Overblog Tous les blogs Top blogs Religions & Croyances
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
albasseira.overblog.com

un blog qui traite des sujets sur l'islam

Publicité

شرح الموطاء كتاب البيوع الجزء6

شرح الموطاء كتاب البيوع الجزء6

( ش ) : قَوْلُهُ كَانَ يَبِيعُ ثَمَرَ حَائِطِهِ بَيْعُ ثَمَرِ حَائِطِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ مَكِيلَةً مَعْرُوفَةً وَالثَّانِي أَنْ يَبِيعَ الْجَمِيعَ عَلَى أَنَّ فِيهِ كَذَا وَكَذَا صَاعًا بِالْخَرْصِ وَالثَّالِثُ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ جُزَافًا فَأَمَّا بَيْعُ الْأَصْوُعِ مِنْهُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَأَمَّا إنْ بَاعَهُ عَلَى أَنَّ فِيهِ كَذَا وَكَذَا صَاعًا عَلَى التَّحَرِّي فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ ; لِأَنَّ التَّحَرِّيَ فِيهِ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ وَقَاسَهُ عَلَى الصُّبْرَةِ مِنْ الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عَلَى التَّحَرِّي عَلَى أَنَّ فِيهَا عَدَدَ أَصْوُعٍ وَوَجْهُ هَذَا عِنْدِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي مِقْدَارِ مَا يَبِيعُهُ بِالتَّحَرِّي وَالْكَيْلِ يَكْثُرُ بِهِ الْغَرَرُ وَالْخَطَرُ لِاجْتِمَاعِهِمَا . وَأَمَّا أَنْ يَبِيعَهُ جُزَافًا فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَرْئِيٌّ يَتَأَتَّى فِيهِ الْحَزْرُ فَجَازَ بَيْعُهُ جُزَافًا . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ كَيْلًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ جُزْءًا شَائِعًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ نَخَلَاتٍ يَخْتَارُهَا فَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ مِنْهُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُجِيزُ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ مِنْ الْجُمْلَةِ بِوَجْهٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي أَحْكَامِ الْفُصُولِ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْغَرَضَ مَعْلُومٌ مِنْ ذَلِكَ عَارٍ مِنْ الْغَرَرِ فَوَجَبَ أَنْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ أَبِيعُك هَذَا الْحَائِطَ إلَّا تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ فَالْمَفْهُومُ بِعْتُك عُشْرَهُ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا يَرْجِعُ إلَى اللَّفْظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْقِسْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

( ش ) : وَهَكَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَالرُّوَاةُ يَقُولُونَ : عَبْدُ الْحَمِيدِ وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم { : التَّمْرَ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ } يُرِيدُ صلى الله عليه وسلم أَنَّ هَذَا حُكْمُ بَيْعِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَإِذَا اخْتَصَّ هَذَا الْحُكْمُ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمٌ مُبَاحٌ غَيْرُهُ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فِي الْأَرْبَعِ الْمُسَمَّيَاتِ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالْمِلْحُ وَقَدْ ذُكِرَتْ كُلُّهَا فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التَّمْرُ بِالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ فَمَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى لَا مَا اخْتَلَفَتْ أَوْزَانُهُ } وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَذَكَرَ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ وَذَكَرَ مَعَهَا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِي إسْنَادِهِ بَعْضُ الْمَقَالِ فَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنْهُ قَدْ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَجَمَاعَةُ النَّاسِ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ أُصُولٌ فِي تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ لِفُرُوعٍ لَاحِقَةٍ بِهَا عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي أَعْيَانِ تِلْكَ الْفُرُوعِ لِاخْتِلَافِ الْمَعَانِي الْمُتَعَدِّيَةِ إلَيْهَا وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ مَقْصُورٌ عَلَيْهَا دُونَ سَائِرِ الْمَطْعُومَاتِ وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَرْبَعَةِ قوله تعالى { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } وَالرِّبَا الزِّيَادَةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ التَّفَاضُلُ حَرَامًا فِي كُلِّ شَيْءٍ لِحَقِّ الْعُمُومِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ . ( فَصْلٌ ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَرْبَعِ الْمُسَمَّيَاتِ فَرَوَى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ الْعِلَّةَ عِنْدَهُ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ فِيمَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ جِنْسٌ مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَطْعُومُ جِنْسٍ فَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ فَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو إسْحَاقَ أَنَّهُ مُقْتَاتُ جِنْسٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ الْعِلَّةَ الِاقْتِيَاتُ وَالِادِّخَارُ لِلْأَكْلِ غَالِبًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ نَافِعٍ وَإِنْ خَالَفَهُ فِي مَعْنَى الِادِّخَارِ لِلْأَكْلِ عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ مَالِكٌ فَلَا تَجُوزُ الْفَوَاكِهُ الَّتِي تَيْبَسُ وَتُدَّخَرُ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ إذَا كَانَتْ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ وَجِيءَ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّ الْعِلَّةَ الِادِّخَارُ لِلِاقْتِيَاتِ فَلَا يَجْرِي الرِّبَا فِي الْفَوَاكِهِ الَّتِي تَيْبَسُ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُقْتَاتَةِ وَلَا يَجْرِي الرِّبَا فِي الْبَيْضِ ; لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مُقْتَاتَةً فَلَيْسَتْ بِمُدَّخَرَةٍ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي أُجْرِيَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَصْحَابُنَا مِنْ الْحَدِيثِ فَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي فَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّنَا نُرَاعِي الِاقْتِيَاتَ وَهُوَ لَا يُرَاعِيهِ بَلْ يُعَدِّي ذَلِكَ إلَى كُلِّ مَوْزُونٍ وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّنَا نُعَدِّي الْعِلَّةَ إلَى قَلِيلِ الْمُقْتَاتِ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْكَيْلُ وَهُوَ لَا يُعَدِّيهَا إلَيْهِ وَيُجَوِّزُ فِيهِ التَّفَاضُلَ وَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ فِي فَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّهُ يُعَدِّي الْعِلَّةَ إلَى كُلِّ مَطْعُومٍ مِنْ السَّقَمُونْيَا وَشَحْمِ الْحَنْظَلِ وَالْأَدْوِيَةِ وَغَيْرِهَا وَنَحْنُ نَقْصُرُهَا عَلَى مَا يُقْتَاتُ مِنْ الْمَطْعُومِ وَلَنَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ نَدُلَّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ وَالثَّانِي أَنْ نَدُلَّ عَلَى فَسَادِ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ . وَالدَّلِيلُ لَنَا عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَصَّ عَلَى التَّمَاثُلِ فِي الْأَرْبَعِ الْمُسَمَّيَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ قُلْنَا فِيهِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا نَصَّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةِ الْأَسْمَاءِ وَالْجِنْسِ عَلِمْنَا أَنَّهُ قَصَدَ إلَى ذِكْرِ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ الرِّبَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِرْبِزَ وَالْبِطِّيخَ لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ وَلَا ذَكَرَ السَّقَمُونْيَا وَلَا الطَّبَاشِيرَ وَلَا الْأَسَارُونَ لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى الْأَدْوِيَةِ وَلَا ذَكَرَ الْجِيرَ وَلَا الرَّمَادَ لِيُنَبِّهَ بِهِ عَلَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ فَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَنْوَاعِ الْجِنْسِ فَإِنَّ الْجِنْسَ لَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْأَرْبَعِ الْمُسَمَّيَاتِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا . وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ قَصَدَ بِذِكْرِ هَذِهِ الْأَرْبَعِ الْمُسَمَّيَاتِ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَى عِلَّةِ الرِّبَا فِيهَا فَأَتَى بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةِ الْجِنْسِ وَالْمَعْنَى وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعِلَّةَ أَخَصُّ صِفَةٍ تُوجَدُ فِيهَا وَوَجَدْنَا التَّمْرَ يُؤْكَلُ قُوتًا وَيُؤْكَلُ حَلَاوَةً وَتَفَكُّهًا فَلَوْلَا اقْتِرَانُ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ بِهِ لَلَحِقَتْ بِهِ الْحَلَاوَاتُ وَالْفَوَاكِهُ خَاصَّةً وَوَجَدْنَا الشَّعِيرَ يُؤْكَلُ مِنْ أَدْنَى الْأَقْوَاتِ وَيَكُونُ عَلَفًا فَلَوْلَا اقْتِرَانُ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ بِهِ لَجَازَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ أَدْنَى الْأَقْوَاتِ خَاصَّةً دُونَ أَعْلَاهَا وَلَجَازَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ الْعَلَفُ مِنْ الْقَضْبِ وَالْقُرْطِ وَوَجَدْنَا الْمِلْحَ مِمَّا يُصْلِحُ الْأَقْوَاتَ وَيُطَيِّبُهَا فَلَوْلَا اقْتِرَانُ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ بِهِ لَجَازَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ الْأَقْوَاتُ الْمُصْلَحَةُ وَلَجَازَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ الْمَاءُ وَالْبُقُولُ الَّتِي يَصْلُحُ بِهَا الْبِطِّيخُ وَوَجَدْنَا الْبُرَّ أَرْفَعَ الْأَقْوَاتِ وَمَا يُقْتَاتُ عَامًا فَلَوْلَا اقْتِرَانُ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ بِهِ لَقَصَرْنَا حُكْمَهُ عَلَى رَفِيعِ الْأَقْوَاتِ وَمَنَعْنَا الرِّبَا أَنْ يَجْرِيَ فِي أَدْوَنِهَا أَوْ يَجْرِيَ فِي الْأُرْزِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَعُمُّ اقْتِيَاتُهُ وَلَوْ أَرَادَ عُمُومَ الْعِلَّةِ لَاكْتَفَى بِاسْمٍ وَاحِدٍ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ كُلَّمَا كَثُرَتْ أَوْصَافُ الْعِلَّةِ كَانَتْ أَخَصَّ وَكُلَّمَا قَلَّتْ كَانَتْ أَعَمَّ . وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى إبْطَالِ مَا قَالُوهُ إنَّ كُلَّ جِنْسٍ ثَبَتَ فِيهِ الرِّبَا لِعِلَّةٍ فَإِنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَاتِ عَلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ عِلَّتِهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَمَّا ثَبَتَ الرِّبَا فِيهَا بِعِلَّةِ الْوَزْنِ عِنْدَهُمْ وَبِعِلَّةِ أَنَّهَا أُصُولُ الْأَثْمَانِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ عِنْدَنَا لَمْ يَزُلْ حُكْمُ الرِّبَا عَنْهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَا مِنْ نِقَارٍ أَوْ تِبْرٍ أَوْ سِكَّةٍ أَوْ صِيَاغَةٍ جَرَتْ مَوْزُونَةً أَوْ عَدَدًا ثُمَّ نَظَرْنَا فِي الْحِنْطَةِ إذَا طُحِنَتْ وَخُبِزَتْ فَإِنَّهَا لَا تَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الرِّبَا ثَابِتًا فِيهَا أَوْ غَيْرَ ثَابِتٍ فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا حَصَلَ أَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَاتِ عَلَيْهَا أَخْرَجَهَا عَنْ عِلَّتِهَا فِي الرِّبَا وَأَوْجَبَ أَنْ يُعَلَّلَ الرِّبَا فِيهَا بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِبُطْلَانِ الْعِلَّةِ الْأُخْرَى وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ الصِّفَاتِ عَلَى الْجِنْسِ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ الرِّبَا يُسْقِطُ الرِّبَا عَنْهُ وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ . ( فَصْلٌ ) : وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى الْفَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الرِّبَا يَجْرِي فِي قَلِيلِ الْحِنْطَةِ فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ { التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ } وَهَذَا عَامٌّ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ جِنْسٍ حَرُمَ التَّفَاضُلُ فِي كَثِيرِهِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ فِي قَلِيلِهِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمِمَّا يَخْتَصُّ بِالشَّافِعِيِّ أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي التَّفَاضُلِ لَمَّا تَعَلَّقَتْ بِالْجَوَاهِرِ الْمَعْدِنِيَّةِ تَعَلَّقَتْ بِأَرْفَعِهَا وَهُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ دُونَ أَدْوَنِهَا وَهُوَ الرَّصَاصُ وَالْآنُكُ وَالنُّحَاسُ وَإِذَا تَعَلَّقَتْ بِالْمَطْعُومِ وَجَبَ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِأَرْفَعِهِ وَهُوَ الْمُقْتَاتُ دُونَ غَيْرِهِ .

( ش ) : قَوْلُهُ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُزَابَنَةُ اسْمٌ لِبَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ وَرَطْبِ كُلِّ جِنْسٍ بِيَابِسِهِ وَمَجْهُولٍ مِنْهُ بِمَعْلُومٍ وَذَلِكَ أَنَّ الرُّطَبَ وَإِنْ عُرِفَ كَيْلُهُ فِي نَفْسِهِ فَلَا يُعْلَمُ قَدْرُهُ مِنْ التَّمْرِ الَّذِي يُؤْخَذُ عِوَضًا مِنْهُ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ الزَّبْنِ وَهُوَ الدَّفْعُ عَنْ الْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ وَعَنْ مَعْرِفَةِ التَّسَاوِي وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الزَّبْنُ وَالزَّبَانُ هُوَ الْخَطَرُ وَالْخِطَارُ . ( فَصْلٌ ) : وَقَوْلُهُ وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَا مَكِيلَيْنِ ; لِأَنَّهُ حَالُ أَحَدِهِمَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا مِنْ الرَّاوِي إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِاتِّصَالِهِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي وَهُوَ ابْنُ عُمَرَ فَهُوَ حُجَّةٌ ; لِأَنَّ هَذَأ أَمْرٌ طَرِيقُهُ اللُّغَةُ وَابْنُ عُمَرَ حُجَّةٌ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ غَيْرُ هَذَا التَّفْسِيرِ فِيهِ فَرَوَى زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ دَلُّوا بِهِ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ , وَالْمُزَابَنَةُ أَنْ يَبِيعَ مَا فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمًّى إنْ زَادَ فَلِي وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ } وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِيهِ التَّفْسِيرَانِ وَمَا قُلْنَاهُ أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ فِي تَأْلِيفِ مَشْهُورِ جَمَاعَةٍ يَبْلُغُونَ التَّوَاتُرَ وَرَوَى التَّفْسِيرَ الَّذِي ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ . وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعَانِ مَمْنُوعَيْنِ فَإِنَّ اسْمَ الْمُزَابَنَةِ وَاقِعٌ عَلَيْهِمَا .

( ش ) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَمَرًا مِنْ حَائِطٍ مُعَيَّنٍ أَوْ لَبَنًا مِنْ غَنَمٍ مُعَيَّنَةٍ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَشْرَعُ فِي قَبْضِهِ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ قَبْضُهُ بِأَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرَةِ وَكَوْنُ اللَّبَنِ فِي الْغَنَمِ , وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُ ثَمَرِ الْحَائِطِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْغَنَمِ لَبَنٌ فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ { نَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا } , وَأَمَّا لَبَنُ الْغَنَمِ فَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ فِيهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ هَذَا مَائِعٌ طَاهِرٌ خَارِجٌ مِنْ حَيَوَانٍ لَا يَخْتَلِفُ جِنْسُهُ غَالِبًا فَجَازَ أَنْ يُفْرَدَ بِالْبَيْعِ دُونَهَا كَمَاءِ الْعُيُونِ وَدَلِيلٌ ثَانٍ أَنَّ هَذِهِ أُنْثَى ذَاتُ لَبَنٍ فَجَازَ أَنْ يُسْتَبَاحَ أَخْذُهُ بِالْمُعَارَضَةِ عَلَيْهِ دُونَهَا كَالطَّيْرِ . ( فَصْلٌ ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَوْلُهُ إذَا كَانَ يُوجَدُ عَاجِلًا يَشْرَعُ الْمُشْتَرِي فِي أَخْذِهِ عِنْدَ دَفْعِهِ الثَّمَنَ يُرِيدُ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ ذَلِكَ تَأْخِيرًا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَمَامِ النُّضْجِ وَإِنَّمَا يَتَأَخَّرُ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِتَمَامِ النُّضْجِ وَالْإِرْطَابِ كَالْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عِشْرِينَ يَوْمًا وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ تُؤَخِّرُ الثَّمَرَةَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ طَلَبًا لِلْإِرْطَابِ أَوْ لِبَقَاءِ النَّضَارَةِ فِيهَا لِيُؤَخَّرَ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ بِنَضَارَتِهَا مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ , وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنَّهُ لَا يُجَوِّزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ مِثْلَ هَذِهِ الْمُدَّةَ ; لِأَنَّهُ لَا غَرَضَ فِي تَأَخُّرِهِ غَيْرُ مُجَرَّدِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَخْذِ وَهَذَا فِيمَا يَشْرَعُ فِيهِ مِنْهُ , وَأَمَّا اتِّصَالُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ أَخْذًا لِلتَّمَكُّنِ مِنْ قَبْضِهِ أَوْ لِبَقَاءِ حَلَاوَةِ مَا يَحْتَاجُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ , وَأَمَّا الصُّوفُ يُشْتَرَى عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ بِقَدْرِ مَا يَنْظُرُ فِي جَزِّهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ مُدَّةً لَا يَزِيدُ الصُّوفُ فِي مِثْلِهَا رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ الْعَشَرَةَ أَيَّامٍ وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا .

( ش ) : قَوْلُهُ رحمه الله مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنْ الْفَوَاكِهِ رَطْبِهَا أَوْ يَابِسِهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ تَوْفِيَتِهِ بِوَزْنٍ أَوْ كَيْلٍ أَوْ عَدَدٍ وَنَصَّ عَلَى الْفَوَاكِهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لِيُلْحِقَهَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الطَّعَامِ الْمُقْتَاتِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِ .

( ش ) : قَوْلُهُ { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم السَّعْدَيْنِ أَنْ يَبِيعَا آنِيَةً مِنْ الْمَغَانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ } مِنْ بَابِ الْوَكَالَةِ فِي الْمُرَاطَلَةِ بِالذَّهَبِ وَالْمُبَادَلَةِ وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا أَنْ يَتَوَلَّى قَبْضَ الْعِوَضِ فِيهَا مَنْ عَقَدَهَا فَإِنْ عَقَدَ هُوَ الصَّرْفَ وَوَكَّلَ مَنْ يَقْبِضُ أَوْ وَكَّلَ مَنْ يَصْرِفُ وَيَقْبِضُ هُوَ فَابْنُ الْمَوَّازِ حَكَى عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا إذَا فَارَقَ الَّذِي عَقَدَ الصَّرْفَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْآخَرُ ; لِأَنَّ مَنْ عَقَدَ الصَّرْفَ قَدْ فَارَقَ مَنْ صَارَفَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي فَسَادِهِ مُفَارَقَةُ الْعَاقِدِ قَبْلَ الْقَبْضِ .

( ش ) : قَوْلُهُ أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ دَلِيلٌ عَلَى تَجْوِيزِ عِوَضِ الدِّينَارِ وَمُرَاوَضَةِ مُتَبَايِعِهِمَا فِي صَرْفِهِمَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ طَلَبًا لِلزِّيَادَةِ أَوْ مَعْرِفَةِ مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْعَطَاءُ وَقَوْلُهُ فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرَاوَضْنَا يَقْتَضِي جَوَازَ الْمُصَارَفَةِ لِمَنْ لَمْ يَتَّخِذْ ذَلِكَ مُتَّجِرًا , وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَ ذَلِكَ مُتَّجِرًا أَوْ صِنَاعَةً فَقَدْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْمَلَ بِالصَّرْفِ إلَّا أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ أَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِيهِ حَتَّى عَقَدَا الصَّرْفَ فَأَخَذَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا لِيَعْلَمَ جَوْدَتَهَا ثُمَّ قَالَ حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنْ الْغَابَةِ يُرِيدُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَأْتِيَهُ خَازِنُهُ مِنْ الْغَابَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَأْخِيرَ الدَّرَاهِمِ خَاصَّةً وَيَقْبِضَ هُوَ الدَّنَانِيرَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إقْرَارَ الدَّنَانِيرِ بِيَدِ مَالِكِهَا حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنُهُ مِنْ الْغَابَةِ فَيَتَقَابَضَا يَدًا بِيَدٍ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ وَاَللَّهِ لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ يُرِيدُ لَا تُفَارِقْهُ وَبَيْنَكُمَا عَقْدٌ حَتَّى يَنْتَجِزَ مَا بَيْنَكُمَا مِنْ التَّقَابُضِ ثُمَّ احْتَجَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم { الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ } وَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّقَابُضَ فِيهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُمَا بَلْ يَقْتَرِنُ بِهِمَا ; لِأَنَّ عَقْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقْتَضِي الْإِشَارَةَ إلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ الْعِوَضِ بِقَوْلِهِ هَاءَ وَلِذَلِكَ فَهِمَ مِنْهُ عُمَرُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ تَعْجِيلَ التَّقَابُضِ فَأَمَّا التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّهُ يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ وَمَا جَوَّزَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَتَرْكُهُ التَّأْوِيلَ وَالْمُرَاجَعَةَ لِعُمَرَ رضي الله عنهما دَلِيلٌ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْهُ . ( مَسْأَلَةٌ ) : فَإِنْ اسْتَأْذَنَ الصَّرَّافُ بَعْدَ الْعَقْدِ فِي أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إلَى صَرَّافٍ قَرِيبٍ مِنْهُ يُرِيهِ إيَّاهَا وَيَزِنُهَا عِنْدَهُ أَوْ عَقَدَ مَعَهُ الصَّرْفَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِيمَا قَرُبَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَا لِقُرْبِهِمَا فِي حُكْمِ الْمُتَجَالِسَيْنِ , وَأَمَّا أَنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ حَتَّى يُرَى أَنَّهُ افْتِرَاقٌ مِنْ الْمُتَصَارِفَيْنِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَهُوَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ . ( مَسْأَلَةٌ ) : فَإِنْ اسْتَوْجَبَ رَجُلٌ سِوَارَيْ ذَهَبٍ بِمِائَةٍ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَذْهَبَ بِهِمَا فَإِنْ رَضِيَهُمَا أَهْلُهُ رَجَعَ بِهِمَا فَاسْتَوْجَبَهُمَا مِنْهُ وَإِلَّا رَدَّهُمَا رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَقَالَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَهَا مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ , وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ إثْبَاتُ الْخِيَارِ فِي الصَّرْفِ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ وَجُوِّزَ التَّأْخِيرُ فِيهِ بَعْدَ عَقْدِهِ عَلَى النَّقْدِ وَهُوَ أَيْضًا بَعِيدٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمُوَاعَدَةَ فِي الصَّرْفِ وَتَقْرِيرِ الثَّمَنِ دُونَ عَقْدٍ وَلِذَلِكَ قَالَ إنَّهُ إنْ رَضِيَهُمَا أَهْلُهُ رَجَعَ فَاسْتَوْجَبَهُمَا مِنْهُ فَذَكَرَ أَنَّ الْإِيجَابَ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ تَقْرِيرِ الثَّمَنِ وَمَعْرِفَةِ مَا يَتْبَعُ الصَّرْفَ إنْ رَضِيَهَا أَهْلُهُ لِمَا كُلِّفَ الطَّلَبُ وَمَعْرِفَةُ الثَّمَنِ فَلَمْ يَجْعَلْ إلَيْهِ عَقْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الصَّرْفَ يُنَافِي الْخِيَارَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ; لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُنَاجَزَةِ وَالنَّقْدِ فِي الْمَجْلِسِ وَالْخِيَارُ لَا يَكُونُ إلَّا فِيمَا يَدْخُلُهُ التَّأْخِيرُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي مُدَّةٍ تَتَأَخَّرُ عَنْ حَالِ الْعَقْدِ .

( ش ) : قَوْلُهُ يُرَاطِلُ الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ يُرِيدُ مُبَادَلَةَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَزْنًا بِوَزْنٍ وَهِيَ الْمُرَاطَلَةُ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ إحْدَاهُمَا غَيْرُ مَسْكُوكٍ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي جَوَازِهِ وَالثَّانِي مَسْكُوكٌ فَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ جَائِزٌ وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ وَعَلَى هَذَا تَرِدُ أَكْثَرُ مَسَائِلِ أَصْحَابِنَا فِي الْمُرَاطَلَةِ فَإِنَّ أَقْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ مُطْلَقَةٌ لَا تَتَقَيَّدُ بِمَعْرِفَةِ الْوَزْنِ وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ ; لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْجُزَافِ وَالْجُزَافُ مِنْ مَسْكُوكِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ يَخْتَصُّ عِنْدَهُمْ بِالْمُرَاطَلَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّرْفِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْبُيُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُرَاطَلَةُ بَيْنَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لِهَذَا الْمَعْنَى وَقَدْ يَجُوزُ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْرِفَ وَزْنَ أَحَدِ الذَّهَبَيْنِ ثُمَّ يُرَاطِلَ بِهَا الْآخَرَ . ( مَسْأَلَةٌ ) : فَأَمَّا إنْ وُزِنَتْ إحْدَى الذَّهَبَيْنِ ثُمَّ وُزِنَ بَعْدَ ذَلِكَ بَدَلُهَا بِتِلْكَ الصَّنْجَةِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ إذَا تُيُقِّنَتْ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّهُ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَقَدْ عَرِيَ عَنْ الْجُزَافِ بِمَعْرِفَةِ قَدْرِهِ . ( ص ) : ( قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ مُرَاطَلَةً أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدَ عَشَرَ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ يَدًا بِيَدٍ إذَا كَانَ وَزْنُ الذَّهَبَيْنِ سَوَاءً عَيْنًا بِعَيْنٍ وَإِنْ تَفَاضَلَ الْعَدَدُ وَالدَّرَاهِمُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّنَانِيرِ ) . ( ش ) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يُرَاعَى فِي مُرَاطَلَةِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ الْعَدَدُ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهِ الْوَزْنُ سَوَاءٌ كَانَتْ كُلُّهَا مَجْمُوعَةً أَوْ فُرَادَى أَوْ قَائِمَةً أَوْ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مَجْمُوعَةً وَالثَّانِيَةُ فُرَادَى أَوْ قَائِمَةً وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْوَرِقِ وَالذَّهَبِ إنَّمَا هُوَ بِالْوَزْنِ وَإِنَّمَا أُبِيحَ التَّعَامُلُ فِيهِ بِالْعَدَدِ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لِلْعُرْفِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْوَزْنِ فِيمَا لَا يُرَاعَى فِيهِ التَّسَاوِي فَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ مِمَّا يُرَاعَى فِيهِ التَّسَاوِي وَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ الْوَزْنُ الَّذِي هُوَ أَصْلُ اعْتِبَارِهِ وَوَجْهُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ وَسَقَطَ حُكْمُ الْعَدَدِ ; لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي فَسَادِ عَقْدٍ وَلَا صِحَّتِهِ وَسَوَاءٌ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ تِبْرًا وَالْآخَرُ مَسْكُوكًا أَوْ مَصُوغًا أَوْ تِبْرًا مِثْلَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ وَاحِدٌ فِي اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ بِالْوَزْنِ وَلَا اعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِسِكَّةٍ وَلَا صِيَاغَةٍ عَلَى وَجْهِ الْمُرَاطَلَةِ دُونَ اقْتِضَائِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .

Publicité
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article