اتفق أصحاب المذاهب على مشروعيتها كما هو ظاهر من أقوالهم الآتية، قال النووي: " مشروعة بلا خلاف " (1) و لكنهم اختلفوا في اشتراطها على قولين:
القول الأول: أنها سنة وبهذا قال الحنفية (2) والمالكية (3) والشافعية في وجه عندهم (4) والإمام أحمد في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (5) كما اختاره ابن سعدي كما تقدم (6)
القول الثاني: أنها ركن، فلا تصح الخطبة إلا بها وبهذا قال الإمام الشافعي، وهو الوجه المشهور عند أصحابه (7) والإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه، وهو الصحيح من المذهب عند أصحابه، وعليها أكثرهم (8)
الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول: استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة:
أولا: من الكتاب: 1- قول الله (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر) (9)
وجه الدلالة: أن الله - تعالى - أمر بالذكر مطلقا عن قيد القراءة، فلا تُجعل شرطا بخبر الواحد، لما يترتب عليه من نسخ الكتاب بخبر الواحد، وهو غير صالح لذلك، ولكن يصلح مكملا له (10)
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا لا يُعدُّ نسخا، لأن النسخ رفع للحكم الذي تضمنه النص، وإبطال للعمل به، وليس هذا حاصلا هنا 2- قول الله (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) (11)
وجه الدلالة: أن هذه نزلت في الخطبة، وسمَّاها الله - تعالى - قرآنا لما فيها من قراءة القرآن، وكان الرسول صلى الله عليه و سلم يُبلِّغ أصحابه ما أنزل الله عليه في خطبته (12)، ولكن فيما نزلت فيه الآية خلاف، هذا أحد الأقوال فيها.
ثانيا: من السنة: ما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قرأ في خطبته "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا" (13) (14) ، وهذا واضح الدلالة على فعل النبي صلى الله عليه و سلم ولكنه لم يثبت لعدم الاطلاع على سند له، ولكن يغني عنه ما استدل به أصحاب القول الثاني كما سيأتي.
أدلة أصحاب القول الثاني: استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول.
أولا: من السنة: ما ورد من فعل النبي صلى الله عليه و سلم ومن ذلك.
1- ما رواه جابر بن سمرة قال: كان للنبي صلى الله عليه و سلم خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويُذكِّر الناس }(15) (16) ، قال النووي: " فيه دليل للشافعي في أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن " (17)
2- ما روته أم هشام (18) بنت حارثة بن النعمان - رضي الله عنها - قالت: ما أخذتُ (19) إلا عن لسان رسول الله - صلى الله عليه و سلم - وعن عمرة (20) بنت عبد الرحمن عن أختٍ لعمرة (21) قالت: أخذتُ(22) من فِي رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم الجمعة وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة (23) ، وهذا واضح الدلالة، قال النووي: " وفيه دليل للقراءة في الخطبة "(24)
3- ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قرأ رسول الله صلي الله عليه و سلم وهو على المنبر (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّنَ (25) الناس للسجود، فقال النبي صلي الله عليه و سلم إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود، فنزل فسجد فسجدوا (26) ، وهذا - أيضا - واضح الدلالة.
4- ما رواه صفوان (27) بن يعلى عن أبيه أنه سمع النبي صلي الله عليه و سلم يقرأ: (28) (29)، وهذا - أيضا - واضح الدلالة، قال النووي: " فيه القراءة في الخط " (31) (32).
مناقشة هذه الأدلة: تناقش بأنها مجرد أفعال، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب، وأن لفظ (كان...) لا يدل على المداومة، وإن دلَّ عليها فإنها لا تدل على الوجوب كما.
ثانيا: من آثار الصحابة - رضي الله عنهم -:
ما رواه ربيعة (32) بن عبد الله بن الهدير أن عمر بن الخطاب قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: " يا أيها الناس إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه "، ولم يسجد عمر (33).
وهذا واضح الدلالة.
مناقشة هذا الدليل: يناقش بما سبق من مناقشة الأحاديث من أنه مجرد فعل، فلا يدل على الوجوب.
ثالثا: من المعقول:
أن الخطبة فرض في الجمعة، فتجب فيها قراءة القرآن، كالصلاة (34).
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فلا يشترط في الخطبة ما يشترط في الصلاة من استقبال القبلة وغيرها، إلا أنه تجوز فيها مخاطبة الإمام للمأمومين، ومخاطبتهم له عند الحاجة كما سيأتي - إن شاء الله - في موضعه.
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية قراءة شيء من القرآن في خطبة الجمعة؛ لعدم ورود ما يدل على الركنية، وإنما الوارد هو مجرد الفعل، والفعل المجرد كما ذكرت يدل على الاستحباب.