حقوق الإنسان في الإسلام
إنا النضال من أجل حقوق الإنسان أمر له أهميته البالغة، لأنه يؤدي إلى توحيد الأسرة الآدمية على أساس من القيم التي تحترم قداسة الإنسان، وكرامته،
وعقله، وحياته، وممتلكاته، وحريته التي لا تقبل مساومة، ولذلك حرم الإسلام الخمر حفاظا على عقله وبدنه، وينبغي للعالم الإسلامي والعربي اليوم أن يعقد اتفاقا
في شأن حقوق الإنسان، ولماذا لا يكون هذا أولى من الاتفاق الأوروبي في حقوق الإنسان الذي أمضي سنة 1950 وبدأ تطبيقه سنة 1953 ، وتكلفت كل دولة وقعت
على هذا الاتفاق أن تحمي حقوق الإنسان، ولذلك أنشأ الاتحاد الأوروبي لجنة أوربية لحقوق الإنسان، ومحكمة أوربية لهذه الحقوق، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي وقع في 10 ديسمبر 1948 لم تلتزم كل الدول بتطبيقه، ولكنه ذو أهمية أخلاقية بالغة، وفيه مواد تتعلق بالانتخاب الحر، واللجوء السياسي، وقد قبلت الأمم المتحدة عدة من الاتفاقات في 16 ديسمبر 1966 منها الاتفاق العالمي المتعلق بالحقوق الفردية والسياسية، والاتفاق العالمي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولكن هذه الاتفاقات لم يكتب لها التطبيق
حتى تتوفر لها الشروط الضرورية.
ولا ننسى جهود الفقهاء المسلمين الذين حددوا حقوق الله، وحقوق الإنسان، وما وضعوه من الكليات الضرورية لهذا الغرض من الحفاظ على حياة الإنسان وعقله،
ونسله، وعرضه، وماله، ودينه، وما كتبه ابن باديس ومالك بن نبي وأحمد عروة عن الحرية والديمقراطية، ويمتاز مالك بن نبي بتنبيهنا إلى أن الحق يتقدمه الواجب فهما يسيران جنبا إلى جنب.
ويعيش العالم الإسلامي اليوم أزمة أخلاقية وسياسية، وقوة قمعية استبدادية، نزوعا نحو القضاء على الاستبداد والظلم، ولعل هذه الثورات الشعبية التي تندلع في
أقطار متعددة أن تنجح في الوصول إلى تحقيق هذه الحقوق، والواجبات، يمكن أن تنتكس هذه الثورات ولكنها ماضية لا راد لها، في هذا العالم المتغير باستمرار، إنها
أزمة عميقة تمس القيم ولعلها يمكن تجاوزها مع طول الوقت، وقد طال وفاض الوعي بها، والسعي للخروج منها ولا يكون الخروج واضحا إلا على أساس دساتير جديدة حقيقية، تضمن هذه الحقوق، وتحدد هذه الواجبات، وطالما نسينا الواجبات في سياستنا التي لا تعِد إلا بالحقوق التي لا تتحقق، بدون القيام بالواجبات، وإذا اقتصرنا في سياستنا على الوعود بالحقوق وحدها، فإنها لا تتحقق إذا
لم تتحقق بجانبها الواجبات، وإلا أصبحت وعودا كواذب، فإنه لا يكفي تنميق نصوص الدستور، وتزيين نصوص القوانين إذا لم تصحبها أفعال في السياسة والتربية بفعالية وجدية.
إن الدين يمدنا بتأييد أخلاقي ضروري في عملنا وسلوكنا، فهو يعلمنا حب القريب والبعيد، ومعنى التضامن وأهمية الثقة، والعدالة، ويعلمنا أن للإنسانية مصيرا
مشتركا مبنيا على قيم مشتركة عالمية، في كلمة سواء، وأنه لا يجوز للفرد الإنساني أن يستقيل أمام المظالم والجرائم، ولا يسكت أمام هذا التصعيد للوحشية
التي تتم باسم سياسة منحرفة، أو باسم الدين، وهو براء من كل وحشية، ولا يغض الطرف عن المجازر، والإعدام الظالم الجماعي والفردي، والتعذيب البشع، والسلوك اللا أخلاقي الأعمى، والجوع، وقتل الأطفال، وتهميش
الشباب، والأمية، واستضعاف المرأة وإهانتها، والدين في كل ذلك له إيجابيته وقيمه التي ترسخ القيم الأخلاقية والاجتماعية، وتعطيها بعدا رئيسا وعميقا، فهو صانع
القيم ومرسخها بالتربية والتعود، وينهى عن كل عنف، وينكر كل عدوان على الإنسان في عقله وجسمه وعرضه، وما يملك كما تقرر خطبة وحجة الوداع العظيمة.
وما نشاهده في الشام من ترويع وسفك الدماء وهدم المنازل، أمر ينكره العقل، والدين، والخلق، واغتيال الشيخ البوطي أكبر دليل على الاستبداد، ولما عزم على الخروج من الفتنة قتل حتى لا يكون شاهدا على الباطل، إن هذا لمنكر فضيع، وإجرام شنيع، يقوم به من طبع على الاستبداد، وإزهاق الأرواح، ولا يبالي، أمام شهوة الحكم، وعمى الطائفية، وطبائع المجرمين والاستبداد، على حد
تعبير الكواكب.