المبحث الأول حمد الله تعالى
اختلف الفقهاء في حمد الله - تعالى - في خطبة الجمعة هل هو ركن، أو لا؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أنه سنة. وبهذا قال الحنفية (1) والمالكية (2)وهو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن سعدي كما تقدم (3) وبه قال ابن حزم (4)
القول الثاني: أنه ركن، فلا تصح الخطبة إلا به وبهذا قال الشافعية (5) والحنابلة (6) قال في الإنصاف: " بلا نزاع "، يعني عند الحنابلة (7).
الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول:
لم أعثر على تصريح لهم بدليل، ولكن ظاهر كلامهم الاستدلال بفعل النبي صلى الله عليه و سلم كما في حديث جابر بن عبد الله الآتي في أدلة أصحاب القول الثاني، فحملوه على الاستحباب؛ لكونه مجرد فعل، والله أعلم.
أدلة أصحاب القول الثاني:
1- ما رواه جابر بن عبد الله قال: كانت خطبة النبي صلى الله عليه و سلم يوم الجمعة: يحمد الله ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك - وقد علا صوته واشتدّ غضبه (8) الحديث (9).
قال النووي: " فيه دليل للشافعي أنه يجب حمد الله - تعالى - في الخطبة، ويتعين لفظه، ولا يقوم غيره مقامه " (10).
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب، كما أن لفظ: (كان....) لا يدل على المداومة، وإن دل عليها فإنها لا تدل على الوجوب، كما تقدم بيانه (11).
2- ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلمقال: كل كلامٍ لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم (12) (13) (14)
مناقشة هذا الدليل: يناقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن في ثبوته كلاما لأهل العلم كما في تخريجه.
الوجه الثاني: على تقدير ثبوته فإنه ليس ظاهر في الدلالة على الوجوب؛ لأنه يفيد النقص، وغير الصحيح لا يوصف بالنقص وإنما يوصف بعدم الإجزاء.
الوجه الثالث: على تقدير ثبوته لو دل على وجوب التجميد لدل على وجوبه في كل أمر ذي بال، ولا نعلم أحدا يقول بذلك (15).
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية حمد الله - تعالى - في الخطبة؛ لعدم ثبوت ما يدل على الركنية، وإنما الذي ثبت هو مجرد الفعل، وهو لا يدل على الركنية وإنما على الاستحباب كما ذكرت.
اختلف الفقهاء في الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم في خطبة الجمعة هل هي ركن، أو لا؟ وذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها سنة و بهذا قال الحنفية (16) والمالكية (17) وبعض الحنابلة (18) وذكره في المغني احتمالا (19) واختاره ابن سعدي - رحمه الله - كما تقدم (20).
القول الثاني: أنها ركن، فلا تصح الخطبة إلا بها " وبهذا قال الشافعية (21) وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (22).
القول الثالث: أنها واجبة، وليست بركن يشترط الإتيان به، وهذا مروي عن شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - حيث جاء في الاختيارات: " ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، وأوجب أبو العباس في موضع آخر الشهادتين، وتردد في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم في الخطبة، وقال في موضع آخر: ويحتمل - وهو الأشبه - أن الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم فيها واجبة. " (23).
الأدلة: دليل أصحاب القول الأول:الظاهر أنهم يستدلون على السنية بما استدل به أصحاب القول الثاني، وأما عدم الركنية والوجوب فاستدلوا عليه بما يلي:
1- أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يذكر الصلاة عليه في خطبته، ولو كانت ركنا أو واجبا لذكره (24) .
2- أن الأصل عدم الركنية والوجوب، فيعمل به (25)
أدلة أصحاب القول الثاني. استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:
أولا: من السنة. ما رواه أبو هريرة في ذكر إسراء النبي صلى الله و سلم علي وذكر فيه قول الله - تعالى -: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (26) قال: فلا أُذكر إلا ذكرت معي، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي (27)، وهذا واضح الدلالة.
مناقشة هذا الدليل: يناقش من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن مبنى الاستدلال على ثبوت الدليل، وهذا مما لم يتحقق لي في هذا الحديث كما في تخريجه.
الوجه الثاني: على تقدير ثبوته فقد نوقش الاستدلال بـ وَرَفَعْنَا بأنه خبر لا عموم فيه، وقد أريد به كلمة الشهادة ونحوها، فلا يلزم إرادة غير ذلك، فإن قيل: تجعل خبرا بمعنى الأمر، رُدَّ بأن جعل الأمر فيه للوجوب يلزم منه مخالفة الإجماع، إذ لا يعلم أحد يقول بوجوب ذكره - عليه الصلاة والسلام - كلما ذكر الله - تعالى - وإن جعل للاستحباب بطل الاستدلال (28).
الوجه الثالث: على تقدير ثبوته فإنه يدل على الشهادة لا على الصلاة.
ثانيا: من المعقول: أن الخطبة عبادة افتقرت إلى ذكر الله - تعالى - فافتقرت إلى ذكر رسوله صلى عليه و سلم كالأذان، والتشهد، والصلاة (29).
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا وإن كان حاصلا في بعض العبادات فهو غير مطرد، فمثلا الوضوء تشرع له التسمية ولا تشرع له الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم وكذلك الذكاة وغيرهما، حتى الأذان يشرع فيه ذكر الرسول صلى الله عليه و سلم لا الصلاة عليه. وأما القول الثالث فلم أطلع على دليل له، إلا أن يكون ما قاله أصحاب القول الثاني في دليلهم العقلي، وقد تمت مناقشته، والله أعلم.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم في خطبة الجمعة، لعدم ثبوت ما يدل على ركنيتها أو وجوبها حسب اطلاعي، ولما استدلوا به.
اختلف الفقهاء في اشتمال خطبة الجمعة على الموعظة هل هو ركن من أركانها، أم لا؟ على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها ركن، فلا بد من اشتمالها على الموعظة، ولا يتعين لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى - بل يقوم مقامه أي وعظ كان، ولا يكفي ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها. وبهذا قال الإمام الشافعي وجمهور أصحابه (30)وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الميل إلى ذلك، حيث جاء في الاختيارات: " ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفا... وأما الأمر بتقوى الله فالواجب إما معنى ذلك، وهو الأشبه من أن يقال الواجب لفظ التقوى " (31)، كما اختاره ابن سعدي كما تقدم (32).
القول الثاني: أنها ركن فلا بد من اشتمالها على الموعظة، وتحين في ذلك لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى -.، وبهذا قال الشافعية في وجه عندهم (33)لكن قال عنه النووي: " وهذا ضعيف أو باطل " (34) وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم، وقطع به كثير منهم (35).
القول الثالث: أنها سنة. وبهذا قال الحنفية (36) والمالكية (37)
الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول:
أولا: استدلوا على الركنية بأدلة من السنة، والمعقول:
فمن السنة: ما جاء في حديث جابر بن سمرة قال: كان للنبي صلى الله عليه و سلم خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكِّر الناس (38) (39) ، فالشاهد من الحديث قوله: (ويذكِّر الناس)، قال النووي: " فيه دليل للشافعي في أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن " (40).
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب، وأن لفظ: (كان...) لا يدل على المداومة، وإن دل عليها فإنها لا تدل على الوجوب كما تقدم (41).
ومن المعقول: أن المقصود من خطبة الجمعة الموعظة، فلا يجوز الإخلال بها (42).
ثانيا: واستدلوا على عدم تعين لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى - بما يلي:
أن الغرض هو الوعظ والحمل على طاعة الله - تعالى - فيكفي ما دل على الموعظة طويلا كان أو قصيرا، كأطيعوا الله وراقبوه، ولا يتعين لفظ التقوى (43).
ثالثا: واستدلوا على أنه لا يكفي في الوعظ ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها بما يلي:
أن ذلك قد يتواصى به منكرو الشرائع والبعث، فلا بد من الحمل على طاعة الله، والمنع من معصيته (44).
أدلة أصحاب القول الثاني: أولا:استدلوا على الركنية بما استدل به أصحاب القول الأول.
ثانيا: استدلوا على تعين الوصية بتقوى الله - تعالى - بأدلة من الكتاب، والمعقول.
فمن الكتاب: قول الله - تعالى -:( وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً ) (45).
وجه الدلالة: أن الموعظة جاءت في هذه الآية بلفظ التقوى، فيتعين هذا اللفظ في خطبة الجمعة (46).
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه غير ظاهر الدلالة، فلا ارتباط بين لفظ التقوى في هذه الآية وبين تعينه في خطبة الجمعة، والله أعلم.
ومن المعقول: أن لفظ التقوى يتعين في خطبة الجمعة كلفظ الحمد، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم (47).
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أن تعين لفظ الحمد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم في الخطبة محل خلاف، فمن الفقهاء من يقول: لا يتعين (48)
الوجه الثاني: على القول بتعين لفظ الحمد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقد نوقش بأن لفظ الحمد والصلاة تعبدنا به في مواضع، وأما لفظ الوصية فلم يرد نص بالأمر به ولا بتعينه (49).
دليل أصحاب القول الثالث: أن المطلوب للجمعة هو الخطبة، واسم الخطبة يقع على الكلام المجتمع أو الوصف وإن لم يشتمل على الموعظة، فلا تكون ركنا يجب الإتيان به (50)
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه وإن كان ذلك خطبة إلا أن لها مقصدا، لا بد أن تحققه، وهو هنا الوعظ، فإذا لم تحقق مقصدها لم تكن الخطبة المطلوبة.
الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الوعظ ركن في خطبة الجمعة يجب الإتيان به، ولكن لا يتعين لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى - بل يتحقق بما يفيد الموعظة بحسب الحال وحاجة المخاطبين ومصلحتهم، وهذا باب واسع، لما استدل به أصحاب هذا القول، ولأن هذا هو منهج النبي صلى الله عليه و سلم قال ابن القيم - رحمه الله -: " وكان مدار خطبته على حمد الله، والثناء عليه بآلائه، وأوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه... وكان يخطب كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم " (51)
وكلام ابن القيم هذا يدل على أن الضابط في الوعظ هو كل ما يدعو إلى رضوان الله وجنته من الاستقامة على دينه والتمسك بشريعته في العبادات والمعاملات والقضايا الاجتماعية ونحوها، ويحذر من موارد سخطه وعقابه، في كل وقت بما يناسبه ويناسب حال السامعين، والله أعلم.
14 أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الأدب - باب الهدي في الكلام 4/261 الحديث رقم (4840) ، وقال: " رواه يونس ، وعقيل ، وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن النبي مرسلا " ، وابن ماجه في كتاب النكاح - خطبة النكاح 1/610 ، الحديث رقم (1894) ، بلفظ (أقطع) ، وقال السندي: " الحديث حسنه ابن الصلاح والنووي " ، والإمام أحمد في مسنده 2/359 ، والدارقطني في سننه في كتاب الصلاة 1/229 ، الحديث رقم (1). وقال: " تفرد به قرة. وأرسله غيره عن الزهري. وقرة ليس بقوي في الحديث ، والمرسل هو الصواب " ، والبيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب ما يستدل به على وجوب التحميد في خطبة الجمعة 3/209