حقوق المرأة بين ضغوط التجديد وضوابط الشريعة
أمام كوكبة من المثقفين والمثقفات فتح الأستاذ طاهر قايد يوم الأحد الماضي) 26 ماي 2013 ( بمقر المجلس الإسلامي الأعلى موضوع المساواة بين الرجل والمرأة في القرآن في محاضرته المعنونة رؤية جديدة حول المساواة بين المرأة والرجل في القرآن: فدافع عن اختياره لهذا الموضوع الإشكالي والخلافي والحساس بأنه يبتغي أجر الاجتهاد فيما أقدم عليه، فإن أصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد
وفي الحديث المتفق عليه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال.»:إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر.«
المشكلة ليست في الاجتهاد إذن، لأن تغير الزمن وتطور الإنسان وتجدد النوازل يقتضي ممارسة حق الاجتهاد لضمان صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان تحقيقا لسعادة الإنسان في الدنيا وفوزه في الآخرة، لكن المشكل هو في من يحق له الاجتهاد إذ أن المتفق عليه بين علماء الإسلام أن للاجتهاد شروطا وضوابط من أهمها أن يكون المجتهد مؤمنا بالله تعالى ربا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- رسولا، وأن يكون المقدم على الاجتهاد بالغا عاقلا عادلا، وأن يكون عالما بنصوص القرآن والسنة، عارفا بمسائل الإجماع والخلاف، عالما بالناسخ والمنسوخ، ملما بالقدر اللازم لفهم لسان العرب متمكنا من قواعد اللغة والنحو العربي، وأن يكون عالما بأصول الفقه.
وهناك من العلماء من أضاف شروطا أخرى كالمعرفة بفروع الفقه، وعلم المنطق، وعلم الكلام
ولا شك في أن الأستاذ طاهر قايد هو من المثقفين البارزين ومن المناضلين المخلصين، فهو من مؤسسي الاتحاد العام للعمال الجزائريين، وكتاباته تدل على أنه من المدافعين عن الإسلام والغيورين على حضارته الإنسانية، ولكن المتابع لمحاضراته في المجلس الإسلامي الأعلى يتملكه الانطباع بأن المحاضر يفكر باللغة الفرنسية ثم يحاول ترجمة مقولاته وأفكاره إلى اللغة العربية، وفي بعض الأحيان تخونه العبارات وتستشكل عليه المصطلحات باللغة العربية، ويصعب عليه الاستشهاد بالآيات الشريفة والأحاديث النبوية الصحيحة.
بدأ الأستاذ طاهر قايد بتبيان الفرق بين معنى» آدم«في التوراة والقرآن، وأكد أن كلمة آدم لا تعني في القرآن الكريم اسم الرجل أو «الشخص فقط، ولكنها تعني الكائن البشري الأول أو الجنس البشري، وبناء على ذلك فإن أصل الخلق يختلف في القرآن عما ورد في التوراة.
فكلمة آدم مستعملة في القرآن الكريم 25 مرة وتعني في 21 مرة الجنس البشري، وفي مرتين فقط تعني الشخص )سيدنا آدم عليه السلام( ويستدل على تميز
قصة الخلق في القرآن الكريم بالآية الأولى من سورة النساء}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّه الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً{.
فالآية تبين أن الله -عز وجل- خلقنا من نفس واحدة ومن هذه النفس خلق الزوجة أو الرفيقة، أما التوراة فتذكر أن الله خلق آدم على صورته، أما زوجته حواء فقد خلقت فيما بعد من ضلع استل من جنب آدم أثناء نومه
وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- عن الرسول- صلى عليه وسلم » استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته الله لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الكثير من علماء المسلمين من الفقهاء والأصوليين والمفسرين والمحدثين أكدوا أن الله- سبحانه وتعالى- ساوى بين الرجل والمرأة في أصل الخلقة، وقد تجلى ذلك في الآية الأولى من سورة النساء المشار إليها آنفا، وكذلك في الآية 13 من سورة الحجرات }يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ا أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله
عَلِيمٌ خَبِيرٌ{.، كما ساوى الله- تبارك وتعالى- بين الرجل والمرأة في التكاليف الشرعية والعبودية لله -عز وجل- وفي أمور الثواب والعقاب، إذ قال الله -سبحانه وتعالى-في الآية 125 من سورة النساء}وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّا لحاَتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ ا لجنةَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً{، وقال في الآية 6 من سورة الفتح }وَيُعَذِّبَ المنافقين وَا لمنافِقَاتِ وَا لمشركين وَ المشركات الظَّانِّينَ بِالله ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً{.
ولكن هذا العدل الرباني الكريم بين عباده من البشر ذكورا وإناثا في التكليف والجزاء والتشريف لا يعني المساواة المطلقة بين الرجال والنساء أو الذكور والإناث في كل أمور الحياة، كما يحلو لبعض المتجملين في عيون الغرب أن يصوروا الشريعة الإسلامية، وأن يلووا أعناق النصوص القرآنية حتى تدخل في قالب المنظومة الغربية لحقوق الإنسان المنادية بإلغاء التمييز بين الرجل والمرأة، وإسقاط جميع الفوارق الجنسية حتى وصل الأمر إلى إباحة الزواج بين الرجل والرجل والمرأة والمرأة.
قوامة الرجل على المرأة 4 من سورة النساء: }الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بما فَضَّلَ اللُّه بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبما أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ( مؤداه أن القرآن الكريم لم يقارن في هذه الآية بين الرجال والنساء لكي يبين أن الرجال أعلى مرتبة من النساء، ولكن هذه المقارنة هي بين الرجال، بمعنى أن البعض من الرجال أكفاء أكثر من البعض الآخر في وظيفة عيالة النساء!
والحقيقية أن واجب القوامة التي أوكلها الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة للرجال على النساء، اختلفت فيها الآراء وتراوحت بين الشطط والاعتدال، فالذين رفعوا لواء المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة اعتبروا أن القوامة لا مبرر لها وهي من مخلفات الماضي، لأن المرأة أصبحت قادرة على العمل واكتساب المال وإعالة نفسها وحتى أولادها، وفي المقابل فهم بعض المتخلفين المتزمتين أن قوامة الرجل على المرأة تعطيه حق القهر والاستبداد والاستعباد، ولذلك قال العلامة إن الولاية تستحق بالفضل لا الزمخشري في تفسيره )الكشاف ومقتضى القوامة هو أن يقوم الرجل » بالتغلب والاستطالة والقهر بتقديم المهر ابتداء لمن ينوي اتخاذها زوجة ثم يلتزم بتوفير المسكن والملبس لها في حدود الاستطاعة والإنفاق عليها وعلى أولادها.
وتدل الأبحاث العلمية على أن الرجل والمرأة يختلفان حتى في التركيب البيولوجي حسب طبيعة وظائفهما البيولوجية والاجتماعية، ومن المتعارف عليه أن الله -سبحانه وتعالى- قد خص الرجال بالنبوة دون النساء، وقد خص الإسلام الرجال ببعض الميزات لم يجعلها للنساء كإباحة تعدد الزوجات للرجل دون النساء، وجعل حظ الذكر في الميراث ضعف حظ الأنثى، وشهادة الرجل تساوي شهادة امرأتين، وجعل الطلاق بيد الرجل. وكل هذه الأمور لا تدل على دونية المرأة أو على عدم أهمية وظيفتها الاجتماعية أو على كرامة مكانتها عند الله سبحانه وتعالى لقوله في الآية 13 من سورة الحشر:}إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ االله أَتْقَاكُمْ{ وليس تفضيل الذكر على الأنثى هو تفضيل مطلق، فليس كل ذكر أفضل من الأنثى، فهناك كثير من النساء أفضل من كثير من الرجال، ولكن التفضيل هو للنوع، وهو تفضيل غيريه وليس تفضيل خيرية لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم.» : النساء شقائق الرجال «
أما تفسيره لمعنى الضرب في الآية 34 من سورة النساء:} وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّه كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً{. واعتبر أن معنى الضرب هنا هو الضرب المعنوي وليس الضرب المادي، والواضح أن الله سبحانه وتعالى قد بين في هذه الآية الكريمة مراحل معالجة نشوز الزوجة والتدرج في ذلك من تقديم الوعظ لها ثم الهجر في الفراش وأخيرا الضرب وهو أعلى درجات التأديب للزوجة الناشزة تفاديا لحدوث أبغض الحلال عند الله، أي الطلاق، وكما يقال فإن آخر الدواء الكي. فالضرب المعنوي يتمثل –في رأينا- في المرحلة السابقة على الضرب المادي أي الهجر في الفراش، أما الضرب المادي فهو معنى حقيقي في الآية وليس مجازيا والدليل على ذلك أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال في اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، «
الحديث الصحيح
واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن عليكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضرب غير مبرح ولهن » عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد بين الرسول الكريم- عليه الصلاة والسلام- أن الضرب يجب ألا يكون عنيفا قاسيا ضارا مهلكا أو مشوها لجسد الزوجة أو أحد أعضائها كما يفعل ذلك القساة العصاة الأجلاف من الأزواج المسلمين ومن غير المسلمين مما يدخل في مظاهر العنف الجسدي ضد النساء، وقد قالت ما « : أم المؤمنين السيدة عائشة –رضي الله عنها- في صحيح مسلم ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئا بيده قط، لا امرأة ولا . خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله .