إن قضية الإلحاد المنتشر في الأرض اليوم لا تقوم على أي أساس من العقل ولا من العلم، في عصر يزعم لنفسه أنه يعيش في كل أموره على أساس من العقل وأساس من العلم.
فهؤلاء الملحدون حين تواجههم قضية الخلق، وهي القضية التي تتحدى كل منكر لوجود الله، يقولون إن ((الطبيعة)) هي التي تخلق !
وهذا كلام غير علمى، وإن كان يرد على ألسنة يسمونهم ((علماء)) في الجاهلية المعاصرة!
يا سبحان الله!
هذا الإله المزعوم الذي ينسبون إليه الخلق لا هو عاقل ولا هو حكيم.. فهو- على حد قول دارون – يخبط خبط عشواء وليس عنده تدبير منظم لعملية الخلق، فكيف بالله يستطيع هذا الإله المزعوم المتخبط أن يدير الكون بهذه الدقة المعجزة التي نشهد آياتها في كل ما حولنا من شئون الكون والحياة ؟
وكيف استطاع هذا الإله المزعوم أن يخلق الإنسان على هذه الصورة؟ إن الإنسان كائن عاقل ومدبر وله إرادة وغاية وهدف. فهل يستطيع شيء لا إرادة له ولا غاية أن يخلق كائناً له إرادة وغاية؟! وهل يستطيع شيء لا عقل له أن يخلق كائناً مفكراً له عقل؟!
أما العلم فلنسمع فيه شهادة بعض العلماء الذين فتح الله بصيرتهم على جانب من الحقيقة وإن كانوا يعيشون في ذات الجاهلية المعاصرة التي تلف بلاد الغرب .
يقول عالم الأحياء والنبات ((رسل تشارلز إرنست)) الأستاذ بجامعة فرانكفورت بألمانيا: ((لقد وضعت نظريات عديدة لكى تفسر نشأة الحياة في عالم الجمادات، فذهب بعض الباحثين إلى أن الحياة قد نشأت من البروتوجين، أو من الفيروس، أو من تجمع بعض الجزئيات البروتينية الكبيرة، وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات. ولكن الواقع الذي ينبغى أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية قد باءت بفشل وخذلان ذريعين.. ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع الذرات والجزئيات عن طريق المصادفة يمكن أن يؤدى إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية. وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة، فهذا شأنه وحده.. ولكنه إذ يفعل ذلك فإنما يسلم بأمر أشد إعجازاً وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله الذي خلق الأشياء ودبرها.
((إننى أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقد درجة يصعب علينا فهمها. وإن ملايين الملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شهادة تقوم على الفكر والمنطق. ولذلك فإننى أؤمن بوجود الله إيماناً راسخاً))([1]).
ويقول : ((أ.كريسى موريسون)) رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك في كتابه بعنوان ((الإنسان لا يقوم وحده)): (( ومما يدعو إلى الدهشة أن يكون تنظيم الطبيعة على هذا الشكل، بالغاً هذه الدقة الفائقة؛ لأن لو كانت قشرة الأرض أسمك مما هي بمقدار بضعة أقدام، لامتص ثانى أكسيد الكربون الأوكسجين، ولما أمكن وجود حياة النبات.
((ولو كان الهواء أرفع([2]) كثيراً مما هو فإن بعض الشهب التي تحترق الآن بالملايين في الهواء الخارجى كانت تضرب جميع أجزاء الكرة الأرضية وهي تسير بسرعة تتراوح بين ستة أميال وأربعين ميلاً في الثانية، وكان في إمكانها أن تشعل كل شيء قابل للاحتراق. ولو كانت تسير ببطء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض، ولكانت العاقبة مروعة. أما الإنسان فإن اصطدامه بشهاب ضئيل يسير بسرعة تفوق سرعة الرصاصة تسعين مرة، كان يمزقه إرباً من مجرد حرارة مروره)).
((إن الهواء سميك بالقدر اللازم بالضبط لمرور الأشعة ذات التأثير الكيميائى التي يحتاج إليها الزرع، والتي تقتل الجراثيم وتنتج الفيتامينات، دون أن تضر بالإنسان إلا إذا عرض نفسه لها مدة أطول من اللازم. وعلى الرغم من الانبعاثات الغازية من الأرض طول الدهور-ومعظمها سام- فإن الهواء باق دون تلويث في الواقع، ودون تغير في نسبته المتوازنة اللازمة لوجود الإنسان. وعجلة الموازنة العظيمة هي تلك الكتلة الفسيحة من الماء – أي المحيط – استمدت منه الحياة والغذاء والمطر والمناخ المعتدل والنباتات وأخيراً الإنسان نفسه )).
ويقول من مكان آخر من الكتاب :
((إننا نقترب فعلاً من عالم المجهول الشاسع، إذ ندرك أن المادة كلها قد أصبحت من الوجهة العلمية مجرد مظهر لوحدة عالمية هي في جوهرها كهربائية. ولكن مما لا ريب فيه أن المصادفة لم يكن لها دخل في تكوين الكون؛ لأن هذا العالم العظيم خضع للقانون.
((إن ارتقاء الإنسان إلى درجة كائن مفكر شاعر بوجوده هو خطوة أعظم من أن تتم عن طريق التطور المادى، ودون قصد إبداعى.
((وإذا سلمنا بوجود القصد، فإن الإنسان قد يعتبر جهازاً، ولكن ما الذي يدير هذا الجهاز؟ لأنه بدون أ، يدار لا فائدة منه. والعلم لا يعلل من يتولى إدارته وكذلك لا يزعم أنه مادى.
((لقد بلغنا من التقدم درجة تكفي لأن نوقن بأن الله قد منح الإنسان قبساً من نوره))([3]).
ويقول سير ((أرثر طومسون)) المؤلف الاسكتلندى الشهير تحت عنوان ((العلم والدين)): ((.. نحن نقرر عن روية أن أعظم خدمة قام بها العلم أنه قاد الإنسان إلى فكرة عن الله أنبل وأسمى. ولا نجاوز المعنى الحرفي حين نقول: إن العلم أنشأ للإنسان سماء جديدة وأرضاً جديدة، وحفزه من ثم إلى غاية جهده العقلى، فإذا به كثير من الأحيان لا يجد السلام إلا حين يتخطى مدى الفهم، وذلك في اليقين والاطمئنان إلى الله))([4]).
ولسنا نذكر هذه الشواهد لنستدل بها على وجود الله، فعندنا كتاب الله يكفينا، والفطرة التي فطر الله الناس عليها تشهد بذاتها. ولكنا نذكرها فقط لأن بعض الذين فتنهم التقدم العلمى في هذا القرن يظنون أن العلم يقتضى عدم الإيمان بالله !!
آثار الإلحاد في واقع البشرية المعاصر
إن هذه الموجة العاتية من الإلحاد، التي تسود أوربا، شرقها وغربها، وتنتقل بالعدوى إلى بقية أرجاء الأرض، قد خلفت من الفساد في الحياة البشرية ما لا مثيل له من قبل؛ لأن العالم اليوم قد تداخلت قضاياه وتشابكت، وصار ما يحدث في أي جزء منه يؤثر بالضرورة في بقية الأجزاء، فكيف إذا كان الأمر بهذه الخطورة وعلى هذه الدرجة من التأثير!
يقول الله في كتابه الحكيم : ((ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون))(الروم:41).
وأي عمل يمكن أن يعمله الناس أسوأ من الإلحاد؟ وأي فساد أعظم من الفساد الناجم عنه؟
وإليك بعض النتائج التي ترتبت على هذا الإثم الخطير في حق الله .
1- القضاء على القيم الروحية والمثل العليا :
إن الإنسان الذي لا يؤمن بوجود الله لابد من أن تنحط معاييره وقيمه، ونظرته إلى كل شيء في هذه الحياة. ذلك أن الإيمان هو الذي يقوى الجانب الروحى من الإنسان ويربطه بالمثل العليا، إذ يربط القلب البشرى بالله.
المؤمن هو الذي يعرف الهدف الحقيقى لحياته في الأرض، لأن الله يقول له: ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)) (الذاريات:56).
فيعلم من ذلك أنه خلق ليعبد الله لا ليعبد شيئاً آخر غير الله .
والإنسان لابد أن يعبد .. هكذا خلقه الله عابداً .. والعبادة جزء أصيل من فطرته. فإما أن يعبد الله، وإما أن يعبد شيئاً غير الله .
فإن عبد الله فقد التزم بطاعته، ونفذ أوامره، فتستقيم حياته في الأرض، وينعم في الآخرة بجنة الله ورضوانه، لأن الله يوجهه في كتابه الكريم وسنة رسوله r إلى كل جميل من الخصال. يوجهه إلى عمل الخير والامتناع عن الشر. يوجهه أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. يوجهه أن يكون أميناً صادقاً. يوجهه أن يكون عادلاً قواماً بالقسط. يوجهه أن يكون نظيفاً في سره وعلانيته، نظيف الثياب نظيف البدن نظيف المشاعر نظيف السلوك.
وأما إن كان لا يعبد الله، فسيعبد شيئاً آخر لا محالة .
يعبد بشراً مثله، يضع له تشريعات من عند نفسه يحل فيها ويحرم على هواه. . فيطيعه .. أو يعبد شهواته.. شهوة المال أو شهوة الجنس أو شهوة الشيطان .
أو – في واقع الأمر – يعبد الشيطان؛ لأنه في الحقيقة وجهة كل عابد لغير الله :
((ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين(6.) وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم))(يس : 6.،61) .
فلننظر إلى الملاحدة في شرق الأرض وغربها، ماذا يعبدون، وإلى أي شيء توجههم عبادتهم.. ؟
الشيوعى عبد للدولة، وللنظام الشيوعى، وللحزب الحاكم، وللزعيم، لأنه لا يملك أن يفتح فمه بكلمة واحدة ضد واحد من هؤلاء، وإلا كان نصيبه الموت. فهو _ رضى أو كره- مستذل لهذه الأرباب كلها من أجل لقمة الخبز، من أجل أن يعيش([5]).
والغربى عبد للمال، وللشهوات . المال هو الذي يحركه، فلا يتحرك إلا من أجل الكسب المادى. والمال هو القيمة التي يقوم بها الإنسان. فوجوده ومكانته في المجتمع مرهونان بمقدار ما يتكسب من مال. والله يقول: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) (الحجرات: 13).
وهم يقولون: إن أكرمكم عندنا أغناكم.. ولو كان الغنى قد جاء من السلب والنهب والسطو على أقوات ملايين من البشر في المستعمرات التي يستعمرها الغرب وينهب أقواتها، وامتصاص دماء الملايين من العمال الذين يكدون ويكدحون، ثم يسرق عرقهم وجهدهم هذا الرأسمالى ليتجبر بها في الأرض.
ثم .. أين ينفقون أموالهم التي يجمعونها على هذه الصورة ويصبحون عبيداً لها في النهاية؟
إما أن ينفقوها في شهوات الجسد الجامحة التي تنحط بالإنسان إلى مرتبة الحيوان. وإما أن ينفقوها في الخراب والتدمير في الصراع الوحشى الدائر في الأرض!
تلك عباداتهم، وذلك هو السلوك المترتب على عبادتهم. فمتى يشعرون بالقيم العليا أو يستجيبون لدواعيها؟
2- الإخلال بالتوازن في حياة الإنسان :
قال الله تعالى : ((لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم(4) ثم رددناه أسفل سافلين(5) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون))(التين : 4-6).
لا يستطيع الإنسان أن يحافظ على فطرته التي فطره الله عليها ((في أحسن تقويم)) إذا بعد عن سبيل الله. بل إنه عندئذ يفقد توازنه فيقع ((أسفل سافلين)).
ذلك أن الإيمان هو الذي يحفظ التوازن بين العنصرين المكونين لخلق الإنسان؛ قال الله تعالى : ((إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشراً من طين(71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين))(ص:71،72).
فالإنسان مكون كما يخبرنا العليم الخبير من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله.
فإذا كفر الإنسان وألحد فقد أغلق النافذة التي يستمد منها النور، ولم يبق له إلا عتامة الطين وغلاظة الحس. أي لم يبق له إلا الماديات والمحسوسات. إليها يتطلع، وفيها ينفق الجهد. وإليها يعود. وعندئذ تجذبه ثقلة الأرض فلا يستطيع أن يتوازن إزاءها؛ لأن الذي يمنحه التوازن إزاءها هو انطلاقة الروح التي تصل قلبه بالله، وتجعله يؤمن باليوم الآخر ويعمل حسابه في جميع أفعاله وأقواله فلا يسفل ولا يتدنى. فإذا فقدها فقد توازنه وأصبح أسفل سافين كما يخبر الله عنه في كتابه الكريم .
والذي نراه اليوم في الجاهلية المعاصرة هو مصداق ذلك القول، فلأي شيء يسعى الناس، وعلى أي شيء يتصارعون؟ مطالب الجسد ومتاع الجسد وشهوات الأرض. وفي النهاية يفقد الإنسان إنسانيته ويعود كالحيوان، بل أسوأ من الحيوان: ((أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون))(الأعراف: 179).
3- القضاء على وازع الضمير :
الضمير هو ((النفس اللوامة)) التي أقسم بها الله جل شأنه في كتابه العزيز L(لا أقسم بيوم القيامة(1) ولا أقسم بالنفس اللوامة))(القيامة: 1،2).
وهذا القسم من الله العظيم الجليل جل شأنه له دلالته، فإن الله العظيم لا يقسم إلا بشيء عظيم([6]). فإذا أقسم الله سبحانه وتعالى بالنفس اللوامة، التي تلوم الإنسان على فعل الشر وتدفعه إلى عمل الخير، فلا شك أن هذه النفس ذات وزن كبير في ميزان الله. وإنها كذلك، لأنها هي المحور الحقيقى لارتقاء الإنسان ومحافظته على قيمه العليا، كما أنها المحور الحقيقى لاستقامة أمر البشرية في واقع حياتها .
فما الإنسان إذا فقد النفس اللوامة؟ إن نفسه حينئذ هي النفس الأمارة.. أي الأمارة بالسوء.. منها ينبع السوء، ومنها ينتشر الشر في أرجاء الأرض.
والنفس الأمارة بالسوء لا يهذبها ولا يرتقى بها، ولا يرفعها إلى مرتبة النفس اللوامة إلا الإيمان بالله، الذي يجعل الإنسان مستحقاً لرحمة الله المطهرة للنفس من دنسها: ((إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى))(يوسف: 53).
أما الإلحاد والكفر فهو يذهب بالنفس اللوامة ولا يبقى إلا النفس الأمارة بالسوء.
ولقد يخيل إلينا لأول وهلة أن أوربا الملحدة ذات ضمير. فالتاجر لا يغش ولا يخدع. والعامل لا يكذب ولا يخلف مواعيده. وأمور التعامل الفردى تقوم على الصدق والأمانة.
وهذا صحيح في مظهره. ولكنها في الحقيقة ليست أخلاقاً بالمعنى الحقيقى للأخلاق. إنما هي أخلاق التاجر الذكى الذي يحرص على كسب ثقة الزبون إلى آخر المدى، فيتودد إليه بخصال الصدق والأمانة والإتقان.
أما المحك الحقيقى للضمير فله مجال آخر.
فأين الضمير في معاملة الزنوج في أمريكا بالفظاظة والغلظة إلى حد القتل في عرض الطريق؟
وأين الضمير في استعمار الشعوب ونهب خيراتها وإبقائها في حالة من الفقر والجهل والمرض والضعف والهوان؟
وأين الضمير في موقف هيئة الأمم المتحدة من قضية فلسطين، وتحويل أهلها إلى لاجئين؟
وأين الضمير في تقتيل المسلمين في الفلبين وغيرها من بقاع الأرض؟
وأين الضمير في إلقاء فائض القمح في بعض البلاد في الأنهار والبحار لكى لا ينخفض سعره في الأسواق بينما الملايين في بقاع الأرض يتضورون جوعاً ولا يجدون حبة من القمح؟
وأين الضمير في إغراء الناس بالفساد الحقيقى على أوسع نطاق لكى يكسب بضعة ألوف من الناس، ملايين الملايين من الأموال من أدوات الزينة والأزياء والأفلام السينمائية والصور الخليعة والخمر والمخدرات؟
4- اختلال الأمن والسلام في المجتمع العالمى
لعل صورة العالم اليوم هي أسوأ صورة له في التاريخ ..
فلم تمر على العالم فترة من فقدان السلام واضطراب الأمن أحلك مما مر به في هذا القرن الأخير .
الحرب العالمية الأولى قتل فيها عشرة ملايين من الشباب، والحرب العالمية الثانية قتل فيها أربعون مليوناً من البشر.. ولم تستقر أحوال العالم ما بين الحربين ولا قبلهما ولا بعدهما إلى هذه اللحظة.
والصراع الدائر لا يكف في أطراف الأرض، ولا تكاد تجد مكاناً ينعم بالاستقرار .
ومن أجل أي شيء يقوم هذا الصراع ؟
هل هو صراع لإحقاق الحق في الأرض ونشر العدل بين الناس؟
هل هو صراع لإعطاء الضعيف حقه ووقف القوى عن العدوان على الضعيف؟
ليس هناك صراع واحد من أشكال الصراع القائمة بين الدول اليوم يدور حول إحقاق الحق ونصفه المظلوم .. إنما كلها صراع دائر على مزيد من التسلط ومزيد من العدوان! الدول التي تسمى نفسها ((الدول الكبرى)) تتصارع الذئاب حول الفريسة، ينهش بعضها بعضاً لا دفاعاً عن الفريسة لتنجو، ولكن ليستأثر بها كل ذئب لنفسه دون بقية الذئاب .. والفريسة مأكولة أيا كانت نتيجة الصراع.
قانون الغاب يقول : الغلبة للقوة لا لصاحب الحق، القوى يأكل الضعيف. وشرع الله يقول : ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان)) (النحل: 9.).
يقول : ((يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا عدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعلمون)) (المائدة : 8).
ولكن أنى للكفار والملحدين أن يطبقوا قانون الله؟! بل الأحرى بهم أن يطبقوا القانون الذي تتعامل به الوحوش في الغاب، لأنهم حين يفقدون صلتهم بالله يفقدون إنسانيتهم ويصبحون مثل تلك الوحوش.
وليس الأمن الدولى وحده هو الذي فقده الناس حين قطعوا صلتهم بالله رب الكون والناس.
إن مجتمعاتهم كذلك قد فقدت الأمن.
فإحصاءات العالم كلها تقول إن نسبة الجريمة في تزايد مستمر. سواء جرائم القتل أو جرائم اغتصاب الأموال واغتصاب الأعراض .
وفي كل عام تجتمع المؤتمرات في شتى بقاع الأرض لتتدارس هذه الظاهرة الخطيرة، يحضرها رجال القانون ورجال الاجتماع وعلماء النفس وعلماء الجريمة وغيرهم من ((العلماء)).
ثم تطلع الإحصاءات الجديدة تقول : إن نسبة الجريمة تزداد باستمرار .
بل ليس الأمن الدولى ولا أمن المجتمع وحدهما هما اللذان أصابهما الخلل والاضطراب.
إنه الأمن النفسى كذلك، أمن كل نفس بذاتها، وفي حدود نفسها!
ونظرة إلى الإحصاءات تطلعنا على هذا الأمر. فالإحصاءات لا تقول إن نسبة الجريمة وحدها هي التي تتزايد، إنما تقول كذلك: إن نسبة أمراض القلق والجنون والانتحار والاضطرابات النفسية والعصبية هي كذلك في تزايد مستمر!
وصدق الله العظيم، فقد أخبرنا أن المصدر الحقيقى لطمأنينة النفس هو ذكر الله والاتصال بالله : ((الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) (الرعد : 28).
فمنأين للناس طمأنينة القلب حين يبعدون عن الله، بل حين يشمئزون من ذكر الله : (( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون)) (الزمر : 45).
5- فساد الفطرة الإنسانية والهبوط إلى مستوى الحيوان :
أين ((الإنسان)) في هذه الدوامة التي تلف البشرية اليوم في بعدها عن الله؟
هذا الشاب الذي نكث شعره وأسدله ولبس الكعب العالى والملابس الملتصقة بوسطه. هل هو ((إنسان))؟
هذه الفتاة المسترجلة التي تدخن وتشرب الخمر وتلبس ملابس الفتى وتتشرد معه في كل مجال.. هل هي ((إنسانة))؟
هؤلاء النساء الكاسيات العاريات المتبرجات في الطريق بكل زينة يستعرضن أجسادهن لكل نظرة جائعة وسعار مجنون. هل هن آدميات على مستوى ((الإنسان))؟
هؤلاء الرجال الذين لا يغارون على أعراضهم. لا على نسائهم ولا بناتهم ولا أخواتهم، ولا على أعراض الآخرين، لأن قضية العرض كلها لا تخطر لهم على بال، هل بقى لهم شيء من كرامة ((الإنسان))؟
وصنوف غيرها وصنوف من الانتكاس إلى مستوى الحيوان، بل أسوأ من الحيوان.. هل تعتبر في عداد ((الإنسان))؟
لقد تجاوز الفساد حدود الأخلاق: ((أفمن يمشى مكباً على وجهه أهدى أمن يمشى سوياً على صراط مستقيم))(الملك: 22).
موقف المسلم من قضية الإلحاد
إن هناك ظروفاً معينة كما رأينا قد أثرت في الحياة الأوربية وأدت إلى انتشار الإلحاد هناك.
ولسنا نقول : إن هذه الظروف تبرر ما حدث هناك من الكفر والتبجح به. فلا شيء على الإطلاق يبرر الكفر بالله، والله سبحانه وتعالى يقول : (( بل الإنسان على نفسه بصيرة(14) ولو ألقى معاذيره)) (القيامة : 14،15).
وقد أعطى الله الأوربيين عقولاً يفكرون بها كما أعطى كل البشر، وأرسل رسله لبيان الحق: ((رسلاً مبشرين ومنذرين لئلاً يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً))(النساء:165).
فإذا أبطل الناس عمل عقولهم التي أعطاها الله إياها، ولم يستمعوا لرسلهم أو حرفوا كلامهم، فهم مسئولون عن ذلك كله أمام الله يوم القيامة، ولا يغنيهم يومئذ أن يقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين: ((وإذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين))(الأعراف : 172).
ولكننا نقول فقط : إن هذه هي الظروف الواقعية التي أحاطت بالناس في أوربا وكان من نتائجها انتشار الإلحاد بينهم هناك .
فما موقف السلم من قضية الإلحاد ؟
إن موقفه واضح تماماً. فهو يرد هذه القضية من أساسها، ويبطلها إبطالاً كاملاً. فليس في أصول دينه ولا في تاريخه ما يؤدى إلى شيء مما حدث للناس في أوربا من أشكال الاختلال.
فأصول الدين قد تكفل الله بحفظها من الضياع وحفظها من التحريف، يقول الله عن القرآن : ((إنا نزلنا الذكر وإنا له لحافظون))(الحجر: 9).
كذلك قيض الله لسنة نبيه r رواة حافظين وعلماء مدققين حفظوا السنة ومحصوا روايتها ونفوا الدخيل منها وأبقوا الصحيح ودونوه .
من هنا لم يحدث في العقيدة تحريف كما حدث في عقائد أهل الكتاب .
ثم إن الدين المنزل من عند الله بقى على صورته المنزلة عقيدة وشريعة، فلم يقسم كما فعل النصارى في دينهم، فجعلوه عقيدة منفصلة عن الشريعة. وبقى الإسلام قروناً عديدة يمارس في واقع الأرض بصورته المتكاملة، فيحكم علاقة العبد بالرب، وعلاقات الحاكم بالمحكوم، وعلاقات الناس بعضهم ببعض بغير تفريق بين جزء من هذا الدين وجزء.
وحتى حين انحرف أغلب المسلمين في القرون الأخيرة عن حقيقة الإسلام ففصلوا الدين عن الدولة، ووقعوا بذلك في شرك الطاعة والاتباع، فإن انحراف قرن أو قرنين لا ينفي واقع اثنى عشر قرناً كان المسلمون فيها يعدون الإسلام عقيدة وشريعة بغير تفريق، بعكس ما حدث عند النصارى في أوربا حيث لم يطبق دين الله في صورته المتكاملة قط .
ثم إن الإسلام ليست له ((كنيسة)) كالتي قامت في أوربا تحرف الدين المنزل وتفسده. وليس له ((رجال دين)) ولا ((كهنوت)) يحتفظون بالأسرار ويستحوذون بهذه الدعوى على أرواح الناس وعقولهم. إنما فيه علماء وفقهاء في أمور الدين يستنبطون الأحكام المستمدة من الشريعة الثابتة المحفوظة، تنفيذاً لأمر ربهم : ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون))(التوبة : 122) .
وهؤلاء العلماء والفقهاء يجتهدون، يخطئون ويصيبون، وليس لأحد منهم قداسة كرجال الكهنوت، ولا يحلون ولا يحرمون من دون الله كما وقع في تاريخ النصرانية. والناس يحترمونهم ويوقرونهم لعلمهم وفضلهم، ولكنهم لا يتخذونهم أرباباً من دون الله كما صنع أهل الكتاب بأحبارهم ورهبانهم: ((اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله))(التوبة : 31).
ثم إن الإسلام لا يعرف الفصل بين الدين والعلم، ولا بين الدين والحياة كما وقع في حياة النصارى في أوربا.
إن الإسلام دين الفطرة. وليس في الفطرة انفصال بين الدين والعلم، ولا بين الدين والحياة!
ففي النفس البشرية نزعة فطرية إلى التدين، بما أودع الله في الفطرة من التوجه إلى الخالق وعبادته، ونزعة فطرية إلى تعلم العلم واستخدام ثماره في عمارة الأرض: ((وعلم آدم الأسماء كلها)) (البقرة:31).
((وهو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها))(هود:61).
((وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه)) (الجاثية : 13).
ولا تعارض في الفطرة السوية بين هاتين النزعتين الفطريتين، بل تسير النزعة إلى الإيمان والنزعة إلى المعرفة جنباً إلى جنب، وتتجهان وجهة واحدة .
وإذا كانت الجاهلية الأوربية المعاصرة قد فصلت بين هاتين النزعتين الفطريتين وأقامت بينهما العداء والصراع، وأنشأت غروراً عقلياً وفتنة بالعلم في وصف الجاهليات السابقة في التاريخ : ((فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ))(غافر : 83).
إذا كانت الجاهلية المعاصرة قد صنعت ذلك فإن الإسلام لا يعرف هذه التفرقة على الإطلاق، وكتاب الله ملئ بالتوجيهات للناس أن يتعلموا ويتدبروا في خلق الله ويستنبطوا السنن التي يجرى بها نظام الكون ويستفيدوا منها، ويكفي أن يكون الأمر الأول الموجه لرسول الله r هو هذه الكلمة العظيمة : ((أقرأ)) التي تحمل التوجيه الشامل لطلب المعرفة. ثم يوجه الله رسوله r أن يستنزيد من المعرفة : ((وقل ربى ذدنى علماً)) ، ويقول للمسلمين جميعاً: ((إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب والمسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون))(البقرة : 164).
ويقول لهم : ((وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلاً))(الإسراء : 12) .
ولم يعرف تاريخ الإسلام الواقعى تلك الفرقة المصطنعة بين الدين والعلم، ولم يجر بينهما عداء ولا صراع، إنما ازدهرت الحركة العلمية الإسلامية تحت ظل العقيدة، بل انبثقت منها انبثاقاً أول مرة وظلت تنمو في ظلها على الدوام.
وكذلك لم يوجد في التاريخ الإسلامى ذلك الغرور العقلى ولا تلك الفتنة بالعلم التي تبعد الإنسان عن الله بمقدار ما يحصل من العلم!! إنما العكس في حس المسلم هو الصحيح. فالعلم منحة من الله. هو الذي علم آدم من قبل، قال تعالى: ((وعلم آدم الأسماء كلها))(البقرة:31).
وقال تعالى : ((الرحمن(1) علم القرآن (2) خلق الإنسان(3) علمه البيان)) (الرحمن:1-4).
فكلما ازداد المسلم علماً زاد قرباً من الله وشكراً له على ما أولاه من نعمه: ((إنما يخشى الله من عباده العلماء))(فاطر:28).
كذلك لا انفصال في الإسلام بين الدين والحياة .
لا رهبانية في الإسلام .
((ألا إنى لأتقاكم لله، ولكنى أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى))([8]).
وإذا كانت الجاهلية الأوربية قد فصلت بين الدين وأوجه نشاط الإنسان المختلفة في الحياة وأوجدت حالة نفسية وعقلية تزداد بعداً عن الله كلما فتحت عليها أبواب الرزق والتمكين في الأرض، فأصبحوا كما وصف الله قوم هود : ((أتبنون بكل ريع آية تعبثون(128) وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (13.) فاتقوا الله وأطيعون(131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون(132) أمدكم بأنعام وبنين(133) وجنات وعيون(134) إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم(135) قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين(136) إن هذا إلا خلق الأولين (137) وما نحن بمعذبين))(الشعراء:128-138).
إذا كانت الجاهلية الأوربية قد صنعت ذلك فإن الإسلام –دين الفطرة- لا يعرف هذه التفرقة ولا يقرها.. فالله يقول للناس: ((وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)) الأعراف:31).
ويقول : ((قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة))(الأعراف:32).
ويقول : ((وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا))(القصص:77).
ويقول : ((هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه))(الملك:15).
لذلك قامت الحركة الحضارية الإسلامية في ظل العقيدة بلا صراع بينهما ولا عداء، وكانت بذلك فريدة في التاريخ. حركة تعمر الأرض، وتجوب الآفاق وتكشف مجاهيل الأرض، وتستثمر خيراتها بالفلاحة والصناعة والتجارة، وهي في كل هذا عابدة لله، تنشر النور الربانى في الأرض بنشر العقيدة الإسلامية، وتقيم العدل الربانى بين الناس بتطبيق شريعة الله .
ليس في أصول هذا الدين ولا في تاريخه شيء واحد مما حدث في أوربا وانتهي هناك بالإلحاد والبعد عن طريق الله. إنما يقوم الإسلام ابتداء على ربط القلب البشرى، وتوثيق هذه الرابطة في كل عمل أو فكر أو شعور: ((قل إن صلاتى ونسكى ومحيأي ومماتى لله رب العالمين(162) لا شريك له))(الأنعام : 162،163).
ومن هذه الرابطة الحية التي تربط القلب البشرى بالله، ينطلق المسلم يتعلم ويعمل ، يبتغى من فضل الله ويعمر الأرض، ويأخذ نصيبه من المتاع المعقول المحلل له من عند الله شاعراً بذلك كله أنه يقوم بدور الخلافة في الأرض: ((وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الأرض خليفة))(البقرة : 3.).
وقائم بغاية وجوده في الأرض من عبادة خالصة لله : ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون))(الذاريات:56).
لذلك لا يتصور أن يتجه مسلم لأحد في الأرض إلى الإلحاد !
بل إنها الطامة الكبرى أن يجئ ((مسلمون)) من الذين كان المفروض فيهم أن يكونوا رواد البشرية إلى الإيمان وإلى الحق وإلى المنهج الربانى .. يجئ هؤلاء ((المسلمون!)) فيتخلون عن دينهم الذي أنعم الله به عليهم حيث قال لهم: ((اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام ديناً))(المائدة:3).
ويروحون يقلدون أوربا فيما وصلت إليه في جاهليتها من سوء، فيعتنقون الأفكار الهدامة المنتشرة هناك، ويتخذون الإلحاد مثلهم، ويغرقون مثلهم في التحلل الخلقى ويدعون إليه.
ألا إنها الهزيمة الداخلية الكامنة في نفوسهم إزاء الغرب، هي التي تؤدى بهم إلى هذا التقليد الأعمى: تقليد العبيد وتقليد القرود!
وما يمكن لإنسان عاقل، فضلاً عن الإنسان المسلم، أن يضع قدمه مختاراً في الهاوية، إلا أن يكون قد أصابه خبل في فكره. أو أصابه المسخ الذي يشوه الفطرة ويفسد طبائع النفوس.
[1] من مقال ((الخلايا الحية تؤدى رسالتها)) من كتاب ((الله يتجلى في عصر العلم)) .
[5] لقد انهار النظام الشيوعى بحمد الله، ولكن له أذناباً يحاولون بعثه من جديد !
[6] يأتى القسم في القرآن منفياً أحياناً ومثبتاً أحياناً أخرى وكلاهما قسم. من أمثلة النفي: ((لا أقسم بيوم القيامة))، ((فلا أقسم بمواقع النجوم(75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)) ومن أمثلة الإثبات: ((والضحى (1) والليل إذا سجى))، ((والفجر(1) وليلال عشر)).