مهمة التعليم الأساسية
إن مهمة التعليم الأساسية هي تربية الناس على تلك القيم والمبادئ التي جاء الرسل ليحققوها في واقع الأرض، قبل أن تكون هي إعطاء المعلومات وتكثيفها في أذهان الناس .
إن البشرية لا تتقدم بحوش المعلومات في أذهان الناس، ولا بتحويل هذه المعلومات إلى سيارات وطائرات، وأدوات للمتاع الأرضى، أو إلى قنابل ومدمرات!
إنما تتقدم – كما رأينا في الفقرة السابقة ونحن نتحدث عن فضل الرسل على تقدم البشرية – بالقيم والمبادئ ((الإنسانية))، على أن تكون واقعاً عملياً لا كلمات تلاك في الأفواه بغير رصيد من الواقع .
والسبيل إلى بذر تلك القيم والمبادئ هو التعليم.
وكما كان الرسول صلى الله عليه و سلم هو المعلم الأول، بعد الله سبحانه وتعالى : ((الذي علم بالقلم(4) علم الإنسان ما لم يعلم)) وكان هو المربى الأكمل، فمهمة المعلم كذلك أن يكون هو القدوة لتلاميذه فيما يربيهم عليه من مكارم الأخلاق وأن يهتم بتربيتهم عليها، ولا يكتفي بتلقينهم المعلومات وتدريبهم على الخبرات، فأيا كانت قيمة تلك المعلومات والخبرات فهي وحدها لا تصنع ((إنساناً)) ولا تحرك البشرية إلى عمل واحد من أعمال الخير. إنما الذي يحركها إلى عمل الخير هو إيمانها بالقيم العليا والمبادئ الإنسانية. والمدفع هو المدفع، ولكنه في يد المؤمن أداة لتمكين الحق في الأرض وإقامة العدل الربانى في حياة الناس، بينما هو في يد الكافر أداة للبغى والظلم والطغيان في الأرض بغير الحق. وكذلك كل ثمار ((التقدم العلمى)) هي أدوات يمكن استخدامها للخير كما يمكن استخدامها للشر. والذي يحدد وجهتها وغايتها هو القيم الكامنة في قلب من يستخدمها .
من أجل ذلك كانت المهمة الأولى للتعليم – قبل إعطاء المعلومات وتكوين الخبرات – هي تكوين هذا القلب الذي سيستخدم المعلومات والخبرات ، لكى يستخدمها للخير لا للشر، يستخدمها لنفع البشرية لا لضررها.
وتكوين القلب إنما يكون بتأديبه بأدب النبوة، فذلك هو السبيل إلى الارتفاع به حتى يصبح (في أحسن تقويم)، إذ الأنبياء – وإمامهم رسول الله صلى الله عليه و سلم - هم صفوة الخلق، وهم القدوة في مكارم الأخلاق. فإذا تأدب الإنسان بأدبهم في الأمانة والصدق، والاستقامة والعدل، ونظافة الظاهر والباطن، المستمدة كلها من تقوى الله وخشيته، فقد تجمع له الخلق الفاضل، وتحققت به الغاية التي سعى الرسل لتحقيقها. ومن ثم صار ((إنساناً صالحاً)) كما يريده الله، وتحقق به وعد الله في الدنيا والآخرة : ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئاً))(النور : 55).
((الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور))(الحج:41).
((ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون))(الأنبياء:1.5).
وبعبارة أخرى فإن مهمة التعليم الأساسية هي تكوين الإنسان العابد لله، بالمعنى الواسع الشامل للعبادة، الذي يشمل الاعتقاد والعمل. يشمل شعائر التعبد وعمل الصالحات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا الإنسان العابد لله – بالمعنى الشامل للعبادة – هو الذي يقيم المدنية الفاضلة. هو الذي يعمر الأرض بمقتضى المنهج الربانى. هو الذي يقيم العدل الربانى بين الناس. هو الذي ينتصر للحق. هو الذي يجاهد في سبيل تحقيق المثل العليا، وتحويلها إلى واقع حى ملموس.