الإسلام بمعناه العام هو إسلام الوجه لله والخلوص من الشرك وأهله، أى التوجه الكامل إلى الله، والخضوع الكامل لأوامر الله .
يقول الله سبحانه وتعالى : ((بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) (البقرة : 112) .
ويقول : ((ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً)) (النساء : 125)
وإسلام الوجه لله، بمعنى إسلام النفس كلها لله، هو الأمر الذى يطلبه الله من البشر كافة بما أنه هو خالقهم سبحانه وخالق هذا الكون كله والمتصرف فيه وحده. فهو حق الإله على الخلق، وهو كذلك مقتضى عبودية الخلق لربهم وخالقهم و هذا الإسلام هو الذى كان عليه آدم ونوح والنبيون من بعده إلى محمد صلى الله عليه و سلم، حيث كان الاعتقاد واحداً وإن اختلفت الشرائع في الأحكام الفرعية؛ وكان عليه كذلك كل من اتبع الأنبياء منذ مولد البشرية.
جاء في القرآن الكريم عن إبراهيم عليه السلام : ((ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم))(البقرة:127،128).
ويقول الله عن التوراة : ((إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا))(المائدة : 44).
ويقول عن يعقوب وبنيه : ((أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحداً ونحن له مسلمون))(البقرة : 133) .
وجاء على لسان يوسف عليه السلام : ((رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليى في الدنيا والآخرة توفنى مسلماً وألحقنى بالصالحين))(يوسف : 101).
فالإسلام بهذا المعنى العام هو دين الأنبياء جميعاً ودين المؤمنين بالله ورسله من لدن آدم حتى يرث الله الأرض ومن عليها و لكن الله تفضل على أمة محمد r فخصها باسم ((الأمة المسلمة)) وباسم ((المسلمين))، قال تعالى : ((وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير))(الحج : 78)
وقد تحقق معنى الإسلام فيهذه الأمة بأكثر مما تحقق في أى أمة من قبل حتى استحقت أن يصفها الله بقوله سبحانه : ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر))(آل عمران : 110).
والآن فلننظر في عقيدة هذه الأمة التى رفعتها إلى هذه المنزلة السامية والتى استحقت عليها هذا التكريم الربانى، بأن يكون اسمها الأمة المسلمة،وأن تكون ((خير أمة أخرجت للناس)).
أصول العقيدة الإسلامية
عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، قال : بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه و سلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبى صلى الله عليه و سلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال : يا محمد! أخبرنى عن الإسلام، قال : ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن أستعطت إليه سبيلاً)). قال : صدقت. فعجبنا له : يسأله ويصدقه! قال : فأخبرنى عن الإيمان. قال : الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الأخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)). قال : صدقت. قال : أخبرنى عن الإحسان، قال : ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإن يراك)). قال : فأخبرنى عن الساعة. قال : ((ما المسئول عنها بأعلم من السائل)). قال : فأخبرنى عن أمارتها. قال : ((أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)).
قال : ثم انطلق فلبثت ملياّ، ثم قال لى : ((يا عمر ! أتدرى من السائل؟ )) قلت: الله ورسوله أعلم. قال : ((فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)).
فيتبين من هذا الحديث أن هناك أصولاً ستة للعقيدة الإسلامية .
الإيمان بالله .
الإيمان بالملائكة .
الإيمان بالكتب السماوية .
الإيمان بالرسل .
الإيمان باليوم الآخـر .
الإيمان بالقضاء والقدر .
والإيمان يبالله هو موضوع حديثنا في هذا الباب. ولكنا نعرض عرضاً موجزاً لهذه الأصول الستة لكى نتبين المقصود من كل منها.
فالإيمان بالله يعنى الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى وبوحدانيته في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات التى وصف بها نفسه في القرآن الكريم، أووصفه بها رسوله صلى الله عليه و سلم .
والإيمان بالملائكة يتضمن الإيمان بوجودهم، وبأنهم خلق من خلق الله، يعبدونه سبحانه وتعالى، ولا يفترون عن عبادته ليلاً ونهاراً، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وأن لهم أعمالاً كلفهم الله بها وهم يؤدونها في طاعة كاملة لله، ومن بينها التنزل بالوحى على رسل الله وأنبيائه، ومن بينها كتابة أعمال البشر وتسجيلها، ومن بينها التنزل على قلوب المؤمنين بالطمأنينة والبشرى إلخ
والإيمان بالكتب السماوية يتضمن الإيمان بكل ما أنزل الله على رسله من الكتب بما فيها القرآن الكريم، وإن كانت الكتب السماوية السابقة كلها قد حرفت إلا القرآن الكريم وحده حفظه الله وقال سبحانه : ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)) (الحجر : 9) . و الإيمان بالرسل يقتضى الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى أرسل إلى البشرية رسلاً متعددين، منهم من قصه الله على نبيه محمد صلى الله عليه و سلم
في القرآن، ومنهم من لم يقصصه عليه كما قال تعالى : (( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبوراً(163) ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما)) (النساء : 163،164).
وأن هؤلاء الرسل جميعاً قد أوحى الله إليهم أن يبشروا الناس وينذروهم. يبشروهم بالجنة لمن أطاع الله ورسله، وينذروهم بالنار لمن عصى الله ورسله، كما قال تعالى بعد الآيتين السابقتين : (( رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً))(النساء : 165).
والإيمان باليوم الآخر : معناه الإيمان بالبعث بعد الموت، وأن الله يبعث الناس جميعاً يوم القيامة ويحشرهم إليه، ويحاسبهم على كل شىء فعلوه في الدنيا ثم يجزيهم به : (( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره(7) ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)(الزلزلة : 7، 8) . كما يشمل الإيمان بالجنة والنار وكل ما جاء في القرآن والحديث عن البعث والحشر والحساب والجزاء .
والإيمان بالقضاء والقدر يقتضى الإيمان بأن كل ما يحدث للإنسان من خير أو شر هو مقدر له : ((وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك)) ، كما يقتضى الإيمان بالعدل الإلهى فيما يجرى به القضاء والقدر تلك هى الأصول الستة للعقيدة الإسلامية، وأولها وأعظمها الإيمان بالله، الذى سنفرد له الحديث في هذا الباب .
الدين والفطرة
كل مولود يولد على الفطرة و بذاتها تتجه إلى الله، عالمة بوجوده سبحانه، ومؤمنة بأنه إله واحد لا يوجد في الكون كله سواه.
كيف تهتدى الفطرة إلى خالقها؟
إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا في كتابه الكريم أنه حين خلق الخلق عرفهم بنفسه، وبأنه جلت قدرته هو ربهم الذى خلقهم، والذى ينبغى أن يدينوا له بالعبودية : ((وإذ أخذ ربك من بنى أدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا))(الأعراف : 172) .
والرسول الكريم صلى الله عليه و سلم يخبرنا كذلك: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟))، ثم يتلو قوله تعالى : ((فطرت الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم))(الروم:30) والحديث متفق عليه و الحقيقة أن الفطرة البشرية تتيقظ لوجود الخالق في سن مبكرة جداً، أصغر بكثير مما نظن!.
فنحن نظن عادة أن الشخص الكبير وحده هو الذى يتفكر في وجود الله سبحانه وتعالى وفي وحدانيته. ولكنا إذا لحظنا حياة الطفل الصغير نجد أنه في مرحلة معينة من عمره يبدأ يسأل والديه أسئلة لا تنتهى:
من الذي عمل السماء؟ لماذا كانت السماء زرقاء؟ أين تذهب الشمس في الليل؟ لماذا لا تظهر الشمس لنا في الليل؟ أين يذهب النور حين يأتى الظلام؟ لماذا تلمع النجوم؟ أين تنتهى الأرض؟ لماذا كانت هذه الزهرة ذات رائحة والزهرة الأخرى ليس لها رائحة؟ من أين جئت؟ أين كنت قبل أن أجئ؟ إلخ
فما معنى هذه الأسئلة في الحقيقة وما دلالتها؟
إن دلالتها الحقيقية أن فطرة هذا الطفل قد بدأت تستيقظ، بدأت تتعرف على خالق السماوات والأرض من خلال مخلوقاته المشهودة المحسوسة، بدأت رويداً رويداً تتعرف على حقيقة الألوهية التى أشهدها الله عليها منذ خلقها، وبدأ إدراكها لها ينمو كما تنمو البذرة الكامنة في باطن الأرض، حتى تترعرع وتخضر و أن هناك تأثيرات عدة تقع على حس الإنسان فتوقظه إلى حقيقة وجود الله ووحدانيته وتفرده .
عوامل إيقاظ الحس على حقيقة وجود الله :
الكون بضخامته الهائلة ودقته المعجزة لابد أن يوقظ الإنسان إلى هذه الحقيقة :
فهذه الأبعاد الهائلة في السماوات والأرض، وهذه الأجرام السماوية الضخمة التى لا يحصيها العد من أوجدها ؟.
إن الأرض – وهى جرم صغير جداً بالنسبة للأجرام السماوية – تحتوى من الجبال والسهول والمحيطات والبحار والأنهار ما نستغرق سنوات العمر كلها في محاولة التعرف عليه، ثم لا نستطيع أن نتعرف إلا على جزء يسير منه، فكيف – مثلاً – بالمجموعة الشمسية التى تكون أرضنا جزءاً منها؟ وكيف بالمجرة التى تعد مجموعتنا الشمسية جزءاً ضئيلاً منها، وكيف بالكتل السماوية الأخرى التى تشمل ملايين وملايين من مثل مجرتنا؟ وملايين وملايين النجوم التى تعد شمسنا صغيرة بالقياس إليها؟!.
والكون مع ضخامته هذه دقيق دقة معجزة.. فالليل والنهار يتعاقبان في دقة متناهية إلى حد أننا نضبط ساعاتنا عليها! والحقيقة أن الكون كله مضبوط في دورته الفلكية لدرجة أن ساعات المراصد – التى هى أدق الساعات التى بين أيدينا، والتى نضبط عليها ساعات الإذاعة وغيرها، والتى تقيس الوقت بجزء على ألف من الثانية – هى ذاتها تضبط على دورة الفلك المتناهية في الدقة، والتى لا تضطرب دورتها على مر العصور والأجيال، إلى أن يشاء الله ، ثم إن كل كائن من الكائنات التى خلقها الله يتسم بهذه الدقة المعجزة سواء أكان من الكائنات الحية أم الكائنات الجامدة .
هل رأيت إلى الخلية الحية الدقيقة المتناهية في الصغر حتى إنها لا ترى إلا بالمجهر؟ ومع ذلك فهى تنمو وتنقسم وتقوم بمهام عجيبة غاية في العجب، يقف الإنسان إزاءها حائراً، خاشعاً أمام قدرة الله. فمن الذى أودعها سر الحياة؟ ومن الذى هداها لهذا النشاط العجيب الذى تقوم به إلا الله سبحانه وتعالى؟!
إن الجرثومة لا يمكن أن ترى بالعين، ومنها نوع دقيق يسمى ((الفيروس)) لا يرى حتى بالمجهر العادى، ومع ذلك فأنت تعرف مما درست في العلوم أنها يمكن أن تصيب الإنسان بأفتك الأمراض ما لم يتحصن ضدها بالأدوية أو الأمصال.
والكائن المتعدد الخلايا- وفي قمته الإنسان – يكون في منشئه خلية واحدة ملقحة، ثم تظل تنقسم وتنمو حتى تصبح كائناً متكاملاً. فأى قدرة تمنحه الحياة والحركة والنشاط غير قدرة الله؟.
وإن أعجب ما في عملية الإنقسام هذه أن الخلايا تكون كلها متماثلة – لظاهر العين – في نشأتها الأولى، ثم يصدر إليها الأمر فتتخصص وتتشكل بشكل معين؛ فخلية تتجه إلى مكان معين وتصبح أذناً أو جزءاً من أذن. وخلية تتجه إلى مكان آخر فتصبح عيناً أو جزءاً من عين. وثالثة تصبح خلية من خلايا المخ. ورابعة تتحول إلى عظام.. وهكذا . فأى أمر هذا الذى صدر إليها فأطاعته ونفذته بهذه الدقة العجيبة وهى شىء لا يكاد يرى العبين؟ إنه أمر الله الخالق المبدع. يأمرها فتطيع، وتتحرك بمقتضى مشيئته سبحانه فتتكون كما أرادها الله، وتقوم بالدور الذى أراده لها الله.
وهل رأيت إلى تلك الزهرة الجميلة ذات الرائحة العطرة والألوان المتعددة المتداخلة؟ ، من الذى أودع فيها هذا العظر؟ وكيف تجمعت فيها تلك الألوان ؟
ترى لو حاولت أنت أن تعطر زهرة واحدة عطراً يفوح من الصباح إلى المساء دون أن يتبدد ويضيع، ولو حاولت أن تلون بكل ما لديك من ألوان زهرة واحدة بحيث تبقى ألوانها ما بقيت الزهرة، فكم يكلفك ذلك من الجهد؟ وإلى أى مدى تنجح محاولتك؟.
ولو أن كل البشر علىظهر الأرض شغلوا أنفسهم بهذه المهمة بالنسبة لكل الزهور النابتة على سطح الأرض أو في جوف البحر. فهل يستطيعون؟ وإن استطاعوا فكم يبقى من وقتهم وجهدهم ليقوموا بغير ذلك من الأعمال؟.
ولكن الزهرة – وملايين الزهور في الأرض – تخرج هكذا معطرة ملونة بهيجة المنظر من عند الله، بغير جهد على الإطلاق! ودون أن يشغله هذا الأمر سبحانه عن تدبير الكون الهائل العريض كله : ((وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلى العظيم))(البقرة: 225) .لأنه سبحانه يقول للشيء ((كن فيكون)) (يس : 82)
ظاهرة الموت والحياة كذلك تلفت حس الإنسان إلى قدرة الله المعجزة التى تحيى وتميت، فما الحياة في حقيقتها؟ إنها سر معجز لا يعلم أحد كنهه ولا يستطيع تفسيره. وكل ما حاوله البشر حتى اليوم هو تفسير بعض ظواهر الحياة من حركة ونمو ووظائف مختلفة تقوم بها الأعضاء . أما الحياة ذاتها : فما هى؟ وكيف توجد في الكائن الحى؟ ثم كيف توجهه إلى أداء وظائفه التى يقوم بها؟ هذا كله سر مبهم لا يقدر البشر على إدراكه. وعبثاً حاول البشر – بكل علمائهم، وبكل ما لديهم من علم – أن يخلقوا خلية واحدة، واحدة فقط، من بلايين البلايين من الخلايا الحية التى يزخر بها الخلق الربانى، والتى أوجدها الله بعلمه وقدرته دون شريك.
الرزق الجارى على الإنسان، سواء في صورة مطر هاطل من السماء، أو زرع نابت من الأرض، أو أسماك وطيور وحيوان، أو كنوز ومعادن في باطن الأرض، أو هواء بتنفسه، أو ريح تجرى سفنه في البحر، أو طاقات تدير آلاته كطاقة البخار أو طاقة الكهرباء أو طاقة الذرة أو طاقة الوقود أو طاقة الماء المنحدر من المرتفعات.. كل ذلك من يجريه إلا الله؟ ((إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين))(الذاريات: 58) .
الأحداث التى تجرى في الكون وفي حياة الإنسان، من فرح وحزن، وضحك وبكاء، وفقر وغنى، وصحة ومرض، وموتى يموتون، ومواليد يولدون في كل لحظة من لحظات الليل والنهار من ذا الذي يحدثها ويرتبها ويدبرها إلا الله مدبر كل شىء في هذا الكون؟!
الغيب المجهول الذي لا يعلمه إلا الله يتشوف الإنسان لمعرفته فلا يستطيع مهما حاول، ويريد أن يعرف كطيف ستكون حياته في المستقبل. بل يريد أن يعرف ماذا يكون نصيبه في العام المقبل. بل يريد أن يعرف ما يحدث بعد شهر أو أسبوع أو يوم000 بل يريد أن يعرف ماذا يحدث بعد ساعة من الزمان بل بعد لحظة واحدة من الزمن المقبل، لا يستطيع أن يعرف ما وراءها، وما تجلبه إليه من خير أو شر… فمن ذا الذي يعلم ذلك الغيب المجهول كله علم شمول وإحاطة و إطلاع إلا الله وحده الذي يخلق كل شيء ويعلمه، ولا يند عن علمه شيء في السماوات ولا في الأرض؟!
وكثير من الأمور وكثير، يلقى تأثيره على القلب البشرى فيستيقظ لحقيقة الإلوهية. يعرف أن الله موجود، وأنه واحد لا شريك له، وأنه سبحانه متفرد بالكمال والقدرة، وبالجلال والعظمة، وبالسلطان الذي لا تحده حدود. فيكون على الفطرة السوية، ويكون كما خلقه الله في أحسن تقويم : ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم))(التين : 4)
ويكون مهتدياً مؤمناً، مرضياً عنه في السماوات والأرض، عمره في الأرض مبارك بالأعمال الصالحة، وله في الدار الآخرة جنة عرضها السموات والأرض، ورضوان من الله أكبر و لكن الفطرة تمرض أحياناً وتنتكس فيصبح الإنسان أسفل سافلين: ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم(4) ثم رددناه أسفل سافلين(5) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون))(التين : 4-6) يتبلد الحس أحياناً فينسى آيات الإعجاز في الكون والحياة. ينسى القدرة المعجزة التى تجرى الرزق وتجرى الأحداث وتشمل بعلمها الغيب .
أسباب تبلد الحس عند الإنسان :
تكرار المشهد : إن الإنسان حين يمر بتجربة جديدة يكون متفتحاً لها بكل حواسه. فإذا رأى مشهداً لأول مرة، أو سمع شيئاً جديداً لأول مرة، أو ذهب إلى مدينة جديدة أو شارع أو مسكن جديد، فإنه يكون منتبهاً بكل حواسه، يريد أن يتعرف على تفصيلات الشىء الجديد، ويكون له في نفسه وقع بالغ لأنه جديد عليه. ولكنه حين يألف المشهد أو المكان، وتتكرر رؤيته له، فإن حواسه تمر عليه بغير انتباه كبير، بل قد تمر عليه بغير انتباه على الإطلاق!
وكذلك يفعل الإنسان أحياناً مع الله! ينسى أنه الخالق وأنه المدبر وأنه الرازق وأنه المحي والمميت!
ويمر بهذا الكون فلا يلتفت إلى شىء من الآيات فيه !
لا يلتفت إلى الشمس البازغة، ولا إلى النور حين يدبر ويبتلعه الظلام!
لا يلتفت إلى الزهرة الجميلة المعطرة البهيجة الألوان !
لا يلتفت إلى صوت الطائر الرقيق الذى يغنى مرفرفاً بجناحيه فوق الغصن!
لا يلتفت إلى الماء الهاطل من السحاب، ولا إلى الرعد والبرق في السماء!
لا يلتفت إلى الطفل الذى ولد ولا الإنسان الذى مات !
لا يلتفت إلى عجزه المطلق إزاء قدرة الله!
أو يتبلد حسه أحياناً لسبب آخر؛ لأنه مشغول بطعامه وشرابه وشهواته، مشغول بمتاع الدنيا القريب، فيلهيه ذلك المتاع عن التدبر في آيات الكون والتقرب إلى خالق الكون والحياة، ويلهيه عن ذكر الآخرة وما فيها من حساب وعقاب .
أو يتبلد حسه لأنه لا يريد أن يلتزم بأوامر الله، يريد أن يطغى في الأرض ويتبع هواه، يريد أن يتجاوز الحلال الذى أحله الله لأنه في نفسه شراهة لا تقنع بما أحله الله. أو يريد أن يسيطر على الآخرين ويستعبدهم لأهوائه فيعتدى على أموالهم، أو أعراضهم أو دمائهم بغير حق، ويريد أن يكون إلهاً في الأرض يطاع من دون الله.
أو يتبلد حسه لأن في نفسه كبراً يستكبر به على عبادة الله 0
أو يتبلد حسه لأنه مفتون بما بين يديه، مفتون بعقله أو بجسمه أو بماله أو بأى شىء مما حباه الله إياه، فيعتقد أنه من عند نفسه، وينسى أنه من عند الله !
يتبلد الحس وتمرض النفس لسبب من هذه الأسباب، أو لغيرها مما يلم بالنفس من انتكاسات وانحرافات، فتنسى الله النسيان كله، أو تشرك به سواه، وتتوهم أن أحداً أو شيئاً ما في هذا الكون كله له شأن مع الله !
عندئذ لا يعود الإنسان كما خلقه الله على الفطرة السوية في أحسن تقويم، وإنما يصبح أسفل سافلين، فيتملكه الشيطان يصرف شئونه بعيداً عن الهداية الربانية، وبعيداً عن رضوان الله.
ولكن الله – من رحمته بعباده – لا يتركهم هكذا بغير هداية، بل يرسل إليهم الرسل يدعونهم إلى الهدى ويعيدونهم إلى الحق
ولقد أرسل الله محمداً صلى الله عليه و سلم ليكون خاتم النبيين، ويكون بشيراً ونذيراً للناس كافة إلى يوم القيامة. وأنزل عليه القرآن الكريم يهدى للتى هى أقوم، وتكفل سبحانه بحفظه فقال : ((إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون))(الحجر : 9).
وجعله شاملاً لكل ما يرد الفطرة إلى سلامتها، وينفي عنها خبثها وأمراضها، ويدلها على حقيقة الألوهية، ويعرفها بالله الحق، خالق الكون ومدبره، ومالك الأمر كله بغير شريك. و الآن، فلنعرض طريقة القرآن في هداية النفس البشرية، وردها عما تنحرف إليه من شتى الضلالات.