يعني لو أن الإنسان يكثر من الاستغفار، بحضور قلب لا مع الغفلة واللهو، لكان له شأن غير شأنه الذي يعيشه، ولو كان يكثر من التسبيح والتحميد والتهليل وكل تسبيحة صدقة، وكل تسبيحة أو تحميدة أو تهليلة شجرة في الجنة، والجنة قيعان، وغراسها التسبيح والتحميد والتهليل، يعني ما يكلف شيء، الإنسان إذا أراد أن يغرس نخلة يحتاج إلى أن يشتري الفسيلة، ثم يغرسها، ويتعب على نخلها وغرسها وسقيها، وانتظار ثمرتها السنين، فضلاً عن كونه يغرس نواة، انتظار طويل، لكن إذا قال: سبحان الله غرست له هذه النخلة، الحمد لله غرست له نخلة، إيش يكلف شيء يا الإخوان هذا؟ هذا ما يكلف شيء، سبحان الله وبحمده مائة مرة في دقيقة ونصف تقال، حطت عنه خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر، ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)) عشر مرات، بدقيقة تقال يا الإخوان العشر، ((كان كمن أعتق أربعة من ولد إسماعيل)) عتق، عتق رقبة، وهذه عشر رقاب بدقيقة تقال، ((حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)) بدقيقة ونصف، وبهذا ترجح كفة الحسنات، بشيء لا يكلفك شيء، ما أمرت بأخذ مسحات على كتفك، وتذهب إلى البراري والقفار من أجل أن تغرس شجرة؛ ليغرس لك بدلها شجرة في الجنة، وأنت في فراشك، وأنت في طريقك، وأنت جالس في مجلسٍ يكثر فيه اللغط، والكلام في أمور الدنيا بإمكانك أن تقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم))، ((سبق المفردون: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)) فالذكر الذكر يا الإخوان، هذا لا يكلف شيء، وبه ترجح كفة الحسنات.
{فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [(6-7) سورة القارعة]، فهو في عيشة: يعني في عيش رغيد، راضي يعني مرضي، اسم الفاعل بمعنى اسم المفعول، (عيشة راضية) يعني مرضية، كما أنه يأتي اسم المفعول ويراد به اسم الفاعل {حِجَابًا مَّسْتُورًا} [(45) سورة الإسراء] يعني ساتراً، فهذا يأتي بمعنى هذا، وهذا يأتي بمعنى هذا، {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [(7) سورة القارعة].
ومنهم من يقول من المفسرين: إن راضية على بابها اسم فاعل، فالعيشة راضية، كيف تكون راضية؟ تكون راضية إذا أتت بطوعها واختيارها من غير عناءٍ ولا تعب، تصور أن الثمرة في الشجرة، والطير على غصن الشجرة يشتهيه من أكرمه الله -جل وعلا- بدخول الجنة تتدلى.............، والطائر يتم طبخه وشيه بمجرد الأمنية، والأخاديد أو الأنهار تمشي من غير أخدود، تمشي على وجه أرض الجنة، التي ترابها المسك الأذفر، تراب الجنة.
ما تسيح لا يمين ولا يسار ومن غير سواقي ولا أخدود، فنحتاج إلى عمل، نحتاج إلى بذل سبب، وهذا السبب لا يكلفنا شيء، فالدين يسر، ولله الحمد.
{فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [(21) سورة الحاقة] إما أن تكون مرضية، وهذا قول الأكثر، يعني أن من يعيش هذه العيشة يرضى هذه العيشة، أو أن العيشة نفسها راضية، بمعنى أنها تأتي إلى من أكرمه الله -جل وعلا- بدخول الجنان من غير تعب ولا نصب، كمن يأتيه راغب فيه، راضٍ بما يصنع به، وفي هذا إثبات الموازين.
والميزان له لسان، وله كفتان، في قول أهل السنة والجماعة، وأنكره المعتزلة، أنكر المعتزلة الميزان، وقالوا: ما في شيء اسمه ميزان، وإنما هو كناية عن العدل الإلهي، وإلا فالأعمال الصالحة معاني كيف توزن؟ الأعمال الصالحة معاني، أنت صليت كيف توزن هذه الصلاة؟ الله -جل وعلا- قادر على تحويل هذه المعاني إلى أجسام، وكما توزن الأعمال الصالحة والسيئة، يؤتى بالرجل السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة، هذا إذا كان من أهل النار، نسأل الله السلامة والعافية، فالقول المحقق عند أهل العلم هو قول سلف هذه الأمة وأئمتها وخيارها، وهو المعتمد عند أهل السنة والجماعة: إن الميزان حقيقي، له لسان، وله كفتان، توضع في كفة الحسنات، وتوضع في كفة السيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه بأن رجحت كفة سيئاته على كفة حسناته فأمه هاوية، ولا شك أن هذا هو الشقي، الذي يعمل من السيئات أضعاف مضاعفة مما يعمله من الحسنات، يعني لا يقال: هذا زادت حسناته على سيئاته، عمل ألف حسنة وألف سيئة وواحدة، لا، الحسنات هذه الألف الأصل فيها مائة، لكن الله ضاعف هذه الحسنات، وجعلها عشرات، الحسنة بعشر أمثالها، هذا على أقل تقدير.
فمن ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأما من خفت موازينه، خفت موازين حسناته، ورجحت موازين سيئاته عليها فهذا أمه هاوية، {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [(9) سورة القارعة] والهاوية: اسمٌ من أسماء النار، نعوذ بالله منها، الهاوية هذه أمه؛ لأنه يأوي إليها، ويصير إليها كما يصير الطفل إلى أمه، يأوي إليها، وتحتويه، وتحتضنه النار كما تحويه وتحتضنه أمه، فهذا أمه النار؛ لأنه يلازمها ويأوي إليها، كما يأوي الطفل إلى أمه.
ومنهم من قال: إن معنى قوله -جل وعلا-: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [(9) سورة القارعة] يعني أنه يهوي على أم رأسه في النار، نسأل الله السلامة والعافية، يهوي في النار على أم رأسه منكساً، نسأل الله العافية.
{فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} [(9، 10) سورة القارعة] أيضاً هذا أسلوب تهويل لهذه النار، {وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ} [(10) سورة القارعة] الأصل (ما هي) وما أدراك ما هي، يعني النار، والهاء هذه هي هاء السكت، كما في قوله -جل وعلا-: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ} [(28، 29) سورة الحاقة] يعني ما أغنى عني مالي، وهلك عني سلطاني، لكن هذه الهاء تسمى عند أهل العلم هاء السكت، وهي ثابتةٌ في الوقف والوصل، ومنهم من يحذفها في الوصل، لكن القراءة إنما ثبتت بإثباتها، فسواءٌ قرئت وقفاً أو أصلاً فهي ثابتة.
فعلى المسلم أن يتأمل مثل هذه الآيات، وهذه السور القصيرة فيها العجائب، لا سيما السور المكية التي فيها هذه الأهوال، السور النبوية فيها شيء مما ذكر مما يوعظ به، ويذكر به، لكن الغالب فيها بيان الأحكام والشرائع، أما السور المكية فعلى قصرها ففيها ما يسوط القلوب، ويزجر القلوب، ويدفع القلوب إلى العمل، لكن قلب من؟ الله -جل وعلا- يقول: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [(45) سورة ق] فالذي يخاف الوعيد هو الذي يذكر بالقرآن، أما الذي لا يخاف، ممن مات قلبه نسأل الله السلامة والعافية، مثل هذا يقرأ القرآن، أو يسمع القرآن، أو يسمع جريدة، أو يسمع تحليل صحفي أو غيره لا فرق عنده، والله -جل وعلا- يقول: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} لكن لمن؟ هل هو للغافل واللاهي والساهي أو كما قال الله -جل وعلا-: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [(17) سورة القمر]؟ يعني هل من متذكر؟ هل من متعظ؟ هل من مزدجر؟ نعم إذا وجد هذا القرآن ميسرٌ عليه، يسرت قراءته، يسر حفظه، يسر فهمه، يسر العمل به، لكن لمن أراد أن يذكر، لمن أراد أن يتذكر بالقرآن، يتعظ بالقرآن يستفيد، أما الذي يقرأ القرآن لا بهذه النية، فإن فائدته وإن استفاد أجر قراءة الحروف فإنه لا يستفيد قلبه شيء من هذه القراءة إلا بقدر ما يعقل منها.
بعض الإخوان يؤثر أن يكون الوقت الأطول للأسئلة، والآن بقي يمكن ربع ساعة للأذان أو أقل؟
طالب:.......
نعم إيه ربع ساعة مع ربع ساعة يكون نصف ساعة للأسئلة؛ لأن كثير من الإخوان يطالب بأن تكون الأسئلة لها حظ، وأقول: غالباً تكون المحاضرات تقضي على الوقت، ولا يبقى للأسئلة وقت كافي، فنكتفي بهذا القدر من تفسير هذه السورة العظيمة، وننظر في الأسئلة.
يقول: ما الغاية من تقديم بث الناس كالفراش على كون الجبال كالعهن؟
لا شك أن الناس هم المقصودون بالخطاب، وهم المطالبون بتأمل هذه الآيات والاعتبار بها، فقدموا على الجبال.
يقول: هل المقصود بتشبيه الناس بالفراش خفة جسمها، ومن ثم عدم قرار حركتها، أو المقصود عدم ثباتها لأنها مبثوثة؟
على كل حال هذا وضع الناس في ذلك اليوم العظيم أنهم كالفراش، وسواءٌ كانوا بأحجامهم، أو أكبر من أحجامهم، أو أصغر، الله أعلم، المقصود أن هذا وضعهم، والإنسان إذا أراد أن يعتبر، ويستحضر مثل هذه المواقف هناك مواقف تذكر بمثل هذه الأمور، يعني لو أن إنسان أطل على الناس من الدور الثاني أو السطح في المسجد الحرام في ليالي العشر، في صحن الحرم، عرف كيف يموج الناس؟ وهؤلاء ذاهبون، وهؤلاء آيبون بجموعٍ غفيرة، يستحضر مثل هذه الأمور ويستذكرها، وإن كان لا مقارنة بين هذه الأعداد وما يكون في يوم القيامة؛ لأن الله -جل وعلا- يحشر الناس كلهم الأولين والآخرين.
هل تجوز الصلاة والثوب مسبل؟
يعني هل تجوز؟ يعني هل تصح؟ نعم الصلاة صحيحة، والمسبل متعرض، معرضٌ نفسه لغضب الله وعقوبته، وقد توعد بالنار، نسأل الله السلامة والعافية، وأما الصلاة فهي صحيحة؛ لأن الجهة منفكة.
يقول: أسأل عن قضاء الصلاة إذا كنت قد تركت الصلاة عدة أوقات في عدة أيام، وهي غير معروفة، أي عدد الصلاة والأيام...؟
على كل حال إذا كنت لا تجزم بالعدد، وحصره يشق عليك بأن تقول مثلاً: تركت الصلاة في هذه الفترة خلال عشر سنوات، أصلي وأترك، ولا أعرف كم صليت؟ ولا أعرف كم تركت؟ حينئذٍ عليك أن تكثر من النوافل، وتقلع فوراً، وتعزم على أن لا تعود إلى التفريط، وتحافظ على الصلوات مع الجماعة، ويكفر عنك ما مضى -إن شاء الله تعالى-.
يقول: امرأةٌ أرضعت، ولكنها لا تعلم عدد الرضعات، وكانت لسنوات عديدة تكشف وتسلم على هذا الرجل وأبنائها وبناتها على أن الرضاعة تحرم وبعد ذلك سمعت أنه لا بد من خمس رضعات مشبعات...؟
على كل حال الرضاع لا بد أن يكون خمس رضعات مشبعات في الحولين، يعني في وقت الرضاعة، فإن كان العدد أقل من ذلك فإنه لا يحرم، وإذا شكت هل بلغ العدد أو لم يبلغ تحتاط للأمرين؟ لا تثبت المحرمية بهذا الرضاع، فلا تكشف له، ومع ذلك لا تتزوجه، ولا يتزوج أحداً من بناتها، احتياطاً للطرفين.