الانحراف عن الإيمان والتوحيد
الشرك والإلحاد كلاهما انحراف عن الإيمان والتوحيد. والفرق بينهما :
أن المشرك يعرف أن هناك إلهاً خالقاً لهذا الكون لكنه لا يفرده بالعبادة، فيعبد آلهة أخرى مع الله أو من دون الله، يقدم لها شعائر التعبد، ومن أنواعها الدعاء والطاعة والاتباع، والمحبة والولاء، ويجعلها واسطة بينه وبين ربه.
أما الملحد –في اصطلاح المعاصرين اليوم – فهوالذي ينكر وجود الله أصلاً، وينسب الخلق والموت والحياة لغير الله، ولا يؤمن بالبعث و الشرك والإلحاد كلاهما انتكاس يصيب البشر حين ينحدرون إلى الجاهلية، فينحرفون عن الفطرة السوية التي خلقهم الله عليها. وإن كان الانحراف الغالب على البشر في جاهلياتهم خلال عصور التاريخ المختلفة هو الشرك، والنادر هو الإلحاد، فيما عدا الجاهلية المعاصرة التي انحدر الناس إليها في العصر الحاضر والتي غلب عليها الإلحاد بصورة لا مثيل لها في التاريخ من قبل، بسبب بعض العوامل التي سنتعرض لها إن شاء الله بشيء من التفصيل على صفحات الكتاب.
والقرآن يشير إلى هذا الانتكاس في قوله تعالى : ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل سافلين(5) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون))(التين : 4-6) .
كما يبين القرآن أن الأصل في الناس هو الإيمان والتوحيد، فإن الله قد أشهد البشر جميعاً على أنه هو وحده ربهم بدون شريك، وهم في عالم الذر قبل أن يولدوا : ((وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون(173) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون))(الأعراف : 172-174)
والآيات تدل على أن الله قد ألهم البشرية كلها بأنه هو ربها وإلهها. وأنه ليس لها رب ولا إله غيره. وأنه أخذ عليها ميثاقاً بذلك : ((قالوا بلى شهدنا))، فلم يعد يقبل منهم أن يقولوا يوم القيامة: نسينا وكنا غافلين عن هذا الميثاق! أو يحتجوا بأن آباءهم أشركوا وأنهم اتبعوهم في شركهم لأنهم من ذريتهم! فشرك الآباء لا يبرر للأبناء أن يحيدوا عن ميثاق الفطرة، لأنه عهد بينهم وبين الله ولا دخل للآباء فيه! وإن كان الله من رحمته لا يحاسب الناس بميثاق الفطرة وحده، وإنما يحاسبهم بعد تذكرتهم على يد الرسل .((رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون الناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً)) (النساء : 165).
ولا يعذبهم حتى يبعث لهم رسولاً يبلغهم : ((وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً))(الإسراء:15)..
كذلك يقول الله في القرآن في سورة الروم عن أمر الفطرة : ((فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون(3.) منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين)) (الروم:3.،31)..
فهاتان الآيتان تدلان على أن الدين القيم – وهو توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده دون شريك – هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها ..
كما أن الرسول صلى الله عليه و سلم يحدثنا بأن الإسلام – أى إسلام الوجه لله وعبادته وحده دون سواه – هو دين الفطرة، إذ يقول عليه الصلاة والسلام: ((ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه))..
بل نجد في القرآن أن الكون كله، وليس الإنسان وحده، مفطور على عبادة الله، بسماواته وأرضه، وشمسه وقمره، ونجومه وجباله، ودوابه وشجره: ((ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس))(الحج : 18).
((ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون)(النحل:49).
((ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرها وظلالهم بالغدو والآصال))(الرعد:15).
فالتوجه لله بالعبادة –الذي تشير إليه الآيات بالسجود لأن السجود أبرز علامات العبادة –هو في فطرة الكون كله،الذي فطره الله على عبادته وطاعته: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا آتينا طائعين))(فصلت:11)..
والإنسان خلق من خلق الله، مفطور مثل بقية الكون على التوجه لله بالعبادة. ولكن الله كرمه وفضله على كثير ممن خلق، ومنحه الوعى والإدراك وحرية الاختيار: ((ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً)(الإسراء:7.).
((إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً(2) إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً))(الإنسان :2،3)..
((والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون))(النحل:78).((ألم نجعل له عينين(8) ولساناً وشفتين(9) وهديناه النجدين))(البلد :8-1.).
ولكن الإنسان –بسبب هذا التكريم ذاته – قد اختلف أمره؛ فبقى بعضه على الفطرة السوية التي خلقه الله عليها، أى بقى متجهاً بالعبادة لله وحده دون شريك، وضل بعضه فوقع في الشرك والإلحادLألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم))(الحج : 18).((ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها(8) قد أفلح من زكاها(9) وقد خاب من دساها))(الشمس : 7-1.).
فأما الذين استقاموا على الدين القيم فعبدوا الله وحده دون شريك، فهؤلاء بقوا كما فطرهم الله ((في أحسن تقويم))، وأما الذين انحرفوا عن العبادة الصحيحة بشرك أو إلحاد فقد انتكسوا فأصبحوا ((أسفل سافلين)) ولم يعودوا يستحقون التكريمالذي من اله به على الإنسان، بل أصبحوا موضع الإهانة عند الله: ((ومن يهن الله فما له من مركم))، واستحقوا غضب الله ولعنته؛ لأنهم قابلوا الإحسان الربانى بالإساءة، وقابلوا النعمة بالكفران!
والآن بعد أن عرفنا ذلك نعود فنتكلم عن الشرك والإلحاد كل على حدة
.
الشرك: أسبابه ودوافعه
إذا عرفنا أن الشرك انتكاسة تصيب الفطرة، ومرض يصيب القلب، فلنحاول أن نتعرف على أسبابه، كما يحاول الطبيب أن يتعرف على أسباب المرض الجسدى ليعالجه.
فالأصل في الجسد هو السلامة والصحة، ولكنه عرضه للإصابة بالمرض إذا لم يحافظ الإنسان على أسباب الصحة، وعرضة لأن يتمكن منه المرض ويستفحل إذا لم يأخذ الإنسان بأسباب العلاج
.
والنفس الإنسانية كذلك، الأصل فيها هو السلامة والصحة، ولكنها عرضة للإصابة بالمرض إذا ترك الإنسان نفسه بغير مراقبة دائمة لأعماله ولم يزنها بالميزان الصحيح. أو بعبارة أخرى إذا غفل الإنسان عن ذكر الله فوسوس له الشيطان وأبعده عن الطريق. وهي عرضة كذلك لأن يتمكن منها المرض ويستفحل إذا لم يسارع الإنسان إلى التوبة إلى الله والإنابة إليه والعودة إلى سبيله. فيصبح عندئذ ممن يقول الله عنهم : ((في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً))(البقرة:1.).
وهذا المرضالذي يصيب القلب له عدة أسباب ودوافع، بينتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، نعرض جانباً منها فيما يلى :
- الإعجاب والتعظيم :
فطرت النفس البشرية على الإعجابت بالبطولة وغيرها كإعجاب الابن بوالديه وهو أمرى فطرى وشرعى، يقول الله تعالى : ((وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً(23) وأخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيراً))(الإسراء: 23،24) وتعظيم النبى المرسل مطلوب كذلك: ((وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)(النساء : 64).((لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً)) (النور:63).
((يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبى ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون(2) إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم))(الحجرات:2،3).
وتعظيم العلماء والصالحين من الأمة واجب : ((العلماء ورثة الأنبياء)) ((ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا فضله)).
ولكن الانحراف ينشأ من زيادة التعظيم حتى يصل إلى التقديس، فهنا يدخل في دائرة الشرك؛ لأن التقديس لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى وحده بغير شريك. وكل تعظيم وصل إلى حد التقديس، سواء كان لشخص مثل الصالحين والأنبياء والعلماء والعباد وغيرهم كالملائكة والجن أم لشيء مثل الشمس والقمر والنجوم وما في هذا الوجود فهو شرك؛ لأنه توجه لغير الله بما لا ينبغى إلا له .
ومن هذا اللون من الانحراف نشأ كثير من الشرك في تاريخ البشرية، مما جاء ذكره في القرآن والأحاديث النبوية.
يقول الله تعالى : ((قال نوح رب إنهم عصونى واتبعوا من لم يزده ما له وولده إلا خساراً(21) ومكروا مكراً كباراً (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا))(نوح:21-23).
ويقول ابن كثير في التفسير : ((وقال على بن أبى طلحة عن ابن عباس: هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس : ((ويغوث ويعوق ونسرا)) قال كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم اتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم. فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم)).
كذلك وقع فريق من المنحرفين في الشرك بتقديس أنبيائهم: ((وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون)(التوبة:3.).
كذلك وقعوا في تقديس أحبارهم ورهبانهم: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون))(التوبة:31).
ووقع بعضهم في الشرك بسبب تعظيم الملائكة والجن – وهم خلق من خلق الله – فزعموا أنهم أبناء الله وبناته، وقدسوهم على هذا الاعتبار، فيقول الله عنهم : ((وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون))(الأنعام: 1..).
((وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون(158) سبحان الله عما يصفون))(الصافات : 158،159).
((وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون(19) وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون))(الزخرف : 19،2.).
ووقعه فريق آخر من البشر في الشرك بسبب تعظيم بعض الأجرام السماوية إلى حد التقديس، فعبدوا الشمس والقمر والنجوم، فيقول الله تعالى : ((ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا للهالذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون))(فصلت:37).
وقال لبعضهم الذين عبدوا نجم الشعرى لشدة لمعانه في السماء : ((وأنه هو أضحك وأبكى(43) وأنه هو أمات وأحيا(44) وأنه خلق الزوجينن الذكر والأنثى(45) من نطفة إذا تمنى (46) وأن عليه النشأة الأخرى (47) وأنه هو أغنى وأقنى(48) وأنه هو رب الشعرى))(النجم : 43-49).
وهكذا دخلت هذه الفرق الضالة كلها في الشرك من باب تعظيم الأشخاص، أو أشياء هي من خلق الله، فقد عبدوهم مع الله أو مندون الله، وضلوا بذلك عن الفطرة السوية التي تتجه لله وحده تعبده بغير شريك.
- الميل إلى الإيمان بالمحسوس والغفلة عن غير المحسوس :
في الإنسان – كما فطره اله – نزعتان فطريتان متكاملتان: إحداهما تنزع إلى الإيمان بالمحسوس، أى ما يقع في دائرة الحس ويمكن للحواس أن تدرك وجوده بالنظر أو السمع أو الشم أو الذوق أو اللمس، والأخرى تنزع إلى الإيمان بالغيب، أى بما لا يقع في دائرة الحس ولا يمكن للحواس أن تدرك وجوده بطريق مباشر.
وإذا كان الإنسان يشترك في النزعة الأولى مع بعض المخلوقات الأأخرى، فقد خصه الله بالنزعة الثانية – وهي الإيمان الغيب – وكرمه بها، وفضله بها عن كثير ممن خلق. وكانت هذه الموهبة الربانية من عوامل رفعة الإنسان واتساع أفقه وعظمة روحه، وانفساح المجال أمامه وراء المحسوسات القريبة إلى آفاق التفكير والتدبر في الكون كله لينتفع به ويستدل على عظمة خالقه ومبدعه.
ولكن فطرة الإنسان عرضة للمرض كما قلنا، إذا لم يداوم على رعايتها وتقديم الغذاء الصالح لها، من ذكر لله وتقرب إليه بالأعمال الصالحات، وعندئذ يرين على القلوب ما يرين عليها من ظلمات : ((بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)) (المطففين : 14).
ومن الأمراض التي تصيب فطرة الإنسان أن تغفل عن غير المحسوس، وتحصر اهتمامها رويداً رويداً في دائرة المحسوس وحده، ثم تمتد بها الغفلة حتى تستغنى تماماً بعالم الحس عما وراءه، بل تمتد بها الغفلة أحياناً أكثر من ذلك فتنكر ما وراء الحس إنكاراً كاملاً وتزعم أنه غير موجود
وفي المراحل الأولى من هذه الغفلة لا ينكر المشرك وجود الله، ولكنه يتلمس صورة محسوسة قريبة يضفي عليها في خايهل بعض خصائص الألوهية من نفع وضر، وعلم للغيب، وتصريف للأمر بالمشاركة مع الله! فمع أنه يعلم أن الله هو الخالق، وأنه لا يشاركه أحد في الخلق، إلا أنه يزعم أن فلاناً من الناس (( نبياً كان أو ولياً من أولياء الله الصالحين)) أو الملائكة، أو الجن، أو صنماً من الأصنام يستطيع أن يضر أو ينفع، أو يستجيب للدعاء، أو يبسط الرزق لمن يشاء، أو يعلم الغيب ويخبر به من يستطيع أن يتلقى عنه. وفي مثل هذه الصورة كان العرب في جاهليتهم. فقد ورد في القرآن انهم يعرفون أن الله موجود وأنه هو الخالق : ((ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله))(الزمر : 38، لقمان : 25).
((ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون))(الزخرف:87).
ومع ذلك كانوا يشركون به الجن والملائكة والأصنام التي يعبدونها – في زعمهم لتقربهم إلى الله زلفي!
ولكن الغفلة كما قلنا قد تمتد إلى أبعد من ذلك. فيغفل المشرك عن اللهالذي ((لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)) (الأنعام : 1.3).
ويتصور أن الشيء المحسوس هو الله. فهنا لا يكتفي المشرك بأن يزعم لتلك المحسوسات بعض خصائص الألوهية، بل يضفي كل خصائص الألوهية عليها. وفي مثل هذه الصورة كان المصريون فيزمن الفراعنة إذ كانوا يزعمون أن ((رع))- وهو قرص الشمس- هو الخالق وهو الرازق وهو المحيى المميت، وهوالذي يبعث الناس يوم القيامة ويحاسبهم! كما كان المجوس ينسبون الخلق والضر والنفع والإحياء والإماتة للنار! وفي مثل هذا المستوى كذلك كانت الجاهلية الرومانية والجاهلية الإغريقية والجاهلية الهندية والجاهلية الصينية.
وبعض هذه الجاهليات كان يضيف إلى ذلك الشرك لوناً آخر، فيزعم أن فلاناً من البشر هو ابن الله، ويضفي عليه بعض خصائص الألوهية أو كلها، كما كانت الجاهلية الفرعونية تزعم أن الفرعون هو ابن الله(ابن الإله رع)، وأنه يجلس عن يمينه يوم القيامة. والجاهلية الهندية تزعم أن البراهما خلقوا من رأس الإله، وأنهم من أجل ذلك مقدسون ولا يحاسبون على أعمالهم (بينما المنبوذون نجسون لأنهم مخلوقون من قدم الإله ولذلك فهم مهينون ومحتقرون!!). ولا تختلف النصرانية المحرفة كثيراً عن ذلك! إذ زعمت أن المسيح ابن مريم هو ابن الله. وقالت مرة إنه هو الله، ومرة قالت إنه واحد من ثلاثة يكونون في مجموعهم إلهاً واحداً. وإلى ذلك يقول الله تعالى : ((لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم)) (المائدة : 72).
((لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد)) (المائدة 73).
وقد وصل بنو إسرائيل إلى درجة أبشع من ذلك حين قالوا لموسى : ((لئن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة))(البقرة:55).
وحين مروا على قومن يعبدون الأصنام فقالوا لموسى اجعل لنا إلهاً ((أى صنماً)) نعبده مثل هؤلاء القوم: ((وجاوزنا ببنى إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون))(الأعراف : 138).
وحين عبدوا العجل واتخذوه إلهاً : ((فكذلك ألقى السامرى(87) فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى))(طه : 87،88).
كل هذا ونبيهم بين ظهرانيهم يعلمهم أمر دينهم.
أما الدرجة القصوى من هذه الغفلة فهي التي تؤدى إلى إنكار وجود الله ألبتة، وسنتحدث عنها حين نتحدث عن الإلحاد .
- الهوى والشهوات :
من الأمراض التي تصيب الفطرة كذلك وتوقعها في الشرك غلبة الهوى والشهوات. ذلك أن دين الله المنزل يشمل دائماً أحكاماً إلهية يأمر الله البشر أن يلتزموا بها وينفذوها لتستقيم حياتهم وتتوازن : ((لقد أرسلنا رسلناً بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط))(الحديد:25).
وحين تكون الفطرة مستقيمة فإنها تتقبل ما فرضه الله عليها بالرضا، وتجتهد في تنفيذه تعبداً لله وطمعاً في رضاه. ولكن حين يغلب عليها الهوى وحب الشهوات فإنها تضيق بما أنزل الله وتحب أن تتبع شهواتها. وفي ذلك يقول الله : ((وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا))(لقمان :21).
((فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات)) (مريم:59).
((فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدى القوم الظالمين))(القصص:5.).
((أرأيت من اتخذ إلهه هواه)) (الفرقان:43) .
((زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب))(آل عمران : 14).
ومن أجل هذه الشهوات يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة كما يصفهم الله : ((ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدى القوم الكافرين (1.7) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون))(النحل:1.7،1.8).
((الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً أولئك في ضلال بعيد))(إبراهيم: 3).
وهؤلاء يرفضون الهدى الربانى، ويرفضون أن يعترفوا بالوحى المنزل من عند الله، ولو استيقنوا في دخيلة أنفسهم أنه الحق، لأنهم لو اعترفوا لكان عليهم أن يلتزموا، وهم يكرهون الالتزام بما أنزل الله، لأن شهواتهم تغلبهم وتثقل في حسهم. لذلك ينكرون أن ما جاء من عند الله هو الحق، ويجادلون فيه بالباطل، ويضعون قواعد وموازين للحياة وللأعمال غير ما قرر الله، ثم يزعمون أنهم همن الذين على الحق، وأن ما يتبعونه من نظم وقواعد وموازين أحق أن يتبع مما أنزل الله، فيقعون بذلك في الشرك –شرك الاتباع.
وعلى هذه الصورة، كانت الجاهلية العربية التي ذكرها الله في القرآن ذكراً مفصلاً في كثير من الآيات في السور المكية خاصة. وعلى هذه الصورة كذلك نجد الجاهلية المعاصرة التي غرفت في الشهوات إلى أذنيها، ورفضت الاعتراف بالوحى الربانى؛ لأنها تريد أن تتبع أهواءها ولا تريد أن تلتزم بما أنزل الله.
- الكبر عن عبادة الله :
الكبر كذلك من الأمراض التي تصيب الفطرة فتنحرف بها عن صورتها السوية وتوقعها في الشرك.
والكبر درجات تبدأ بالاستكبار على الناس وتنتهي بالاستكبار على عبادة الله. وكلها خلق مقيت مرذول لا يصدر عن نفس سوية مستقيمة؛ لذلك يقول الرسول صلى الله عليه و سلم : ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)).
وغالباً ما يكون الكبر في نفوس من حصلوا على شيء من متاع الحياة الدنيا، من مال أو جاه أو سلطان. ولكنه ليس وقفاً عليهم، ويمكن أن يتسرب إلى أى نفس مريضة فيصاب صاحبها بما يسميه المعاصرون ((جنون العظمة)) ولو كان من أحقر الناس!
ويبين لنا الله في كتابه الحكيم أن الكبر من أسباب الكفر والشرك، كما جاء في قصة النمرود : ((ألم تر إلىالذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربىالذي يحيى ويميت قال أنا أحيى وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهتالذي كفر والله لا يهدى القوم الظالمين))(البقرة:258).
وكما جاء في قصة فرعون : ((ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون))(الزخرف : 51).
((اذهب إلى فرعون إنه طغى(17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى(19) فأراه الآية الكبرى(2.) فكذب وعصى(21) ثم أدبر يسعى(22) فحشر فنادى(23) فقال أنا ربكم الأعلى(24) فأخذه الله نكال الآخرة والأولى))(النازعات : 17-25).
وكما كان من أمر الوليد بن المغيرة : ((ذرنى ومن خلقت وحيداً (11) وجعلت له مالاً ممدوداً(12) وبنين شهوداً(13) ومهدت له تمهيداً (14) يم ثطمع أن أزيد(15) كلا إنه كان لآياتنا عنيداً (16) سأرهقه صعوداً (17) إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر(19) ثم قتل كيف قدر(2.) ثم نظر(21) ثم عبس وبسر(22) ثم ادبر واستكبر(23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر(24) إن هذا إلا قول البشر(25) سأصليه سقر))(المدثر : 11-26).
ثم بين لنا الله أنها قاعدة شاملة وليست ظاهرة فردية : ((إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير))(غافر : 56).
وهذا الكبر عن عبادة الله أوضح ما يكون في الجاهلية المعاصرة، فهو ليس وقفاً على أصحاب المال أو الجاه أو السلطان، إنما سرى المرض في جسم الغرب حتى صار أتفه الناس شأناً يستكبر عن عبادة الله !
- وجود الطغاة الذين يريدون أن يستعبدوا الناس لأنفسهم فيرفضوا أن يحكموا بما أنزل الله :
ومن أهم أسباب الشرك في تاريهخ الجاهليات كلها وجود طغاة من البشر يريدون أن يستعبدوا الناس، ويسخروهم في قضاء شهواتهم، فيرفضوا الانصياع لما أنزل الله، ويضعوا من عند أنفسهم تشريعات لم يشرعها الله، فيحلوا ويحرموا من عند أنفسهم، اتباعاً لأهوائهم، ويفرضوا تشريعاتهم المزيفة على الناس بما يملكون في أيديهم من سلطان .
هؤلاء الطغاة في الواقع ينصبون أنفسهم أرباباً من دون الله حين يعطونها حق التشريع من دون الله؛ لأن الله وحده هو صاحب هذا الحق حيث إنه هو الخالق سبحانه وإنه هو العليم الخبير : ((ألا له الخلق والأمر)) (الأعراف : 54).
((والله يعلم وأنتم لا تعلمون)) (البقرة : 216).
فالله سبحانه وتعالى بحق ألوهيته وربوبيته لكل الخلق، وبعلمه التام بكل شيء هوالذي يحق له أن يقول : هذا حرام وهذا حلال، هذا حسن وهذا قبيح، هذا مباح وهذا غير مباح.
فإذا جاء أى إنسان فادعى لنفسه حق التحليل والتحريم، والمنع والإباحة فقد جعل نفسه شريكاً لله، بل جعل نفسه إلهاً من دون الله. ومن تبعه في ذلك فقد أشركه في العبادة مع الله، أو أشرك به من دون الله!
وهؤلاء الطغاة، الذين سماهم الله في القرآن ((الملأ)) هم أول من يتصدى لتكذيب الرسل الذين يرسلهم الله لهداية البشرية : ((لقد أرسلنا نوحاً إلبى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم(59) قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين))(الأعراف : 59،6.).
((وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون(65) قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين)) (الأعراف: 65،66).
(( وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذورها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبواكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتاً فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين (74) قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون(75) قال الذين استكبروا إنا بالذى آمنتم به كافرون))(الأعراف : 73-76).
وهكذا دائماً يتصدى الملأ لتكذيب الرسول المبعوث من عند الله، ثم رلا يكتفون بالتكذيب بل يتبعونه بالتهديد .
وهذا الأمرالذي يبدو لنا غريباص لأول وهلةت ليس غريباً في الحقيقة!
فهؤلاء الملأ يعرفون جيداً أن السلطة التي يستعبدون بها الناس ليست شرعية في الحقيقة، لأنها مخالفة لما أنزل الله، ولكنهم يتجاهلون ذلك ويمضون في غيهم طاغين مستكبرين. فإذا جاء الرسول من عند الله يقول : ((يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره))- وهو ما قاله كل رسول لقومه – فهو في الحقيقة ينادى برد الأمر إلى الله، صاحب الحق وحده في التشريع للناس، وفي تقرير الحلال والحرام والمباح وغير المباح.
ثم إنهم لا يكتفون بتهديد الرسل أنفسهم، لكنهم يقفون بالمرصاد للناس الذين يستعبدونهم بسلطانهم، خوفاً من أن يفروا من سلطانهم الجائر إلى الله .. فيهددونهم كما يهددون الرسل، ويطلبون منهم أن يستمروا في ولائهم لهم ويمنعونهم من تقديم الولاء الخالص لله! أى يأمرونهم بالشرك ويهددونهم بالقضاء عليهم إن أسلموا لله!
ووجود الطغاة من جانب يقابله وجود المستضعفين الذين يخضعون لهم من الجانب الآخر. الأولون يأمرون بالشرك والآخرون يطيعون، خوفاً أو ذلاً .
يقول الله تعالى عن الأولين : ((ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار(28) جهنم يصلونها وبئس القرار(29) وجعلوا لله أنداداً ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار))(إبراهيم : 28-3.).
ويقول عن الآخرين : ((وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذى بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين(31) قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين(32) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادأً وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون))(سبأ : 31-33).