قسام الذّرائع
لقَدْ قَسَّم بعض الأصوليّين الذّرائع إلى أقسام عدّة ..
وفيما يلي أَستعرض بعض هؤلاء :
الأول : القرافي رحمه الله تعالى ..
قسَّم القرافي ـ رحمه الله تعالى ـ الذريعةَ إلى ثلاثة أقسام :
القِسْم الأول : ذريعة مُعْتَبَرة إجماعاً .
مثالها : حَفْر الآبار في طُرُق المُسْلِمين ، وإلقاء السُّمّ في أَطعمتهم ، وسَبّ الأصنام عند مَن يُعْلَم مِن حاله أنَّه يَسُبّ اللهَ تعالى حينئذٍ .
حُكْمها : مُحَرَّمة بالإجماع ؛ لأنّها موصِّلة إلى الحرام .
القِسْم الثاني : ذريعة ملغيّة إجماعاً .
مثالها : زراعة العنب ، والشركة في سُكْنَى الدار .
حُكْمها : غَيْر مُعْتَبَرة ؛ لأنّها لا تُوصل إلى الحرام ، فلا يحرم بَيْع العنب خشيةَ صناعته خمراً ، ولا تَحرم الشركة في سُكْنَى الدار خشية الزنا .
القِسْم الثالث : ذريعة مُخْتَلَف فيها .
مثالها : بيوع الآجال ( بَيْع العِينة ) .
حُكْمها : وهذه الذريعة محلّ خلاف بَيْن الأصوليّين : هلْ تحرم فتُسَدّ أم لا ؟
الثاني : ابن القيّم رحمه الله تعالى ..
قسَّم ابن القيّم ـ رحمه الله تعالى ـ الذريعةَ إلى أقسام أربعة :
القِسْم الأول : وسيلة موضوعة لِلإفضاء إلى المَفْسَدَة .
مثالها : شُرْب المُسْكِر المُفْضِي إلى مَفْسَدَة السُّكْر ، والقذف المُفْضِي إلى مَفْسَدَة الفِرْيَة .
حُكْمها : المنع كراهةً أو تحريماً بحسب درجاته في المَفْسَدَة .
القِسْم الثاني : وسيلة موضوعة لِلمباح قُصِد بها التوسل إلى المَفْسَدة .
مثالها : عَقْد النكاح قاصداً به التحليل ، أو عَقْد البيع قاصداً به الربا .
حُكْمها : وهذه الذريعة محلّ خلاف بَيْن الأصوليّين .
القِسْم الثالث : وسيلة موضوعة لِلمباح لم يُقْصَدْ بها التوسل إلى المفسدة لكنّها مُفْضِيَة إليها غالباً ، ومَفْسَدتها أَرْجَح مِن مَصْلَحتها .
مثالها : سَبّ آلهة المُشْرِكين بَيْن ظَهرانيهم ، وتَزَيُّن المُتَوَفَّى عنها زَوْجها في زمن العِدّة .
حُكْمها : وهذه الذريعة ـ أيضاً ـ محلّ خلاف بَيْن الأصوليّين.
القِسْم الرابع : وسيلة موضوعة لِلمباح وقَدْ تُفْضِي إلى المَفْسَدَة ومَصْلَحتها أَرْجَح مِن مَفْسَدتها .
مثالها : النظر إلى المخطوبة والمشهود عليها ، وفِعْل ذوات الأسباب في أوقات النهي ، وكلمة حقّ عند ذي سلطان جائر .
حُكْمها : الجواز ، مع تَفاوُت بَيْن استحبابها وإيجابها بحسب درجاتها في المَصْلَحة.
الثالث : السبكي رحمه الله تعالى ..
قَسَّم السبكي ـ رحمه الله تعالى ـ الذريعةَ إلى أقسام ثلاثة :
القِسْم الأول : ما يُقْطَع بتوصله إلى الحرام فهو حرام عندنا ( الشافعية ) وعندهم ( المالكية ) .
القِسْم الثاني : ما يُقْطَع بأنّها لا تُوصل ولكن اخْتَلَطَتْ بما يُوصل ، فكان مِن الاحتياط سَدّ الباب .
وهذا غُلُوّ في القول بسَدّ الذّرائع ؛ لإلحاق الصورة النادرة التي قُطِع بأنّها لا تُوصل إلى الحرام بالغالب منها المُوصل إليه .
القِسْم الثالث : ما يَحتمل ويَحتمل ، وفيه مَراتب متفاوِتة ، ويَختلف الترجيح عندهم بسب تَفاوُتها.
وقَدْ نَسَب الزركشي ـ رحمه الله تعالى ـ هذا التقسيم لِبعض المتأخِّرين ، ونَسَبه الشوكاني) لابن الرفعة رحمهما الله لكنّ ابن السبكي أكَّد نِسْبَته لِوالده رحمهما الله تعالى .
الرابع : الشاطبي رحمه الله تعالى ..
قسَّم الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ الذّرائع إلى أربعة أقسام :
القِسْم الأول : فِعْل مأذون فيه يؤدِّي إلى المَفْسَدَة قَطْعاً .
مثالها : حَفْر بِئْر خَلْف باب الدار في طريق مُظْلِم بحيث يقع الداخل فيه لا محالة .
حُكْمها : ممنوعة بإجماع فقهاء المُسْلِمين ، أيْ يجب سدّها .
القِسْم الثاني : فِعْل مأذون فيه يَكون أداؤه إلى المَفْسَدَة والإضرار نادراً .
مثالها : بَيْع الأغذية التي لا تَضُرّ أحداً غالباً ، وبَيْع العنب ولو اتُّخِذ خمراً بَعْد ذلك .
حُكْمها : حلال لا شكّ فيها ؛ لأنّها باقية على الإذن العامّ والمشروعيّة ما دام العمل مأذوناً فيه .
القِسْم الثالث : فِعْل مأذون فيه لِمَا فيه مِن مصلحة لكنّه يؤدِّي إلى المَفْسَدَة غالباً .
مثالها : بَيْع السلاح وَقْت الفِتَن ، وبَيْع العنب لِلخَمّار .
حُكْمها : ممنوعة احتياطاً وأخذاً بغلبة الظَّنّ .
القِسْم الرابع : فِعْل يَكون أداؤه إلى المَفْسَدَة كثيراً لا غالباً ، فلم يَبْلُغْ مَبْلَغ الظَّنّ الغالب لِلمَفْسَدَة ولا العِلْم الْقَطْعِيّ .
مثالها : البيوع التي تُتَّخَذ ذريعةً لِلربا : كعقد السلم ، وبَيْع العِينة .
حُكْمها : وهذه الذريعة هي محلّ النزاع بَيْن العلماء (1) .
تعقيب وترجيح :
وعلى ضَوْء ما تَقَدَّم مِن إيراد أقسام الذريعة عند بعض الأصوليّين أَرَى أنَّه يُمْكِن حَصْر أقسام الذريعة في ستّة أقسام على النحو التالي :
القِسْم الأول : وسيلة ممنوعة في ذاتها لأنّها تُوصل إلى الحرام .
مثالها : سَبّ الوالديْن أو التسبب في ذلك ؛ لأنّه يؤدِّي إلى إيذائهما ، وكذا شُرْب المُسْكِر المُفْضِي إلى مَفْسَدَة الإسكار .
حُكْمها : وهذه الذريعة مُحَرَّمة ويجب سدّها .
القِسْم الثاني : وسيلة مباحة في ذاتها لكنّها تُوصل إلى الحرام أو الممنوع قَطْعاً .
مثالها : سَبّ الآلهة التي تُعْبَد مِن دُون الله تعالى ، أو حَفْر بئر في طريق مُظْلِم .
حُكْمها : وهذه الذريعة ـ أيضاً ـ مُحَرَّمة ويجب سدّها .
القِسْم الثالث : وسيلة مباحة في ذاتها لكنّها لا تُوصل إلى الحرام إلا نادراً .
مثالها : بَيْع العنب ولو اتُّخِذ خمراً بَعْد ذلك ، والشركة في سُكْنَى الدار خشية الزنا .
حُكْمها : وهذه الذريعة غَيْر مُعْتَبَرَة ، بلْ هي حلال وجائزة .
القِسْم الرابع : وسيلة مباحة في ذاتها لكنّها تُوصل إلى الحرام غالباً .
مثالها : بَيْع السلاح زَمَن الفِتَن ، وبَيْع العنب لِلخَمّار .
حُكْمها : وهذه الذريعة محلّ نزاع بَيْن العلماء ، لكنّي أُرَجِّح سَدّها ومَنْعها .
القِسْم الخامس : وسيلة مباحة في ذاتها لكنّها تُوصل إلى الممنوع كثيراً لا غالباً دُون القِسْم السابق .
مثالها : البيوع التي تُتَّخَذ وسيلةً أو ذريعةً لِلربا : كعقْد السلم
وبَيْع الأَجَل ( العِينة ) .
حُكْمها : وهذه الذريعة محلّ نزاع ـ أيضاً ـ بَيْن العلماء .
القِسْم السادس : وسيلة مباحة في ذاتها ولكنّها اخْتَلَطَتْ بما يُوصل إلى الحرام .
مثالها : بَيْع العنب لِشريكيْن أحدهما صاحِب مَصْنَع خَمْر ، وكاختلاط المنكوحة بالأجنبيّة .
حُكْمها : وفي هذا أَرَى أنّ حُكْمها يأخذ حُكْم الوسيلة المُخْتَلِطة بها : فإنْ أَوْصَلَتْ إلى الحرام قَطْعاً أو غالباً وَجَب سَدّها ، وإنْ لا فلا يجب سَدّها وهي جائزة ، ويَنطبق على هذه الذريعة قاعدة ( إذا اجْتَمَع الحرام والحلال غلب الحرام ) .
حُجِّيَّة سَدّ الذّرائعلفَرْق بَيْنها وبَيْن الحِيَلذاهب الأصوليّين في حُجِّيَّة سَدّ الذّرائع
أوّلاً - تحرير محلّ النزاع في حُجِّيَّة سَدّ الذّرائع :
بَعْد الوقوف على أقسام الذّرائع اتَّضَح لنا أنّ محلّ النزاع بَيْن الأصوليّين هو الذريعة التي تُفْضِي إلى الحرام غالباً .
ومِن الأصوليّين مَن حَصَر محلّ النزاع في بيوع الآجال ( بَيْع العِينة ) ونَحْوها .
ومنهم مَن جَعَل سَدّ الذّرائع هو محلّ النزاع ، وهو الراجح عندي ؛ فكُلّ ذريعة تُوصل إلى الحرام هلْ تُسَدّ أم لا ؟
أو بمَعْنىً آخَر : هلْ سَدّ الذّرائع حُجَّة أم لا ؟
وقَدْ بَنَيْتُ ترجيحي على : أنّ النزاع الحقيقي في هذه القاعدة إنّما هو بَيْن ابن حَزْم ـ رحمه الله تعالى ـ والجمهور ، والذي لم أَرَ مَن تَعَرَّض له أو أشار إليه مِن الأصوليّين الذين بَحَثوا قاعدة سَدّ الذّرائع حينما حَصَروا النزاع بَيْن المالكية والحنابلة وبَيْن الشافعية والحنفية في الذّرائع أو بَيْع العِينة ونَحْوها .
ثانياً - مذاهب الأصوليّين في حُجِّيَّة سَدّ الذّرائع :
اخْتَلَف الأصوليّون في الذريعة التي تُفْضِي إلى الحرام : هَلْ تُقْطَع ويجب سَدّها ؟
على مذْهبيْن :
المذهب الأول : أنّها حُجَّة ويجب قَطْعها وسَدّها .
وهو ما عليه المالكية والحنابلة ، وهو قوْل الإمام مالك ، ورواية عن الإمام أحمد رضي الله عنهما .
المذهب الثاني : أنَّها ليست حُجَّةً ولا يَجِب قَطْعها .
وهو ما عليه ابن حَزْم الظاهري رحمه الله تعالى ، واختاره
ابن عقيل الحنبلي رحمه الله تعالى) .
ونَسَب الباجي ـ رحمه الله ـ هذا المذهب إلى الإماميْن أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما ، وتَبِعه في ذلك كثرة مِن الأصوليّين ونَفَر مِن الشافعية.
وأَرَى : أنّ هذه النسبة تَحتاج إلى مراجَعة ونظر ، خاصّةً بَعْد أنْ ثَبَت عنهما عَكْس ذلك والعمل بسَدّ الذّرائع ..
وفيما يلي أَذْكُر ما يَدُلّ على أخْذ الإمام أبي حنيفة t بسَدّ الذّرائع :
* أَوْرَد محمد بن الحَسَن الشيباني (1) رحمه الله ما يَدُلّ على ذلك بقوله :" قال أبو حنيفة t : مَن اشْتَرَى سلعةً بنقد أو بنسيئة فقَيَّضها ولم ينقد الثَّمَن حتّى باعها مِن الذي اشتراها منه بأَقَلّ مِن الثَّمَن فلا خَيْر فيه " (2) ا.هـ .
وهذا هو بَيْع العِينة الذي حَرَّمه البعض سَدّاً لِذريعة الربا .
وقَدْ أَكَّد الشاطبي ـ رحمه الله ـ أَخْذ الإمام أبي حنيفة بسَدّ الذّرائع في قوْله :" وأمَّا أبو حنيفة : فإنْ ثَبَت عنه جواز إعمال الحِيَل لم يَكُنْ مِن أصْله في بيوع الآجال إلا الجواز ، ولا يَلْزَم مِن ذلك تَرْكه لأصْل سَدّ الذّرائع ، وهذا واضِح ، إلا أنَّه نُقِل عنه موافَقة مالك في سَدّ الذّرائع فيها وإنْ خالَفه في بعض التفاصيل ، وإذا كان كذلك فلا إشكال " ا.هـ .
أمَّا تحقيق مذهب الإمام الشافعي t في سَدّ الذّرائع : فأُفَصِّله في المطلب التالي بإذن الله تعالى .
هب الإمام الشافعي في سَدّ لقد اعْتَبَر كثير مِن الأصوليّين الإماميْن أبا حنيفة والشافعي ـ رضي الله عنهما ـ أَشْهَر الرافضين أو المانعين لِلأخذ بِسَدّ الذّرائع ..
وقَدْ بَرَّأْنَا ساحة الإمام أبي حنيفة مِن نسبة هذا إليه ، وأَثْبَتْنَا عَكْسها .
العنصر الأول : دليل عدم أخْذ الإمام الشافعي t بسَدّ الذّرائع :
اسْتَدَلّ البعض على عدم أخْذ الإمام الشافعي t بسَدّ الذّرائع بما ذَكَره في كتاب " إبطال الاستحسان " مِن قوْله :" لا يَفْسَد عَقْد أبداً إلا بالعقد نَفْسه ، ولا يَفْسَد بشيء تَقَدَّمه ولا تأخَّره ولا بتَوَهُّم ، ولا تَفْسَد العقود بأنْ يقال " هذه ذريعة ، وهذه نيّة سوء " ؛ ألاَ تَرَى لو أنّ رَجُلاً اشْتَرَى سيفاً ونَوَى بشرائه أنْ يَقْتُل به كان الشراء حلالاً وكانت نيّة القتل غَيْر جائزة ولم يَبْطُلْ بها البيع " (1) ا.هـ .
العنصر الثاني : أدلّة أخْذ الإمام الشافعي بسَدّ الذّرائع :
لقَدْ وَرَدَتْ فروع فقهيّة عديدة في " الأُمّ " تَدُلّ على أنّ الإمام الشافعي t أَخَذ بسَدّ الذّرائع ، نَذْكُر منها ما يلي :
الدليل الأول : قوْله صلى الله عليه و سلم { مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ لِيَمْنَعَ بِهِ الْكَلأَ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَ رَحْمَتِه }..
وعَقَّب عليه ابن الرفعة رحمه الله تعالى ـ إذ قال بَعْدما ذَكَر النهي عن بَيْع الماء لِيَمْنَع به الكلأ ، وإنّما يحتمل أنّ ما كان ذريعةً إلى مَنْع ما أَحَلّ الله لم يَحِلّ ، وكذا ما كان ذريعةً إلى إحلال ما حَرَّم الله ـ بقوله :" وإذا كان هكذا : ففي هذا ما يُثْبِت أنّ الذّرائع إلى الحلال والحرام يُشْبِه مَعاني الحلال والحرام " ا.هـ .
مُنَاقَشَة هذا الدليل :
وقَدْ نُوقِش هذا الدليل : بأنّ هذا ليس مِن باب سَدّ الذّرائع ، بلْ هو مِن تحريم الوسائل ، والوسائل تَستلزم المتوسَّل إليه ، والنزاع بَيْننا وبَيْن المالكيّة ليس في الذّرائع ، وإنّما هو في سدّها ، ومِن هذا بَيْع الماء ؛ فإنّه مُسْتَلْزِم عادةً لِمَنْع الكلأ المُحَرَّم (1) .
الجواب عن هذه المُنَاقَشَة :
وأَرَى رَدّ هذه المُنَاقَشَة : بأنّ الذّرائع التي سَدّها الشَّرْع ومَنَعها هي الوسائل المؤدِّية إلى الحرام ، والمُعْتَرِض قَدْ سَلَّم بأنّ هذا مِن باب تحريم الوسائل التي تَستلزم المتوسَّل إليه ، وهذا هو مَعْنَى سَدّ الذّرائع ، ولا فَرْق بَيْن الوسائل عندنا وعنده .
الدليل الثاني : قوْل الإمام الشافعي :" ولا يجوز لأهْل العدل عندي أنْ يَستعينوا على أهْل البغي بأحد مِن المُشْرِكين ذمِّيّ ولا حربيّ ولو كان حَكَم المُسْلِمين الظاهر ، ولا أَجْعَل لِمَن خالَف دينَ الله عَزّ وجَلّ الذريعةَ إلى قَتْل أهْل دِين الله " ا.هـ .
الدليل الثالث : قوْله في الشهادة على الزنا والسرقة :" أقول : إنْ جاء عليه بشهود يَشهدون على ما يُحِلّ دَمَه أَهْدَرْتُه فلم أَجْعَلْ فيه عقلاً ولا قَوَداً وإنْ لم يأتِ عليه بشهود أَقْصَصْتُ وَلِيَّه منه ولم أَقْبَلْ فيه قوْله وتَبِعْتُ فيه السُّنَّة ثُمّ الأثر عن عَلِيّ ولم أَجْعَلْ لِلناس ذريعةً إلى قَتْل مَن في أنفُسهم عليه شيء ثُمّ يَرْمونه بسرقة كاذبين " ا.هـ .
الدليل الرابع : قوْله في مَنْع قَرْض الجارية التي يَحِلّ لِلمُسْتَقْرَض وطؤها :" تجويز ذلك يُفْضِي إلى أنْ يصير ذريعةً أنْ يطأها وهو يَملك رَدّها " ..
وعَقَّب المحاملي (3) ـ رحمه الله تعالى ـ على ذلك بقوله :" يعني أنَّه يستبيح بالقَرْض وطء الجارية ثُمّ يَرُدّها على المُقْرِض فيستبيح الوطء مِن غَيْر عوض ، قيل : وفيه مَنْع الذّرائع " (4) ا.هـ .
العنصر الثالث : تعقيب وترجيح :
بَعْد الوقوف على رأْي الإمام الشافعي t في سَدّ الذّرائع وما نُقِل عنه مِن أقوال تَمْنَع الأخذ بها وأقوال تأخذ بها فإنّه يُمْكِن التوصل إلى ما يلي :
1- أنّ القائلين بأنّ مذهب الإمام الشافعي فَتْح الذّرائع وعدم سَدّها قد اسْتَدَلّوا بالنَّصّ المتقدِّم كدليل لِعدم الأخذ بسَدّ الذّرائع ..
وأَرَى : أنّ استدلالهم بهذا النَّصّ فيه نظرٌ وليس فيه ما يَمْنَع الأخذ بسَدّ الذّرائع ، وإنّما تَكَلَّم في العقود وأنّ العِبرة فيها ليست بالنيات والقصود وإنّما بالألفاظ ، ولِذا فإنّ العقد لا يَبْطُل بالنوايا السوء لدى أَحَد طَرَفَي العقد ولا بتوهم التوصل إلى الحرام .
2- بناءً على فَهْمي المتقدِّم لِقوْل إمامنا أجاز الشافعية بَيْع العِينة ـ والذي سيأتي الحديث عنه مُفَصَّلاً بإذْن الله تعالى في أَثَر سَدّ الذّرائع في الأحكام ـ لأنّ كلاهما عَقْد مُنْفَصِل ، وكذلك منع كُلّ وسيلة أو ذريعة تؤدِّي إلى الحرام قَطْعاً أو يَغلب على الظَّنّ أنّها تؤدِّي إليه ، أمَّا ما ليس كذلك ـ بأنْ تُوُهِّمَت المَفْسَدَة أو تساوت المَصْلَحَة مع المَفْسَدَة ـ فلا تُسَدّ الذريعة حينئذٍ .
3- أنّ الإمام الشافعي ـ فيما أَرَاه ـ مع القائلين بسَدّ الذّرائع مع إجازته لِبَيْع العِينة التي يَرَى في جوازها قَطْعاً لِلذريعة ، لا فتحاً لها كما فَهِم المخالِفون له وصنَّفوه مع المانعين لِسَدّ الذّرائع بقوله في بَيْع العِينة .
4- أنّي دَعَّمْتُ اختياري وترجيحي لِمذهب الإمام الشافعي ومِن ورائه الشافعية في العمل بسَدّ الذّرائع ببعض الفروع الفقهيّة التي بَنَاهَا الشافعية على سَدّ الذّرائع ، والتي أَوْرَدْتُها في أَثَر سَدّ الذّرائع في الأحكام .
5- أنّ نسبة فَتْح الذّرائع أو عدم القول بسَدّها إلى الإمام الشافعي فيها نظرٌ وتَحتاج إلى مراجعة ، خاصّةً أنّها وَرَدَتْ عند كثير مِن المالكية والحنابلة .
6- أنّ الخلاف الحقيقي ـ فيما أَرَى ـ بَيْن الإمام الشافعي والإمام مالك ـ رضي الله عنهما ـ ليس في سَدّ الذّرائع كما فَهِمَت الكثرة ، وإنّما هو في صورة واحدة ، وهي : بيوع الآجال ( بَيْع العِينة ) ، وَرَد ذلك على لسان بعض المالكية ..
ومِن ذلك : قوْل القرافي رحمه الله تعالى :" وإنّما النزاع في الذّرائع خاصّة ، وهي بيوع الآجال ونَحْوها " ا.هـ .
وقوْل الشاطبي رحمه الله تعالى :" وإنّما النزاع في ذرائع خاصّة ، وهي بيوع الآجال ونَحْوها " (ا.هـ .
7- أنّ الشاطبي ـ رحمه الله تعالى ـ نَفَى عن الإمام الشافعي القولَ بفتح الذّرائع ، وإنّما سدّها في قوْله :" أمَّا الشافعي : فالظَّنّ به أنّه تَمّ له الاستقراء في سَدّ الذّرائع على العموم ، ويَدُلّ عليه : قوْله بتَرْك الأضحية إعلاماً بعدم وجوبها ، وليس في ذلك دليل صريح مِن كتاب أو سُنَّة ، وإنّما فيه عمل جملة مِن الصحابة ، وذلك عند الشافعي ليس بحُجَّة ، لكنْ عارَضَه في مسألة بيوع الآجال دليل آخَر رجح على غَيْره فأَعْمَلَه فتَرَك سَدّ الذريعة لأجْله ، وإذا تَرَكه لِمُعارِض راجِح لم يُعَدّ مُخالِفاً " (1) ا.هـ .
8- إذا بَرَّأْنَا ساحة الإماميْن أبي حنيفة والشافعي ـ رضي الله عنهما ـ مِن القول بفتح الذّرائع وعدم قَطْعها وأنّهما مع الجمهور في ذلك تُصْبِح مذاهب الأصوليّين في حُجِّيَّة سَدّ الذّرائع مذْهبيْن :
المذهب الأول : أنَّها حُجَّة .
وهو ما عليه الجمهور .
المذهب الثاني : أنَّها ليست حُجَّةً .
وهو اختيار ابن حَزْم ، وتَبِعه ابن عقيل الحنبلي رحمهما الله تعالى .