إن الإيمان بأن القرآن هو كلام الله المنزل على رسوله صلى الله عليه و سلم ، فكان قمة لا يدانيها شيء في تاريخ البشرية كلها.
والعقيدة ليست كلمة تقال باللسان: أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله .. وإنما هي واقع يعايش، ومنهج كامل للحياة .. إنها حياة كاملة في ظل الله تستمد من أوامره وتوجيهاته، وتعمل بمقتضاها في واقع الأرض.
وإن المساحة العظيمة التي يشملها الحديث عن العقيدة في كتاب الله لم تكن من أجل هذه الكلمة التي تقال باللسان، وإنما من أجل أن تتحول إلى عمل مشهود في عالم الواقع، وتترجم إلى وجدان وسلوك: ((أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب(19) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق(2.) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب(21) والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار))(الرعد:19-22).
ولنعلم كذلك أن أسماء الله الحسنى وصفاته وأعماله الواردة في كتاب الله في معرض الحديث عن العقيدة لم تنزل لنحولها إلى أمور جدلية عقيمة كما فعلت الفرق الضالة الشاردة في تاريخ الإسلام. إنما نزلت للتعريف بالله سبحانه والإيمان بها وإثباتها كما جاءت من غير تحريف ولا تأويل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل، فيتربى المؤمنون على حقائق الإيمان الموروث عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وصحابته الأخيار.
حين يقول الله سبحانه وتعالى : ((إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين))(الذاريات : 58).
فهو يعلمنا – من ناحية – بأمر مما اختص به الله سبحانه وتعالى، وهو أن الله وحده هو الرزاق دون شريك يشاركه في الرزق. وهو يربينا – من جهة أخرى – على هذه الحقيقة الإيمانية لنوقن - في السراء وفي الضراء سواء – أنه لا أحد على الإطلاق يملك قطرة واحدة من الرزق، لا أن يزيدها ولا أن ينقصها ولا أن يقطعها سوى الله. ومن ثم فلا يجوز لنا أن نتوجه لغير الله في طلب الرزق، ولا يجوز لنا أن نميل عن قولة الحق حفاظاً على الرزق، أن نتبع أحداً من الظالمين – بالباطل- خشية أن يقطع عنا الرزق، لأن شيئاً من ذلك لا يتم بأيدى البشر في الحقيقة إنما يتم بتقدير الله، وإن كان البشر – في الظاهر- هم الذين يصنعون هذا أو ذاك.
والتربية على العقيدة أمر غير مجرد المعرفة النظرية بحقائق العقيدة، فكثير من الناس إذا قلت له إن الله هو الرزاق وحده قال : نعم! فإذا تعرض لمحنة أو ضيق أو هدد في رزقه تزلزت هذه الحقيقة في قلبه لأنها لم تكن راسخة بالفعل.. لم تكن تحولت إلى يقين، وإلى سلوك مبنى على ذلك اليقين!
وكل صفات الله وأسمائه واردة في القرآن على هذا النحو، للتعريف بحقيقة الألوهية، وللتربية على حقيقة الإيمان، وأن الله هو الضار النافع. المحي المميت. القابض الباسط.. كلها ينبغى أن تتحول في قلوبنا إلى يقين، ثم تتحول في حياتنا إلى سلوك مبنى على هذا اليقين، وعندئذ نكون تربينا – كما تربت الأمة المسلمة الأولى – على حقائق الإيمان الواردة في القرآن .
ويقتضى ذلك أن تتحول حياتنا كلها إلى واقع إسلامى، في كل منحى من مناحى الحياة.
فكما ينبغى أن يستقيم سلوكنا الشخصى على مقتضى كتاب الله، من صدق وأمانة ونظافة وتطهر، وبعد عن الإثم والبغى: ((قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون(151) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكطم تذكرون(152) وأن هذا صراطى مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون))(الأنعام : 151-153).
كذلك ينبغى أن يكون القرآن هو منهج حياتنا العامة إلى جانب حياتنا الفردية، لأن الإسلام لا يفرق بين الفرد والمجتمع في الالتزام بأوامر الله .
فالحكم ينبغى أن يكون بشريعة الله .
وتعاملاتنا الاقتصادية ينبغى أن تكون في جدود ما حلل الله .
وصلاتنا الاجتماعية ينبغى أن تكون محكومة بأوامر الله. في داخل الأسرة وخارجها. في علاقات الجنسين. في علاقات الناس بعضهم ببعض. فيما يحل للمرأة أن تبديه من زينتها، وما يحل للرجل من نظر أو كلام.
والأفكار التي نتعلمها والتي نبثها ينبغى أن تكون متمشية مع مفاهيم الإسلام وتوجيهاته، غير متعارضة مع شيء ألزمنا به في كتابه الحكيم .