الإيمان بأسماء الله وصفاته
((ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذورا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون))(الأعراف:18.).
.
((هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم(22) هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحانه الله عما يشركون(23) هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم))(الحشر:22-24)
.
قلنا في الفصول الأولى من الكتاب إن القرآن يعرف البشر بالله سبحانه، لكى يعبدونه حق عبادته، ويتوجهوا إليه وحده في كل أمورهم بغير شريك. فإنك لا تستطيع أن تقوم بالعبادة الحقيقة ولا التوجه الحقيقي إذا كنت لا تعرف من الذي تعبده وتتوجه إليه،ن أي إذا لم تعرف صفاته التي يتصف بها، حتى تكون عبادتك عن معرفة وعلم.
والله يصف نفسه في كتابه الكريم بالصفات التي يريد منا سبحانه وتعالى أن نعرفه ونصفه بها فليس لنا أن نبتدع من عندنا صفات لله غير التي وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله الكريمصلى الله عليه و سلم ، فإن هذا لا يليق بجلال الله وعظمته، ولا بالأدب الواجب من العباد نحو ربهم وخالقهم.
.
وحين يقرأ الإنسان بحس متفتح، ويتدبر آياته، فإن قلبه يمتلئ بالخشوع لله، والخشية منه سبحانه، والتطلع إليه في ذات الوقت بالحب والرجاء ..
من الذي يقرأ قوله تعالى : ((لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون))(الحشر:21).
أو قوله تعالى ((الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقولبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدى به من يشاء ))(الزمر:23) أو قوله تعالى : (( و الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد(17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب))(الزمر : 17،18).
.
من الذي يقرأ هذه الآيات وأمثالها دون أن يمتلئ وجدانه بحب الله والخشوع له، والرغبة في التقرب إليه، والعمل على رضاه؟ وإذ يحس بهذه المشاعر فإن القرآن ييسر له التقرب إلى مولاه بأن يعرفه بأسمائه وصفاته وأفعاله فحين يعلم أن الله رحيم، وأنه يقول : ((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم))(الزمر : 53) و يقول : ((فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم))(البقرة:16.).
.
ألا يجعله ذلك يتطلع لرحمة الله، ويطمع في أن يغفر له الله ذنوبه حين يخلص إليه ويتوب! وحين يعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين : ((إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ))(الذاريات:58)..
وأنه هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر: (والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون))(البقرة:245).
ألا يجعله ذلك يتطلع إلى الله ليبسط له في الرزق، ويغدق عليه من نعمه، وهو المنعم الوهاب؟، و حين يعلم أن الله هو الواحد القهار: ((قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار))(ص:65)..
((ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرها وظلالهم بالغدو والآصال))(الرعد : 15)..
ألا يمتلئ قلبه رهبة من الله، الذي يقهر بسلطانه كل شيء، والذي تستجيب السماوات والأرض لقهره، فلا تملك أن تخرج على طاعته، والذي لا يتم في الكون كله إلا ما يشاء؟.
وحين يعلم أن الله هو علام الغيوب، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض: ((عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين))(سبأ:3). .((يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور))(سبأ : 2).
((وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفىفي))(طه:7)
.
ألا يتحرز وهو يهم بأي عمل من الأعمال، لأنه يعلم أن الله يراه ويراقبه، بل يعلم حتى خلجات شعوره التي لا يحدث بها أحداً من البشر، وأنه لا يمكن أن يتخفىفي عن الله في عمل أو فكر أو شعور ؟!.
وحين يعلم أن الله هو المهيمن على السماوات والأرض، لا يحدث فيها شيء إلا بإذنه، وهو وحده الذي يدبر الأمر، ولا تأخذه سنة ولا نوم: ((الله لا إله إلا هو الحى القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيءشيء من علمه إلا بماء شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلى العظيم))(البقرة:255) .
((وأنه هو أضحك وأبكى))(النجم:43)..
ألا يجعله ذلك يتوجه إلى الله وحده، فهو العلى العظيم الذي لا يساويه أحد ولا يعلو عليه أحد، ولا يتوجه إلى أحد سواه في السراء ولا في الضراء، فلا أحد غيره يكشف السوء، ولا أحد غيره يزيد السرور؟.
و هكذا و هكذا كلما علم صفة من الصفات ازداد معرفة بالله، وازداد طاعة وتقرباً إلى الله..ألاألا
من أجل هذا يكرر القرآن أسماء الله الحسنى، ويأمرنا أن ندعوه بها، ويعرفنا بها رسوله صلى الله عليه و سلم فيقول : ((إن لله تسعة وتسعين اسماً ، مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة)) والمقصود بالإحصاء ليس مجرد ذكرها باللسان والقلب غافل عن معناها، بل المقصود أن يمتلئ القلب بها ويتدبرها فينعكس أثر ذلك في السلوك.
نتبين من ذلك إذن أن أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في القرآن، هى مثل آيات قدرة الله في الخلق وفي الرزق، وفي الإحياء والإماتة، وفي إجراء الأحداث وفي علم الغيب… المقصود بها التعريف بالله، فتزداد معرفة العباد بربهم، ويعبدوه على بصيرة، ويبعدوا عن الشرك والضلال.
.
نعم! إن ضلالة البشرية الكبرى هى الشرك، و الله سبحانه وتعالى هو الواحد الأحد : ((قل هو الله أحد(1) الله الصمد(2) لم يلد ولم يولد(3) ولم يكن له كفوا أحدا))(الإخلاص : 1-4) يحب لعباده يهتدوا إلى حقيقته، ولا شركوا به، ويحب أن يعاونهم على معرفة هذه الحقيقة، والأرض فإنه في ذات الوقت يعرفهم بأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا انفصال بين هذه وتلك..
فهو حين يعرفهم بآياته في الخلق، يعرفهم بأنه هو ((الخالق)) ((البارئ)) ((المبدع)) ((بديع السماوات والأرض)) و حين يعرفهم بآياته في الرزق، يعرفهم بأنه هو ((الرزاق)) ذو القوة المتين و حين يعرفهم بهيمنته على كل شيء في هذا الكون، يعرفهم بأنه ((المهيمن)) وبأنه ((يدبر الأمر)) و حين يعرفهم بآياته في الإحياء والإماتة، يعرفهم بأنه ((هو يحيى ويميت)).
وحين يعرفهم بقدرته على البعث، يعرفهم بأنه ((يبعث من في القبور)).
وحين يعرفهم بأنه سبحانه وتعالى متفرد في كل شيء، متفرد في الكمال وحده، ومتفرد في كل شيء وحده، فإنه يقول لهم : ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصر))(الشورى:11) و يقول لهم : ((وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)) (الروم :27)، لقد اختلفتت الفرق في تأويل الأسماء والصفات والأفعال وما كان ينبغى لها أن تختلف!.
إن هذه الأسماء والصفات والأفعال الواردة في القرآن وفي الحديث يعرفنا الله بها على نفسه لنتعرف عليه. وما كان ينبغى أن تكون هىالتي تضللنا عن معرفة الله! لولا أن هذه الفرق الضالة قد فتنت عن حقيقة الإسلام البسيطة الواضحة بنظريات وأفكار دخيلة على الإسلام. والقرآن – دليلنا وهادينا- واضح في هذا الأمر كل الوضوح.. فهو يحدثنا عن أسماء الله، تدل على صفات، وتنشأ عنها أفعال:
و ((الرزاق)) اسم من أسمائه، وهو كذلك صفة من صفاته، وينشأ عنها أن الله يرزق العباد بما يشاء من رزق و نحن نؤمن بهذه الأسماء لأنها وردت في كلام الله وكلام رسولهصلى الله عليه و سلم، ولأننا نراها ونلمسها ونشهدها في الكون من حولنا وفي ذات أنفسنا، كما قال تعالى : ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق))(فصلت:53).
وكل تدبر في آيات الله في الكون وفي النفس يصل بنا إلى اليقين الكامل بأن كل ما وصف الله به نفسه هو الحق كل الحق، فهو الواحد الأحد، وهو المتفرد بالقدرة، المتفرد بالملك، المتفرد بالأمر والتدبير.
فعلينا إذن أن نؤمن بتلك الأسماء والصفات والأفعال، وأن نقف كذلك عند ما جاء منها في القرآن والحديث ولا نزيد على ذلك .
وهذا هو مذهب السلف رضوان الله عليهم: يؤمنون بها كما وردت، ولا يؤولونها؛ لأن التأويل ليس من شأن البشر، لا لهم طاقة به، ولا ينبغى لهم أن يخوضوا فيه، إنما يأخذون الأمر البساطة التي يوضحها القرآن والحديث.
فهذه الصفات حقيقة، ولكنها لا تشبه ما نراه من صفات البشر، فالبشر عاجزون والله قادر، والبشر ناقصون والله كامل، والبشر محجوبون عن الغيب والله علام الغيوب، والبشر محتاجون لمن يطعمهم ويسقيهم ويرزقهم والله هوالغنى المستغنى عن كل أحد وكل شيء، والبشر فانون والله هو الدائم من الأزل إلى الأبد…. فكيف تتماثل صفات الله مع صفات البشر، وأفعاله مع أفعال البشر؟
كلا! ((ليس كمثله شيء)) فصفاته هو متفرد بها سبحانه؛ لأنها صفات الكمال، وهو المتفرد وحده بالكمال.
والوجود كله يشهد بذلك التفرد، وفطرة الإنسان من أعماقها تشهد به كذلك.
ولا حاجة بنا، ولا حاجة للفطرة السوية، بتأويلات الفرق المنحرفة، سواء منها ما يعطل الصفات، ومن يبحث في كيفيتها ولم يؤت القدرة على تكييفها، ومن يشبهها بأعمال البشر والله ليس له مثيل، إنما تقول: سبحانه الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
ونحمد الله على توفيقه .