الإتيان بهذه الأركان في كل خطبة من الخطبتين عند من قال بها
اتفق من قال بركنية هذه الأربعة، وهي: الحمد، والصلاة على النبي والوصية، وقراءة شيء من القرآن في خطبة الجمعة، وهم الشافعية، والحنابلة على أن الحمد ركن في كل خطبة من الخطبتين (1)، واختلفوا في غيره من الأركان، وذلك كما يلي:
اختلفوا في الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم على قولين:
القول الأول: أنها ركن في كل منهما، وبهذا قال الشافعية في الصحيح والمشهور عندهم (2) والحنابلة (3).
القول الثاني: أنها ركن في إحداهما من غير تعيين. وهذا وجه عند الشافعية (4) لكن قال عنه النووي: " شاذ مردود " (5)، وسيأتي دليل أصحاب القول الأول، أما أصحاب القول الثاني فلم أطلع على قول لهم، لكن قولهم ضعيف كما ذكر النووي.
واختلفوا في الوصية بتقوى الله - تعالى - على قولين:
القول الأول: أنها ركن في كل منهما. وبهذا قال الشافعية(6) وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (7).
القول الثاني: أنها ركن في الثانية فقط.، وبهذا قال بعض الحنابلة (8).
الأدلة: استدل أصحاب القول الأول في الركنين بما يلي:
أن كل خطبة من خطبتي الجمعة منفصلة عن الأخرى، فيجب أن تستقل بأركانها، ومنها الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم والوصية بتقوى الله - تعالى - (9)، وأما الأقوال الأخرى فلم أطلع على أدلة لها، ولا شك أن ما استدل به أصحاب القول الأول فيه قوة، مما يرجح قولهم.
واختلفوا في قراءة القرآن على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها ركن في كل منهما، وهذا وجه مشهور عند الشافعية (10) وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (11).
القول الثاني: أنها ركن في الأولى فقط، وهذا وجه عند الشافعية (12) وبه قال بعض الحنابلة (13).
القول الثالث: أنها ركن في إحداهما من غير تعيين، وبهذا قال الإمام الشافعي، وهو الوجه الصحيح عند أصحابه (14).
الأدلة: أدلة أصحاب القول الأول:
1- أن كل خطبة من خطبتي الجمعة منفصلة عن الأخرى، فيجب أن تستقل بأركانها، ومنها قراءة القرآن (15).
2- أن ما وجب في إحدى الخطبتين وجب في الأخرى، كسائر الفروض (16).
3- أن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين، فكانت قراءة القرآن في كل واحدة منهما شرطا كالركعتين (17).
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن قيام الخطبتين مقام الركعتين لم يثبت عليه دليل كما تقدم (18).
دليل أصحاب القول الثاني: ما رواه الشعبي (19) قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال: (السلام عليكم)، ويحمد الله، ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه (20).
وجه الدلالة: ظاهر الحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه و سلم إنما قرأ في الخطبة الأولى فقط، ووعظ في الثانية، وهذا يدل على أن محل قراءة القرآن في الخطبة الأولى (21)
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أنه مرسل، لأن الشعبي تابعي، فهو لم يولد إلا في خلافة عمر كما في ترجمته، فلا يصلح للاحتجاج.
الوجه الثاني: على تقدير ثبوته فإنه ليس بظاهر الدلالة، فليس فيه أنه لم يقرأ في الثانية، وقوله: " ثم يقوم فيخطب " محتمل للقراءة أثناءها، أما أصحاب القول الثالث فلم أطلع على دليل لهم، ولعلهم يستدلون بأن المطلوب هو قراءة القرآن في الخطبة، وذلك حاصل بالقراءة في أي واحدة من الخطبتين، لكن هذا غير ظاهر لما ذكره أصحاب القول الأول من استقلال كل منهما عن الأخرى.
الترجيح: تقدم ترجيح سنية قراءة القرآن في خطبة الجمعة، ولكن بناء على قول من قال بركنيتها الذين اختلفوا هنا فإن الأدلة مع أصحاب القول الأول، والله أعلم.
21 ينظر: المغني 3/174.