العفو والقصاص.. والمظلوم حين يستوي مع ظالمه
بين العفو والعقاب فرق لا يزيله إلا نفوسُ الكبار، تتعالى عن الجراح والآلام، وتُعرض عن نزعات انتقام، قد تًسترد بها حقوق، لكنها تُبقي الشروخ والندوب، التي تعتمل في الصدور وتمنع الوئام، وقد تتح الفرص لاستعادة زمام أو إعادة اعتبار، في عُرف مَن يعتبر نفسه مكسورا أو مهزوما، وليس أمضى من سلاح العفو يقضي على بقايا الفتن وإحن الصدور، وهو المسلك
الذي استنّه صاحب السيرة الشريفة، موضعا لتسنن الأتباع، كي يرقوا مراقي الفلاح، فإذا بهم
يرفعون للسنة شعارا، يحبسونه فيما يُقدر عليه من دون عناء، ويدعون ما حقه أن يُعلى ويُشاع.
9( عن / أخرج الإمام مسلم .
علقمة بن وائل أن أباه حدثه قال: إني لقاعد مع النبي صلى الله عليه وسلم « إذ جاء رجل يقود آخر بِنِسعة )حبل من جلود مضفورة( فقال: يا رسول الله هذا قتل أخي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقتلته؟ فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة، قال: نعم قتلتُه، قال: كيف قتلته؟ قال:
كنت أنا وهو نختبط )يجمع الخبط وهو ورق الثمر( من شجرة فسبّني فأغضبني، فضربته بالفأس على قرْنه)جانب رأسه( فقتلته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟
قال: ما لي مال إلا كسائي وفأسي، قال: فترى قومك يشترونك؟ قال: أنا أهون على قومي من ذاك! فرمى إليه بنسعته وقال: دونك صاحبك! فانطلق به الرجل، فلما ولّى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قتله فهو مثله، فرجع فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك قلت: إن قتله فهو مثله، وأخذتُه بأمرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ قال: يا نبي الله –لعله قال- بلى، قال: فإن ذاك كذاك، قال: ». فرمى بنسعته وخلى سبيله
وفي رواية أخرى لنفس الصحابي أُتي رسول « : أوردها مسلم أيضا الله صلى الله عليه وسلم برجل قتل رجلا، فأقاد وليَّ المقتول منه، فانطلق به وفي عنقه نِسعة يجرها، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القاتل والمقتول في النار، فأتى رجلٌ الرجلَ فقال له مقالة رسول الله صلى ». الله عليه وسلم، فخلى عنه آيات عديدة في التحذير من الدم الذي يُراق بغير حق وردت في الكتاب العزيز، ومع ذلك استمرت النفوس الضعيفة في الاستجابة لنوازع الشر، تحت تأثير ميراث لا يتحلّل منه إلا مَن استجاب لله ورسوله، وقد أُعمل قانونٌ للقصاص-لا يتخلف-حدّ كثيرا من استسهال القتل، ومن الرغبة الجامحة في الانتقام، بجانب الإشادة بمن عفا وتجاوز، وكانت لفضيلة الصفح والعفو في موازين الدين الجديد اعتبار وقيمة، وَردَ التعبير عنها بشتى السبل، في القرآن والسنة، وفي سيرته صلى الله عليه وسلم صفحات مضيئة قدّم فيها النبي نفسه صورا من التضحية للإعلاء من شأن القيم المشار إليها.
ما ورد في القصة من أسلوب نبوي في الترغيب في العفو كان لافتا، بما تبعثه صورة الفعل من رسالة، وإن اختلفت البواعث بين فعل وآخر، فالقاتل ابتداء والمقتص منه يقومان بنفس الفعل، وإن افترقت الدوافع، فالأول مجرم يعتدي، والثاني مقتص ينتقم، ومع ذلك سوّى بينهما النبي صلى الله عليه وسلم» إن قتله فهو مثله « : وفي الرواية الثانية سوّى بينهما القاتل والمقتول « : في الجزاء الأخروي ولعل القصد إلى » في النار التخويف والترهيب بهذه التسوية فالأعمال « ، لا يخفى على القارئ كما قال النبي صلى الله » بالنيات عليه وسلم نفسه، وحتى الجزاء
الأخروي المعلن للطرفين ينبغي حمله على غير ظاهره، فالأول قد يُخلّد في النار، على رأي ابن عباس على الأقل، والآخر لا يُخلّد فيها، :)92 / قال النووي في شرحه 6أما قوله صلى الله عليه وسلم: « إن قتله فهو مثله: فالصحيح في تأويله أنه مثله في أنه لا فضل ولا منة لأحدهما على الآخر، لأنه استوفى حقه منه، بخلاف ما لو عفا عنه فإنه كان له الفضل والمنة وجزيل ثواب الآخرة، وجميل وهو تأويل سائغ ».. الثناء في الدنيا على الرواية الأولى فحسب! ثم ذكر النووي الاحتمال الثاني بصيغة التمريض، وإن بدا الأقرب للترجيح لما فيه من صرف الكلام عن ظاهره قصدا لمصلحة القاتل وقيل: فهو مثله « : والمقتول، قال في أنه قاتل )في الظاهر( وإن اختلفا في التحريم والإباحة )وقبل ذلك في النية( لكنهما استويا في إطاعتهما الغضب ومتابعة الهوى، لا سيما وقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم منه العفو، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ما قال بهذا اللفظ الذي هو صادق فيه لإيهام لمقصود صحيح، وهو أن الولي ربما خاف فعفا، والعفو مصلحة للولي والمقتول في ديتهما لقوله صلى الله عليه وسلم: )يبوء بإثمك وإثم صاحبك(
وفيه مصلحة للجاني، وهو إنقاذه من القتل، فلما كان العفو »... مصلحة توصل إليه بالتعريض
لو قدّر كل من يسعى لانتقامٍ بأنه سيكون-في الصورة على الأقل-مثل الجاني لأحجم، وهو
اعتبار مفيد للكبراء ومَن هم في محل القدوة أن يتمثّلوه، حتى لا تسقط صورتهم أمام الأعين
بانطباع التماثل، وكم من مظلوم سعى لاقتصاص، فاستدرجه لمجاوزة حد غدا به أسوأ من » هواه « ظالمه، ولله في خلقه وما يعملون شؤون.