يرى كثير من الناس أن ما كان طبيعياً ومناسباًن للجيل الأول فى فترة التربية بمكة، لا ينطبق على وضعنا الحاضر، ومن ثم فعلينا أن ندرسه للتاريخ، وليس للعبرة ولا للقدوة !.
وهذا الأمر يحتاج إلى تجلية واضحة، لأنه مفرق طريق فى العمل الإسلامى فى الوقت الحاضر، وما لم تتضح الصورة تماماً – وبموضوعية كاملة – فستظل تيارات العمل الإسلامى تتصادم مع بعضها البعض، ولا تصل إلى موقف موحد أو متجانس، بينما أعداء هذا الدين يقفون موقفاً موحداً، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، متكالبين كلهم على الأمة الإسلامية، يجاهدون للقضاء عليها، متعاونين متساندين، كما حدث فى البوسنة والهرسك، وفى كشمير، وفى بلاد الشيشان، وفى كل مكان على ظهر الأرض.
هل نحن فى المرحلة المكية، حيث المجتمع مشرك شركا واضحاً لا لبس فيه، والمؤمنون هم أولئك القلة التى آمنت بالدين الجديد، مستضعفة منبوذة من ذلك المجتمع، تتحرك حسب مقتضيات ذلك الوضع؟ أم نحن فى مجتمع مسلم منحرف عن الإسلام، نعمل على تصحيح الأوضاع فيه، بردها إلى الصورة الإسلامية الصحيحة؟ أم ماذا نحن على وجه التحديد؟.
ولخطورة هذه القضية ، وما ثار حولها من جدل، وما ترتب على هذا الجدل من الفرقة، نود أن نتدارسها بروية، وأن نصل فيها إلى تصور واضح، غير متأثرين فيه بعواطفنا، أو بمواقف نحبها أو نكرهه.
لسنا فى المرحلة المكية بكل تأكيد! فنحن – العاملين فى حقل الدعوة، والمستجيبين لها – نصوم ونحج، وقد فرض الصيام ولحج فى المدينة! ونحن نحرم كل ما حرم الله، ونوجب كل ما أوجب الله، غير منحصرين فيما نزل من التحريم والتحليل فى مكة !
ولسنا فى المرحلة المدنية بكل تأكيد! فليس الدعوة ممكنة فى الأرض، وشريعة الله ليست هى المحكمة فى الجزء الأكبر من العالم الإسلامى، والقائمون بالدعوة إما مغيبون فى السجون، أو معلقون على أعواد المشانق، وإما مضيق عليهم بمختلف وسائل التضييق.
فأين نحن على وجه الدقة؟ وأى منهج هو المناسب لنا؟ أهو المنهج الذى اتبعه الرسول صلى الله عليه و سلم فى مكة بأمر من الله؟ أم هو منهج الرسولr فى المدينة، الذى اتبعه بأمر من الله؟ أم شىء أخر غير هذا وذاك، نجتهد فيه من عند أنفسنا بغير ضابط محدد؟!
قضية – كما ترى – لها أهميتها، وتحتاج إلى تحديد ، هناك فروق واضحة بيننا وبين المجتمع ولا شك، يتكئ عليها كثير من الناس للتفريق بين وضعنا وبين ذلك المجتمع .
لقد كان الناس فى المجتمع المكى ينكرون فكرة الإله الواحد إنكاراً مطلقاً، حتى إن القرآن الكريم قد حكى عنهم تعجبهم مما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم من التوحيد : ((أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشىء عجاب)) (ص: 5) بينما نحن فى العالم الإسلامى كله نقر بأن الله واحد، ولا نعتقد أن هناك آلهة أخرى مع الله، و كان الناس ينكرون فكرة البعث إنكاراً مطلقاً، حتى إن القرآن قد حكى عنهم تعجبهم مما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم من عقيدة البعث: ((وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد(7) أفترى على الله كذباً أم به جنة))(سبأ : 7-8) بينما نحن – فى العموم – نؤمن بالبعث، والجزاء والحساب، والجنة والنار، ودع عنك القلة القليلة الملحدة التى لا يقام لها وزن فى هذا المجال.
وكان الناس ينكرون بعثة محمد صلى الله عليه و سلم ورسالته، كما حكى القرآن عنهم: ((وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب))() (ص: 4)، كما قالوا : ((أؤنزل عليه الذكر من بيننا))(ص:8)00 ونحن – ودع عنك القلة الملحدة التى لا يقام لها وزن – نؤمن ببعثة الرسولr، وأنه مرسل من ربه، وأن القرآن كلام الله، أنزله على رسولهr ، لا هو من كلام البشر، ولا هو من أساطير الأولين، ولا شك أن هذا كله حقائق ، و لكن تعال ننظر من الجانب الآخر .
جاء الإسلام لينفى كل وساطة بين العبد والرب، ويجعل الصلة مباشرة بين العباد وبين الله: ((وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون ))(البقرة : 186).
فماذا فعلت الصوفية فى عقائد الناس؟ لقد جسمت الشيخ فى حس المريد، حتى أصبح واسطة بين العبد وربه، لا يملك أن يدعو الله باسم من أسمائه الحسنى إلا بإذن الشيخ، الذى يطلع على الأفئدة، ويقرر لكل فؤاد ما يصلح له من الأسماء، والمدة التى يستخدم فيها الاسم الممنوح له، ويظل سلطان الشيخ قائماً فى قلوب المريدين، حتى بعد موته بألف عام، فالموت لا يحول بين السلطان الروحى وبين القلوب والتمسح بالضريح، والدعاء عنده، والاستغاثة والاستعانة والذبح، هى علامات الإخلاص من المريد للشيخ، وهى كذلك وسائط التقرب إلى الله!.
هل يختلف هذا كثيراً عن قول الذين كانوا يقولون : ((ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى))(الزمر : 3) أليس هذا شركاً واضح الأركان؟.
وجاء الإسلام ليلغى كل تشريع من صنع البشر، ليقيم شريعة الله وحدها، وربط ذلك بأصل العقيدة : ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) (المائدة: 44) و جعل علامة النفاق الذى ينفى الإيمان، الإعراض عن شريعة الله: ((ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين(47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون(48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين(49) أفى قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون(50) إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون))(النور : 47- 51).
وجعل اتباع البشر فيما يشرعون بغير ما أنزل الله بمثابة اتخاذهم أرباباً من دون الله، على مستوى عبادة غير الله سواء بسواء: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون))(التوبة : 31)0
فماذا فعلت العلمانية فى حياة الناس؟ كم حكومة فى الأرض الإسلامية تحكم بما أنزل الله؟ وماذا يقال على ألسنة العلمانيين عن شريعة الله؟ أليس هذا شركاً واضح الأركان؟، كيف نحكم إذن على هذه الأوضاع؟.
يكمن الإشكال فى الحكم على الأوضاع القائمة اليوم فى العالم الإسلامى، فى التناقض الشديد بين ما يعلنه الناس عقيدة لهم، وما يمارسونه فى الواقع، ثم الاختلاف فى الحكم على هذا التناقض، هل هو مخرج من الملة، أم هو دون ذلك؟ بعبارة أخرى: الإشكال هو الحكم على الناس.
وفى رأيى – من سنوات عديدة – أن هذه القضية لا ينبغى أن تشغلنا فى مجال الدعوة، ولا ينبغى أن نقف عندها ونفترق حولها، ونتجادل ونتحزب، ويذهب كل فريق منا فى اتجاه.
إن الناس – إلا من رحم ربك – واقعون فى الشرك لا جدال فى ذلك، سواء شرك الاعتقاد، أو شرك العبادة، أو شرك الحاكمية (شرك الاتباع) .. ولكن الحكم عليهم بأنهم مشركون قضية أخرى مختلفة، فليس كل من وقع فى الشرك يحكم عليه بأنه مشرك، إلا إذا توفرت فيه شروط معينة، وانتفت عنه الموانع التى تمنع تنزيل الحكم عليه.
يقول ابن تيمية رحمه الله :
((وكنت أبين لهم أن ما نقل عن السلف والأئمة، من إطلاق القول تكفير من يقول كذا وكذا، فهو أيضاً حق، ولكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار، وهى مسألة الوعيد، فإن نصوص القرآن فى الوعيد مطلقة، كقوله : ((إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما)) الآية .. وكذلك سائر ما ورد : من فعل كذا فله كذا، فإن هذه مطلقة عامة، وهى بمنزل قول من قال من السلف: من قال كذا فهو كذا. ثم الشخص المعين يلتغى حكم الوعيد فيه بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة مقبولة والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه و سلم، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة و قد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئاً)).
.
وقال رحمه الله فى مكان آخر: ((فإن نصوص الوعيد التى فى الكتاب والسنة، ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك، لا يستلزم ثبوت موجبها فى حق المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، لا فرق فى ذلك بين الأصول والفروع)).
وقال فى موضع ثالث: ((وأما تكفيرهم وتخليدهم ففيه أيضاً للعلماء قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، والقولان فى الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم والصحيح أن هذه الأقوال التى يقولونها، التى يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التى هى من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هى كفر أيضاً و قد ذكرت دلائل ذلك فى غير هذا الموضع، ولكن تكفير الواحد المعين منهم، والحكم بتخليده فى النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه فإنما نطلق القول بنصوص الوعد والوعيد والتكفير والتفسيق، ولا نحكم للمعين بدخوله فى ذلك العام، حتى يقوم فيه المقتضى الذى لا معارض له، وقد بسطت هذه القاعدة فى قاعدة التكفير)). و هذا هو مفتاح القضية بالنسبة للدعوة ومنهج الحركة0
فالناس- إلا من رحم ربك- واقعون فى شرك يشبه شرك الجاهلية، وإن لم يكونوا بالضرورة كلهم ممن يتنزل عليهم حكم الشرك والذى يهمنا فى الدعوة هو بيان حقيقة الإيمان، وبيان نواقص الإيمان، ودعوة الناس إلى ترك ما هم واقعون فيه من الشرك- بصرف النظر عن كونهم مشركين أو غير مشركين فى حكم الله- ودعوتهم إلى اعتناق الإسلام الصحيح، ممارسته فى عالم الواقع، لا فى عالم الأمانى، ولا فى عالم الأوهام ليس الذى يهمنا أن نقول لفلان من الناس: أنت مشرك(أو نقول عنه ذلك)، إنما مهمتنا أن نقول له: إن ما تفعله شرك، وندعوه- بالحكمة والموعظة الحسنة- إلى الخروج من ذلك الشرك،والدخول فى حقيقة الإسلام. هذا من جانب الواقع الذى يعيشه الناس، وواجبنا تجاهه و من جانب آخر فإن الأوضاع القائمة فى العالم الإسلامى- إلا ما رحم ربك- أوضاع تحارب الدعوة، وتمنع الدعاة من بيان الحقيقة كاملة عن الإيمان ونواقص الإيمان، خاصة فيما يتعلق بالتشريع بغير ما أنزل الله؛ والسجون والمعتقلات والمشانق محشودة فى الطريق، تترصد كل من يريد أن يبين حقيقة لا إله إلا الله كما أنزلت من عند الله.
فما المنهج الأنسب للدعوة؟ إلى أى شئ ندعو؟ وعلى أى شئ نركز؟ وأى الوسائل يوصلنا- أو يقربنا- لما نريد؟
إذا تصورنا الأوضاع القائمة على حقيقتها، وتخلصنا فى الوقت ذاته من الإشكالات التى تترتب على إصدار أحكام على الجيل الحالى من الناس، قبل إقامة الحجة عليهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فإننا نجد أنفسنا أقرب ما نكون إلى المرحلة المكية من الدعوة،وإن لم نكن فى وضع مماثل لها تماماً، بسبب بعض الفروق بين هذا الوضع وذاك، وهى فروق قد تتسبب فى اختلاف الحكم على الناس، ولكنها لا تغير الحكم على الأوضاع، والأوضاع هى التى تقرر فى الحقيقة منهج الدعوة، وتقرر أقرب الوسائل إلى بلوغ الأهداف.
ومن هنا نجد أن موضع الاقتداء بالجيل الأول أوسع بكثير مما قد يبدو عند الوهلة الأولى، وأن قضايا كثيرة يلزمنا أن نرجع فيها إلى تلك الفترة، نتدبرها ببصيرة مفتوحة، ونستلهم منها طريقنا فى الدعوة، ونتطلع إلى فضل الله أن يلهمنا فيها الصواب.
إذا درسنا أحوال الأمة الإسلامية- كما ينبغى أن نصنع- فسنجد انحرافات كثيرة،وقعت فى مسيرة الأمة خلال الأربعة عشر قرناً الماضية، ظلت تبعد الناس رويداً رويداً عن حقيقة الإسلام، حتى صار الإسلام إلى غربته الثانية التى أخبر عنها رسول اللهr : ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود كما بدأ)) وإذا تتبعنا هذه الانحرافات- وينبغى لنا أن نفعل، لأنه لابد لنا من تشخيص الداء، لتحديد نوع العلاج- فسنجد أن الانحراف لم يقتصر على السلوك وحده، إنما تطرق إلى المفاهيم، وأن كل مفاهيم الإسلام قد أصابها الانحراف، حتى مفهوم لا إله إلا الله- بل بدءاً بمفهوم لا إله إلا الله- بالإضافة إلى مفهوم العبادة، ومفهوم القضاء والقدر، ومفهوم الدنيا والآخرة، ومفهوم الحضارة، ومفهوم التربية، ومفهوم الجهاد إلخ.
فإذا كان الأمر كذلك، فبأى شئ نبدأ؟ هل لنا مناص من أن نبدأ بتصحيح مفهوم لا إله إلا الله؟ وهل يمكن تصحيح حياة الناس على قاعدة إسلامية، إذا لم نصحح مفهوم لا إله إلا الله فى عقول الناس وقلوبهم؟ فأما العقول فمهمتها إدراك الحق، وأما القلوب فمهمتها تحويل الإدراك الذهنى إلى شحنة وجدانية دافعة إلى السلوك العملى فى عالم الواقع و هذا هو طريق الإصلاح.
والآن فلننظر ماذا أصاب مفهوم لا إله إلا الله فى حس الناس؟
لقد أصابه انحسار شديد، حتى أصبحت لا إله إلا الله مجرد كلمة تقال باللسان، لا تأثير لها فى واقع الكثرة الكاثرة من الناس، إلا من رحم ربك، بل إنها لم تعد مانعة من الوقوع فى الشرك عند كثير من الناس، سواء شرك الاعتقاد، أو شرك العبادة، أو شرك التشريع.
والفرق بين واقعنا المعاصر وواقع المجتمع الجاهلى وقت البعثة، أن القوم كانوا يمارسون الشرك الظاهر الصريح، ويرفضون فى الوقت ذاته أن يقولوا : لا إله إلا الله .. أما الناس فى واقعنا المعاصر – إلا من رحم ربك – فإنهم يقولون بأفواههم : لا إله إلا الله، ثم يقعون فى الشرك بنوع من أنواعه، أو بجميع أنواعه.
لذلك فإننا نحتاج إلى منهج شديد الشبه بمنهج الرسول r فى مكة، لبيان حقيقة لا إله إلا الله، ثم تحويلها إلى واقع معاش فى حياة الذين يعتنقون هذا الدين.
وفى ظنى أنها مهمة شاقة، لا تقل مشقة، ولا حاجة إلى بذل الجهد، عما بذل فى الجولة الأولى، لإزالة الغربة عن الإسلام أول مرة، بل ربما كانت الغربة الثانية أعسر فى إزالتها من الغربة الأولى، حيث كان رسول صلى الله عليه و سلم الله حاضراً بشخصه يمثل القدوة الحية ومنبع الإلهام
لقد كان العسر فى الجولة الأولى ناشئاً من لدد الخصومة، بالإضافة إلى شدة التمسك بعرف الآباء والأجداد: ((فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوماً لدا))(مريم : 97) . ((وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون))(البقرة : 170).
أما فى الجولة الثانية، فلن نجد مشقة فى أن نجعل الناس ينطقون بأفواههم: لا إله إلا الله، فهم ينطقونها صباح مساء! ولكن المشقة أنهم يظنون أنهم بمجرد نطقهم للا إله إلا الله صاروا مسلمين، ولصقت بهم صفة الإسلام، أياً كان سلوكهم الواقعى، وأياً كان مدى نقضهم لمقتضيات لا إله إلا الله فى عالم الواقع! وأنك إن قلت لهم: إن للا إله إلا الله مقتضيات لا يثبت للإنسان إسلامه إلا بالتزامها، وإلا أخذ عليه إقراره اللسانى واعتبر مرتداً، كذبوك! وقالوا : ما سمعنا بهذا فى آبائنا الأولين!
إنهم – معظمهم – واقعون فى لوثة الفكر الإرجائى، الذى يقول: ((من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن، ولو لم يعمل عملاً واحداً من أعمال الإسلام))! والذى يقول: ((الإيمان هو التصديق، أو هو التصديق والإقرار، وليس العمل داخلاً فى مسمى الإيمان))! والذى يعتبر المخالفات كلها بجميع أشكالها، مجرد معاص، ثم يقول: ((لا يضر مع الإيمان معصية))!
وإزالة آثار هذه اللوثة من حياة الناس، وردهم إلى المفهوم الصحيح للإيمان، الذى كان عليه السلف الصالح، والذى يقول: إن الإيمان قول واعتقاد وعمل، هو المهمة كالحقيقية ((للغرباء))، الذين بشرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بجزيل الأجر: ((طوبى للغرباء))، وقال عليه الصلاة والسلام : ((فطوبى للغرباء يصلحون ما أفسد الناس من سنتى)).
وسنتحدث عن التربية فى فصل مستقل، ولكنا هنا نقرر أن نقطة البدء فى الدعوة يجب أن تكون هى التعريف بلا إله إلا الله، التى صارت حقيقتها مجهولة فى غربة الإسلام الثانية، وصارت حين تعرض على حقيقتها تستوحش لها النفوس!
ونقرر كذلك أن التعريف بلا إله إلا الله – فضلاً عن التربية على مقتضياتها – ليس مجرد معلومات تلقى، وليس مجرد خطبة أو درس أو موعظة، إنما هو جهد حقيقى دائب، يحتاج إلى متابعة ومثابرة، ويحتاج إلى تتبع مسارب النفس ومداخلها، لتنقيتها من الغبش الذى أحدثه الفكر الإرجائى، فضلا عن الغبش الذى أحدثه الفكر العلمانى المستحدث، وكلاهما حمض أكال يوهن بناء العقيدة، ويفرغها من محتواها الحى، ويفقدها قوتها الفاعلة التى كانت لها يوم أن كانت على حقيقتها كما أنزلها الله
ثم نقرر أخيراً أن الاستعجال فى هذا الأمر – على أساس أنه أمر بدهى واضح، لا يحتاج إلى بذل الجهد فيه، أو على أساس أن ما بذل من الجهد فيه، فيه الكفاية، أو على أساس أن لدينا مهام كثيرة، وليس لدينا وقت كثير ننفقه فى التعريف بلا إله إلا الله – فضلاً عن التربية على قتضياتها- هذا الاستعجال لا يأتى بخير، ولا يخدم الدعوة، ولا يجعل لها مردوداً مثمراً فى نهاية المطاف.
وموضع الاقتداء هنا بالجيل الفريد، أن نتدبر مدى عناية القرآن الكريم بهذه القضية، وعناية الرسول صلى الله عليه و سلم ببيانها، فضلاً عن التربية على مقتضياتها، وأنها استغرقت الجزء الأكبر من مجموع سنوات الدعوة، ومن جهدها كذلك.
وإذا ظننا أن سبب تركيز القرآن الكريم على هذه القضية فى السور المكية، أن المخاطبين بهذا القرآن أول مرة كانوا مشركين، فلنتذكر أننا نواجه اليوم بالدعوة قوماً واقعين فى الشرك، وإن لم يكونوا كلهم بالضرورة مشركين، وأن الشرك الذى هم واقعون فيه هو من ذات الأنواع التى كان العرب المشركون واقعين فيها : شرك الاعتقاد، وشرك العبادة ، وشرك الحاكمية.
ولكن علينا أن نتذكر كذلك أن التركيز على هذه القضية ليس سببه دائماً أن المخاطبين مشركون! فالمؤمنون كذلك يحتاجون إلى مداومة التذكير بها وبمقتضياتها، والدليل على ذلك أن الحديث عن لا إله إلا الله لم ينقطع فى القرآن الكريم، حتى بعد أن تكونت الجماعة المسلمة، وتمكنت فى الأرض، ودخلت المعارك من أجل لا إله إلا الله، فقد أنزل الله فى سورة النساء: ((يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً))(النساء : 136).
وأنزل الله آيات كثيرة فى السور المدنية تربط التوجيهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بلا إله إلا الله ومقتضياتها ((قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شىء قدير (26) تولج الليل فى النهار وتولج النهار فى الليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى وترزق من تشاء بغير حساب(27) لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين))(آل عمران : 26-28)، ((يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا))(النساء : 59)، و الأمثلة على ذلك كثيرة .
ومن ثم فليست لا إله إلا الله درساً يتلى ثم ينتقل منه إلى غيره، إنما هى – كما قلت فى كتاب سابق – درس يتلى وينتقل معه إلى غيره، ويظل هو حديث الأمة المسلمة إلى قيام الساعة.
ما السبيل للتعريف بلا إله إلا الله ؟
إنه كما حدده الله تعالى : الحكمة والموعظة الحسنة : ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين))(النحل : 125) و يجب أن ندرك أن الحكمة والموعظة الحسنة ليست هى التربيت على أخطاء الناس وانحرافاتهم، ودغدغة مشاعرهم، لكى يرضوا عنا ويتقبلوا منا !
فأدرى الناس بمراد ربه هو الرسول صلى الله عليه و سلم إلى عمه أبى طالب، فقالوا : سفه أحلامنا وسب آلهتنا وكفر آباءنا! وقد كانت مواجهة العرب بكل ذلك، هى مقتضى الحكمة كما نفذها رسول الله صلى الله عليه و سلم!.
إنما كانت الحكمة كف الأيدى، وعدم الدخول مع المشركين فى معركة فى ذلك الأوان، مع عدم استفزازهم بما يعطيهم مبرراً للعدوان، مع لتصريح بالحقائق كلها بلا نقصان و هنا نصل إلى قضية هامة من قضايا الحاضر، لننظر موضع القدوة فيها من الجيل الفريد: هل كان يحسن بنا – أو يجدر بنا- أن ندخل فى صراع مسلح فى الوقت الحاضر مع أصحاب السلطان؟
أما العدوان من جانب أى سلطة لا تحكم بما أنزل الله، فأمر لابد أن نتوقعه دائماً؛ لأنه سنة من سنن الله، ولم يحدث قط أن سلطة جاهلية رضيت عن دعوة لا إله إلا الله، أو حتى هادنتها حين تطلب المهادنة!
حينما قال شعيب عليه السلام لقومه : ((وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين)) (الأعراف : 87)، لم يقبل الملأ هذه المهادنة، وأصروا على إخراج المؤمنين أو إكراههم على ترك دينهم : ((قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن فى ملتنا قال أو لو كنا كارهين))(الأعراف: 88).
وفى الجاهليات الحديثة التى تسمى نفسها ((ديمقراطية))، تتاح الحرية لجميع الفئات وجميع الدعوات، إلا الفئة التى تدعو للا إله إلا الله! ويكفى ما حدث فى الجزائر نموذجاً لما نقول، حيث التزم الإسلاميون – بصرف النظر عن خطأ ذلك أو صوابه – التزموا قواعد الجاهلية ومنهجها، فوصلوا إلى الأغلبية عن طريق صندوق الانتخاب كما تشترط الجاهلية، فإذا تلك الجاهلية تتنكر لكل مبادئها، التى تتيحها للفئات كلها والدعوات كلها، وتقف لإسلاميين بالعنف تقول لهم : لنخرجنكم أو لتعودن !
لا مجال لأن يسأل سائل : هل هناك وسيلة يمكن أن تستخدمها الدعوة، لا تستثير غضب السلطة الجاهلية؟ فالأمر مفروغ منه! إنما السؤال الذى سألناه : هل كان يحسن بنا – أو يجدر بنا – أن ندخل فى صراع مسلح فى الوقت الحاضر مع أصحاب السلطان؟.
وللإجابة على هذا السؤال نعود لمراجعة الدرس المستفاد من تاريخ النشأة الأولى، والذى عالجناه فى الفصل الماضى، فنسأ بادئ ذى بدء : متى أذن الله للمسلمين فى رد العدوان بقوله تعالى : ((أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير))(الحج : 39)؟.
جاء الإذن بعد أن تحقق ما يأتى : تحرير قضية لا إله إلا الله تحرير قضية الشرعية.. بناء القاعدة على أسس متينة اتساع القاعدة بمجئ الأنصار تربية القاعدة على التجرد لله.
والآن فلننظر، ماذا تحقق من هذه الأمور فى المسيرة الحالية، وبأى قدر تحقق؟
هل تم تحير قضية لا إله إلا الله، لا نقول عند الجماهير، بل عند الدعاة أنفسهم؟
هل وضح عند الدعاة أن التشريع بغير ما أنزل الله شرك مخرج من الإيمان، وأن الرضى بهذا التشريع هو كذلك شرك مخرج من الإيمان؟ أم لا يزال الجدل يدور بينهم حول هذه القضية، ما بين شاك وبين مقتنع؟
ودع عنك قضية الحكم على الناس، فتلك قضية لا نتعرض لها هنا، وندعو دائماً ألا تشغلنا عن مهمة الدعوة لبيان حقيقة لا إله إلا الله
إنهما قضيتان منفصلتان – أو يجب أن تكونا منفصلين – إحداهما عن الأخرى إحداهما قضية تعليمية، قضية بيان الحقائق للناس، تلك الحقائق التى صارت مجهولة عند كثير من الناس بسبب الغربة الثانية للإسلام، وهى أمانة الله لا بد من أدائها وعدم كتمانها، مهما استوحش الناس منها عند عرضها على حقيقتها والثانية قضية تطبيقية، والتطبيق لابد أن يسبقه إقامة الحجة على الناس أولاً، بالبيان المستفيض المتحمض للبيان، بلا اشتباك بأى قضية أخرى تغشى عليها، وتلقى عليها ظلالاً تصرف الناس عن حقيقتها.
ونعود للسؤال: هل وضحت قضية التشريع بغير ما أنزل الله عند الدعاة أنفسهم – ودع عنك الآن جماهير الناس – أم لا يزال يختلط عليهم قول ابن عباس رضى الله عنهما : كفر دون كفر، كفر لا يخرج من الملة؟!
إن الذى قال عنه ابن عباس رضى الله عنهما إنه كفر دون كفر، ليس هو التشريع بغير ما أنزل الله، إنما هو الحكم فى قضية معينة بغير ما أنزل الله، جهلاً أو تأولاً أو شهوة أو لقاء رشوة أو هوى، دون جعل هذا الحكم تشريعاً مغايراً لحكم الله.
إن القاضى الذى يؤتى له بإنسان ثبت شربه للخمر، وتفوح من فمه رائحته، فلا يقيم عليه الحد، لأنه تلقى رشوة من أهل الرجل، فالتوى عن حكم الله بحجة من الحجج، هو قاض فاسق، ولكنه لا يكفر بفسقه .. أما يوم يقول : إن شرب الخمر ليس جريمة، أو إنها جريمة لا يقام عليها حد، إنما توقع عليها عقوبة أخرى، فإنه يكون كافراً كفراً مخرجاً من الملة، لأنه أنشأ حكماً فى القضية مخالفاً لحكم الله، وذلك باتفاق الفقهاء جميعاً.
حين حكم التتار بالياسق وهو – كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله : مجموعة أحكام بعضها مأخوذ من القرآن، وبعضها من الإنجيل، وبعضها من التوراة، وبعضها من وضع جنكيز خان – قال ابن كثير رحمه الله ، فى مناسبة تفسير الآية الكريمة : ((أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون))(المائدة : 50) : ((ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله، المشتمل على كل خير، الناهى عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والاصطلاحات التى وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بأهوائهم وآرائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية، المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذى وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها بمجرد نظره وهواه، فصارت فى بنيه شرعاً متبعاً، يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسولهr ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه فى قليل ولا كثير)).
وقد علق على هذه القضية سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ فى رسالة ((تحكيم القوانين الوضعية)) – وهو المشهود له بغزارة العلم والقوة فى الحق – بعد أن أورد قول ابن كثير رحمه الله :
((فانظر كيف سجل سبحانه وتعالى عن الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم والفسوق، ومن الممتنع أن يسمى الله سبحانه وتعالى الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا ولا يكون كافرا، بل هو كافر مطلقاً، إما كفر عمل وإما كفر اعتقاد. وما جاء عن ابن عباس رضى الله عنه فى تفسير هذه الآية من رواية طاووس وغيره يدل على أن الحاكم بغير ما أنزل الله كافر، إما كفر اعتقاد ناقل عن ملة الإسلام، وإما كفر عمل لا ينقل عن الملة؛ أما الأول وهو كفر الاعتقاد فهو أنواع:
أحدها : أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله، وهو معنى ما روى عن ابن عباس رضى الله عنه، واختاره ابن جرير، أن ذلك هو جحود ما أنزل الله من الحكم الشرعى، وهذا ما لا نزاع فيه بين أهل العلم، فإن الأصول المقررة المتفق عليها بينهم أن من جحد أصلا من أصول الدين، أو فرعا مجمعا عليه، أو أنكر حرفا مما جاء به الرسولr ، فإنه كافر الكفر الناقل عن الملة.
الثانى: ألا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كونه حكم الله ورسوله حقا، ولكن اعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه و سلم أحسن من حكمه، وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إما مطلقا، أو بالنسبة لما استجد من الحوادث التى نشأت عن تطور الزمان وتغير لأحوال، وهذا أيضا لا ريب أنه كفر لتفضيله أحكام المخلوقين التى هى محض زبالة الأذهان وصرف حثالة الأفكار على حكم الحكيم الحميد و حكم الله ورسوله لا يختلف فى ذاته باختلاف الأزمان وتطور الأحوال وتجدد الحوادث فإنه ما من قضية كائنة ما كانت إلا وحكمها فى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم ، نصا ظاهرا، أو استنباطا، أو غير ذلك، علم ذلك من علمه وجهله من جهله.
الثالث: ألا يعتقد أنه أحسن من حكم الله ورسوله، ولكنه اعتقد أنه مثله، فهذا كالنوعين اللذين قبله، فى كونه كافرا الكفر الناقل عن الملة، لما قتضيه ذلك من تسوية المخلوق بالخالق، والمناقضة والمعاندة لقول الله عز وجل ((ليس كمثله شىء)) ونحوها من الآيات الكريمات الدالة على تفرد الرب بالكمال وتنزيهه عن مماثلة المخلوقين، فى الذات والصفات والأفعال، والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه.
الرابع: أن لا يعتقد كون الحكم بغير ما أنزل الله مماثلا لحكم الله ورسوله، فضلا عن أن يعتقد كونه أحسن منه، لكن اعتقد جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله. فهذا كالذى قبله، يصدق عليه ما يصدق عليه، لاعتقاده جواز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله بالنصوص الصحيحة الصريحة القاطعة بتحريمه.
الخامس: وهو أعظمها وأشملها وأظهرها معاندة للشرع، ومكابرة لأحكامه، ومشاقة لله ولرسوله، ومضاهاة بالمحاكم الشرعية إعدادا، إرصادا، وتفريعا، وتشكيلا، وتنويعا، وحكما، وإلزاما، ومراجع ومستندات، فكما أن للمحاكم الشرعية مراجع ومستندات مرجعها كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم ، فلهذه المحاكم مراجع هى القانون الملفق من شرائع شتى، وقوانين كثيرة، كالقانون الفرنسى، والقانون الأمريكى، والقانون البريطانى، وغيرها من القوانين، ومن مذاهب بعض البدعيين المنتسبين إلى الشريعة وغير ذلك.
السادس: ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر والقبائل من البوادى ونحوهم، من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التى يسمونها ((سوالف))
وأما القسم الثانى من قسمى كفر الحاكم بغير ما أنزل الله وهو الذى لا يخرج من الملة، فقد تقدم أن تفسير ابن عباس رضى الله عنه لقول الله عز وجل: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)) قد شمل ذلك القسم، وذلك فى قوله رضى الله عنه فى الآية ((كفر دون كفر)) وقوله أيضاً ليس بالكفر الذى تذهبون إليه أ.هـ، وذلك أن تحمله شهوته على الحكم فى قضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو حق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى.
وهذا إن لم يخرجه كفره عن الملة، فإن معصيته عظمى أكبر من الكبائر، كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين الغموس وغيرها، فإن معصية سماها الله فى كتابه كفرا، أعظم من معصية لم يسمها كفرا. نسأل الله أن يجمع المسلمين على التحاكم إلى كتابه، انقيادا ورضاءً، إنه ولى ذلك والقادر عليه)).
فهل اتضحت القضية عند الدعاة أنفسهم، أم ما يزال بعضهم تختلط عليه الأمور، مرة من مقالة ابن عباس رضى الله عنهما، ومرة من أثر الفكر الإرجائى الذى يفصل بين الإيمان والعمل، حتى لو كان نقضاً صريحاً للا إله إلا الله، كالتشريع بغير ما أنزل الله؟
وإذا كان الأمر ما يزال مختلطاً عند بعض الدعاة، فماذا نتوقع من أمر الجماهير؟ وكم من الجهد ما زال أمامنا، حتى تتضح هذه القضية بغير غبش فى حس الناس، ويتمكنوا من رؤية الحق الربانى فيها دون أن تستوحش نفوسهم من الحق؟!
هذا فى قضية الحاكمية، وهى ليست وحدها التى تحتاج إلى تجلية فى قضية لا إله إلا الله.. فتحرير القضية يستلزم تخليصها كذلك مما يشتبك بها من قضايا الوطنية والقومية والعدالة الاجتماعية، وأمثال ذلك من القضايا التى تداخلت معها فى مسيرة الدعوة، لقد كانت أمام الرسولr قضايا كثيرة يمكن أن يثيرها للاستكثار من ((الجماهير)).
كان الفرس يحتلون جزءا من الجزيرة العربية، والروم يحتلون جزءاً أخر، وكان فى إمكان الرسولr أن يثير حمية العرب القومية لتلتف حوله الجماهير، حتى إذا اجتمعوا وآمنوا بزعامته قال لهم : قولوا لا إله إلا الله.
وكانت هناك قضية اجتماعية، فالأغنياء يصلون إلى درجة الثراء الفاحش، والفقراء يصلون إلى درجة الفقر المدقع، ولا أحد يفكر فى الحد من غنى الأغنياء، بالغاء الربا – على الأقل- وأخذ جزء من الفائض عند الأغنياء، ورده على الفقراء لرفع مستواهم، وكان فى إمكان الرسول صلى الله عليه و سلم أن يثير القضية، فتلتف حوله جموع الفقراء المسحوقين، فيكون منهم قوة يواجه بها جبروت قريش، وفى حمية الصراع يقول لهم : قولوا لا إله إلا الله .
وكان غير ذلك من القضايا مادة مفيدة فى تجميع الجماهير وإثارة حماستهم، ثم استمالة الناس للدعوة من خلال تلك القضايا العامة، التى تستهوى بطبيعتها كثيراً من الناس، فيتجمعون لها بسهولة، ويلتفون حول من ينادى بها، ويمنحونه ودهم وحماستهم. ولكن رسول الله صلى الله عليه و سلم - بتوجيه من الوحى الربانى – لم يثر أية قضية من هذه القضايا فى فترة التربية بمكة؛ وإنما أثار القضية الواحدة التى جلبت له عداء ((السادة)) وبالتبعية عداء الجماهير، وظل مصرا عليها وحدها، حتى أذن الله أن تتفتح لها قلوب أفضل الخلق بعد رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.
ولم يكن ذلك لأن هذه القضايا كلها ليس لها أهمية فى حياة الأمة، كلا! فقد تناولتها الحركة الإسلامية كلها واحدة إثر الأخرى؛ ولكن لأن القضية الكبرى – فى المنهج الربانى وفى واقع البشر – هى قضية لا إله إلا الله، التى يتوقف عليها منهج حياة الإنسان فى الدنيا، ومصيره فى الآخرة، ولأن قضايا الحياة كلها – فى المنهج الربانى – يجب أن تكون نابعة من لا إله إلا الله، ومرتبطة بها ارتباطاً حيوياً، فيتوفر لها الصدق والإخلاص والتجرد . ومن ثم جرى المنهج الربانى على تحرير قضية لا إله إلا الله أولاً ، وتجريدها من أى شىء يمكن أن يشوبها فى مرحلة التكوين، لتكون عبادة خالصة لله، هدفها رضوان الله وحده، حتى إذا تمحضت فى قلوب أصحابها، وصلت بها كل قضايا الأرض اللازمة لحياة الأمة، دون خشية من اختلاط الأمور فى تلك القلوب، بينما الخشية قائمة فى مرحلة التكوين، وحين يحدث الاختلاط فى المنشأ، فما أسرع ما تغلب مصالح الأرض، وتصبح مداخل للشيطان!
هل تجردت قضية لا إله إلا الله فى قلوب الدعاة أنفسهم – ودع عنك الآن قلوب الجماهير – فتمحضت لتقرير العبودية الخالصة لله، غير مختلطة بقضايا القومية والوطنية والعدالة الاجتماعية، والدعاة – من أجل استمالة الجماهير – يتحدثون عن ((اشتراكية الإسلام))، ((وديمقراطية الإسلام))، و((التعددية فى الإسلام))؟
هل تم تحرير قضية الشرعية، لا نقول عند الجماهير، بل عند الدعاة أنفسهم؟ ما مفهومنا عن الشرعية؟.
فى الغربة الثانية للإسلام – وخاصة بعد تنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم فى معظم بلاد المسلمين – نسينا معاييرنا الإسلامية، واستبدالنا بها معايير الغرب، خاصة فى مجال ((السياسة الشرعية)) والغرب يقول : إن مقياس الشرعية هو النجاح فى الانتخابات فمن فاز بأكبر عدد من الأصوات فهو صاحب الشرعية الذى يحق له أن يتولى الحكم و دعك مؤقتاً من التغير الحاد الذى أصاب هذا المعيار، حين كان الفائزون بأكبر عدد من الأصوات هم الإسلاميين فى الجزائر! فقد عودنا الغرب ((العظيم!)) أن يكيل بمكيالين فى أى قضية يكون المسلمون طرفا فيها، وذلك لشدة إيمانه بالقيم والمبادئ واحترام الآخر، واحترام حقوق الإنسان!!
دعك من الغرب ومواقفه، وتعال نسأل الإسلاميين: هل هذا هو المعيار الإسلامى فى هذه القضية؟
هب أن إنساناً أو حزباً أو هيئة – أو ما يكون من الأشكال السياسية – حصل على أغلبية ساحقة فى الانتخابات، حصل على مائة فى المائة من أصوات الناخبين، ثم لم يحكم بما أنزل الله، فهل تكون له شرعية فى دين الله؟!، لقد اختلط علينا – فى غربة الإسلام الثانية – أمران مختلفان: طريقة اختيار الحاكم، ونوع الحكم الذى يحكم به الناس
وحين كان الإسلام هو الحاكم فى الأرض الإسلامية، تكلم فقهاء السياسة الشرعية عن الشروط الواجبة فى الحاكم، وتكلموا عن البيعة الحرة، وعن الشورى، وعن غيرها من الأمور المتعلقة بسياسة الحكم، وتحدثوا عن ((فقه الضرورة)) ، وما يمكن التنازل عنه من الشروط تحت ضغط الضرورة، فقالوا : ((وللمتغلب السمع والطاعة)) .. ولكن لم يدر فى خلدهم قط أن حاكماً يمكن أن يشرع بغير ما أنزل الله، ثم يكون حاكماً شرعياً على المسلمين!!.
إن الشرط الأساسى لشرعية الحكم فى الإسلام، أن يكون التشريع القائم هو الشريعة الربانية، ومر بنا أنفاً قول ابن كثير رحمه الله فى الحاكم الذى لا يحكم بما أنزل الله، إنما يحكم بتشريع مخالف للشريعة، فهل تحررت هذه القضية فى أذهان الدعاة أنفسهم، فضلاً عن الجماهير.. أم إن حديثنا كله يجرى حوله الانتخابات، وهل هى حرة أم مزورة؟ وكم صوتاً نلنا حتى الآن فى البرلمان؟ وكم يلزمنا من الجهد لزيادة نصيبنا من الأصوات؟!.
إن الظن بأننا إذا حصلنا على أغلبية فى البرلمان، فسيترك لنا المجال لتطبيق شريعة الله، ظن ساذج إلى أقصى درجات السذاجة، ويكفى واقع الحال فى الجزائر دليلاً على ذلك و لكن اختيارنا لهذا الطريق – من حيث المبدأ – من أجل الوصول إلى الحكم، ثم محاولة تطبيق شريعة الله من هذا الطريق، مخالفة شرعية؛ لأنه يجعل الناس هم المرجع فى اختيار نوع الحكم الذى يحكمون به، ((ولا نتحدث هنا عن اختيار الحاكم))، فإذا اختاروا الإسلام حكم الإسلام، وإذا اختاروا غيره حكم غيره! فهل هذا هو الإسلام؟!
وأين نحن من قوله تعالى : ((وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم))(الأحزاب : 36)
إن مصدر الإلزام فى تحكيم شريعة الله ليس هو اختيار البشر أو عدم اختيارهم ما داموا مسلمين.. فما داموا مسلمين فقد لزمهم التحاكم إلى شريعة الله بداهة، وإلا انتفى الإيمان عنهم إن أعرضوا عن شريعة الله، واتجهوا إلى غيرها من الشرائع، وإن صلوا وصاموا وزعموا أنهم مسلمون!
((ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين(47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون))(النور : 47-48) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً))(النساء : 65).
حقيقة إنه لا يمكن فى عالم الواقع أن يحكم الإسلام ما لم يكن هناك مؤمنون، يصرون على تحكيم شريعة الله، ويرفضون أى شريعة سواها، يقيناً منهم أن الرضى بشرع غير شرع الله كفر مخرج من الملة. . وأن هذه العينة من المؤمنين هى الآن قلة فى المجتمع تستضعفهم الجاهلية وتعصف بهم .. هذه حقيقة، ولكن مقتضاها هو أن نظل ندعو، ونظل نبين للناس هذه الحقيقة، أنه لا إيمان لأحد إذا رضى بشرع غير شرع الله، ونظل نربى الناس على مقتضيات هذه الحقيقة، حتى تصبح القاعدة المؤمنة من القوة بحيث يصبح فى يدها مقاليد الأمور، وهذه هى مهمة الدعوة فى وقتها الحاضر، مهما طال بها الأمر لتحقيقها، وليست مهمتها أن تستفتى الناس عن طريق صناديق الانتخاب: هل يريدون أن يكونوا مسلمين أم لا يريدون!
فهل وضحت هذه القضية فى حس الدعاة أنفسهم، فضلاً عن الجماهير، أم إنهم انزلقوا بغير وعى منهم إلى معايير الديمقراطية التى تجعل الجماهير – فى ظاهر الأمر على الأقل – هم المحكمين فى نوع الحكم، وليس الله الذى له الخلق والأمر : ((ألا له الخلق والأمر)) (الأعراف: 54) وهذا مفرق طريق رئيسى بين الجاهلية والإسلام!