Overblog Tous les blogs Top blogs Religions & Croyances
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
albasseira.overblog.com

un blog qui traite des sujets sur l'islam

Publicité

خصائص الرسالة المحمدية

خصائص الرسالة المحمدية

الرسالة المحمدية هي الرسالة الخاتمة، وبها كمل الدين وتمت النعمة الربانية علي البشرية. قال تعالي : ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً))(المائدة : 3)

وتتميز الرسالة المحمدية عن الرسالات السابقة كلها بجملة خصائص :

  1. ختمها للرسالات السابقة ونسخها لها :

محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم: ((مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بنياناً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين)).

ورسالته هي الرسالة الخاتمة الناسخة لما قبلها : ((وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه))(المائدة : 48).

فهو مصدق لها في العقيدة. فالكتب كلها تقول : إنه لا إله إلا الله وحده بلا شريك، والقرآن يقول نفس الشيء. والكتب كلها تقول : ((اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)) والقرآن يدعو نفس الدعوة. ولكن القرآن مهيمن علي ما بين يديه من الكتب في شأن التشريع، فهو يحمل الكلمة الأخيرة المنزلة من عند الله، وشرعه هو الشرع الواجب الطاعة، ومن ثم فهو ينسخ كل ما أتي قبله مخالفاً له .

وعلي هذا المعني تفهم أيضاً هذه الآية : ((قل يأهل الكتاب لستم علي شيء حتي تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم))(المائدة : 68).

فهم مطالبون بإقامة التوراة والإنجيل في أمر عبادة الواحد بلا شريك ((رداً علي قول اليهود: عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله )) . وفي أمر الاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه و سلملأنهم يجدونه مكتوباً بإقامة ما أنزل إليهم من ربهم – أي القرآن – عقيدة وشريعة . وإلا فهم ليسوا علي شيء كما تصفهم الآية، أي ليسوا علي دين صحيح يقبله الله منهم .

  1. دعوتها إلي الإيمان بما جاء به الأنبياء من قبل :

((قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسي وعيسي وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون))(البقرة : 136)

والرسالة المحمدية هي الرسالة الوحيدة التي يؤمن أتباعها بالرسل جميعاً وبما أنزل إليهم! فقد كفر اليهود بعيسي عليه السلام ومحمد صلى الله عليه و سلم، وكفر النصارى بمحمد صلى الله عليه و سلم و آمنوا بعيسي، ولكن لا علي أنه رسول بل علي أنه إله وابن الله! أما المسلمون فهم وحدهم الذين يؤمنون بالرسل جميعاً من لدن آدم ونوح إلي محمد صلى الله عليه و سلم ويصف الله المتقين الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه و سلم و أصبحوا مسلمين بأنهم: ((الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون(3) والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون))(البقرة : 3،4).

وتلك مزية اختص الله بها هذه الرسالة وأتباعها. فقد قدر الله لهذه الأمة أن تسود في الأرض: ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً))(النور : 55).

وعلم الله سبحانه وتعالي أن هذه الأمة ستواجه شعوب البشرية كلها ودياناتها جميعاً، وأنه سيدخل في ذمتها يهود ونصارى. ويريد الله أن تكون هذه الأمة قائدة ورائدة : ((وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ))(البقرة : 143).

وأن تكون قوامة بالقسط، لا في داخل نفسها فقط، ولكن بين البشرية كلها : ((يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله))(النساء : 135).

وأن تكون قوامة بالقسط، لا في داخل نفسها فقط، ولكن بين البشرية كلها : ((يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله))(النساء : 135).

لذلك فقد أعدها الله سبحانه وتعالي لحمل الحق ونشره بين الناس. ومن بين هذا الإعداد أن تؤمن بما أنزل علي الأنبياء السابقين لأنه حق منزل من عند الله، ولكيلاً يكون في صدرها حرج ولا حدق علي أمة من الأمم بسبب نبي تلك الأمة أو كتابها! فقد حقد اليهود علي النصارى بسبب عيسي عليه السلام وبسبب تنزيل الإنجيل الناسخ(في بعض أحكامه) لكتابهم، كما حقدوا علي المسلمين – ومعهم النصارى – بسبب محمد صلى الله عليه و سلموالقرآ، الناسخ لما سبق من الرسالات جميعاً. أما المسلمون فلا يحقدون علي أحد وليس في صدورهم حرج من شيء، فهم يؤمنون بالرسل جميعاً والرسالات جميعاً بغير تفريق.

من أجل ذلك عاش اليهود والنصارى في ظل الحكم الإسلامي مكرمين آمنين لا يقع عليهم اضطهاد ولا ظلم، بينما المسلمون الذين يقعون تحت حكم اليهود أو النصارى يقع عليهم كل أنواع الظلم والاضطهاد: تؤخذ أموالهم وأرضهم ويذلون ويهانون ويبادون بالألوف ومئات الألوف!

ولذلك لا تصلح الأمة اليهودية ولا الأمة النصرانية لقيادة البشرية، لأن كلتيهما لا تستطيع التخلص مما في نفسها من الأحقاد ، أما الأمة الإسلامية فهي التي تصلح وحدها لقيادة البشرية (وقد قادتها بالفعل مرة من قبل لعدة قرون) لأنها هي الوحيدة التي تحكم في الأرض بغير أحقاد، بذلك الإعدادات الرباني الذي يؤهلها للقيادة: ((كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ))(آل عمران : 110).

والذي يشمل فيما يشمل الإيمان بالرسل السابقين كلهم ورسالاتهم بلا تفريق وبغير أحقاد!

  1. عالمية الرسالة :

يقول الرسول صلى الله عليه و سلم((كان كل نبي قبلي يبعث إلي قومه خاصة وبعثت إلي الناس كافة)).

ويقول القرآن الكريم : ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين))(الأنبياء : 107).

((وما هو إلا ذكر للعالمين))(القلم:52). ((وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً))(سبأ : 28).((قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض))(الأعراف:158).((يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير))(المائدة:15).

قالرسول صلى الله عليه و سلمقد أرسل إلي الناس كافة بما فيهم أهل الكتاب. ومن ثم فالدعوة التي يحملها هي دعوة للناس كافة. وقد قدر الله أن يرسل رسلاً متفرقين ومتتابعين في كل أمة علي حدة : ((وإن من أمة إلا خلا فيها نذير))(فاطر:24).

((ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت))(النحل:36).

((ثم أرسلنا رسلنا تترا ))(المؤمنون: 44).

ثم قدر أن تكون رسالته الأخيرة إلي الناس كافة، وباقية إلي يوم القيامة و نستطيع أن نتدبر شيئاً من حكمة الله في ذلك. فقد كانت الأمم من قبل تعيش في عزلة بعضها عن بعض، كما كانت – في طفولتها – تعيش بما يشبه مشاعر القومية، أي تعيش في داخل حدود ((القوم)) الذين تنتسب إليهم. فكان الله يرسل إليهم يومئذ رسلاً محليين، كل منهم يدعو في داخل منطقة من الأرض محدودة، ويدعو قومه خاصة فيقول لهم : ((يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)).

ويعلم الله سبحانه وتعالي في سابق علمه أن البشرية ستنضج ذات يوم وتصل إلي مرحلة الرشد، وأن فوارق المكان والزمان ستضيق وتتذاوب، فعندئذ يرسل إليها رسولاً واحداً – هو خاتم النبيين محمد صلى الله عليه و سلم-فيبلغ الرسالة إلي آفاق الأرض، ويحملها أتباعه من بعده إلي كل أطراف المعمورة، بحيث لا يبقي صقع من أصقاع الأرض لا تصل إليه.

ومن ناحية أخري فقد علم الله سبحانه وتعالي من خلقه – وهم في طفولتهم – أنهم يحتاجون إلي معجزة حسية حتي يؤمنوا بصدق الرسول الذي أرسل إليهم .

ومن طبيعة المعجزة الحسية أن تكون محصورة في نطاق ضيق، هو نطاق المشاهدين الذين يستطيعون أن يروها بأنفسهم أو يسمعوا من قريب عن حدوثها، لذلك كان طبيعياً أن يعرض الرسول معجزته علي ((قومه)) خاصة لأنهم هم القريبون منه الذين يتسني لهم رؤية المعجزة أو السماع عنها .

ثم يعلم الله سبحانه وتعالي أن البشرية ستنضج ذات يوم فلا تصر علي المعجزة الحسية، المحدودة النطاق بطبيعتها، وإنما يتيسر لهم أن يؤمنوا بمعجزة من نوع آخر، غير محدود النطاق، فيرسل بها رسوله صلى الله عليه و سلميبلغ بها العالمين.

والله هو الأعلم بخلقه، وبما يصلح لهم في كل حين من الزمان: ((ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير))(الملك : 14).

  1. شمولها لمطالب الحياة البشرية في جميع الميادين :

كما كانت الرسالات السابقة محدودة في المكان فقد كانت كذلك محدودة فيما تشمله من نواحي الحياة البشرية.

لقد جاءت كلها شاملة للقضية الكبري التي لا تستقيم حياة البشر من غيرها في الدنيا ولا في الآخرة، تلك هي قضية الألوهية : لا إله إلا الله، اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. ثم جاءت – إلي جانب ذلك – بإرشادات وتشريعات تناسب حالة القوم الذين بعث الرسول إليهم، وتصلح المفاسد الموجودة لديهم، كما بعث شعيب يقول : ((أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين(118) وزنوا بالقسطاس المستقيم(182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين))(الشعراء : 181-183).

وبعث لوط يقول : ((أتأتون الذكران من العالمين(165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون))(الشعراء : 165،166).

ثم جاءت التوراة شاملة لكثير من جوانب الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ولكنها محدودة بقوم معينين، هم بنو إسرائيل، وزمن معين مقدر في علم الله، لذلك تعد تشريعاً خاصاً بهم، يلائم أحوالهم الخاصة، ويراعي تقسيماتهم السبطية (نسبة إلي الأسباط الأنثي عشر وهمن أولاد يعقوب عليه السلام) ويكلف كل سبط منهم بمهمة معينة في حياة تلك الجماعة المحدودة المحصورة .

وجاء عيسي عليه السلام يقول لهم : ((ومصدقاً لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم))(آل عمران : 5.).

فالإنجيل يعتبر مكملاً للتوراة في الواقع وتعديلاً جزئياً لبعض أحكامها، أو تخفيفاً لبعض العقوبات التي فرضت علي بني إسرائيل من جراء ظلمهم .

ثم جاء الوقت الذي يعلم الله أن البشرية قد تهيأت فيه لتلقي رسالة عامة شاملة، وقدر الله أن تبقي هذه الرسالة في الأرض إلي يوم القيامة، فأصبح من المناسب لهذه الرسالة – الشاملة للبشرية كلها – أن تكون شاملة كذلك لكل مطالب البشرية في جميع الميادين .

وهذا هو الحق بالنسبة للرسالة المحمدية .

إنها تشتمل بادئ ذي بدء – كالرسالات كلها – علي القضية الكبري، قضية الألوهية (وسنتكلم عن هذه النقطة بشيء من التفصيل في قرة تالية)؛ لأنها هي المقوم الأول من مقومات الحياة البشرية، التي لا يستقيم بدونها أي إصلاح في الأرض، ومن ثم فهي المطلب الأول من مطالب الإنسان الصالح في الحياة الدنيا.

ثم تشتمل بعد ذلك علي تشريعات وتوجيهات في كافة شئون الحياة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية والروحية والخلقية ... إلخ .

ولا يتسع المجال في هذا الكتاب لدراسة مفصلة لتلك الجوانب كهلا، فهي مجال المتخصصين في دراسة الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي، ولكنا نشير فقط فيما يتعلق بدراستنا الحاضرة إلي ثلاثة أمور :

1- أنه لا يوجد جانب من جوانب الحياة البشرية علي الإطلاق لم يتعرض له الإسلام بتشريع أو تنظيم، فهو بصفة عامة ينظم علاقة الإنسان بربه (وهي العبادة بشتي أنواعها وفي مقدمتها الاعتقاد بوحدانية الله والالتزام بطاعته)، وعلاقة الإنسان بشتي أنواعها وفي مقدمتها الاعتقاد بوحدانية الله والالتزام بطاعته)، وعلاقة الإنسان بنفسه (وهي التزكية التي تشير إليها الآية: ((قد أفلح من زكاها))(الشمس : 9).

وجميع الأخلاقيات والأعمال اللازمة لهذه التزكية)، وعلاقة الإنسان بغيره (وهذه تشمل العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصفة عامة، أي : علاقة الفرد بالفرد، وعلاقة الفرد بالأسرة بما في ذلك علاقات الجنسين، وعلاقة الفرد بالمجتمع، وعلاقة الحاكم بالمحكوم، ثم علاقة المسلمين عامة بغير المسلمين في السلم وفي الحرب. وهي التي يقابلها في الاصطلاحات الشائعة بين الناس اليوم: القانون المدني، وقانون الأحوال الشخصية، والقانون الجنائي، والقانون التجاري، وقانون الإجراءات والقانون الدستوري، والقانون الدولي.

بل إن الإسلام قد عني كذلك بنواح من الحياة لم يرد ذكرها في آية رسالة سابقة _(ولا أي تنظيم بشري سابق) كالعناية بالطهارة والنظافة : ((وثيابك فطهر)) (المدثر:4) والزينة، قال تعالي : ((يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد))(الأعراف:31). ((والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة))(النحل:8)، ولفت النظر إلي الجمال في خلق الله: ((ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون))(النحل:6) ((انظروا إلي ثمره إذا أثمر وينعه))(الأنعام:99). ((أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة))(النمل:6.).

2- أن الله سبحانه وتعالي –وقد فرض هذه الشريعة إلي أن تقوم الساعة- يعلم أنه ستجد للناس في حياتهم أمور، وأن الحياة لن تبقي علي صورتها يوم نزل هذا الدين، لذلك نجد في الشريعة نوعين من التشريعات.

( أ ) تشريعات مفصلة تفصيلاً كاملاً ودقيقاً للأمور التي لا ينبغي أن تتغير في حياة البشر لأنها غير متعلقة بما يجد في حياة الناس من أمور كشعائر التعبد، والحدود، وعلاقات الجنسين، وعلاقات الأسرة، وعلاقة المسلمين بغير المسلمين ..إلخ .

(ب) تشريعات مجملة تتناول الأصول العامة دون التفصيلات للأمور التي يعلم الله سبحانه وتعالي أنها تتغير في حياة البشر بتغير ظروفهم وأحوالهم ومدي قيامهم بعمارة الأرض واستغلال الطاقات التي سخرها الله للإنسان ((وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه))(الجاثية:13).

وذلك كالنواحي السياسية والاقتصادية التي تتغير صورتها علي الدوام من جيل إلي جيل. ولكنها، رغم تغيرها، ينبغي أن تلتزم بأصول ثابتة، فالصورة السياسية مثلاً تتغير، ولكن الحكم بما أنزل الله لا بأي شريعة أخري مسألة لا يجوز أن تتغير و مبدأ الشوري لا يجوز أن يتغير. والحكم بين الناس بالعدل لا يجوز أن يتغير. ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يجوز أن يتغير، وكذلك فإن الصورة الاقتصادية تتغير بتغير ما يستغل من طاقات السماوات والأرض، ولكنها في تغيرها ونموها المستمر لا ينبغي أن تخرج عن الأصول العامة التي تحكمها، كتحريم الربا والاحتكار والغصب والسلب والنهب والغش والسرقة في أي صورة من صورها، كما ينبغي ألا يكنز وألا يستخدم في المعصية، وأن تؤدي زكاته، وأن ينفق منه في سبيل الله .

وبذلك تتحقق لهذه الشريعة صفة المرونة في الأمور المتغيرة مع ثبات الأصول العامة التي تحكمها .

3- أن هناك أموراً متروكة لم يرد بشأنها نص وهي التي قال عنها الرسول صلى الله عليه و سلم: ((إن الله تركها رحمة بالناس غير نسيان)) وهذه تتسع لما يجد في حياة الناس من مخترعات ومكتشفات وتنظيمات، وهي متروكة للاجتهاد بما لا يتعارض مع نص من نصوص الشريعة .

بهذه الصورة المعجزة يتسع الإسلام لكل نمو البشرية منذ نزول هذه الشريعة إلي أن تقوم الساعة. لا يقف في سبيل نموها السليم، وإنما يقف فقط في طريق انحرافاتها فيقومها، لأن غايته الأصلية هي تقويم حياة البشر علي الأرض في جميع العصور، حتي يكون الإنسان دائماً كما خلقه الله، وكما أراده أن يكون: ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم(4) ثم رددناه أسفل سافلين(5) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات))(التين : 4-6).

فلا يقف الإسلام في سبيل التقدم العلمي والتقدم الحضاري. بل إن الإسلام هو الذي بعث المسلمين لينشئوا حركة علمية ضخمة، كان من أهم آثارها المنهج التجريبي في البحث العلمي، الذي تعلمته أوربا علي يد المسلمين في الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية وجنوب إيطاليا الإسلامي، والذي قامت عليه نهضتها العلمية الحاضرة. والإسلام هو الذي أنشأ حضارة تاريخية ضخمة أنارت العالم كله وقت أن كانت أوربا تعيش في ظلام القرون الوسطي، الملظمة بالنسبة إليهم، المزدهرة بالنسبة للإسلام. وكان أروع ما في هذه الحضارة أنها تعمر الأرض بأقصي ما في طاقة البشر من قدرة علي التعمير في جميع الميادين وجميع الاتجاهات، ولكن دون أن تقطع ما بين الإنسان وخالقه، كما تصنع الحضارة الجاهلية المعاصرة في الغرب، ودون أن تقطع ما بين الحياة الدنيا والآخرة، كما تصنع تلك الجاهلية، فتدفع الناس دفعاً إلي التكالب المزري علي شهوات الأرض، وعلي تحطيم كل القيم الفاضلة في سبيل ذلك المتاع الرخيص، وما ينشأ عن ذلك حتماً من فساد الفطر وفساد الأخلاق والصراع الرهيب الذي يهدد الأرض بالدمار!

كلا! إن الإسلام ينشئ حضارة من نوع آخر، أثمن وأعلي، حضارة تعمر الأرض، ولكنها تعمرها بمقتضي المنهج الرباني، فلا تحرم الناس من المتاع الطيب، ولكنها تحافظ علي كيانهم الإنساني وهم يتناولون ذلك المتاع، ولا تهبط بهم إلي مستوي الحيوان: ((قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون))(الأعراف:32) ((والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم))(محمد : 12).

5- منهجها الفكري :

تميزت هذه الدعوي كذلك بأن لها منهجاً فكرياً في البحث عن الحق.

إن هذه الدعوة تخاطب الإنسان كله، وجدانه وفكره علي السواء. وكما يستثير القرآن وجدان الإنسان لينفعل بمشاهدة آيات الله في الخلق فيحس بعظمة الخالق وقدرته المعجزة، فيخضع وجدانه لعظمة الله ويستسلم له، فكذلك يوقظ القرآن عقل الإنسان ليتدبر، وليناقش الأمور مناقشة فكرية منطقية هادئة تصل به إلي اليقين.

فبينما يخاطبه، لإثارة وجدانه، بمثل هذه الآيات : ((قل الحمد لله وسلام علي عباده الذين اصطفي آلله خير أما يشركون(59) أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون(6.) أمن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون(61) أمن يجب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكرون(62) أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته أإله مع الله تعالي الله عما يشركون(63) أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين))(النمل:59-64).

فإنه يخاطبه لإيقاظ عقله بمثل هذه الآيات: ((أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون))(النحل:17).

(( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا))(الأنبياء : 22) .

((ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا يعضهم علي بعض سبحان الله عما يصفون))(المؤمنون : 91).

((أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً))(النساء:82).

((أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون))(الطور : 35).

((الذي خلق سبع طباقاً ما تري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور(3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير))(الملك:3،4).

((وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون))(البقرة : 17.).

((ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً))(الإسراء:36).

((قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثني وفرادي ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ))(سبأ : 46) .

إن هذه الآيات وأمثالها تكون في مجموعها منهجاً فكرياً للوصول إلي الحق يمكن تلخيصه في هذه النقاط:

  1. التخلي عن التقليد الأعمي والموروثات الفاسدة التي لا تقوم علي دليل ولا برهان .
  2. عدم اقتفاء أي فكرة قبل تمحيصها وعرضها علي البرهان والمنطق، لأن الإنسان مسئول عن تفكيره واعتقاده، لأن الله أعطاه سمعاً وبصراً وعقلاً ليفكر لنفسه ويتدبر، ويوم القيامة سيسأل سمعه وبصره وعقله: كيف اقتفي شيئاً دون أن يعرف حقيقته؟
  3. التدبر في كل الأمور بالمنطق العقلي، وعدم اتخاذ المواقف بدافع الهوي لأن الهوي يعمي الإنسان عن الحق .

فإذا اتبع الإنسان هذا المنهج، فألقي عنه موروثاته التي لا تقوم علي دليل، وكف عن التقليد الأعمي، ورفض أن يتبع شيئاً يعرض عليه إلا ببرهان، ثم راح يفكر بالمنطق بعيداً عن الهوي فإنه لابد واصل بإذن الله إلي الحق.

وقد تميزت هذه الدعوة بمنهجها الفكري هذا عن سائر الرسلات قبلهاه، حيث كانت المعجزاتت الحسية هي الدليل علي صدق الرسول المرسل من عند الله، وكانت وسيلة الناس إلي التصديق هي مشاهدة المعجزة أو السماع بها.

أما هذه الدعوة التي أراد الله لها أن تبقي حتي يرث الله الأرض ومن عليها، فقد جعلها – سبحانه وتعالي – موجهة إلي العقل، لتخاطب أجيال البشرية كلها منذ نزولها إلي آخر الزمان، لا عن طريق شيء حسي يراه جيل بعينه، ولكن عن طريق أداة دائمة في تركيب الإنسان وهي العقل. والعقل مصاحب للإنسان في كل أجياله وفي أي مكان يكون فيه. ومن ثم تخاطبه هذه الرسالة وتدعوه إلي التصديق بها عن طريق هذه الأداة الكامنة في تركيبه، فلا يجد مفراً – لو أخلص في استخدام عقله – من التسليم بما فيها من حق .

والقرآن لا يطالب الناس بالتسليم الأعمي بشيء علي الإطلاق، بل يطالبهم بالتدبر والتفكر في كل القضايا – حتي قضية الألوهية الواجبة التسليم – لكي يسلموا عن اقتناع، فيبقي التسليم راسخاً لا يهتز ولا يتقلقل.

قضية الألوهية، قضية الرسالة، قضية الوحي، قضية البعث – وهي كلها من أركان الإيمان الأساسية =- لم يطلب القرآن التسليم بها بلا دليل! إنما قال للناس : فكروا وتدبروا ثم اسألوا أنفسكم بعد التفكر والتدبر، أإله مع الله؟! أيعجز الله عن إرسال الرسل وتنزيل الوحي وإحياء الموتي ومحاسبتهم؟! فإذا كان الجواب الذي يصل إليه العقل هو النفي، فقد وجب الإيمان إذن ووجب التصديق .

وليس معني ذلك أن العقل البشري يستطيع أن يحيط علماً بكل شيء ، فإن له حدوداً لا يستطيع أن يتجاوزها مهما حاول. ولكن المعني أن الإسلام قد دعا العقل البشري أن يعمل فيما هو متاح له، ليصل إلي اليقين في تلك الحقائق الرئيسية الكبري التي تكون أساس الإيمان، وأن الإسلام قد تفرد بهذا بين الرسالات.

علي أن المنهج الفكري الذي تتميز به هذه الدعوة الإسلامية لا ينحصر فيما يتعلق بأمور العقيدة، بل يمتد فيشمل ميادين أخري.

فإذا كان القرآن قد طالب العقل البشري بأن يتدبر آيات الله في الكون ليتعرف علي الخالق الذي له ملك السماوات والأرض وهو علي كل شيء قدير، فقد طالبه كذلك بالتفكر في تلك الآيات ليتعرف علي السنن الربانية التي تحكم سير هذا الكون، ليتمكن من استخدام ما سخر الله له في هذا الكون من طاقات: ((وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه))(الجاثية : 13).

((وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً))(الإسراء : 12).

((يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت))(البقرة : 189).

((لقد جعل الله لكل داء دواء فإذا مرضتم فتداووا ))

وإن أمثال هذه التوجيهات في القرآن والسنة التي لا تكتفي بطلب مشاهدة الأشياء بل تلفت النظر إلي عللها، لهي التي بعثت الأمة الإسلامية تطلب العلم من مصادره التي كانت متاحة يومئذ، ثم تنشئ من بعد حركتها العلمية الذاتية التي تتلمذت عليها أوربا فأنشأت نهضتها .. وكان أبرز ما فيها منهج المشاهدة والملاحظة والتجريب، الذي يقوم علي أساسه كل التقدم العلمي الحاضر .

كذلك يطلب القرآن من العقل البشري أن يتأمل في حكمة التشريع (بقدر ما يتاح له) حتي إذا طبقه كان تطبيقه واعياً متفهماً÷، فتختتم كثير من آيات الأحكام بمثل هذا التعقيب: ((كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون))(النور : 61).

وهذا التوجيه هو الذي أنشأ الفقه الإسلامي، وهو أثمن ما أنتجه العقل المسلم من روائع، وما يزال هذا النتاج حياً وقابلاً للحياة والنمو ما دامت الحياة .

كما أن الإسلام وجه العقل البشري إلي تدبر السنن الربانية التي تسير حياة البشر علي الأرض: ((ولن تجد لسنة الله تبديلاً))(الفتح : 23).

((إن الله لار غير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم))(الرعد : 11).

((ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون))(الروم:41)

(( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً))(الإسراء:16)

((ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض))(الأعراف:96).

((فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتي إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون))(الأنعام : 44).

((واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة))(الأنفال:25).

((لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم)).

والغرض من هذه التوجيهات هي أن يعرف الإنسان أن حياته لا تمضي بلا ضوابط، وأنه ليس معفي من نتائج عمله. بل إن كل عمل يعمله الإنسان فرداً أو جماعة له عواقبه سواء في الحياة الدنيا أو في الآخرة، حسب سنن ربانية لا تتبدل ولا تتحول ولا تحابي فرداً ولا جماعة. فمن أجل ذلك عليه أن يتدبر الطريق الذي ينبغي أن يسلكه، ويتدبر عواقب عمله قبل أن يقدم عليه .

كذلك يطلب الإسلام من العقل البشري أن يتدبر عبرة التاريخ: ((قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين))(آل عمران: 137).

(( أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثاراً في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق))(غافر:21).

((أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور))(الحج:46).

فالمطلوب إذن هو دراسة التاريخ لا علي أنه مجموعة من الحوادث حدثت بغير رابط ولا دلالة، ولكن علي أن يجري حسب السنن الربانية الثابتة، وأن هناك رباطاً يربط الأحداث هو قدر الله المقدور، الذي يسير حسب تلك السنن الثابتة، فإذا تدبر العقل ذلك ووعي عبرة التاريخ، فإنه قمين ألا يقع فيما وقع فيه السابقون من أخطاء وخطايا، بل يقوم خطاه بحيث لا تصطدم مع السنن الربانية، فيسير آمناً في الحياة الدنيا، وفي طريق يؤدي به إلي الأمن في الدار الآخرة.

وعلي ذلك يمكن تلخيص المجالات التي يطلب الإسلام من العقل البشري أن يتفكر فيها بهذه المجالات الخمسة:

  1. التدبر في آيات الله في الكون للتعرف علي الخالق والإيمان به والتسليم له .
  2. التدبر في آيات الله في الكون للتعرف علي السنن التي تسير الكون لاستخلاص طاقاته وتسخيرها لعمارة الأرض .
  3. التدبر في حكمة التشريع لإحسان تطبيقه علي الأحوال المتجددة في حياة الناس .
  4. التدبر في السنن الربانية التي تسير حياة الناس في الأرض بمقتضاها لتقويم حياة المجتمع البشري.
  5. التدبر في عبر التاريخ والاستفادة منها في تجنب الأخطاء، والاستقامة علي الطريق الصحيح.

وذلك أوسع مجال يمكن للفكر البشري أن يعمل فيه العمل المثمر المفيد .

  1. غني مصادرها التشريعية :

مما تميزت به هذه الدعوة كذلك غني مصادرها التشريعية. فالرسالات السابقة كلها تجد تشريعاتها محصورة في الكتاب المنزل فحسب. أما هذه الدعوة التي لم تنزل لقوم محدودين ولا لفترة من الزمان محدودة، وإنما نزلت للبشرية كافة ولأمد من الزمن ممتد إلي قيام الساعة، فقد خصها الله بسعة في المصادر التشريعية تلائم سعة رقعتها وامتداد زمانها فنجد مع الكتاب سنة الرسول صلى الله عليه و سلمتفصل ما أجمله الكتاب وتبين أحكامه تارة، وتستقل بتقرير الحكم تارة أخري. فقد فرض الله الصلاة –مثلاً- ولكن أحكام الصلاة بينتها السنة. وكذلك الأمر في الزكاة، فالسنة هي التي فصلت أحكامها وأنواعها ومقاديرها. واستقلت السنة ببعض الأحكام كحد الردة وحد الخمر وحكم الرجم للزاني المحصن، وأحكام البيع والشراء ...إلخ.

وإلي جانب الكتاب والسنة فباب الاجتهاد مفتوح فيما لم يرد فيه نص، أو في طريقة تطبيق النص علي حالة لم تقع في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم، وهذا هو الذي كفل لهذه الشريعة أن تتسع للنمو الدائم في حياة البشر ولا تضيق عنه، وجعل الحياة في ظلها تتحرك وتنمو أبداً ولا تتجمد، وهو ما لم يكن متاحاً للدعوات السابقة لأن الله قدر لها فترة محدودة من الزمن تنسخ بعدها، أما هذه الرسالة فلا ناسخ لها، لذلك وهبها الله القدرة علي الامتداد ومواكبة الحياة المتجددة علي الأرض .

ويعد العلماء مصادر التشريع في الإسلام بهذه الأصول الأربعة :

( أ ) الكتـاب .(ب) السنــة (ج ) والإجماع . ( د ) والقياس .

  1. موافقتها للفطرة البشرية :

حين نقول : إن هذه الرسالة تميزت بموافقتها للفطرة البشرية فليس معني هذا أن الرسالات السابقة مخالفة للفطرة فكل الرسلات من عند الله أصلاً (وإن كان قد أصابها التحريف فيما بعد) ولكن الرسالات السابقة كما أسلفنا قد روعي فيها أنها جاءت لقوم محدودين، ولفترة من الزمن محدودة، لذلك كانت كلها تعالج أموراً محلية وجزئية. أما هذه الرسالة العالمية الممتدة في الزمن فقد جاءت لتعالج أمر الإنسان كله، بصرف النظر عن جنسه أو لونه أو لغته أو زمانه أو مكانه .. ومن ثم فهي تتعامل مع الفطرة الإنسانية ذاتها في جميع أحوالها لا مع البيئة ولا الزمان ولا المكان، فروعي فيها من لدن منزلها جلت قدرته أن تكون موافقة للفطرة تماماً ومتلبسة بها .

إن الله هو خالق الفطرة البشرية العليم بما يصلحها، وما يصلح لها. وهو منزل هذا الدين. نزله علي علم. وفصله علي قد الإنسان: ((فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم))(الروم:3.).

وكلما مر الزمن، وتقلبت البشرية في النظم الجاهلية بعيداً عن منهج الله فأصابتها الاضطرابات والانحرافات، تبين لنا ما كان خافياً علينا من حكمة هذا الدين في موافقته للفطرة البشرية وتقويمه لانحرافاتها.

إن في الفطرة البشرية كما خلقها الله مجموعة من الدوافع أودعها الله في الفطرة لتعين الإنسان علي القيام بما كلف به من أمر الخلافة في الأرض، كدافع الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس والتملك وإثبات الذات.. إلخ. ولكن هذه الدوافع مع ضرورتها لعمارة الأرض خطيرة علي الكيان البشري إذا تركت بلا ضابط يضبط منطلقها. فعندئذ تتحول إلي شهوات جامحة لا يملك الإنسان نفسه من سلطانها والنظام الأمثل هو الذي يسمح لهذه الدوافع بالقدر المعقول من الحركة فلا يعطلها ولا يكبتها من أصولها، وفي الوقت ذاته يضبط منطلقها فلا تتحول إلي شهوات، فيأخذ الإنسان نصيبه من المتاع الطيب، وينضبط سلوكه في ذات الوقت في الحدود التي لا تعود عليه بالعطب والدمار.

وذلك بالضبط هو ما صنعه الإسلام .

يتيح للدوافع نكلها أن تعمل، لا يستقذر شيئاً منها ولا يستنكره، وفي الوقت ذاته يعمل علي تهذيب هذه الدوافع والارتفاع بها إلي أقصي ما يملك الإنسان من رفعة في حدود كيانه البشري، فلا تصبح شهوات جامحة وإنما رغبات منضبطة بالحدود التي رسمها الله – بعلمه وحكمته – وقال عنها : ((تلك حدود الله فلا تقربوها))(البقرة : 187) . و((تلك حدود الله فلا تعتدوها))(البقرة : 229).

لذلك لا يقر الإسلام الرهبانية، لأنها تعطل دوافع الفطرة وتكبتها .

ذهب ثلاثة رهط إلي بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه و سلم فسألوا عن عبادته صلى الله عليه و سلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها ، فقال أحدهم : أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم قال لهم : ((أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))

كذلك لا يقر الإسلام الانفلات مع الشهوات الجامحة كما تصنع الجاهلية المعاصرة بصفة خاصة، فتفسد الفطرة وتفسد الأخلاق، وتنحط بالإنسان إلي درك الحيوان .

هذا التوازن – الذي رأينا نموذجاً منه في الحديث السابق في أمر الطعام والشراب وراحة الجسد وعلاقة الجنس، والذي يجعل الإنسان ((في أحسن تقويم))- يقيمه الإسلام في جميع مجالات الحياة بلا استثناء … خذ نموذجاً لذلك الملكية الفردية .

إن الغرب الرأسمالي يسمح للفرد بالتملك في غير حدود وبلا ضوابط فينشأ عن ذلك الظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي الموجود في الغرب .

والشيوعية تكبت نزعة التملك فلا تسمح بالملكية الفردية إطلاقاً مما أدي إلي قتل الحوافز الفردية وتناقص الإنتاج حتى أصبحت روسيا – التي تملك أخصب مزارع القمح في العالم، في أوكرانيا وروسيا البيضاء – تحتاج إلي استيراد القمح من أمريكا بسبب عجز الإنتاج! وانتهي الأمر بالشيوعية إلي الانهيار .

والإسلام لا يصنع هذه ولا تلك .

إنه يتماشى مع الفطرة فيبيح الملكية الفردية من حيث المبدأ، ليتيح للحوافز الفردية أن تعمل، ولا يكبتها كما تصنع الشيوعية، ولكنه يضع الضوابط التي تمنع الظلم وتمنع الفساد. فيحرم الربا والاحتكار والغصب والسلب والنهب والسرقة والغش كطرق للتملك أو لتنمية المال. ثم يفرض الزكاة التي تحد من التضخم وتشرك الفقراء في جهد الأغنياء. ويوجب الإنفاق في سبيل الله، ويحرم الكنز، ويحرم الترف والمخيلة بالمال. وهذه كلها ضوابط تمنع ما يحدث في الغرب الرأسمالي من فساد خلقي وظلم اجتماعي وسياسي واقتصادي.

وهكذا لو تتبعت جميع مجالات الحياة تجد التوافق الكامل بين هذا الدين وبين الفطرة البشرية، كما تجد التوجيهات التي تمنع الانحراف أو تعالجه عند حدوثه، فتظل الفطر أقرب ما تكون إلي السلامة، والحياة أقرب ما تكون إلي الاستقرار .

  1. سماحتها ويسرها :

((هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم)) (الحج:78).

((يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ))(البقرة : 185) .

((يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً))(النساء:28).

((وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضي أو علي سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون))(المائدة : 6).

((إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)).

إن الله لم ينزل هذا الدين أصلاً ليعنت به الناس! فماذا يفعل الله بإعنات الناس والشديد عليهم؟ ((إن الله بالناس لرءوف رحيم))(البقرة : 143).

بل إن الله ليس في حاجة إلي عقاب الناس وتعذيبهم في الآخرة كذلك : ((ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليماً))(النساء : 147).

إنما نزل عليهم هذا الدين من أجلهم هم.. من أجل مصلحتهم .. من أجل أن يكونوا ((في أحسن تقويم)) كما خلقهم . من أجل أن يكونوا مؤهلين للتكريم الذي كرمهم به الله : ((ولقد كرمنا بني آدم))(الإسراء:70).

ثم إنه من رحمته يجعل لهم هذا الدين من أجل مصلحتهم ثم يثيبهم – إذا اتبعوه – بجنته ورضوانه مكافأة لهم علي العمل الصالح الذي عملوه ((وكان الله شاكراً عليماً)).

والإسلام – في معالجته للنفس البشرية ليرتفع بها إلي المقام اللائق بالإنسان – لا يجذب الإنسان كذباً إلي أعلي فيمزق أوصاله! ولا يفرض عليه المثل الأعلي فرضاً فيعجز عنه! إنما يأخذه خطوة خطوة يصعد به نحو القمة حتى تستقيم خطواته ويألف الصعود، ثم يحبه، ثم يحرص عليه!

إنما يفرض الإسلام فقط الحد الأدني الذي لا تستقيم الحياة بدونه، ثم يترك البقية للتطوع النبيل دون إكراه، مع التحبيب المستمر في الصعود: ((زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث ذلك متاع الدنيا والله عنده حسن المآب(14) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد(15) الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار(16) الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار))(آل عمران : 14-17).

أرأيت كيف يعالج الإسلام النفس البشرية؟ إن هذه الشهوات محببة إلي الناس كما تقرر الآية، فهل حرمها الله في ذاتها؟ كلا! إنما رسم لها فقط حدوداً تكون حلالاً في داخلها، حراماً في خارجها. وتلك الحدود هي التي لا تصلح الحياة إلا بها، فهي إذن مفروضة. ولكن الإسلام يحبب للإنسان أن يتخفف من هذه الشهوات حتي لا تصبح شغله الشاغل، وحتي لا تشغله عن الجهاد في سبيل الله – وهو ضرورة – أو تصده الإيمان بالله فتضيع آخرته: فيقول له بادئ ذي بدء: ((قل أؤنبئكم بخير من ذلكم)) خير من الاستغراق مع هذه الشهوات؟ الجنة بما فيها من نعيم خالد ورضوان. ولمن هذا النعيم؟ هنا يرسم صورة جميلة شفيفة رائعة جذابة لعباد الله الين يستحقون ذلك النعيم: إنهم الصابرون والصادقون والقانتون والمنفقون والمستغفرون بالأسحار.. صفات كلها نبيلة وحبيبة إلي النفس. والقرآن يشجع عليها بهذا العرض الرائع الجميل. أرأيت إن شغل الإنسان نفسه بتحصيل هذه الصفات الجميلة، أيعود يستغرق في الشهوات؟! كلا! إنه – من ذات نفسه – سينصرف عنها، دون إحساس بالقسر ولا بالإعنات، وما يريد الإسلام منه في الوقت ذاته أن ينصرف عنها انصراف الرهبانية المعنت، إنما انصراف التخفف والترفع والرضي بالقدر الطيب المعقول .

ويفرض الإسلام صلوات محددة في اليوم والليلة، ولكنه يحبب في النوافل: ((ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتي أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمعه وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها)).

وكذلك يفرض صيام شهر رمضان، ولكنه يحبب في صيام النفل .

ويفرض الزكاة بمقادير معينة في المال، ولكنه يحبب في الإنفاق في سبيل الله .

وهكذا يأخذ بيد الإنسان في رفق يحببه في الصعود حتي يحبه ويستقيم عليه، فينطبق عليه هذا الوصف: ((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون))(فصلت:3.).

أما التكاليف المفروضة في ذاتها فقد روعي فيها أن تكون في حدود الطاقة البشرية : ((لا يكلف الله نفسا إلا وسعها))(البقرة : 286).

فإن عجز الإنسان عنها – عجزاً حقيقياً لا ادعاءً ولا فراراً من التكليف ((والله أعلم به)) – فإن الله يخفف عنه بمقدار عجزه، ويوجهه أن يقول : ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته علي الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا))(البقرة : 286).

ثم إن زل فإن الله لا يطرده من رحمته إلا إذا أصر ...

((فتلقي آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم))(البقرة : 37).

((والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا علي ما فعلوا وهم يعلمون(135) أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين))(آل عمران : 135،136).

Publicité
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article