ليست الصورة الوحيدة للشرك هي السجود للأصنام كما يبدو لبعض الناس الذين يقرءون في التاريخ أن العرب في الجاهلية كانوا مشركين يعبدون الأصنام، فيتبادر إلى أذهانهم أن عبادة الأصنام هي السبب الوحيد في وصف العرب بأنهم كانوا مشركين، ويظنون من جهة أخرى أن الصورة الوحيدة للشرك هي عبادة الأصنام.
لوكنا إذا رجعنا إلى القرآن، ثم أنعمنا النظر في حياة الجاهلية العربية ذاتها، نجد أن عبادة الأصنام لم تكن إلا لوناً واحداً من ألوان الشرك في الجاهلية العربية، فضلاً عن الجاهليات الأخرى التي مرت بها البشرية في تاريخها الطويل.
حقيقة أن عبادة الأصنام واضحة ملموسة للشرك لا تحتاج إلى بيان. ولكن الشرك هو في الحقيقة أوسع دائرة من عبادة الأصنام والسجود لها وتقديم القرابين إليها. وقد اتخذ في الجاهليات المختلفة صوراً شتى، وما يزال يتخذ إلى هذه اللحظة أشكالاً متعددة في حياة الناس في الشرق والغرب، قد لا يلتفتون إليها ولا يدركون أنها ضروب من الشرك، حين يحصرون صورة الشرك في أذهانهم في عبادة الأصنام فحسب.
وفي الجاهلية العربية ذاتها كانت هناك ألوان متعددة من الشرك إلى جانب عبادة الأصنام، وعبادة الملائكة والجن، والظن بأنها تشفع لهم عند الله أو تقربهم إلى الله زلفي.
كان عرف الآباء والأجداد عند هؤلاء الجاهلين ربا يعبد من دون الله : ((وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ))(لقمان :21).
وليس العرب وحدهم هم الذين قالوا ذلك في جاهليتهم، فيفي القرآن أيضاً أن هذا كان شأن قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم : ((ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب(9) قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا))(إبراهيم : 9،1.).
وعلى ذلك نستطيع أن نعدد ألواناً مختلفة من الشرك – سواء في الجاهلية العربية أو غيرها من الجاهليات – بجانب العبادة الخالصة للأصنام أو الأوثان بوصفها هي الله، كاعتقاد الجاهلية الفرعونية أن (رع) ((قرص الشمس)) هو الإله، واعتقاد المجوس أن النار هي الإله، واعتقاد الأشوريين أن بعلاً هو الإله، واعتقاد قوم نوح أن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراًن هي الآلهة.
فمن ضروب الشرك :
شرك التقرب والزلفي :
((والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربوونا إلى الله زلفي)) (الزمر:3).
وهذا النوع من ا لشرك –كما ذكرنا من قبل – يمارسن الشخص الذي يعرف أن الله موجود، وأنه هو الخالق الرازق المحيى المميت ولكنه مع ذلك يتصور خطأ أن هناك كائنات أخرى لها بعض خصائص الألوهية، وأنها من ثم قريبة من الله، وإذا فالتقرب إليها يؤدى إلى القربى من الله!
فمن تقرب من الصنم وتمسح به، ومن صلى له وسجد، ومن تقدم إليه بالقربان، فقد أشرك .
ولقد يبدو لنا اليوم أن هذا اللون من الشرك ساذج جداً وسخيف جداً بحيث يستنكف منه الإنسان المعاصر، الذي تيسرت له وسائل التعليم والثقافة، واتسعت حصيلته العلمية والفكرية.
ومع ذلك فانظر إلىملايين الناس التي تطوف حول أضرحة المشايخ والأولياء والقديسين في أرض الإسلام وخارج أرص الإسلام، تطلب منهم أن يقربوهم إلى الله زلفي.
وانظر إلى الذين يخشون – في دخيلة أنفسهم – غضبة الذين يعظمونهم من ولاة وشيوخ وعظماء، ولا يخشون غضب الله، والذين يعتقدون فيمن يعظمونهم أنهم أقرب ضراً لهم ونفعاً من الله سواء كانوا ملوكاً أو علماء أو رؤساء!
أتراهم قد بعدوا في هذا الأمر من عباد الجاهلية الذين قال الله عنهم : ((ألا لله الدين الخاص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفي))(الزمر:3).
شرك طلب الشفاعة من غير الله :
وقريب من شرك التقرب والزلفي شرك طلب الشفاعة من غير الله؛ لأنه امتداد له في الحقيقة.
وقد كان العرب في الجاهلية يمارسون الشركين معاً. فقد كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفي، وكانوا في الوقت ذاته يطلبون الشفاعة منهم لتوهمهم أنهم أصحاب كلمة مسموعة عند الله: ((ويعبدون من دون الله مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون))(يونس: 18).
((أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون(43) قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون))(الزمر : 43،44).
وكما عبدوا الأصنام لتشفع لهم عند الله – وبخاصة اللات والعزى ومناة – فإنهم عبدوا الملائكة كذلك باعتبارها بنات الله حسب ادعائهم الباطل، وأنها لذلك مسموعة الكلمة عند الله: ((وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون))(الأنبياء : 26 – 28) .
لقد يخيل إلأينا كذلك أن هذه القضية قد انتهت مع انتهاء الجاهلية العربية، ولم يعد لها وجود. ولكن المتأمل في حياة الناس اليوم يجد نظائر لها في تشفيع الموتى من الأولياء والصالحين عند الله في قضاء المصالح وفي الرضا عن العباد .
وقضية الشفاعة كقضية الزلفي، كلتاهما تنشأ من توهم أن هناك من يملك من الأمر شيئاً مع الله، أو يملك التأثير في مشيئة الله وإرادته. وهو وهم باطل لأن الله هو الغنى، وهو المدبر المهيمن على كل ما في الوجود، ومشيئته هي النافذة وحدها في هذا الكون. فالخلق جميعاً عبيد له وأقربهم إليه أتقاهم له .
ولا ينفي هذا أن تكون هناك شفاعة بين يدى الله يوم القيامة يتقبلها سبحانه ويستجيب لها(). ولكنها أولاً بإذن منه سبحانه للشافع أن يشفع، وثانياً رضاه عن المشفوع له، قال الله تعالى : ((يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً))(النبأ : 38).
وقال تعالى : ((ولا يشفعون إلا لمن ارتضى))(الأنبياء : 28).
وقال : ((وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى))(النجم : 26).
شرك الطاعة والاتباع :
الأصل في العبادة هو الطاعة. ومعنى عبادة الله طاعته فيما أمر به وما نهي عنه. فإن الإيمان الحقيقى بعظمة الله وألوهيته، وأنه هو الخالق لهذا الكون، والمدبر لكل شئونه، والمهيمن على كل شيء فيه، هذا الإيمان يؤدى إلى نتيجة لازمة هي الطاعة لهذا الإله المتفرد بالربوبية والألوهية دون شريك.
أما الذي يصر على الغواية، ويرفض الانصياع لأمر الله، ويتوجه بالطاعة لغير الله يأخذ منه ما يحرم وما يحل، وما يباح وما لا يباح، فلا يمكن أن يكون في دخيلة نفسه مقراً لله بالألوهية بغير شريك، ولو ادعى ذلك! إنما هو في الحقيقة قد وضع غير الله في مقام الألوهية واتجه إليه بالعبادة، أى بالطاعة التي كان ينبغى أن تحكون لله وحده دون سواه ..
يقول الله في القرآن عن اليهود والنصارى : ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون))(التوبة:31).
ويحدد الرسول صلى الله عليه و سلم معنى العبادة، ومعنى اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله تحديداً واضحاً حاسماً في قصة عدى بن حاتم حين جاء ليسلم على يدى رسول الله صلى الله عليه و سلم وكان نصرانياً من قبل: روى الإمام أحمد والترمذى وابن جرير – من طرق- عن عدى بن حاتم رضى الله عنه أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه و سلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه. ثم من رسول الله صلى الله عليه و سلم على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه و سلم. فقدم عدى المدينة-وكان رئيساً في قومه طىء، وأبوه حاتم الطائى المشهور بالكرم- فتحدث الناس بقدومه. فدخل على رسول الله صلى الله عليه و سلم وفي عنق عدى صليب من فضة، وهو (أى الرسول صلى الله عليه و سلم) يقرأ هذه الآية : ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله)) قال : فقلت : إنهم لم يعبدوهم. قال: ((بلى، إنهم حرموا عليهم الحلال وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم))..
فدى بن حاتم كان يظن أن العبادة هي الركوع والسجود فحسب، لذلك قال إنهم لم يعبدوهم! ولكن الرسول صلى الله عليه و سلم بين له حقيقة الأمر كما علمه الله. بين له أن طاعة الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم بغير ما أنزل الله هي عبادة لهم، ومن ثم فهي إشراك بالله؛ لأن الطاعة في هذه الأمور إنما تكون لله وحده حيث إنه هو الإله المعبود بحق. فالتوجه بها لغير الله عبادة لمن توجه إليه، وإن لم يكن معها ركوع ولا سجود يقدم لله وحده ولا يقدم لغيره! فالركوع والسجود لله، والتلقى من عند الله في التحريم والتحليل كلاهما سواء، ومجموعهما معاً هو العبادة. ولم يقل الله لعبادة إذا ركعتم لى وسجدتم فقد تمت عبادتكم لى، ولم يعد عليكم بأس في أن تطيعوا غيرى في التحليل والتحريم.. إنما أمر الله عبادة أن يسجدوا له ويركعوا، وأن يتبعوا ما أنزل إليهم من حلال وحرام، وأخبرهم بأ، إسلامهم لا يتم بغير الأمرين معاً في ذات الوقت، وأنهم إن توجهوا بهذا الأمر أو ذالك لغير الله فقد أشركوا: ((لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون)) (فصلت: 37).
((اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون))(الأعراف:3).
فالسجود لغير الله في الآية الأولى ينفي العبادة لله. وعدم اتباع ما أنزل الله في الآية الثانية مرادف لاتباع الأولياء – أى الشركاء – من دون الله .
وكذلك يقول الله حكاية عن الكفار في تبرير شركهم : ((وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء))(النحل: 35).
فهم يحددون الشرك الذي هم واقعون فيه بأمرين في ذات الوقت: العبادة بمعناها الظاهر أى الركوع والسجود وكذلك التحريم والتحليل بغير ما أنزل الله، وهم هنا في الآية يحاولون تبرير هذا الشرك بشقيه بأنه راجع إلى مشيئة الله، والله يكذبهم في ذلك ويقيم الحجةن عليهم بأنه أرسل إليهم ليبلغوهم حقيقة الإسلام ((وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين(35) ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت))(النحل:35،36).
وهذا اللون من الشرك هو الذي يعم وجه الأرض اليوم .
فأما الأرض غير الإسلامية فقد حوت كل صنوف الكفر والشرك. ومن أبرزها شرك الطاعة في التحليل والتحريم بغير ما أنزل الله، واتخاذ الأرباب المختلفة من دون الله.
وأما الأرض الإسلامية فقد وقع من أهلها في هذا النوع من الشرك كل من رضى بشريعة غير شريعة الله، مجلوبة من الشرق أو الغرب، وكل من رفع راية للتجمع أو للجهاد غير راية الإسلام، من قومية أو وطنية أو علمانية أو غيرها من الرايات التي لم يأذن بها الله.
وهؤلاء وهؤلاء يقيمون أرباباً – وإن كانت غير محسوسة – ويعبدونها من دون الله .
فالذي ينادى بالقومية أو الوطنية ويتخذ ذلك ذريعة لإقامة وطن لا تحكم فيه شريعة الله، هو في الواقع يتخذ القومية أو الوطنية ربا يعبده من دون الله، سواء في ذلك من يقيم هذه الراية ومن يرضى بها؛ لأن الأول يصدر باسمها تشريعات تحل وتحرم بغير ما أنزل الله، والآخر يتلقى منها ويطيعها ولا يتوجه بالتلقى والطاعة إلى الله.
والذي ينادى بوجوب إفطار العمال في رمضان لأن الصيام يضر بالإنتاج المادى، يتخذ الإنتاج المادى في الحقيقة ربا من دون الله، لأنه يطيعه مخالفاً أمر الله.
والذي ينادى بخروج التقدم والرقى والتحرر في الحقيقة أرباباً معبودة من دون الله، لأنه يحل باسمها من حرم الله، ويطيعها من دون الله .
والذي يدعو إلى إبطال شريعة الله أو تبديل المثل الإسلامية التي تصون الأخلاق والأعراض لكى نبدو في نظر الغرب متحضرين غير متخلفين، يتخذ الغرب وتقاليده أرباباً معبودة من دون الله، ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ لأن الغرب وتقاليده أثقل في حسه من أوامر الله، وأولى بالاتباع والطاعة من أوامر الله!
وهكذا نجد صوراً متعددة من شرك الطاعة والاتباع تعم حياة الناس اليوم دون أن يتبينوا ما هم واقعون فيه من الشرك، مع أن كتاب الله وأحاديث الرسول صلى الله عليه و سلم واضحة حاسمة في هذا الأمر : أن العبادة هي التلقي من الله في كل شأن من شئون الحياة. وكما نتلقى من الله شعائر التعبد، فنعبده سبحانه وتعتالي بما تعبدنا به من صلاة وصيام وزكاة وحج، كذلك نتلقى منه أمور حلالنا وحرامنا، أى الشريعة التي تحكم أمور حياتنا في الصغيرة وفي الكبيرة سواء؛ لأن الله تعبدنا بتنفيذ شريعته كما تعبدنا بالصلاة والصوم والحج، وكلها سواء، واعتبر التوجه في هذه أو تلك لغير الله شركاً، وقال عن الذين يفعلون ذلك : ((أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله))(الشورى:21).
وقد أمرنا الله بمفاصلة الواقعين في هذا الشرك : ((قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون))(آل عمران : 64).
لذلك ينبغى نعلينا أن نتبين طريقنا جيداً في وسط هذا الشرك الذي يعم اليوم وجه الأرض، وأن نجتهد ونتحرى ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً. وألا نتخذ أرباباً نتوجه لها بالعبادة من دون الله.
شرك المحبة والولاء :
وقريب من شرك الطاعة والاتباع شرك المحبة والولاء للمشركين والكفار. إن ولاء المسلم ينبغى أن يكون لله ولرسوله وللمؤمنين كما أمرنا الله تعالى : ((إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون(55) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون(56) يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين))(المائدة : 55-57).
((يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين))(المائدة : 51).
وكذلك المحبة لا ينبغى أن تكون لغير الله ورسوله والمؤمنين . ولا ينبغى بحال من الأحوال أن تكون لشيء ولا لأحد يقع في دائرة الكفر والشرك: ((ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً وأن الله شديد العذاب))(البقرة:165).
((يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون(23) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال أقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتى الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين))(التوبة : 23،24).
((لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم))(المجادلة : 22).
إن العبادة ليست هي الشعائر التعبدية وحدها من صلاة وصيام وزكاة وحج، كما يظن كثير من الناس في العصر الحاضر. ولا يكون الإنسان مسلماً موحداً بمجرد أن ينطق بشهادة التوحيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ثم يؤدى الشعائر التعبدية. وإنما يجب مع ذلك أن يعمل بمقتضى شهادة التوحيد ليكون موحداً حقاً. والتوجه بالولاء والمحبة للكفار والمشركين هو نقض لشهادة أن لا إله إلا الله ولو ظل الإنسان ينطقها بلسانه ويؤدى معها شعائر التعبدلذلك يصف الله موالاة اليهود والنصارى والكافرين بأنها ردة، فيقول في سورة المائدة : ((يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين))(المائدة : 51).
ثم يقول : ((يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء واسع عليم))(المائدة : 54).
إن التوحيد أمر هائل جداً، وليس مجرد كلمة تنطقإنه أمر شامل يشمل كل عمل الإنسان وكل فكره، ويشمل حتى مشاعره الداخلية التي قد يخفيها داخل نفسه ولا يبينها للناس.
ولا يتم التوحيد في حقيقة الواقع حتى تكون كل أعمال الإنسان وكل أفكاره وكل مشاعره مستقيمة على نهج واحد، متوجهة كلها إلى الله، مستمدة كلها من منهج الله.
أما إقامة منهج الحياة وسلوك الإنسان وفكره وشعوره على أسس تدين لغير الله، فهو شرك لا يغفره الله؛ لأنه نقض واقعى لشهادة التوحيد ولو ظلت تنطق بالأفواه
شرك الرياء :
والمقصود بشرك الرياء هو التوجه بالعمل لغير الله. فقد يكون العمل في ذاته سليماً في صورته، كالصلاة مثلاً، ركعاتها مضبوطة، وقيامها وقعودها على الصورة التي بينها رسول الله صلى الله عليه و سلم، ولكن صاحبها لا يصليها لكى يؤدى الفريضة لله، ويتقرب بها إليه. إنما يصليها ليمدحه الناس ويقولوا عنه إنه من الصالحين.. فهنا لا يكون العيب في صورة العمل، إنما في التوجه به لغير الله.
وكذلك إذا أنفق ماله رئاء الناس، أو قام بأى عمل من الأعمال بغية امتداح الناس له وثنائهم عليه .
جاء رجل إلى الرسول صلى الله عليه و سلم فسأله : الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه من قومه، فأى ذلك في سبيل الله؟ فقال الرسول صلى الله عليه و سلم : ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)).
وقد يكون العمل في أصله موجهأً إلى الله، ولكن يدخل معه في أثناء أدائه حب السمعة، والسعى إلىنيل المديح من الناس، فيكون شركاً كذلك، يقول الرسول صلى الله عليه و سلم : ((قال الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً اشرك فيه معي غيري تركته وشركه)).
ومن هنا ينبغي ان نتنبه لأنفسنا لكي لا نقع في هذا اللون من الشرك. فإنه يكون أحياناً (أخفي من دبيب النمل).
تلك كلها ألوان من الشرك يقع فيها البشر حين ينحرفون عن طريق الفطرة السوية كما فطرها الله. وهي كلها مجافية لحقيقة التوحيد .
ذلك أن حقيقة التوحيد التي تقر بها السماوات والأرض، ويقر بها الإنسان المؤمن، ليست شيئاً مظهرياً ولا أمراً جزئياً، إنما هي الحقيقة الجوهرية في هذا الكون كله، وهي الركيزة الكبرى للإنسان المؤمن، منها تنطلق تصوراته، وأفكاره، ومشاعره وسلوكه، وكل شيء في حياته.
ولا يتأتى أن يكون الإنسان موحداً في جانب من جوانب حياته، ثم يتوجه في جوانب حياته الأخرى لغير الله، فإنه بذلك يكون قد اتخذ إلهين، والله يقول : ((وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياى فارهبون)) (النحل: 51).
وهذه الرهبة المذكورة في الآية هي الحصيلة الحقيقية للإيمان بأقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. وتنزيه الله عن كل شريك وتنزيه صفاته عن التشبيه والتأويل. ومؤاداها هو التوج لله وحده بالعمل كله، سواء كان العمل صلاة ونسكاً، أو سعياً في الأرض وراء الرزق، أو كسباً أو إنفاقاً، أو علماً أو سياسة أو اقتصاداً أو اجتماعاً أو سلماً أو حرباً أو اعتقاداً.. إلخ: ((قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين(162) لا شريك له)) (الأنعام : 162،163) .
وأيا كانت أنواع الشرك، وهو لا يخرج في جميع أحواله عن أن يكون شركاً أكبر نيفي الإسلام بالكلية، أو شركاً أصغر يبطل العمل الذي صاحبه، أو شركاً خفياً هو من أكبر الكبائر، فإنه أمر باطل في حكم الله، كما أنه قبيح مستنكر في حكم العقل. فأيما إنسان سليم العقل مستقيم التفكير لا يمكن أن يتقبل الشرك بالله في آيةى صورة من صوره. ولذلك يندد الله بالمشركين في كثير منالمواضع بقوله تعالى : ((أفلا تعقلون)) لأن مقتضى العقل أن يتوصل الإنسان إلى حقيقة التوحيد، ويصل بها إلى درجة اليقين. فهذا هو الكون مفتوحاً أمام الحس البشرى، هل فيه شيء واحد ينبئ بأن يداً غير يد الله قد تدخلت في خلقه أو في تدبيره؟ وهل يمكن أن يتنظم سير الكون هذا الانتظام الدقيق لو كانت فيه إرادتان مختلفتان أوصنعتان مختلفتان؟: ((تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير(1) الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور(2) الذي خلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير))(الملك: 1-4).
إن النظر في أى شيء من خلق الله، كبير أو صغير، لينتهي بالعقل إلى نتيجة واحدة، هي التوحيد.
والقرآن يشير إلى تلك الحقيقة في مواضع شتى، ويضرب للناس الأمثال: ((يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنفذوه منه ضعف الطالب والمطلوب))(الحج : 73).
فالذباب في نظر الناس من أهون الأشياء وأحقرها.. ومع ذلك، فهل يستطيع أحد –غير الله- أن يخلق ذبابة واحدة ولو اجتمع كل أهل السماوات والأرض؟
بل إن الأمر أبعد من ذلك في العجز ((وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه))، فهم لا يعجزون فقط عن خلق الذباب، بل يعجزون عن استرداد شيء سلبه الذباب منهم. إن الذباب يقف على الطعام فيقضم منه قضمة لا تكاد ترى، أو يعلق بأرجله وأجنحته مثل ذلك.. فهل يستطيع أحد أن يسترد منه ما سلب من الطعام؟
ألا ما أعجز الناس .. والشركاء المزعومين
((مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون(41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون))(العنكبوت : 41-43).
وإذا كانت حقيقة الكون كله قائمة على توحيد الألوهية والربوبية، بالاستجابة لأمر الله، والعمل بمقتضى ها الأمر كما قال الله عن السماوات والأرض: ((ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين))(فصلت: 11).
إذا كانت هذه هي حقيقة الكون فأى ظلم يوقع فيه الإنسان نفسه حين ينحرف عن هذه الحقيقة الهائلة التي تقوم عليها السماوات والأرض؟
أى ظلم في إنكار الحق الذي يستجيب له الكون كله ويقر به، وأى ظلم أن يورد الإنسان نفسه موارد الهلاك بهذا الإنكار؟
لذلك يصف الله الشرك بأنه ظلم، ويصف المشركين بأنهم هم الظالمون: ((وإذ قال لقمان لأبنه وهو يعظه يا بنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)) (لقمان : 13).
وقال تعالى : ((ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين))(يونس:1.6).
ويقول الرسول صلى الله عليه و سلم : ((إن من أكبر الكبائر الشرك بالله))