناراً يحترقون فيها.كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها أى : كلما احترقت جلودهم بالنار، أعدناها لهم من جديد، ليذوقوا العذاب أى : لتحترق من جديد وهكذا ، كلما احترقت عادت، فيزداد عذابهم، جزاء استمرار كفرهم، وعنادهم، وتكذيبهم.إن الله كان عزيزاً حكيماً لا يعجزه شيء.أما الصنف الآخر من الناس ؛ فيقول عنهم رب العزة
نعم إن الذين آمنوا بالله، ورسله، وكتبه، واليوم الآخر إلخ. وعملوا الصالحات لإصلاح البلاد، وإسعاد العباد، طاعة لله. ماذا يحدث لهم ؟ سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً لهم فيها أزواج مطهرة، وندخلهم ظلاً ظليلاً فى الجنة.
أيها الأحبة فى الله لما كان اليهود يعرفون الحق الذى عليه محمد صلى الله عليه وسلم، ويعرفون أوصافه من التوراة وكان ذلك : أمانة عندهم. ولكنهم خانوها، فلم يؤمنوا بها أولاً، ثم أنكروها وكتموها عندما سألهم عنها أهل مكة، كما سبق ذكره وكانت هذه : أمانة خاصة أمر الله عموم المكلفين بأداء الأمانات بصفة عامة.فقال عز من قائل :
قال العلماء لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، دعا عثمان بن طلحة، وأخذ منه مفتاح الكعبة، فقال له عثمان هاكَ أمانة الله، ففتح النبى صلى الله عليه وسلم الكعبة، وصلى، ثم خرج فطاف بالبيت.ثم نزل عليه جبريل بهذه الآية.فرد النبى صلى الله عليه وسلم المفتاح إلى طلحة، وقال : لقد أنزل الله فى شأنك قرآناً، وتلا عليه الآية
فقال عثمان : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأسلم، فكان المفتاح معه إلى إن مات، فدفعه إلى أخيه شيبة، فالمفتاح فى أولادهم إلى يوم القيامة.هذا وإن كان سبب الآية خاصاً إلا أن معناها عام، فى جميع الأمانات مع الله كفعل المأمورات، وترك المنهيات، أو مع نفسه: لحفظه لكل ما أنعم الله عليه به فلا يستعمله إلا فيما يرضى الله عنه، أو مع الناس فى حفظ أماناتهم، ورعاية عهودهم حيث يقول صلى الله عليه وسلم أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ثم يقول رب العزة :
{.. وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ } أى : إذا حكمتم بين الناس فاحكموا بحكم الله، بلا هوى، ولا ظلم، بل بإنصاف وعدل. ويدخل فيه : العدل فى الأحكام، والأقوال، والأفعال، والأخلاق، وكل ما يدخل العدل فيه ويحتاج إليه، ثم بين ربنا – ترغيباً لنا – حسن العدل، ومنزلة أداء الأمانة.حيث يقول : {..إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا }، أى : نعم الشيء الذى يعظكم ربه ربكم من العدل، وأداء الأمانة فاتبعوه، وحافظوا عليه، ولا تتهاونوا فى الالتزام به، إن الله كان سميعاً لأقوالكم بصيراً بأعمالكم، وسيجازيكم عليها خيراً، أو شراً على حسب اختياركم لها.
هذا ولما أمر الله الولاة بالعدل فى الحكومات، قائلاً وإذ حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل. أمر الناس بطاعة هؤلاء الولاة.لكن لا على الإطلاق.بل : ضمن طاعة الله ورسوله حيث قال :
والأمر للمؤمنين أطيعوا الله بالعمل بكتابه.وأطيعوا الرسول بطاعة شخصه فى حياته، والعمل بسنته بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.وأولى الأمر منكم وهم الأمراء، وذلك فيما يأمرون به من طاعة الله ورسوله، دون الأمر بمعصية.وقال ابن عباس أولو الأمر هم أهل الفقه والدين.ولا تعارض بين هذا وذاك، لأن الأصل أن يكون الأمراء علماء فقهاء، فقد أخرج الدارمى عن تميم الدارى، أن عمر قال لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة، فمن سوده قومه – أى جعلوه رئيساً عليهم – على الفقه : كان حياة له ولهم.ومن سوده قومه على غير فقه كان هلاكاً له ولهم.ثم يقول عز وجل :
{.فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } يعنى : فإن اختلفتم أنتم وأولو الأمر فى شيء من أمور الدين، او اختلفتم فيما بينكم فى شيء من ذلك فردوه إلى الله والرسول أى : فارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة، وانزلوا على حكمه، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر حيث إن مقتضى الإيمان الطاعة، ومن مقتضى الطاعة الرد إلى الكتاب والسنة فى حالة النزاع والخلاف ذلك الرد إلى الكتاب والسنة.خير لكم فى عاجل أيامكم، وأمور حياتكم.وأحسن تأويلاً أى أحسن لكم فى الآجل والعاقبة.وبعد هذا التوجيه المفيد، من ربنا العزيز الحكيم يلفت سبحانه نظر رسوله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين إلى من يدعى الإيمان، ويتحاكم فى أمور حياته، وفصل خصوماته، إلى غير الكتاب والسنة. فيقول :
والمعنى : ألم تر إلى الذين يزعمون أرأيت هؤلاء المنافقين الذين يدعون، وأمرهم العجيب ماذا يدعون؟، يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك من الوحى والقرآن.وما أنزل من قبلك على رسل الله عليهم الصلاة والسلام.وما العجيب فى ذلك ؟، أن فعلهم يخالف قولهم، كيف؟ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت أى : يرجعون فى أمور حياتهم وخصاماتهم إلى ما خالف الكتاب والسنة، وهو المراد بالطاغوت هنا، مع أن دعواهم الإيمان تقتضى أن يتحاكموا فيما ذكر إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم.وهم لم يفعلوا ذلك.وقيل الطاغوت هنا هو كل من جاوز الحد فى طغيانه، وعتوّه، ومحاربته للإسلام وأهله وقيل : إنه الشيطان، ممثلاً بجنده وأتباعه.نعم إنهم تحاكموا إليه، وقد أمروا أن يكفروا به أى : بهذا الطاغوت، فلا يطيعونه، ولا يتحاكمون إليه، ولكن خاب سعيهم.ويريد الشيطان أن يضلهم عن الحق ضلالاً بعيداً مستمراً، لا يخرجون منه، ولا ينفكون عنه.إذا كان أمرهم كم رأيت – أخى المؤمن – عجباً فانظر معى إلى الأعجب منه.
أى : وإذا قيل لهؤلاء المنافقين.تعالوا نحتكم فى الخصومات والخلافات.إلى ما أنزل الله فى كتابه الكريم.وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم، شخصياً فى حياته، وإلى سنته المطهرة بعد وفاته.رأيت المنافقين لاحظ – أخى الكريم – لم يقل رب العزة “رأيتهم” بل قال ذلك ذما لهم وتسجيلاً لوصفهم، وبياناً لعلة الحكم عليهم.نعم "رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً" يعرضون عنك أشد أنواع الإعراض، وينفرون منك، ولا يستجيبون لك، ثم يهدد ربنا عز وجل هؤلاء المنافقين، ويبين أنه ستنزل بهم مصائب فكيف يتصرفون؟ يقول تعالى :
ومعنى الآية :فكيف يصنع هؤلاء المنافقون."إذا أصابتهم مصيبة" أى : عقوبة أو كارثة."بما قدمت أيديهم" أى : بسبب ذنوبهم، أو بسبب تحاكمهم إلى غير الله ورسوله. "ثم جاءوك" يعتذرون لأنهم احتاجوا إليك.يحلفون لك على حسن نيتهم، وهم كاذبون، يقولون" إن أردنا" أى : ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك."إلا إحساناً وتوفيقاً" بين الخصوم، ولم نرد مخالفة لك، ولا إنكاراً، أو اعتراضاً لى حكمك، وهذا شأن المنافق دائماً يظن أنه محسن فى نفاقه، وأنه يجمع بين وجهات النظر كلها.على كل حال هذا التساؤل والاستفهام من الله تعالى وعيد لهم وتهديد على فعلهم، وبيان لنا أنهم سيندمون حين لا ينفع الندم، ولا يغنى عنهم الاعتذار.ثم يبين رب العزة الموقف الصحيح والصرف المناسب مع هؤلاء المنافقين، حيث يقول تبارك وتعالى:
{ أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا } [الآية 63]، أى : هؤلاء هم المنافقون، قد اتضحت صورتهم، وظهرت مواقفهم والله عز وجل يعلم ما فى قلوبهم، من الشك، والنفاق.وأما موقفك منهم :
أولاً : فأعرض عنهم فلا تعاقبهم
ثانياً : وعظهم ذكرهم بالله، وخوفهم من غضبه وعقابه
ثالثاً : وقل لهم فى أنفسهم قولاً بليغاً أى : قل لهم فى شأن أنفسهم قولاً مؤثراً؛ ليرجعوا عن كفرهم وضلالهم.ويلاحظ أن هذه الصورة التى عرضت للمنافقين تدل على أن الاهتداء بكتاب الله، وقبول الاحتكام له ، والخضوع لحكمه هو المقياس الذى يحدد تقوى الإنسان أو نفاقه.