فأما دعوة إبراهيم عليه السلام (( التي سبقت الإشارة إليها)) فهي المتضمنة في قوله تعالي : ((وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم(127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم(128) ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم))(البقرة : 127-129).
وأما بشارة عيسي عليه السلام فهي في قوله تعالي : ((وإذ قال عيسي ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين))(الصف : 6).
وأما رؤيا أم النبي صلي الله عليه و سلم فهي عن ابن عباس : ((أن آمنة كانت تقول: أتاني آت حين مر بي من حملي ستة أشهر في المنام. وقال لي : يا آمنة إنك حملت بخير العالمين، فإذا ولدته فسميه محمدأً واكتمي شأنك)).
وهكذا التقت الدعوة والبشارة والرؤيا كأنها نقط لامعة علي الأفق، تشير كلها إشارة موحدة إلي شخص الرسول صلي الله عليه و سلم وهو بعد في ضمير الغيب، حتي ولد فانطلق منه النور .
(2)
بشارة التوراة والإنجيل
تحدثنا من قبل (في الفصول الأولي) عن إشارات التوارة والإنجيل إلي الرسول صلي الله عليه و سلم رغم ما أصابهما من التحريف علي يد اليهود والنصاري، فإذا رجعنا في هذا الشأن إلي القرآن نجد إشارتين صريحتين في هذا الصدد.
((الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون))(الأعراف:157).
((محمد رسول الله والذين معه أشداء علي الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوي علي سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيماً))(الفتح:29) .
وإذا كان اليهود والنصاري – خلال التاريخ – قد طمسوا تلك الإشارات الواضحة، فغنهم لم يستطيعوا محوها محواً كاملاً ! وقد أشرنا من قبل إلي نسخة التوراة القديمة التي عثر عليها في دير سانت كاترين بسيناء عام 1365هـ – 1945م ، وفيها ذكر صريح للرسول صلي الله عليه و سلم ثم اختفت بعد ذلك ولم يعد يرد لها ذكر !
وكان اليهود في المدينة – قبيل بعثة الرسول صلي الله عليه و سلم - يقولون للأوس والخزرج: لقد أظل زمان نبي! وسوف نقاتلكم به ونغلبكم. وإلي هذا تشير الآية القرآنية: ((ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون علي الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله علي الكافرين))(البقرةك89).
وهم حين كانوا يقولون ذلك للأوس والخزرج لم يكونوا يرجمون بالغيب، وإنما كانوا يشيرون إلي ما هو مكتوب عندهم في التوراة. مما يدل علي أن نسخ التوراة القديمة لم تذكر الرسول صلي الله عليه و سلم باسمه وصفته فحسب، بل أشارت كذلك إلي مكان بعثته وإلي زمانها التقريبي، مما جعل اليهود يتوقعون قرب البعثة المحمدية. بل إن النص الذي اوردناه من التوراة آنفاً ليدل علي أنهم كانوا يعرفون مكان بعثته ومكان هجرته كذلك، وذلك علي الرغم مما ألقي علي النص من الغموض!
أما النصاري فقد بدلوا في الإنجيل لما دونوه بعد مدة من رفع عيسي عليه السلام، ثم ظلوا كلما ترجموه من لغة إلي لغة يزيدون الإشارات إلي الرسول صلي الله عليه و سلم غموضاً، ومع ذلك فما تزال هذه الإشارة باقية في أناجيلهم علي لسان عيسي عليه السلام وهي : ((سيأتي من بعدي الفاراقليط) وفي بعض النسخ يضاف إلي هذه العبارة ((من لا استحق أن أحل سيور حذائه))(). ويأتي وصفه : ((يملأ الأرض نوراً وعدلاً) وفي بعض النسخ: ((يوبخ العالم علي خطيئته، ويعلم الناس جميع الحق، لأنه ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع من عند الله))، ومعني ذلك أنه رسول موحي إليه من عند الله. وقد مر علي ذلك قرابة عشرين قرناً من الزمان، وما جاء إلا محمد صلي الله عليه و سلم نبياً ورسولاً.. ولن يجئ غيره! فهو هو ا لذي تشير إليه أناجيلهم بلفظ الفاراقليط.
وقد أمر موسي وعيسي عليهما السلام أتباعهما أن يؤمنوا بهذا الرسول حين يأتيهم، قياماً بأمر الله وميثاقه مع الرسل جميعاً : ((وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم علي ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين))(آل عمران:81).
ولكنهم نكلوا عن أمر أنبيائهم حسداً من عند أنفسهم : ((ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتي يأتي الله بأمره إن الله علي كل شيء قدير))(البقرة : 1.9).
((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كمنا يعرفون أبنائهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون))(البقرة:146).