الجلسة بين الخطبتين
وفيه مسألتان: حكم الجلوس بين الخطبتين و مقدار هذا الجلوس.
المسألة الأولى حكم الجلوس بين الخطبتن: اختلف الفقهاء في حكم جلوس الخطيب بين الخطبتين الأولى والثانية، وذلك على قولين:
القول الأول:أن الجلوس بين الخطبتين سنة، وبهذا قال الحنفية (1) والمالكية (2) وهو وجه عند الشافعية (3) لكن قال عنه النووي: " وهو شاذ ومردود "(4) وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، والصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليه جمهورهم، وقطع به كثير منهم (5)
القول الثاني:أن الجلوس بين الخطبتين شرط لصحتهما، وهو الوجه الصحيح والمشهور عند الشافعية (6) و رواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (7).
الأدلة:أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة، والمعقول:
أولا: من الكتاب:قول الله - سبحانه وتعالى – "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الآية" (8)
وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أمر بالذكر مطلقا عن قيد الجلسة بين الخطبتين، فلا تجعل شرطا بخبر الواحد؛ لأنه يصير ناسخا لحكم الكتاب، ولا يصلح ناسخا له ولكن يصلح مكملا له، فيقال: إن قدر ما ثبت بالكتاب يكون فرضا، وما ثبت بخبر الواحد يكون سنة عملا بهما بقدر الإمكان (9)
مناقشة هذا الاستدلال: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أن الاستدلال بالإطلاق له نصيب من القوة، لكن بناء على أن خبر الواحد لا يكون ناسخا للكتاب الذي هو رأي الحنفية فيه نظر، وهو قول مرجوح.
الوجه الثاني: أنه ليس فيه نسخ، وإنما هو تقييد لمطلق، والله أعلم.
ثانيا: من السنة:
1- ما رواه جابر بن سمرة قال: كان صلى الله عليه و سلم يخطب قائما، ويجلس بين الخطبتين، ويقرأ آيات، ويذكّر الناس (10) (11) ، وفي رواية: ثم يقعد قعدة لا يتكلم(12) الحديث (13).
2- ما رواه عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخطب خطبتين يقطع بينهما (14) (15) ، وفي روايـة : كان النبي صلى الله عليه و سلم يخطب قائما، ثم يقعد، ثم يقوم، كما تفعلون الآن (16) (17)، وكلاهما واضح الدلالة.
ثالثا: من آثار الصحابة - رضي الله عنهم -:
1- ما روي عن علي بن أبي طالب tأنه خطب فلم يجلس حتى فرغ (18).
وجه الدلالة:أن عليا t ترك الجلسة بين الخطبتين، ولو كانت شرطا لما تركها.
مناقشة هذا الدليل:يناقش بأنه متكلم في سنده كما تقدم عند تخريجه (19)
2- ما روي عن المغيرة بن شعبة tأنه خطب فلم يجلس بين الخطبتين (20).
ووجه الدلالة كالذي قبله.
مناقشة هذا الدليل:يناقش بأنه لم يتحقق ثبوته كما تقدم عند تخريجه (21) وإن ثبت فهو فعل صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به.
3- ما روي عن عبد الله (22) بن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يخطب خطبة واحدة، فلما ثقل - أي أسن - جعلها خطبتين وقعد بينهما (23)
وجه الدلالة:أن ابن عباس - رضي الله عنهما - كان لا يجلس، فلما أسن جلس، فهذا دليل على أن الجلسة للاستراحة وليست بشرط للخطبة (24)
مناقشة هذا الدليل:يناقش بأنه لم يتحقق لي ثبوته؛ لعدم الاطلاع على سنده، وعلى تقدير ثبوته فهو فعل صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به.
رابعا: من المعقول:
1- أن الجلسة بين الخطبتين جلسة ليس لها ذكر مشروع، فلم تكن واجبة، كالجلسة الأولى أي قبل الخطبة (25).
2- أن الخطبتين ذكران يتقدمان الصلاة، فلم يكن الجلوس بينهما شرطا، كالأذان والإقامة (26).
3- أن الجلسة بين الخطبتين قعود على المنبر قبل خطبته، فلم تكن شرطا كالجلسة الأولى (27).
4- أن الغرض بهذه الجلسة الفصل بين الخطبتين والإعلام بالفراغ من الأولى، وذلك لا يوجب كونه شرطا كقوله: { اذكروا الله يذكركم }(28)
5- الغرض من الخطبة هو الوعظ والتذكير، وهو يتحقق بدون هذه الجلسة، فلا تكون شرطا.(29)
دليل أصحاب القول الثاني:استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:
أولا: من السنة:ما رواه مالك بن الحويرث أن النبي - صلى عليه وسلم - قال: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } (30) (31)
وجه الدلالة:أن النبي صلى الله عليه و سلمأمر بالصلاة كما صلى، وقد جلس بين الخطبتين في الجمعة وواظب على ذلك كما في حديثي جابر بن سمرة وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - كما تقدم في أدلة القول الأول، فيجب أن نفعل كما فعل (32).
مناقشة هذا الدليل:يناقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول:أن خطبة الجمعة ليست جزءا من الصلاة كما تقدم أكثر من مرة.
الوجه الثاني:على تقدير التسليم بأنها من الصلاة فإن هذا الحديث لا يدل على وجوب كل ما فعل النبي صلى الله عليه و سلمفي الصلاة، فإن من أفعاله ما هو سنة باتفاق.
الوجه الثالث: إذا كانت المواظبة تدل على الشرطية فإن النبي صلى الله عليه و سلم قد واظب على الجلسة الأولى، فيلزم القول بشرطيتها، وهم - أي الشافعية - لا يقولون بذلك كما سيأتي (33)
الإجابة عن هذا الوجه: أجيب عنه بأن جل الروايات عن ابن عمر ليس فيها الجلسة الأولى، وإنما وردت في رواية ضعيفة، فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف التي بين الخطبتين (34).
وأما ما استدلوا به من مواظبته rكما في حديث ابن عمر، وجابر بن سمرة - رضي الله عنهم - فإنه مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب، والله أعلم.
ثانيا: من المعقول:أن الخطبة أحد فرضي الجمعة، فوجب فيها القيام والقعود، كالصلاة.(35)
مناقشة هذا الدليل:يناقش بأنه لا يلزم من التماثل في الحكم المماثلة في الأفعال وإلا لزم القول بوجوب الركوع والسجود وغيرهما من أركان الصلاة في الخطبة، كما أنه يلزمكم - أي الشافعية - بناء على هذا القول بوجوب الأولى حال الأذان؛ لأنها قعود بعد دخول الإمام للخطبة.
الترجيح:الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الجلسة بين الخطبتين سنة؛ لقوة ما استدلوا به، وعدم قيام الدليل على الشرطية.
المسألة الثانية مقدار الجلسة بين الخطبتين : اختلف الفقهاء في مقدار الجلسة بين الخطبتين سواء من قال بسنيتها ومن قال بشرطيتها - بعد اتفاقهم على أنها خفيفة - وذلك على أربعة أقوال:
القول الأول:أنها بقدر قراءة سورة الإخلاص، وبهذا قال بعض المالكية (36) وبه قال الشافعية (37) وجماعة من الحنابلة (38)
القول الثاني:أنها بقدر قراءة ثلاث آيات، وهذا هو ظاهر الرواية عند الحنفية (39)
القول الثالث:أنها بقدر تمكن الخطيب في موضع جلوسه واستقرار كل عضو منه في موضعه، بهذا قال بعض الحنفية.(40)
القول الرابع:أنها بقدر الجلسة بين السجدتين، وبهذا قال بعض المالكية (41) ، وهذه الأقوال لم أطلع على أدلة لها فيما بين يدي من كتب أصحابها، وليس في الأحاديث الواردة فيها والتي تقدمت في المطالب السابقة لها، والظاهر - والله أعلم - أنها جلسة خفيفة للاستراحة والفصل بين الخطبتين، وأنه لا تقدير لها، بل بحسب اجتهاد الخطيب فيها، ولذلك لم يقدرها أكثر الفقهاء في كتبهم وخاصة الحنابلة بل يقتصرون على قولهم بأنها جلسة خفيفة (42) ومما يؤيد عدم التقدير ما يلي:
1- عدم تقديرها في الأحاديث الصحيحة كحديثي ابن عمر وجابر بن سمرة - رضي الله عنهم -.
2- أن في تقديرها حرجا ومشقة على الإمام، حيث سيقوم فيها بحساب المقدر، إما بقراءة سورة الإخلاص، أو ثلاث آيات، أو الذكر بين السجدتين.
3- أن التقدير ينافي أصل مشروعيتها، حيث إنها مشروعة للاستراحة والفصل، وحساب المقدار يشغل عن ذلك.