Overblog Tous les blogs Top blogs Religions & Croyances
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
MENU
albasseira.overblog.com

un blog qui traite des sujets sur l'islam

Publicité

سورة البقرة

سورة البقرة

الم (1)

بدأت سورة البقرة بقوله تعالى : { الم } . وهذه الحروف حروف مقطعة ومعنى مقطعة أن كل حرف ينطق بمفرده لأن الحروف لها أسماء ولها مسميات فالناس حين يتكلمون ينطقون بمسمى الحرف وليس باسمه فعندما تقول كتب تنطق بمسميات الحروف فإذا أردت أن تنطق بأسمائها تقول كاف وتاء وباء ولا يمكن أن ينطق بأسماء الحروف إلا من تعلم ودرس، أما ذلك الذي لم يتعلم فقد ينطق بمسميات الحروف ولكنه لا ينطق بأسمائها، ولعل هذه أول ما يلفتنا فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب ولذلك لم يكن يعرف شيئا عن أسماء الحروف فإذا جاء ونطق بأسماء الحروف يكون هذا إعجازاً من الله سبحانه وتعالى بأن هذا القرآن موحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم درس وتعلم لكان شيئا عاديا أن ينطق بأسماء الحروف ولكن تعالَ إلى أي أمي لم يتعلم إنه يستطيع أن ينطق بمسميات الحروف .يقول الكتاب وكوب وغير ذلك فإذا طلبت منه أن ينطق بأسماء الحروف فإنه لا يستطيع أن يقول لك إن كلمة كتاب مكونة من الكاف والتاء والألف والباء وتكون هذه الحروف دالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه وأن هذا القرآن موحى به من الله سبحانه وتعالى و نجد في فواتح السور التي تبدأ بأسماء الحروف تنطق الحروف بأسمائها وتجد الكلمة نفسها في آية أخرى تنطق بمسمياتها فألم في أول سورة البقرة نطقتها بأسماء الحروف ألف لام ميم بينما تنطقها بمسميات الحروف في شرح السورة في قوله تعالى : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } [ الشرح : 1 ] وفي سورة الفيل في قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفيل } [ الفيل : 1 ] ما الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . . ينطق { الم } في سورة البقرة بأسماء الحروف وينطقها في سورتي الشرح والفيل بمسميات الحروف لابد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سمعها من الله كما نقلها جبريل عليه السلام إليه هكذا إذن فالقرآن أصله السماع لا يجوز أن تقرأه إلا بعد أن تسمعه لتعرف أن هذه تُقرأ ألف لام ميم والثانية تقرأ ألم مع أن الكتابة واحدة في الاثنين ولذلك لابد أن تستمع إلى فقيه يقرأ القرآن قبل أن تتلوه و الذي يتعب الناس أنهم لم يجلسوا إلى فقيه ولا استمعوا إلى قارئ ثم بعد ذلك يريدون أن يقرأوا القرآن كأي كتاب . نقول لا القرآن له تميز خاص إنه ليس كأي كتاب تقرؤه .لأنه مرة يأتي باسم الحرف ومرة يأتي بمسميات الحرف وأنت لا يمكن أن تعرف هذا إلا إذا استمعت لقارئ يقرأ القرآن و القرآن مبني على الوصل دائما وليس على الوقف، فإذا قرأت في آخر سورة يونس مثلا : { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } [ 109 ] لا تجد النون عليها سكون بل تجد عليها فتحة، موصولة بقول الله سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم و لو كانت غير موصولة لوجدت عليها سكونا اذن فكل آيات القرآن الكريم مبنية على الوصل ما عدا فواتح السور المكونة من حروف فهي مبنية على الوقف فلا تقرأ في أول سورة البقرة : { الم } والميم عليها ضمة بل تقرأ ألفا عليها سكون ولاما عليها سكون وميما عليها سكون اذن كل حرف منفرد بوقف مع أن الوقف لا يوجد في ختام السور ولا في القرآن الكريم كله و هناك سور في القرآن الكريم بدأت بحرف واحد مثل قوله تعالى : { ص والقرآن ذِي الذكر } [ ص : 1 ] { ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ } [ القلم : 1 ] ونلاحظ أن الحرف ليس آية مستقلة بينما « ألم » في سورة البقرة آية مستقلة . و : « حم » . و : « عسق » آية مستقلة مع أنها كلها حروف مقطعة . وهناك سور تبدأ بآية من خمسة حروف مثل « كهيعص » في سورة مريم و هناك سور تبدأ بأربعة حروف مثل « المص » في سورة « الأعراف » . وهناك سور تبدأ بأربعة حروف وهي ليست آية مستقلة مثل « ألمر » في سورة « الرعد » متصلة بما بعدها بينما تجد سورة تبدأ بحرفين هما آية مستقلة مثل : « يس » في سورة يس . و « حم » في سورة غافر وفصلت و : « طس » في سورة النمل . وكلها ليست موصلة بالآية التي بعدها وهذا يدلنا على أن الحروف في فواتح السور لا تسير على قاعدة محددة . « ألم » مكونة من ثلاث حروف تجدها في ست سور مستقلة فهي آية في البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم والسجدة ولقمان و « الر » ثلاثة حروف ولكنها ليست آية مستقلة . بل جزء من الآية في أربع سور هي : يونس ويوسف وهود وإبراهيم و : « المص » من أربعة حروف وهي آية مستقلة في سورة « الأعراف » و « المر » أربعة حروف ، ولكنها ليست آية مستقلة في سورة الرعد إذن فالمسألة ليست قانونا يعمم ، ولكنها خصوصية في كل حرف من الحروف . وإذا سألت ما هو معنى هذه الحروف؟ نقول إن السؤال في أصله خطأ لأن الحرف لا يسأل عن معناه في اللغة إلا إن كان حرف معنى والحروف نوعان حرف مَبْنَى وحرف معنى حرف المبنى لا معنى له إلا للدلالة على الصوت فقط.

أما حروف المعاني فهي مثل في . ومن و على ( في ) تدل على الظرفية و ( مِنْ ) تدل على الابتداء و ( إلى ) تدل على الانتهاء و ( على ) تدل على الاستعلاء هذه كلها حروف معنى وإذا كانت الحروف في أوائل السور في القرآن الكريم قد خرجت عن قاعدة الوصل لأنها مبنية على السكون لابد أن يكون لذلك حكمة أولا لنعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حَسَنَةٌ والحَسَنَةُ بعَشْر أمْثَالها ، لا أقولُ ألم حرف ولكن ألفٌ حرْفٌ ولاَمٌ حرف ومِيمٌ حرف »ولذلك ذكرت في القرآن كحروف استقلالية لنعرف ونحن نتعبد بتلاوة القرآن الكريم أننا نأخذ حسنة على كل حرف .فإذا قرأنا بسم الله الرحمن الرحيم يكون لنا بالباء حسنة وبالسين حسنة وبالميم حسنة فيكون لنا ثلاثة حسنات بكلمة واحدة من القرآن الكريم و الحسنة بعشر أمثالها . وحينما نقرأ « ألم » ونحن لا نفهم معناها نعرف أن ثواب القرآن على كل حرف نقرؤه سواء فهمناه أم لم نفهمه و قد يضع الله سبحانه وتعالى من أسراره في هذه الحروف التي لا نفهمها ثوابا وأجرا لا نعرفه و يريدنا بقراءتها أن نحصل على هذا الأجر و القرآن الكريم ليس إعجازا في البلاغة فقط و لكنه يحوي إعجازا في كل ما يمكن للعقل البشري أن يحوم حوله فكل مفكر متدبر في كلام الله يجد إعجازا في القرآن الكريم فالذي درس البلاغة رأى الإعجاز البلاغي، والذي تعلم الطب وجد إعجازا طبيا في القرآن الكريم و عالم النباتات رأى إعجازا في آيات القرآن الكريم ، وكذلك عالم الفلك.

وإذا أراد انسان منا أن يعرف معنى هذه الحروف فلا نأخذها على قدر بشريتنا ولكن نأخذها على قدر مراد الله فيها وقدراتنا تتفاوت وأفهامنا قاصرة فكل منا يملك مِفْتاحاً من مفاتيح الفهم كل على قدر علمه هذا مفتاح بسيط يفتح مرة واحدة وآخر يدور مرتين وآخر يدور ثلاث مرات وهكذا ولكن من عنده العلم يملك كل المفاتيح، أو يملك المفتاح الذي يفتح كل الأبواب و نحن لا يجب أن نجهد أذهاننا لفهم هذه الحروف فحياة البشر تقتضي منا في بعض الأحيان أن نضع كلمات لا معنى لها بالنسبة لغيرنا و إذن كانت تمثل أشياء ضرورية بالنسبة لنا تماما ككلمة السر التي تستخدمها الجيوش لا معنى لها إذا سمعتها و لكن بالنسبة لمن وضعها يكون ثمنها الحياة أو الموت فخذ كلمات الله التي تفهمها بمعانيها و خذ الحروف التي لا تفهمها بمرادات الله فيها فالله سبحانه وتعالى شاء أن يبقى معناها في الغيب عنده و القرآن الكريم لا يؤخذ على نسق واحد حتى نتنبه ونحن نتلوه أو نكتبه .

لذلك تجد مثلا بسم الله الرحمن الرحيم مكتوبة بدون ألف بين الباء والسين ومرة تجدها مكتوبة بالألف في قوله تعالى : { اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ } [ العلق : 1 ] وكلمة تبارك مرة تكتب بالألف ومرة بغير الألف و لو أن المسألة رتابة في كتابة القرآن لجاءت كلها على نظام واحد و لكنها جاءت بهذه الطريقة لتكون كتابة القرآن معجزة وألفاظه معجزة .و نحن نقول للذين يتساءلون عن الحكمة في بداية بعض السور بحروف نقول إن لذلك حكمة عند الله فهمناها أو لم نفهمها والقرآن نزل على أمة عربية فيها المؤمن والكافر ومع ذلك لم نسمع أحداً يطعن في الأحرف التي بدأت بها السور و هذا دليل على أنهم فهموها بملكاتهم العربية و لو أنهم لم يفهموها لطعنوا فيها.

وأنا أنصح من يقرأ القرآن الكريم للتعبد ألا يشغل نفسه بالتفكير في المعنى أما الذي يقرأ القرآن ليستنبط منه فليقف عند اللفظ والمعنى فإذا قرأت القرآن لتتعبد فاقرأه بسر الله فيه ولو جلست تبحث عن المعنى تكون قد حددت معنى القرآن الكريم بمعلوماتك أنت و تكون قد أخذت المعنى ناقصا نقص فكر البشر و لكن اقرأ القرآن بسر الله فيه .إننا لو بحثنا معنى كل لفظ في القرآن الكريم فقد أخرجنا الأمي وكل من لم يدرس اللغة العربية دراسة متعمقة من قراءة القرآن و لكنك تجد أميا لم يقرأ كلمة واحدة ومع ذلك يحفظ القرآن كله فإذا قلت كيف؟ نقول لك بسر الله فيه

و الكلام وسيلة إفهام وفهم بين المتكلم والسامع المتكلم هو الذي بيده البداية، والسامع يفاجأ بالكلام لأنه لا يعلم مقدما ماذا سيقول المتكلم و قد يكون ذهن السامع مشغولا بشيء آخر فلا يستوعب أول الكلمات و لذلك قد تنبهه بحروف أو بأصوات لا مهمة لها إلا التنبيه للكلام الذي سيأتي بعدها و إذا كنا لا نفهم هذه الحروف فوسائل الفهم والإعجاز في القرآن الكريم لا تنتهي، لأن القرآن كلام الله والكلام صفة من صفات المتكلم و لذلك لا يستطيع فهم بشري أن يصل إلى منتهى معاني القرآن الكريم، إنما يتقرب منها لأن كلام الله صفة من صفاته وصفة فيها كمال بلا نهاية فإذا قلت إنك قد عرفت كل معنى للقرآن الكريم فإنك تكون قد حددت معنى كلام الله بعلمك و لذلك جاءت هذه الحروف إعجازا لك . حتى تعرف إنك لا تستطيع أن تحدد معاني القرآن بعلمك.

إن عدم فهم الانسان لأشياء لا يمنع انتفاعه بها فالريفي مثلا ينتفع بالكهرباء والتليفزيون وما يذاع بالقمر الصناعي وهو لا يعرف عن أي منها شيئا فلماذا لا يكون الله تبارك وتعالى قد أعطانا هذه الحروف نأخذ فائدتها ونستفيد من اسرارها ويتنزل الله بها علينا بما أودع فيها من فضل سواء أفهم العبد المؤمن معنى هذه الحروف أو لم يفهمها وعطاء الله سبحانه وتعالى وحكمته فوق قدرة فهم البشر ولو أراد الانسان أن يحوم بفكره وخواطره حول معاني هذه الحروف لوجد فيها كل يوم شيئا جديدا لقد خاض العلماء في البحث كثيرا و كل عالم أخذ منها على قدر صفائه، ولا يدعي أحد العلماء أن ذلك هو الحق المراد من هذه الحروف بل كل منهم يقول والله أعلم بمراده و لذلك نجد عالما يقول ( ألر ) و ( حم ) و ( ن ) وهي حروف من فواتح السور تكون اسم الرحمن نقول إن هذا لا يمكن ان يمثل فهما عاما لحروف بداية بعض سور القرآن ولكن ما الذي يتعبكم أو يرهقكم في محاولة ايجاد معان لهذه الحروف؟!.

لو أن الله سبحانه وتعالى الذي أنزل القرآن يريد أن يفهمنا معانيها لأوردها بمعنى مباشر أو أوضح لنا المعنى . فمثلا أحد العلماء يقول إن معنى ( ألم ) هو أنا الله اسمع وأرى نقول لهذا العالم لو أن الله أراد ذلك فما المانع من أن يورده بشكل مباشر لنفهمه جميعا لابد أن يكون هناك سر في هذه الحروف و هذا السر هو من أسرار الله التي يريدنا أن ننتفع بقراءتها دون أن نفهمها و لابد أن نعرف أنه كما أن للبصر حدوداً وللأذن حدوداً وللمس والشم والتذوق حدوداً ، فكذلك عقل الانسان له حدود يتسع لها في المعرفة و حدود فوق قدرات العقل لا يصل اليها و الانسان حينما يقرأ القرآن والحروف الموجودة في أوائل بعض السور يقول إن هذا امر خارج عن قدرته العقلية و ليس ذلك حجراً أو سَدّاً لباب الاجتهاد لأننا إن لم ندرك فإن علينا أن نعترف بحدود قدراتنا أمام قدرات خالقنا سبحانه وتعالى التي هي بلا حدود و في الايمان هناك ما يمكن فهمه وما لا يمكن فهمه فتحريم أكل لحم الخنزير أو شرب الخمر لا ننتظر حتى نعرف حكمته لنمتنع عنه و لكننا نمتنع عنه بإيمان أنه مادام الله قد حرمه فقد أصبح حراما و لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما عرفتم من محكمه فاعملوا به، وما لم تدركوا فآمنوا به »

والله سبحانه وتعالى يقول : { هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابتغاء الفتنة وابتغاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب } [ آل عمران : 7 ] اذن فعدم فهمنا للمتشابه لا يمنع أن نستفيد من سر وضعه الله في كتابه . . ونحن نستفيد من أسرار الله في كتابه فهمناها أم لم نفهمها .

ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)

في الآية الثانية من سورة البقرة وصف الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم بأنه الكتاب وكلمة ( قرآن ) معناها أنه يُقرأ ، وكلمة ( كتاب ) معناها أنه لا يحفظ فقط في الصدور، ولكن يُدوّن في السطور، ويبقى محفوظاً إلى يوم القيامة، والقول بأنه الكتاب، تمييز له عن كل كتب الدنيا، وتمييز له عن كل الكتب السماوية التي نزلت قبل ذلك، فالقرآن هو الكتاب الجامع لكل احكام السماء، منذ بداية الرسالات حتى يوم القيامة، وهذا تأكيد لارتفاع شأن القرآن وتفرده وسماويته ودليل على وحدانية الخالق، فمنذ فجر التاريخ، نزلت على الأمم السابقة كتب تحمل منهج السماء، ولكن كل كتاب وكل رسالة نزلت موقوتة، في زمانها ومكانها، تؤدي مهمتها لفترة محددة وتجاه قوم مُحَّددين

فرسالة نوح عليه السلام كانت لقومه، وكذلك ابراهيم ولوط وشعيب وصالح عليهم السلام كل هذه رسالات كان لها وقت محدود، تمارس مهمتها في الحياة، حتى يأتي الكتاب وهو القرآن الكريم الجامع لمنهج الله سبحانه وتعالى و لذلك بُشر في الكتب السماوية التي نزلت قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام بأن هناك رسولا سيأتي، وأنه يحمل الر

سالة الخاتمة للعالم ، وعلى كل الذين يصدقون بمنهج السماء أن يتبعوه . . وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : { الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل } [ من الآية 157 سورة الأعراف ] والقرآن هو الكتاب ، لأنه لن يصل اليه أي تحريف أو تبديل ، فرسالات السماء السابقة ائتمن الله البشر عليها ، فنسوا بعضها ، وما لم ينسوه حرفوه ، وأضافوا إليه من كلام البشر ، ما نسبوه إلى الله سبحانه وتعالى ظلما وبهتانا ، ولكن القرآن الكريم محفوظ من الخالق الأعلى ، مصداقاً لقوله تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ] ومعنى ذلك ألا يرتاب انسان في هذا الكتاب ، لأن كل ما فيه من منهج الله محفوظ منذ لحظة نزوله إلى قيام الساعة بقدرة الله سبحانه وتعالى

يقول الحق جل جلاله : { لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } . والإِعجاز الموجود في القرآن الكريم هو في الأسلوب وفي حقائق القرآن وفي الآيات وفيما رُوِىَ لنا من قصص الأنبياء السابقين ، وفيما صحح من التوراة والانجيل، وفيما أتى به من علم لم تكن تعلمه البشرية ولازالت حتى الآن لا تعلمه، كل ذلك يجعل القرآن لا ريب فيه، لأنه لو اجتمعت الإنس والجن ما استطاعوا أن يأتوا بآية واحدة من آيات القرآن، ولذلك كلما تأملنا في القرآن وفي أسلوبه، وجدنا أنه بحق لا ريب فيه، لأنه لا أحد يستطيع أن يأتي بآية، فما بالك بالقرآن.فهذا الكتاب ارتفع فوق كل الكتب، وفوق مدارك البشر، يوضح آيات الكون، وآيات المنهج، وله في كل عصر معجزات .

إن كلمة الكتاب التي وصف الله سبحانه وتعالى بها القرآن تمييزا له عن كل الكتب السابقة، تلفتنا إلى معان كثيرة، تحدد لنا بعض أساسيات المنهج التي جاء هذا الكتاب ليبلغنا بها وأول هذه الأساسيات، أن نزول هذا الكتاب، يستوجب الحمد لله سبحانه وتعالى و اقرأ في سورة الكهف : { الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً } [ الكهف : 1 2 ] ويلفت الله سبحانه وتعالى عباده الى أن إنزاله القرآن على رسوله صلى الله عليه وسلم يستوجب الحمد من البشر جميعا ، لأن فيه منهج السماء ، وفيه الرحمة من الله لعباده ، وفيه البشارة بالجنة والطريق اليها ، وفيه التحذير من النار وما يقود اليها، وهذا التحذير أو الإنذار هو رحمة من الله تعالى لخلقه لأنه لو لم ينذرهم لفعلوا ما يستوجب العذاب، ويجعلهم يخلدون في عذاب اليم ولكن الكتاب الذي جاء ليلفتهم الى ما يغضب الله، حتى يتجنبوه، إنما جاء برحمة تستوجب الحمد، لأنها أرتنا جميعاً، الطريق الى النجاة من النار، ولو لم ينزل الله سبحانه وتعالى الكتاب، ما عرف الناس المنهج الذي يقودهم الى الجنة، وما استحق احد منهم رضا الله ونعيمه في الآخرة و في سورة الكهف، نجد تأكيداً آخر ان كتاب الله، وهو القرآن الكريم لن يستطيع بشر أن يبدل منه كلمة واحدة، واقرأ قوله جل جلاله { واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } [ الكهف : 27 ] ويبين الله سبحانه وتعالى لنا أن هذا الكتاب، جاء لنفع الناس، ولنفع العباد، وأن الله ليس محتاجاً لخلقه، فهو قادر على أن يقهر من يشاء على الطاعة، ولا يمكن لخلق من خلق الله أن يخرج من كون الله عن مرادات الله، واقرأ قوله سبحانه وتعالى : { طسم * تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } [ الشعراء : 1 - 4 ] ويأتي الله سبحانه وتعالى بالقسم الذي يلفتنا الى أن كل كلمة من القرآن هي من عند الله، كما ابلغها جبريل عليه السلام لمحمد صلى الله عليه وسلم في قوله سبحانه : { فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العالمين } [ الواقعة : 75 - 80 ] ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى الى ذلك الكتاب الذي هو منهج للانسان على الأرض ، فبعد أن بين لنا جل جلاله ، بما لا يدع مجالا للشك أن الكتاب منزل من عنده ، وأنه يصحح الكتب السابقة كالتوراة ، والانجيل والتي أئتمن الله عليها البشر ، فحرفوها وبدلوها ، وهذا التحريف أبطل مهمة المنهج الإلهي بالنسبة لهذه الكتب ، فجاء الكتاب الذي لم يصل اليه تحريف ولا تبديل ، ليبقى منهجاً لله ، الى ان تقوم الساعة .

أول ما جاء به هذا الكتاب هو إيمان القمة ، بأنه لا إله إلا الله الواحد الأحد . . والله سبحانه وتعالى يقول : { الم * الله لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم * نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل } [ آل عمران : 1 - 3 ] وهكذا نعرف ان الكتاب نزل ليؤكد لنا ، ان الله واحد أحد ، لا شريك له ، وأن القرآن يشتمل على كل ما تضمنته الشرائع السماوية من توراة وانجيل، وغيرها من الكتب . فالقرآن نزل ليفرق بين الحق الذي جاءت به الكتب السابقة ، وبين الباطل الذي أضافه أولئك الذي ائتمنوا عليها ثم يحدد الحق تبارك وتعالى لنا مهمتنا في أن هذا الكتاب مطلوب أن نبلغه للناس جميعاً، واقرأ قوله سبحانه : { المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } [ الأعراف : 1 - 2 ] فالخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكل خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم، يتضمن خطابا لأمته جميعاً، فالرسول صلى الله عليه وسلم كلف بأن يبلغ الكتاب للناس، ونحن مكلفون بأن نتبع المنهج نفسه ونبلغ ما جاء في القرآن للناس حتى يكون الحساب عدلا، وأنهم قد بلغوا منهج الله، ثم كفروا به أو تركوه، إذن فإبلاغ الكتاب من المهمات الأساسية التي حددها الله سبحانه وتعالى بالنسبة للقرآن.و الكتاب فيه رد على حجج الكفار وأباطيلهم و اقرأ قول الله تبارك وتعالى : { الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ } [ يونس : 1 - 2 ] وفي هذه الآيات الكريمة : يلفتنا الله سبحانه وتعالى إلى حقيقتين الحقيقة الأول هي أن الكفار يتخذون من بشرية الرسول حُجة بأن هذا الكتاب ليس من عند الله وكان الرد هو أن كل الرسل السابقين كانوا بشراً، فما هو العجب في أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً بشراً و اللفتة الثانية هي ان هذا القرآن مكتوب بالحروف نفسها التي خلقها الله لنا لنكتب بها ، ومع ذلك فإن القرآن الكريم نزل مستخدماً لهذه الحروف التي يعرفها الناس جميعاً ، معجزاً في ألا يستطيع الانس والجن، مجتمعين أن يأتوا بسورة واحدة منه ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى لفتة اخرى الى أن هذا الكتاب محكم الآيات ، ثم بينه الله لعباده، واقرأ قوله جل جلاله في سورة هود : { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ الله إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } [ هود : 1 - 2 ] هذه هي بعض الآيات في القرآن الكريم ، التي أراد الله سبحانه وتعالى أن يلفتنا فيها الى معنى الكتاب، فآياته من عند الله الحكيم الخبير، وكل آية فيها اعجاز مُتَحدَّى به الإنس والجن ، وهذا الكتاب لابد أن يبلغ للناس جميعاً، فالكتاب ينذرهم ألا يعبدوا إلا الله ، ليكون الحساب عدلا في الآخرة ، فمن أنذر وأطاع كان له الجنة ، ومن عصى كانت له النار والعياذ بالله . ثم يلفتنا الله الى ان هذا الكتاب فيه قصص الأنبياء السابقين منذ آدم عليه السلام ، يقول جل جلاله : { الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين * إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هذا القرآن وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين } [ يوسف : 1 - 3 ] وهكذا نجد أن القرآن الكريم ، قد جاء ليقص علينا أحسن القصص بالنسبة للأنبياء السابقين ، والأحداث التي وقعت في الماضي ، ولم يأت القرآن بهذه القصص للتسلية أو للترفيه ، وإنما جاء بها للموعظة ولتكون عبرة ايمانية ، ذلك أن القصص القرآني يتكرر في كل زمان ومكان . ففرعون هو كل حاكم طغى في الأرض ، ونصب نفسه إلها ، وقارون هو كل من أنعم الله عليه فنسب النعمة الى نفسه ، وتكبر و عصى الله ، وقصة يوسف هي قصة كل اخوة حقدوا على أخ لهم ، وتآمروا عليه ، وأهل الكهف هم كل فتية آمنوا بربهم ، فنشر الله لهم من رحمته في الدنيا والآخرة ، ما عدا قصة واحدة هي قصة مريم وعيسى عليهما السلام ، فهي معجزة لن تتكرر ولذلك عرف الله سبحانه وتعالى ابطالها ، فقال عيسى بن مريم وقال مريم ابنة عمران . والكتاب الذي أنزله الله سبحانه وتعالى فيه لفتة الى آيات الله في كونه . واقرأ قوله تعالى : { المر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ * الله الذي رَفَعَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ استوى عَلَى العرش وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأمر يُفَصِّلُ الآيات لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } [ الرعد : 1 - 2 ] وهكذا بين لنا الله في الكتاب آياته في الكون ولفتنا اليها ، فالسماء مرفوعة بغير عمد نراها ، والشمس والقمر مسخران لخدمة الانسان ، وهذه كلها آيات لا يستطيع أحد من خلق الله أن يدعيها لنفسه أو لغيره ، فلا يوجد ، حتى يوم القيامة من يستطيع ان يدعي انه رفع السماء بغير عمد، أو أنه خلق الشمس والقمر وسخرهما لخدمة الانسان و لو تدبر الناس في آيات الكون لآمنوا ولكنهم في غفلة عن هذه الآيات ثم يحدد الحق سبحانه وتعالى مهمة هذا الكتاب و كيف أنه رحمة للناس جميعاً ، فيقول جل جلاله : { الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ العزيز الحميد * الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [ إبراهيم : 1 - 2 ] أي أن مهمة هذا الكتاب هي أن يخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والشرك الي نور الايمان ، لأن كل كافر مشرك تحيط به ظلمات ، يرى الآيات فلا يبصرها ، ويعرف أن هناك حسابا وآخرة ولكنه ينكرهما ، ولا يرى إلا الحياة الدنيا القصيرة غير المأمونة في كل شيء ، في العمر والرزق والمتعة ، ولو تطلع الى نور الايمان ، لرأى الآخرة وما فيها من نعيم أبدي ولَعَمِلَ من أجلها ، ولكن لأنه تحيط به الظلمات لا يرى و الطريقُ لأن يرى هو هذا الكتاب ، القرآن الكريم لأنه يخرج الناس إذا قرأوه من ظلمات الجهل والكفر الى نور الحقيقة واليقين و بين الحق سبحانه وتعالى أن الذين يلتفتون الى الدنيا وحدها ، هم كالأنعام التي تأكل وتشرب ، بل ان الانعام افضل منهم ، لأن الانعام تقوم بمهمتها في الحياة ، بينما هم لا يقومون بمهمة العبادة ، فيقول الحق تبارك وتعالى : { الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ * رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } [ الحجر : 1 - 3 ] هكذا يخبرنا الحق أن آيات كتابه الكريم ومنهجه لا تؤخذ بالتمني ، ولكن لابد أن يعمل بها ، وأن الذين كفروا في تمتعهم بالحياة الدنيا لا يرتفعون فوق مرتبة الأنعام ، وأنهم يتعلقون بأمل كاذب في أن النعيم في الدنيا فقط ، ولكن الحقيقة غير ذلك وسوف يعلمون و هكذا بعد أن تعرضنا بإيجاز لبعض الآيات التي ورد فيها ذكر الكتاب انه كتاب يبصرنا بقضية القمة في العقيدة وهي أنه لا إله إلا الله وأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، وهو بهذا يخرج الناس من الظلمات الى النور و أن يلفتهم الى آيات الكون و أن يعرفوا أن هناك آخرة ونعيماً أبدياً وشقاء أبدياً ، وأن يقيم الدليل والحجة على الكافرين ، وأن قوله تعالى : { ذَلِكَ الكتاب } يحمل معنى التفوق الكامل الشامل على كل ما سبقه من كتب . وأنه سيظل كذلك حتى قيام الساعة ولذلك وصفه الحق تبارك وتعالى بأنه « كتاب » ليكون دليلا على الكمال . ولابد أن نعرف أن ذلك ليست كلمة واحدة وانما هي ثلاث كلمات « ذا » اسم اشارة . . « واللام » تدل على الابتعاد ورفعة شأن القرآن الكريم ، و « ك » لمخاطبة الناس جميعا بأن القرآن الكريم له عمومية الرسالة الى يوم القيامة و نحن عندما نقرأ سورة البقرة نستطيع أن نقرأ آيتها الثانية بطريقتين الطريقة الأولى أن نقول { الم * ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ } ثم نصمت قليلا ونضيف : { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } والطريقة الثانية أن نقول : { الم * ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ } ثم نصمت قليلا ونضيف : فيه هدى للمتقين « وكلتا الطريقتين توضح لنا معنى لا ريب أي لا شك أو نفي للشك وجزم مطلق أنه كتاب حكيم منزل من الخالق الأعلى وحتى نفهم المنطلق الذي نأخذ منه قضايا الدين ، والتي سيكون دستورنا في الحياة ، فلابد ان نعرف ما هو الهدى ومن هم المتقون؟ الهدى هو الدلالة على طريق يوصلك الى ما تطلبه . فالاشارات التي تدل المسافر على الطريق هي هدى له لانها تبين له الطريق الذي يوصله الى المكان الذي يقصده . . والهدى يتطلب هاديا ومهديا وغاية تريد أن تحققه . فاذا لم يكن هناك غاية أو هدف فلا معنى لوجود الهدى لأنك لا تريد أن تصل الى شيء . . وبالتالي لا تريد من أحد أن يدلك على طريق .
اذن لابد أن نوجد الغاية أولا ثم نبحث عمن يوصلنا اليها .
وهنا نتساءل من الذي يحدد الهدف ويحدد لك الطريق للوصول إليه؟ اذا اخذنا بواقع حياة الناس فإن الذي يحدد لك الهدف لابد أن تكون واثقا من حكمته . . والذي يحدد لك الطريق لابد أن يكون له من العلم ما يستطيع به أن يدلك على أقصر الطرق لتصل الى ما تريد .
فاذا نظرنا الى الناس في الدنيا نجد أنهم يحددون مطلوبات حياتهم ويحددون الطريق الذي يحقق هذه المطلوبات . . فالذي يريد أن يبني بيتا مثلا يأتي بمهندس يضع له الرسم ، ولكن الرسم قد يكون قاصرا على أن يحقق الغاية المطلوبة فيظل يغير ويبدل فيه . ثم يأتي مهندس على مستوى أعلى فيضع تصوراً جديداً للمسألة كلها . . وهكذا يكون الهدف متغيرا وليس ثابتا .
وعند التنفيذ قد لا توجد المواد المطلوبة فنغير ونبدل لنأتي بغيرها ثم فوق ذلك كله قد تأتي قوة أعلى فتوقف التنفيذ أو تمنعه . إذن فأهداف الناس متغيرة تحكمها ظروف حياتهم وقدراتهم . . والغايات التي يطلبونها لا تتحقق لقصور علم البشر وامكاناته .
اذن فكلنا محتاجون الى كامل العلم والحكمة ليرسم لنا طريق حياتنا . . وأن يكون قادرا على كل شيء ، ومالكا لكل شيء ، والكون خاضعا لارادته حتى نعرف يقينا أن ما نريده سيتحقق ، وأن الطريق الذي سنسلكه سيوصلنا الى ما نريده . وينبهنا الله سبحانه وتعالى الى هذه القضية فيقول :
{ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى } [ البقرة : 120 ]
ان الله يريد أن يلفت خلقه الى انهم إذا أرادوا أن يصلوا الى الهدف الثابت الذي لا يتغير فليأخذوه عن الله . وإذا أرادوا أن يتبعوا الطريق الذي لا توجد فيه أي عقبات أو متغيرات . . فليأخذوا طريقهم عن الله تبارك وتعالى . . إنك اذا اردت باقيا . . فخذ من الباقي ، واذا أردت ثابتا . . فخذ من الثابت . ولذلك كانت قوانين البشر في تحديد أهدافهم في الحياة وطريقة
الوصول اليها قاصرة .

. علمت أشياء وغابت عنها أشياء . . ومن هنا فهي تتغير وتتبدل كل فترة من الزمان .
ذلك أن من وضع القوانين من البشر له هدف يريد أن يحققه ، ولكن الله جل جلاله لا هوى له . . فإذا أردت أن تحقق سعادة في حياتك ، وأن تعيش آمنا مطمئنا . . فخذ الهدف عن الله ، وخذ الطريق عن الله . فإن ذلك ينجيك من قلق متغيرات الحياة التي تتغير وتتبدل . والله قد حدد لخلقه ولكل ما في كونه أقصر طريق لبلوغ الكون سعادته . والذين لا يأخذون هذا الطريق يتعبون أنفسهم ويتعبون مجتمعهم ولا يحققون شيئا .
اذن فالهدف يحققه الله لك ، والطريق يبينه الله لك . . وما عليك إلا أن تجعل مراداتك في الحياة خاضعة لما يريده الله .
ويقول الله سبحانه وتعالى : { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } . . ما معنى المتقين؟ متقين جمع متق . والاتقاء من الوقاية . . والوقاية هي الاحتراس والبعد عن الشر . . لذلك يقول الحق تبارك وتعالى : { ياأيها الذين آمَنُواْ قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة } [ التحريم : 6 ] أي اعملوا بينكم وبين النار وقاية . احترسوا من أن تقعوا فيها . . ومن عجيب أمر هذه التقوى أنك تجد الحق سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم والقرآن كله كلام الله « اتقوا الله » ويقول : « اتقوا النار » . كيف نأخذ سلوكا واحدا تجاه الحق سبحانه وتعالى وتجاه النار التي سيعذب فيها الكافرون؟!
الله تعالى يقول : « اتقوا النار » . أي لا تفعلوا ما يغضب الله حتى لا تعذبوا في النار . . فكأنك قد جعلت بينك وبين النار وقاية بأن تركت المعاصي وفعلت الخير .
وقول تعالى : « اتقوا الله » كيف نتقيه بينما نحن نطلب من الله كل النعم وكل الخير دائما . كيف يمكن أن يتم هذا؟ وكيف نتقي من نحب؟ .
نقول ان لله سبحانه وتعالى صفات جلال وصفات جمال . . صفات الجلال تجدها في القهار والجبار والمذل . . والمنتقم . والضار . كل هذا من متعلقات صفات الجلال . . بل إن النار من متعلقات صفات الجلال .
أما صفات الجمال فهي الغفار والرحيم وكل الصفات التي تتنزل بها رحمات الله وعطاءاته على خلقه . فاذا كنت تقي نفسك من النار وهي من متعلقات صفات الجلال لابد أن تقي نفسك من صفات الجلال كلها . لأنه قد يكون من متعلقاتها ما أشد عذابا وايلاما من النار . . فكأن الحق سبحانه وتعالى حين يقول : « اتقوا النار » . و : « اتقوا الله » يعني أن نتقي غضب الله الذي يؤدي بنا الى أن نتقي كل صفات جلاله . . ونجعل بيننا وبينها وقاية . فمن اتقى صفات جلال
الله أخذ صفات جماله .

. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا كانت آخر ليلة من رمضان تجلى الجبار بالمغفرة » وكان المنطق يقتضي أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( تجلى الرحمن بالمغفرة ) ولكن مادامت هناك ذنوب ، فالمقام لصفة الجبار الذي يعذب خلقه بذنوبهم . فكأن صفة الغفار تشفع عند صفة الجبار . . وصفة الجبار مقامها للعاصين ، فتأتي صفة الغفار لتشفع عندها ، فيغفر الله للعاصين ذنوبهم ، وجمال المقابلة هنا حينما يتجلى الجبار بجبروته بالمغفرة فساعة تأتي كلمة جبار . . يشعر الانسان بالفزع والخوف والرعب . لكن عندما تسمع ( تجلى الجبار بالمغفرة ) فإن السعادة تدخل الى قلبك . لأنك تعرف أن صاحب العقوبة وهو قادر عليها قد غفر لك . والنار ليست آمرة ولا فاعلة بذاتها ولكنها مأمورة . اذن فاستعذ منها بالآمر أو بصفات الجمال في الآمر .
يقول الحق سبحانه وتعالى { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } ولقد قلنا ان الهدى هدى الله . . لأنه هو الذي حدد الغاية من الخلق ودلنا على الطريق الموصل اليها . فكون الله هو الذي حدد المطلوب ودلنا على الطريق اليه فهذه قمة النعمة . . لانه لم يترك لنا أن نحدد غايتنا ولا الطريق اليها . فرحمنا بذلك مما سنتعرض له من شقاء في أن نخطئ ونصيب بسبب علمنا القاصر ، فنشقى وندخل في تجارب ، ونمشي في طرق ثم نكتشف أننا قد ضللنا الطريق فنتجه الى طريق آخر فيكون اضل وأشقى .
وهكذا نتخبط دون أن نصل الى شيء . . وأراد سبحانه أن يجنبنا هذا كله فأنزل القرآن الكريم . . كتابا فيه هداية للناس وفيه دلالة على أقصر الطرق لكي نتقي عذاب الله وغضبه .
والله سبحانه وتعالى قال : { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } أي أن هذا القرآن هدى للجميع . . فالذي يريد أن يتقي عذاب الله وغضبه يجد فيه الطريق الذي يحدد له هذه الغاية . . فالهدى من الحق تبارك وتعالى للناس جميعا . ثم خص من آمن به بهدى آخر ، وهو أن يعينه على الطاعة .
اذن فهناك هدى من الله لكل خلقه وهو أن يدلهم سبحانه وتعالى ويبين لهم الطريق المستقيم . هذا هو هدى الدلالة ، وهو أن يدل الله خلقه جميعا على الطريق الى طاعته وجنته . واقرأ قوله تبارك وتعالى : { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } [ فصلت : 17 ] اذن الحق سبحانه وتعالى دلهم على طريق الهداية . . ولكنهم أحبوا طريق الغواية والمعصية واتبعوه . . هذه هداية الدلالة . . أما هداية المعونة ففي قوله سبحانه : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ } [ محمد : 17 ] وهذه هي دلالة المعونة . . وهي لا تحق إلا لمن آمن بالله واتبع منهجه وأقبل على هداية الدلالة وعمل بها . . والله سبحانه وتعالى لا يعين من يرفض هداية الدلالة ، بل يتركه
يضل ويشقى .

. ونحن حين نقرأ القرآن الكريم نجد أن الله تبارك وتعالى : يقول لنبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ } [ القصص : 56 ] وهكذا نفى الله سبحانه وتعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون هاديا لمن أحب . . ولكن الحق يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم : { وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [ الشورى : 52 ] فكيف يأتي هذا الاختلاف مع أن القائل هو الله .
نقول : عندما تسمع هذه الايات اعلم أن الجهة منفكة . . يعني ما نفى غير ما أثبت . . ففي غزوة بدر مثلا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصى قذفها في وجه جيش قريش . يأتي القرآن الكريم الى هذه الواقعة فيقول الحق سبحانه : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى } [ الأنفال : 17 ] نفي للحدث وإثباته في الآية نفسها . . كيف رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم . . مع أن الله تبارك وتعالى قال : { وَمَا رَمَيْتَ } ؟! نقول إنه في هذه الآية الجهة منفكة . الذي رمى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن الذي أوصل الحصى الى كل جيش قريش لتصيب كل مقاتل فيهم هي قدرة الله سبحانه وتعالى . فما كان لرمية رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصى يمكن أن تصل الى كل جيش الكفار ، ولكن قدرة الله هي التي جعلت هذا الحصى يصيب كل جندي في الجيش .
أما قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : { وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } .
فهي هداية دلالة . أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبليغه للقرآن وبيانه لمنهج الله قد دل الناس كل الناس على الطريق المستقيم وبينه لهم . وقوله تبارك وتعالى : { إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ } . . أي إنك لا توصل الهداية الى القلوب لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي القلوب ويزيدها هدى وإيمانا . ولذلك أطلقها الله تبارك وتعالى قضية ايمانية عامة في قوله : { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } فالقرآن الكريم يحمل هداية الدلالة للذين يريدون أن يجعلوا بينهم وبين غضب الله وعذاب
ه وقاية .

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى لنا أن هذا الكتاب وهو القرآن الكريم { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } . . أي أن فيه المنهج والطريق لكل من يريد أن يجعل بينه وبين غضب الله وقاية . . أراد أن يعرفنا صفات هؤلاء المتقين ومن هم . . وأول صفة هي قوله تعالى : { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } . .
ما هو الغيب الذي جعله الله أول مرتبة في الهدى . . وفي الوقاية من النار ومن غضب الله؟ . .
الغيب هو كل ما غاب عن مدركات الحس . فالأشياء المحسة التي نراها ونلمسها لا يختلف فيها أحد . . ولذلك يقال ليس مع العين أين . . لأن ما تراه لا تريد عليه دليلا . . ولكن الغيب لا تدركه الحواس . . إنما يدرك بغيرها . .
ومن الدلالة على دقة التعريف أنهم قالوا أن هناك خمس حواس ظاهرة هي : السمع والبصر والشم والذوق واللمس . . ولكن هناك أشياء تدرك بغير هذه الحواس . .
لنفرض أن أمامنا حقيبتين . . الشكل نفسه والحجم نفسه . هل تستطيع بحواسك الظاهرة أن تدرك أيهما أثقل من الأخرى؟ . هل تستطيع الحواس الخمس أن تقول لك أي الحقيبتين أثقل؟ . . لا . . لابد أن تحمل واحدة منهما ثم تحمل الأخرى لتعرف أيهما أثقل . .
بأي شيء أدركت هذا الثقل؟ . . بحاسة العضل . . لأن عضلاتك أُجهدت عندما حملت احدى الحقيبتين ، ولم تجهد عندما حملت الثانية . . فعرفت بالدقة أيهما أثقل . . لا تقل باللمس؛ لأنك لو لمست احداهما ثم لمست الأخرى لا تعرف أيهما أثقل . . إذن فهناك حاسة العضل التي تقيس بها ثقل الأشياء . .
ولنفرض أنك دخلت محلا لبيع القماش ، وأمامك نوعان من قماش واحد . . ولكن أحدهما أرق من الآخر . . بمجرد أن تضع القماشين بين أنامِلك تدرك أن أحدهما رقيق والآخر أكثر سمكا . . بأي حاسة أدركت هذا؟ ليس بحاسة اللمس ولكن بحاسة البينة وحكمها لا يخطئ . .
وعندما تشعر بالجوع . . بأي حاسة أدركت أنك جوعان؟ . . ليس بالحواس الظاهرة . . وكذلك عندما تظمأ . . ما هي الحاسة التي أدركت بها أنك محتاج الى الماء . . وعندما تكون نائما . . أي حاسة تلك التي توقظك من النوم . . لا أحد يعرف . .
اذن هناك ملكات في النفس وهي الحواس الظاهرة . . وهناك ادراكات في النفس . . وهي حواس لا يعلمها إلا خالقها . . لذلك عندما يأتي العلماء ليضعوا تعريفا للنفس البشرية نقول لهم : ماذا تعرفون عن هذه النفس؟! . . انكم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا . . ولكن هناك أشياء داخل النفس لا تعرفونها . . هناك ادراكات لا يعلم عنها الانسان شيئا ، وهي
ادراكات كثيرة ومتعددة .

. لذلك يخطئ من يقول إن ما لا يدرك بالحواس البشرية الظاهرة هو غيب . . لأن هناك ملكات وادراكات متعددة تعمل بغير علم منا .
لو أعطى لطالب تمرين هندسي فحله وأتى بالجواب . . هل نقول أنه عَلِمَ غيبا؟ . . لأن حل التمرين كان غيبا عنه ثم وصل اليه . . لا . . لأن هناك مقدمات وقوانين أوصلته الى هذا الحل . . والغيب بلا مقدمات ولا قوانين تؤدي اليه ، وهل عندما تعلن الأرصاد الجوية أن غدا يوم مطير شديد الرياح . . أتكون قد عَلِمَتْ غيبا؟ . . لا . . لأنها أخذت المقدمات ووصلت بها الى نتائج وهذا ليس غيباً . .
واذا جاء أحد من الدجالين وقال لك ان ما سرق منك عند فلان . . أيكون قد علم الغيب؟ . . لا . . لأنه يشترط في الغيب ألا يكون معلوما لمثلك . . وما سرق منك معلوم لمثلك . . فالسارق والذي بيعت له المسروقات يعرفان من الذي سرق ، وما الذي حدث . . والشرطة تستطيع بالمقدمات والبصمات والبحث أن تصل الى السارق ومن اشترى المسروقات . . وإذا جاءك دجال من الذين يسخرون الجن . . والمعروف أن الجن مستورعنا يمتاز بخفة الحركة وسرعتها . . والله سبحانه وتعالى يقول عن الشيطان : { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } [ الأعراف : 27 ] فقد يكون هذا المستعان به من الجن قد رأى شيئا . . أو انتقل من مكان إلى آخر . . فيعرف شيئا لا تعرفه أنت . . هذا لا يكون غيباً لأنك جهلته ، ولكن غيرك يعلمه بقوانينه التي خلقها الله له . . والعلماء الذين يكتشفون أسرار الكون . . أيقال إنهم أطلعوا على الغيب؟ . . لا . . لأن هؤلاء العلماء اكتشفوا موجوداً له مقدمات فوصلوا الى هذه النتائج فهو ليس غيبا .
ولكن ما هو الغيب؟ . .
هو الشيء الذي ليس له مقدمات ولا يمكن أن يصل اليه علم خَلْقٍ من خلق الله حتى الملائكة . . واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى حينما عَلَّمَ آدم الأسماء كلها وعرضهم على الملائكة قال جل جلاله : { وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ العليم الحكيم * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } [ البقرة : 31 - 33 ] والجن أيضا لا يعلم الغيب . . ولذلك عندما مات سليمان عليه السلام . . وكان الله سبحانه وتعالى قد سَخَّرَ له الجن لم تعلم الجن بموته إلا عندما أكلت دابة الأرض عصاه . . واقرأ قوله تبارك وتعالى : { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت مَا دَلَّهُمْ على مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجن أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ فِي الع
ذاب المهين }

[ سبأ : 14 ] إذن فالغيب هو ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى . . واقرأ قول الحق جل جلاله : { عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } [ الجن : 26 - 27 ] وهكذا فإن الرسل لا يعلمون الغيب . . ولكن الله سبحانه وتعالى يعلمهم بما يشاء من الغيب ويكون هذا معجزة لهم ولمن اتبعوهم .
وقمة الغيب هي الايمان بالله سبحانه وتعالى . . والايمان بملائكته وكتبه ورسله والايمان باليوم الآخر . . كل هذه أمور غيبية ، وحينما يخبرنا الله تبارك وتعالى عن ملائكته ونحن لا نراهم . . نقول مادام الله قد أخبرنا بهم فنحن نؤمن بوجودهم . . وإذا أخبرنا الحق سبحانه وتعالى عن اليوم الآخر . . فمادام الله قد أخبرنا فنحن نؤمن باليوم الآخر . . لأن الذي أخبرنا به هو الله جل جلاله . . آمنت به أنه اله . . واستخدمت في هذا الايمان الدليل العقلي الذي جعلني أؤمن بأن لهذا الكون إلهاً وخالقاً . . وما يأتيني عن الله حيثية الايمان به أن الله سبحانه وتعالى هو القائل .
ولابد أن نعرف أن وجود الشيء مختلف تماما عن ادراك هذا الشيء . . فأنت لك روح في جسدك تهبك الحياة . . أرأيتها؟ . . أسمعتها؟ . . أذقتها؟ . . أشممتها؟ . . ألمستها؟ . . الجواب طبعا لا . . فبأي وسيلة من وسائل الادراك تدرك أن لك روحا في جسدك؟ بأثرها في إحياء الجسد . .
إذن فقد عرفت الروح بأثرها ، والروح مخلوق لله . . فكيف تريد وأنت عاجز أن تدرك مخلوقا في جسدك وذاتك وهو الروح بآثارها . . ان تدرك الله سبحانه وتعالى بحواسك .
ونحن إذا آمنا بالقمة الغيبية وهو الله جل جلاله . . فلابد أن نؤمن بكل ما يخبرنا عنه وإن لم نَرَه . . ولقد أراد الله تبارك وتعالى رحمة بعقولنا أن يقرب لنا قضية الغيب فأعطانا من الكون المادي أدلة على أن وجود الشيء ، وادراك هذا الوجود شيئان منفصلان تماما . .
فالجراثيم مثلا موجودة في الكون تؤدي مهمتها منذ بداية الخلق . . وكان الناس يشاهدون آثار الأمراض في أجسادهم من ارتفاع في الحرارة وحمى وغير ذلك وهم لا يعرفون السبب . . فلما ارتقى العلم وأذن الله لخلقه أن يروا هذا الوجود للجراثيم . . جعل الله العقول قادرة على أن تكتشف المجهر . . الذي يعطينا الصورة مكبرة . . لأن العين قدرتها البصرية أقل من أن تدرك هذه المخلوقات الدقيقة . . فلما اكتشف العلم المجهر . . استطعنا أن نرى هذا الجراثيم . . ونعرف أن لها دورة حياة وتكاثر إلى غير ما يكشفه الله لنا من علم كما تقدم الزمن . .
إن عدم قدرتنا على رؤية أي شيء لا يع
ني أنه غير موجود .

. ولكن آلة الإدراك وهي البصر عاجزة عن أن تراه ، لأنه غاية في الصغر . . فاذا جئت بالمجهر كبر لك هذا الميكروب ليدخل في نطاق وسيلة رؤيتك وهي العين . . ورؤيتنا للجراثيم والميكروبات ليست دليلا على أنها خلقت ساعة رأيناها . . بل هي موجودة تؤدي مهمتها . . سواء رأيناها أو لم نرها .
فلو حدثنا أحد عن الميكروبات والجراثيم قبل أن نراها رؤية العين . . هل كنا نصدق؟ . . والله سبحانه وتعالى ترك بعض خلقه غير مدرك في زمنه لبعض حقائق الكون ليرتقي الانسان ويدرك بعد ذلك . . وكان المفروض أنه يزداد ايمانا . . عندما يدرك وليعرف الخلق بالدليل المادي أن ما هو غيب عنهم موجود وان كنا لا نراه . .
والله تبارك وتعالى قد أعطانا من آياته في الكون ما يجعلنا ندرك أن لهذا الكون خالقا . . فالشمس والقمر والنجوم والأرض والانسان والحيوان والجماد لا يستطيع أحد أن يدعي انه خلقهم . . ولا أحد يمكن أن يدعي أنه خلق نفسه أو غيره . . ولا يمكن لهذا الكون بهذا النظام الدقيق أن يوجد مصادفة؛ لأن المصادفات أحداث غير مرتبة أو غير منظمة . . ولو وجد هذا الكون بالصدفة لتصادمت الشمس والقمر والنجوم والأرض ولاختل الليل والنهار . .
ولكن كل ما في الكون من آيات يؤكد لنا أن هناك قوة هائلة هي التي خلقت ونظمت وأبدعت . . فإذا جاءنا رسول يبلغنا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذا الكون فلابد أن نصدقه .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : { وَيُقِيمُونَ الصلاة } . . والصلاة هي إدامة ولاء العبودية للحق تبارك وتعالى وهي لا تسقط عن الانسان أبدا . . فالانسان يصلي وهو واقف ، فإن لم يستطع يصلي وهو جالس . فإن لم يستطع ، فيصلي وهو راقد . . ولا تسقط الصلاة عن الانسان من ساعة التكليف إلى ساعة الوفاة كل يوم خمس مرات . .
ويقول الحق تبارك وتعالى : { وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } . . وحين نتكلم عن الرزق يظن كثير من الناس أن الرزق هو المال . . نقول له لا . . الرزق هو ما ينتفع به فالقوة رزق ، والعلم رزق ، والحكمة رزق ، والتواضع رزق . . وكل ما فيه حركة للحياة رزق . . فإن لم يكن عندك مال لتنفق منه فعندك عافية تعمل بها لتحصل على المال . . وتتصدق بها على العاجز والمريض . . وان كان عندك حلم . . فإنك تنفقه بأن تقي الأحمق من تصرفات قد تؤذي المجتمع وتؤذيك . . وان كان عندك علم انفقه لتعلم الجاهل . . وهكذا نرى : { وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } تستوعب جمي
ع حركة الحياة .

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)

الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة يعطينا صفات أخرى من صفات المؤمنين . . فبعد أن ابلغنا أن من صفات المؤمنين الايمان بالغيب واقامة الصلاة والانفاق مما رزقهم الله . . يأتي بعد ذلك الى صفات أخرى . .
فهؤلاء المؤمنون هم : { والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ } أي بالقرآن الكريم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى . . و « بما أنزل من قبلك » وهذه لم تأت في وصف المؤمنين إلا في القرآن الكريم . . ذلك أن الاسلام عندما جاء كان عليه أن يواجه صنفين من الناس . . الصنف الأول هم الكفار وهم لا يؤمنون بالله ولا برسول مبلغ عن الله . . وكان هناك صنف آخر من الناس . . هم أهل الكتاب يؤمنون بالله ويؤمنون برسل عن الله وكتب عن الله . .
والاسلام واجه الصنفين . . لأن أهل الكتاب ربما ظنوا أنهم على صلة بالله . . يؤمنون به ويتلقون منه كتبا ويتبعون رسلا وهذا في نظرهم كاف . . نقول لا . . فالإسلام جاء ليؤمن به الكافر ، ويؤمن به أهل الكتاب ، ويكون الدين كله لله . .
والله سبحانه وتعالى في كتبه التي أنزلها أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن اسمه وأوصافه . . وطلب من أهل الكتاب الذين سيدركون رسالته صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به . . ولقد أعطى الله جل جلاله أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب حتى إنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم . . بل كانت معرفتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزمنه وأوصافه معرفة يقينية . . وكان يهود المدينة يقولون للكفار . . أَطَلَّ زمن رسول سنؤمن به ونقتلكم قتل عاد وإرم . . فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أول من حاربه وأنكر نبوته . . فأوصاف رسول الله عليه الصلاة والسلام موجودة في التوراة والانجيل . . ولذلك كان أهل الكتاب ينذرون الكفار بأنهم سيؤمنون بالرسول الجديد ويسودون به العرب . . واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى :
{ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين } [ البقرة : 89 ]
أي أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن مفاجئة لأهل الكتاب بل كانوا ينتظرونها . . كانوا يؤكدون أنهم سيؤمنون بها كما تأمرهم بها كتبهم . . ولكنهم رفضوا الايمان وأنكروا الرسالة عندما جاء زمنها . .
ثم يقول سبحانه وتعالى : { وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ } ونلاحظ هنا أن كلمة ( وبالآخرة ) قد جاءت . . لأنك اذا تصفحت التوراة التي هي كتاب اليهود ، أو قرأت التلمود لا تجد شيئ
ا عن اليوم الآخر .

. فقد أخذوا الأمر المادي فقط من كتبهم . . والله تبارك وتعالى أكد الايمان باليوم الآخر حتى عرف الذين يقولون آمنا بالله وكتبه ورسله ولا يلتفتون الى اليوم الآخر أنهم ليسوا بمؤمنين . . فلو لم يجئ هذا الوصف في القرآن الكريم ربما قالوا إن الاسلام موافق لما عندنا . . ولكن الله جل جلاله يريد تصوير الايمان تصويرا كماليا بأن الايمان بالله قمة ابتداء والايمان باليوم الآخر قمة انتهاء . . فمن لم يؤمن بالآخرة وأنه سيلقى الله وسيحاسبه . . وأن هناك جنة ينعم فيها المؤمن ، وناراً يعذب فيها الكافر يكون ايمانه ناقصا . . ويكون قد اقترب من الكافر الذي جعل الدنيا غايته وهدفه . .
فالمؤمن يتبع منهج الله في الدنيا ليستحق نعيم الله في الآخرة . . فلو أن الآخرة لم تكن موجودة ، لكان الكافر أكثر حظا من المؤمن في الحياة . . لأنه أخذ من الدنيا ما يشتهيه ولم يقيد نفسه بمنهج ، بل أطلق لشهواته العنان . . بينما المؤمن قَيَّدَ حركته في الحياة طبقا لمنهج الله وتعب في سبيل ذلك . ثم يموت الاثنان وليس بعد ذلك شيء . . فيكون الكافر هو الفائز بنعم الدنيا وشهواتها . والمؤمن لا يأخذ شيئا . والأمر هنا لا يستقيم بالنسبة لقضية الايمان . . ولذلك كان الايمان بالله قمة الايمان بداية والايمان بالآخرة قمة الايمان نهاي
ة .

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

قوله تعالى : ( أولئك ) اشارة الى الذين تنطبق عليهم كل الصفات التي يبينها الله سبحانه وتعالى في الآيتين السابقتين . . فأولئك الذين تنطبق عليهم هذه الصفات وصلوا الى الهدى أي الى الطريق الموصل للإيمان . . ووصلوا إلى الفلاح ، وهو الهدف من الإيمان . .
وقوله تعالى : { أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون } تشمل الجميع . .
ولكن لماذا استخدم الله تبارك وتعالى { أولئك } مرتين؟ تلك من بلاغة القرآن الكريم ، ولماذا دمج الخبرين بعضهما مع بعض؟ حتى نعرف أنه ليس في الاسلام إيمانان بل إيمان واحد يترتب عليه جزاء واحد . . وسيلته الهدى ، وغايته الفلاح . . ولو نظر الى التكليفات التي هي الهدى الموصلة الى الغاية نجد أن الله سبحانه وتعالى رفع المهتدي على الهدى . . لنعرف أن الهدى لم يأت ليقيد حركتك في الحياة ويستذلك ، وانما جاء ليرفعك . .
إن السطحيّين يعتقدون أن الهدى يقيد حركة الانسان في الحياة ويمنعه من تحقيق شهواته العاجلة . . ولكن الهدى في الحقيقة يرفع الانسان ويحفظه من الضرر ، ومن غضب الله ، ومن افساد المجتمع الذي سيكون هو أول من يعاني منه . . لذلك قال تبارك وتعالى : { على هُدًى } . .
و ( على ) تفيد الاستعلاء . فاذا قلت أنت على الجواد فإنك تعلوه . . كأن المهتدى حين يلزم نفسه بالمنهج لا يذل . . ولكنه يرتفع الى الهدى ويصبح الهدى يأخذه من خير الى خير . . وذلك بعكس الضلالة التي تأخذ الانسان الى أسفل . . ولذلك حين تقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى : { وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [ سبأ : 24 ] ترى ما يفيد الارتفاع والعلو في الهداية ، وما يفيد الانخفاض والنزول في الضلالة؛ وإنما كان العلوّ في الهدى . . لأن المنهج قَيَّدَ حركة حياتك اعزازا لك لعلوك وسمو مقامك في أنك لا تأخذ من بشر تشريعا . . ولا تأخذ من ذاتك حركة . . وإنما يرتفع بك لتتلقي عن الله سبحانه وتعالى . . وهذا علو كبير . . ولكن عند الضلالة قال : « في ضلال » . . و ( في ) تدل على الظرفية المحيطة . . وهو كما وصفه الله سبحانه وتعالى في آية أخرى بقوله جل جلاله : { بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ البقرة : 81 ] أحاطت به الخطيئة . . أي لا يستطيع أن يفلت منها لأنه مظروف في الضلال . . وما دامت الخطيئة محيطة به فلا يجد منفذا لأنها تحكمه . . وما دامت تحكمه فلا يمكن أن يصل إلى هدى مطلقا . . فالحق سبحانه وتعالى حينما قال : { أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون } . . اختار لفظا عليه دلالة دنيوية تقرب المعنى الى السامع . .
ما هو الفلاح؟ . . المعنى العام هو الفوز والْمُفْلِحُ هو الفائز . ومعنى الآية الكريمة أولئك هم الفائزون وقال : «
هم المفلحون » .

. لأن الفلاح مأخوذ من شق الأرض للبذر . . ومنه سُمِّيَ الفلاح الذي صفته شق الأرض ورمي البذور فيها . .
والحق سبحانه تعالى جاء بهذا اللفظ بالنسبة للآخرة لآنه يريد أن يأتي لنا مع الشيء بدليله . . وهناك فرق بين أمر غيبي عنا لا نعرفه . . وأمر غيبي يستدل عليه بمشهود . .
فالدين يقيد حريتك في الحياة في أن تفعل ولا تفعل . . ومنهج الله جاء ليقول لك إفعل كذا ولا تفعل كذا . وكثير من الناس يظن أن ذلك تقييد لحركة حياة المؤمن واثقال عليه . . لأنه أخذ منه حرية حركته فقيدها . .
ان الله تبارك وتعالى حين يقول لك لا تفعل . . معناها عند السطحيين أنه ضيق عليك ما تريد أن تفعل . . وحين يقول لك افعل . . معناها يكون قد ضيق عليك في شيء لا تريد أن تفعله . فمثلا : حين يطلب منك الزكاة . . فالزكاة في ظاهرها نقص المال ، وإن كانت في حقيقتها بركة ونماء . . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ، وما تواضع أحد لله إلا رفعه »
فالحق سبحانه وتعالى اذا قيد حركتك في الحياة . . لا تظن أن هذا تضييق عليك . . بل ان هذا لفائدتك . . لأنه لم يأمرك وحدك ، ولكن الأمر للناس جميعا حين يقول جل جلاله : لا تسرق . . فقد قالها للناس جميعا ولذلك تكون أنت الرابح . . لأنه قيدك وأنت فرد من أن تسرق من غيرك . . ولكنه قيد ملايين الناس من أن يسرقوا منك . . اذن فالله لم يضيق عليك ، ولكنه حمى مالك من الناس كل الناس . . قيدك وأنت فرد أن تسرق من مال غيرك ، وقيد ملايين أن يسرقوا من مالك . . فمن الفائز؟ . . أنت طبعا . .
وقوله تعالى : { وأولئك هُمُ المفلحون } ( المفلحون ) من مادة فلح . . فاذا كانت الأرض صماء فحينما نشقها ونبذرها تعطي محصولا عظيما ، العملية أخذناها أبا عن جد . فالأرض حين تشق وتُبذر تُعطي محصولا وافرا . . واذا كانت هذه العملية أخذت أبا عن جد . . يأتي السؤال من الذي علم آدم البذر والزرع؟ . . نقول علمه الله سبحانه وتعالى كما علمه الأسماء . . وكما علمه ما يمكنه به أن يباشر مهمته في الأرض . .
والحق جل جلاله لم يكن يترك آدم في حياته على الأرض دون أن يعلمه ما يضمن استمرار حياته وحياة أولاده . . يعلمه على الأقل بدايات . . ثم بعد ذلك تتطور هذه البدايات بما يكشفه الله من علمه لخلقه . . وبعد ذلك جاءت القرون المتقدمة فاستطعنا أن نستخدم آلات حديثة متطورة تقوم بعملية الحرث والبذر . .
ولكن الحقيقة الثابتة التي لم تتغير منذ بداية الكون ولن تتغير حتى نهايته . . هي أن مهمة الانسان أن يحرث ويضع البذرة في الأرض ويسقيها . . أما نمو الزرع نفسه
فلا دخل للانسان فيه .

. وكذلك الثمر الذي ينتجه لا عمل للإنسان فيه . .
ولقد نبهنا الله تبارك وتعالى الى هذه الحقيقة حتى لا نغتر بحركتنا في الحياة ونقول إننا نحن الذين نزرع . . واقرأ قول الحق جل جلاله في سورة الواقعة : { أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون * لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } [ الواقعة : 63-67 ] وهكذا ظلت مهمة الفلاحة في الأرض مقتصرة على الحرث والسقي والبذر ، وحينما تلقى الحبة في الأرض يخلق الله في داخلها الغذاء الذي يكفيها حتى تستطيع أن تأخذ غذاءها من الأرض . . واذا جئت بحبة وبللتها تجد أنها قد نبت لها ساق وجذور . . من أين جاء هذا النمو؟ . من تكوين الحبة نفسه ، والله تبارك وتعالى قد قدر في كل حبة من الغذاء ما يكفيها حتى تستطيع أن تتغذى من الأرض . . وعلى قدر كمية الغذاء المطلوبة يكون حجم الحبة . . وحين تضعها في الأرض فإنها تبدأ أولا بأن تغذي نفسها . . بحيث ينبت لها ساق وجذور وورقتان تتنفس منهما . . كل هذا لا دخل لك فيه ولا عمل لك فيه . . وتبدأ الحبة تأخذ غذاءها من الأرض والهواء . . لتنمو حتى تصبح شجرة كبيرة تنتج الثمر من نوع البذرة نفسه .
ومن هنا جاءت كلمة ( المفلحون ) . . ليعطينا الحق جل جلاله من الأمور المادية المشهودة ما يعين عقولنا المحدودة على فهم الغيب . . فيشبه التكليف وجزاءه في الآخرة بالبذور والفلاحة . . أولا لأنك حين ترمي بذرة في الأرض تعطيك بذورا كثيرة . .
واقرأ قول الله سبحانه وتعالى :
{ مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ } [ البقرة : 261 ]
واذا كانت الأرض وهي المخلوقة من الله تهبك أضعاف أضعاف ما أعطيتها . . فكيف بالخالق؟ . . وكم يضاعف لك من الثواب في الطاعة؟ . . هذا هو السبب في أن الحق تبارك وتعالى يقول : { وأولئك هُمُ المفلحون } . . حتى يلفتنا بمادة الفلاحة . . وهي شيء موجود نراه ونشهده كل يوم .
وكما أن التكليف يأخذ منك أشياء ليضاعفها لك . . كذلك الأرض أخذت منك حبة ولم تعطك مثل ما أخذت ، بل أعطتك بالحبة سبعمائة حبة . . وهكذا نستطيع أن نصل بشيء مشهود يُفَصِّل
ُ لنا شيئا غيبيا .

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6)

وبعد ان تحدث الحق سبحانه وتعالى عن المؤمنين وصفاتهم . . وجزائهم في الآخرة وما ينتظرهم من خير كبير . . اراد ان يعطينا تبارك وتعالى الصورة المقابلة وهم الكافرون . . وبين لنا ان الايمان جاء ليهيمن على الجميع يحقق لهم الخير في الدنيا والآخرة . . فلابد أن يكون هناك شر يحاربه الإيمان . . ولولا وجود هذا الشر . . أكان هناك ضرورة للايمان . . إن الانسان المؤمن يقي نفسه ومجتمعه وعالمه من شرور يأتي بها الكفر . . والكافرون قسمان . . قسم كفر بالله اولا ثم استمع الى كلام الله . . واستقبله بفطرته السليمة فاستجاب وآمن . . وصنف آخر مستفيد من الكفر ومن الطغيان ومن الظلم ومن اكل حقوق الناس وغير ذلك . . وهذا الصنف يعرف ان الايمان اذا جاء فانه سيسلبه جاها دنيويا ومكاسب يحققها ظلما وعدوانا . .
اذن الذين يقفون امام الايمان هم المستفيدون من الكفر . . ولكن ماذا عن الذين كانوا كفارا واستقبلوا دين الله استقبالا صحيحا . .
هؤلاء قد تتفتح قلوبهم فيؤمنون . والكفر معناه الستر . . ومعنى كَفَرَ ( أي ) سَتَرَ . . وكفر بالله أي ستر وجود الله جل جلاله . . والذي يستر لابد ان يستر موجودا ، لأن الستر طارئ على الوجود . . والاصل في الكون هو الايمان بالله . . وجاء الكفار يحاولون ستر وجود الله . فكأن الأصل هو الايمان ثم طرأت الغفلة على الناس فستروا وجود الله سبحانه وتعالى . . ليبقوا على سلطانهم او سيطرتهم او استغلالهم او استعلائهم على غيرهم من البشر . .
ولفظ الكفر في ذاته يدل على ان الايمان سبق ثم بعد ذلك جاء الكفر . . كيف؟ . .
لأن الخلق الاول وهو آدم الذي خلقه الله بيديه . . ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة . . وعلمه الاسماء كلها . .
سجود الملائكة وتعليم الاسماء أمر مشهدي بالنسبة لآدم . . والكفر ساعتها لم يكن موجودا . . وكان المفروض ان ادم بعد ان نزل الى الارض واستقر فيها . . يلقن ابناءه منهج عبادة الله لأنه نزل ومعه المنهج في ( افعل ولا تفعل ) وكان على ابناء آدم ان يلقنوا ابناءهم المنهج وهكذا . .
ولكن بمرور الزمن جاءت الغفلة في أن الايمان يقيد حركة الناس في الكون . . فبدأ كل من يريد ان يخضع حياته لشهوة بلا قيود يتخذ طريق الكفر . . والعاقل حين يسمع كلمة كفر . . يجب عليه أن يتنبه إلى أن معناها ستر لموجود واجب الوجود . . فكيف يكفر الانسان ويشارك في ستر ما هو موجود . . لذلك تجد ان الحق سبحانه وتعالى يقول : { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلّ
ِ شَيْءٍ عَلِيمٌ }

[ البقرة : 29 ] وهكذا يأتي هذا السؤال . . ولا يستطيع الكافر له جوابا!! لأن الله هو الذي خلقه وأوجده . . ولا يستطيع احد منا ان يدعي انه خلق نفسه او خلق غيره . . فالوجود بالذات دليل على قضية الايمان . . ولذلك يسألهم الحق تبارك وتعالى كيف تكفرون بالله وتسترون وجود من خلقكم؟ . .
والخلق قضية محسومة لله سبحانه وتعالى لا يستطيع احد ان يدعيها . . فلا يمكن ان يدعي أحد أنه خلق نفسه . . قضية انك موجود توجب الايمان بالله سبحانه وتعالى الذي اوجدك . . انه عين الاستدلال على الله . . واذا نظر الانسان حوله فوجد كل ما في الكون مسخر لخدمته والاشياء تستجيب له فظن بمرور الزمن ان له سيطرة على هذا الكون . . ولذلك عاش وفي ذهنه قوة الاسباب . . يأخذ الاسباب وهو فاعلها فيجدها قد اعطته واستجابت له . . ولم يلتفت الى خالق الاسباب الذي خلق لها قوانينها فجعلها تستجيب للانسان . . وقد اشار الحق تبارك وتعالى الى ذلك في قوله جل جلاله : { كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى * أَن رَّآهُ استغنى } [ العلق : 6-7 ] ذلك ان الانسان يحرث الارض فتعطيه الثمر . . فيعتقد انه هو الذي اخضع الارض ووضع لها قوانينها لتعطيه ما يريد . . يضغط على زر الكهرباء فينير المكان فيعتقد انه هو الذي اوجد هذه الكهرباء! يركب الطائرة . . وتسير به في الجو فيعتقد انه هو الذي جعلها تطير . . وينسى الخصائص التي وضعها الله سبحانه وتعالى في الغلاف الجوي ليستطيع ان يحمل هذه الطائرة . . يفتح التليفزيون ويرى أمامه احداث العالم فيعتقد ان ذلك قد حدث بقدرته هو . . وينسى ان الله تبارك وتعالى وضع في الغلاف الجوي خصائص جعلته ينقل الصوت والصورة من اقصى الدنيا الى اقصاها في ثوان معدودة . . وهكذا كل ما حولنا يظن الانسان انه اخضعه بذاته . . بينما كل هذا مسخر من الله سبحانه وتعالى لخدمة الانسان . . وهو الذي خلق ووضع القوانين . . نقول له انك لو فهمت معنى ذاتية الاشياء ما حدثتك نفسك بذلك . . الشيء الذاتي هو ما كان بذاتك لا يتغير ولا يتخلف ابدا . . انما الامر الذي ليس بذاتك هو الذي يتغير . .
واذا نظرت إلى ذاتيتك تلك التي اغرتك واطغتك . . ستفهم ان كلمة ذاتية هي ألا تكون محتاجا الى غيرك بل كل شيء من نفسك . . وانت في حياتك كلها ليس لك ذاتية . . لأن كل شيء حولك متغير بدون ارادتك . . وانت طفل محتاج إلى أبيك في بدء حياتك . . فاذا كبرت وأصبح لك قوة واستجابت الاحداث لك فإنك لا تستطيع ان تجعل فترة الشباب والفتوة هذه
تبقى .

. فالزمن يملك ولكن لفترة محدودة . . فاذا وصلت الى مرحلة الشيخوخة فستحتاج الى من يأخذ بيدك ويعينك . . ربما على ادق حاجاتك وهي الطعام والشراب . .
إذن فأنت تبدأ بالطفولة محتاجا إلى غيرك . . وتنتهي بالشيخوخة محتاجا إلى غيرك . . وحتى عندما تكون في شبابك قد يصيبك مرض يقعدك عن الحركة . . فاذا كانت لك ذات حقيقية فأدفع هذا المرض عنك وقل لن امرض . . انك لا تستطيع . .
والله سبحانه وتعالى اوجد هذه المتغيرات حتى ينتهي الغرور من الانسان نفسه . . ويعرف انه قوي قادر بما اخضع الله له من قوانين الكون . . لنعلم اننا جميعا محتاجون الى القادر ، وهو الله سبحانه وتعالى ، وان الله غني بذاته عن كل خلقه . . يغير ولا يتغير . . يميت وهو دائم الوجود . . يجعل من بعد قوة ضعفا وهو القوي دائما . . ما عند الناس ينفد وما عنده تبارك وتعالى لا ينفد أبداً . . هو الله في السماوات والأرض .
اذن فليست لك ذاتية حتى تدعي انك اخضعت الكون بقدراتك . . لانه ليس لك قدرة ان تبقى على حال واحد وتجعله لا يتبدل ولا يتغير . . فكيف تكفر بالله تبارك وتعالى وتستر وجوده . . كل ما في الكون وما في نفسك شاهد ودليل على وجود الحق سبحانه وتعالى . .
قلنا ان الكافرين صنفان . . صنف كفر بالله وعندما جاء الهدى حكم عقله وعرف الحق فآمن . . والصنف الآخر مستفيد من الكفر . . ولذلك فهو متشبث به مهما جاءه من الايمان والادلة الايمانية فإنه يعاند ويكفر . . لانه يريد ان يحتفظ بسلطاته الدنيوية ونفوذه القائم على الظلم والطغيان . . ولا يقبل ان يُجَرَّدَ منهما ولو بالحق . . هذا الصنف هو الذي قال عنه الله تبارك وتعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
إنهم لم يكفروا لأن بلاغا عن الله سبحانه وتعالى لم يصلهم . . ولم يكفروا لأنهم في حاجة الى ان يلفتهم رسول او نبي الى منهج الله . . هؤلاء اتخذوا الكفر صناعة ومنهج حياة . . فهم مستفيدون من الكفر لأنه جعلهم سادة ولانهم متميزون عن غيرهم بالباطل . . ولانهم لو جاء الايمان الذي يساوي بين الناس جميعا ويرفض الظلم ، لأصبحوا أشخاصا عاديين غير مميزين في أي شيء . .
هذا الكافر الذي اتخذ الكفر طريقا لجاه الدنيا وزخرفها . . سواء أنذرته أو لم تنذره فانه لن يؤمن . . انه يريد الدنيا التي يعيش فيها . . بل ان هؤلاء هم الذين يقاومون الدين ويحاربون كل من آمن . . لأنهم يعرفون ان الايمان سيسلبهم مميزات كثيرة . . ولذلك فإن عدم ايمانهم ليس عن ان منهج الايمان لم يبلغهم . . او ان أحدا لم يلفتهم الى ايات الله في الأرض . . ولكن لأن حياتهم قائمة
ومبنية على الكفر .

خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7)

وكما اعطانا الحق سبحانه وتعالى أوصاف المؤمنين يعطينا صفات الكافرين . . وقد يتساءل بعض الناس إذا كان هذا هو حكم الله على الكافرين؟ فلماذا يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان منهم وقد ختم الله على قلوبهم؟! ومعنى الختم على القلب هو حكم بألاّ يخرج من القلب ما فيه من الكفر . . ولا يدخل إليه الإيمان . .
نقول أن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين . . فإن استغنى بعض خلقه عن الإيمان واختاروا الكفر . . فإن الله يساعده على الاستغناء ولا يعينه على العودة إلى الإيمان . . ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي :
« أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني . . فإن ذكرني في نفسه ، ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ، وإن اقترب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ، وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة » .
وقد وضح الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى يعين المؤمنين على الإيمان ، وأن الله جل جلاله كما يعين المؤمنين على الإيمان . . فإنه لا يهمه أن يأتي العبد إلى الإيمان أو لا يأتي . . ولذلك نجد القرآن دقيقا ومحكما بأن من كفروا قد اختاروا الكفر بإرادتهم . واختيارهم للكفر كان أولا قبل أن يختم الله على قلوبهم . . والخالق جل جلاله أغنى الشركاء عن الشرك . . ومن أشرك به فإنه في غنى عنه .
إن الذين كفروا . . أي ستروا الإيمان بالله ورسوله . . هؤلاء يختم الله بكفرهم على آلات الإدراك كلها . . القلب والسمع والبصر . والقلب أداة إدراك غير ظاهرة . . وقد قدم الله القلب على السمع والبصر في تلك الآية لأنه يريد أن يعلمنا منافذ الإدراك . . وفي القرآن الكريم يقول الحق تبارك وتعالى : { والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ النحل : 78 ]
وهكذا يعلمنا الله أن منافذ العلم في الإنسان هي السمع والأبصار والأفئدة . . ولكن في الآية الكريمة التي نحن بصددها قدم الله القلوب على السمع والأبصار . . أن الله يعلم أنهم اختاروا الكفر . . وكان هذا الاختيار قبل أن يختم الله على قلوبهم . . والختم على القلوب . . معناه أنه لا يدخلها إدراك جديد ولا يخرج منها إدراك قديم . . ومهما رأت العين أو سمعت الأذن . . فلا فائدة من ذلك لأن هذه القلوب مختومة بخاتم الله بعد أن اختار أصحابها الكفر وأصروا عليه . . وفي ذلك يصفهم الحق جل جلاله : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [ البقرة : 18 ]
ولكن لماذا فقدوا كل أد
وات الإدراك هذه؟ .

. لأن الغشاوة التفت حول القلوب الكافرة ، فجعلت العيون عاجزة عن تأمل آيات الله . . والسمع غير قادر على التلقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم . .
إذن فهؤلاء الذين اختاروا الكفر وأصروا عليه وكفروا بالله رغم رسالاته ورسله وقرآنه . . ماذا يفعل الله بهم؟ أنه يتخلى عنهم . ولأنه سبحانه وتعالى غني عن العالمين فإنه ييسر لهم الطريق الذي مشوا فيه ويعينهم عليه . . واقرأ قوله تبارك وتعالى : { وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [ الزخرف : 36 ]
ويقول جل جلاله : { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين * تَنَزَّلُ على كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } [ الشعراء : 221-222 ]
ومن عظمة علم الله تبارك وتعالى أنه يعلم المؤمن ويعلم الكافر . . دون أن يكون جل جلاله تدخل في اختيارهم . . فعندما بعث الله سبحانه وتعالى نوحا عليه السلام . . ودعا نوح إلى منهج الله تسعمائة وخمسين عاما . وقبل أن يأتي الطوفان علم الله سبحانه وتعالى أنه لن يؤمن بنوح عليه السلام إلا من آمن فعلا . . فطلب الله تبارك وتعالى من نوح أن يبني السفينة لينجو المؤمنون من الطوفان . . واقرأ قوله جل جلاله : { وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } [ هود : 36-37 ]
وهكذا نرى أنه من عظمة علم الله سبحانه وتعالى . . أنه يعلم من سيصر على الكفر وأنه سيموت كافرا . . وإذا كانت هذه هي الحقيقة فلماذا يطلب الله تبارك وتعالى من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغهم بالمنهج وبالقرآن؟ . . ليكونوا شهداء على أنفسهم يوم القيامة . . فلا يأتي هؤلاء الناس يوم المشهد العظيم ويجادلون بالباطل . . أنه لو بلغهم الهدى ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لآمنوا . . ولكن لماذا يختم الله جل جلاله على قلوبهم؟ . . لأن القلب هو مكان العقائد . . ولذلك فإن القضية تناقش في العقل فإذا انتهت مناقشتها واقتنع بها الإنسان تماماً فإنها تستقر في القلب ولا تعود إلى الذهن مرة أخرى وتصبح عقيدة وإيمانا . . والحق سبحانه وتعالى يقول : { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور } [ الحج : 46 ]
وإذا عمى القلب عن قضية الإيمان . . فلا عين ترى آيات الإيمان . . ولا أذن تسمع كلام الله . . وهؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لهم في الآخرة عذاب عظيم . . ولقد وصف الله سبحانه وتعالى العذاب بأنه أليم . . وبأنه مهين . . وبأنه عظيم . . العذاب الأليم هو الذي يسبب ألما شديدا . . والعذاب المهين هو الذي يأتي لأولئك الذين رفعهم الله في الدنيا . . وأحيانا تكون الإهانة أشد إيلاما للنفس من ألم العذاب نفسه . . أولئك الذين كانوا أئمة الكفر في الدنيا . . يأتي بهم الله تبارك وتعالى يوم القيامة أمام من اتبعوهم فيهينهم . . أما العذاب العظيم فإنه منسوب إلى قدرة الله سبحانه وتعالى . . لأنه بقدرات البشر تكون القوة محدودة . . أما بقدرات الله جل جلاله تكون القوة بلا حدود . . لأن كل فعل يتناسب مع فاعله . . وقدرة الله سبحانه وتعالى عظيمة في كل فعل . . وبما أن العذاب من الله جل جلاله فإنه يكو
ن عذابا عظيما .

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8)

الناس في الحياة الدنيا على ثلاثة أحوال : إما مؤمن ، وإما كافر ، وإما منافق .
والله سبحانه وتعالى في بداية القرآن الكريم في سورة البقرة . . أراد أن يعطينا وصف البشر جميعا بالنسبة للمنهج وأنهم ثلاث فئات : الفئة الأولى هم المؤمنون ، عَرَّفنا الله سبحانه وتعالى صفاتهم في ثلاث آيات ، في قوله تعالى :
{ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ * أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون }
والفئة الثانية هم الكفار ، وعرفنا الله سبحانه وتعالى صفاتهم في آيتين في قوله تعالى :
{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }
وجاء للمنافقين فعرف صفاتهم في ثلاث عشرة آية متتابعة ، لماذا . . ؟ لخطورتهم على الدين ، فالذي يهدم الدين هو المنافق ، أما الكافر فنحن نتقيه ونحذره ، لأنه يعلن كفره .
إن المنافق ، يتظاهر أمامك بالإيمان ، ولكنه يبطن الشر والكفر ، وقد تحسبه مؤمنا ، فتطلعه على أسرارك ، فيتخذها سلاحا لطعن الدين . . وقد خلق الله في الإنسان ملكات متعددة ، ولكن يعيش الإنسان في سلام مع نفسه ، لابد أن تكون ملكاته منسجمة وغير متناقضة .
فالمؤمن ملكاته منسجمة ، لأنه اعتقد بقلبه في الإيمان ونطق لسانه بما يعتقد ، فلا تناقض بين ملكاته أبداً . .
والكافر قد يقال إنه يعيش في سلام مع نفسه ، فقد رفض الإيمان وأنكره بقلبه ولسانه وينطق بذلك ، ولكن الذي فقد السلام مع ملكاته هو المنافق ، أنه فقد السلام مع مجتمعه وفقد السلام مع نفسه ، فهو يقول بلسانه ، ما لا يعتقد قلبه ، يظهر غير ما يبطن ، ويقول غير ما يعتقد ، ويخشى أن يكشفه الناس ، فيعيش في خوف عميق ، وهو يعتقد أن ذلك شيء مؤقت سينتهي .
ولكن هذا التناقض يبقى معه إلى آخر يوم له في الدنيا ، ثم ينتقل معه إلى الآخرة ، فينقض عليه ، ليقوده إلى النار ، واقرأ قوله تبارك وتعالى : { حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } [ فصلت : 20-21 ]
إذن كل ملكاتهم انقضت عليهم في الآخرة ، فالسلام الذي كانوا يتمنونه لم يحققوه لا في حياتهم ولا في آخرتهم ، فلسان المنافق يشهد عليه ، ويداه تشهدان عليه ، ورجلاه تشهدان عليه ، والجلود تشهد عليه ، فماذا بقي له؟
بينه وبين ربه تناقض ، وبينه وبين نفسه تناقض ، وبينه وبين مجتمعه تناقض ، وبينه وبين آخرته تناقض . وبينه وبين الكافرين تناقض . يقول لسانه ما ليس في قلبه ، وبماذا وصف الحق سبح
انه وتعالى المنافقين؟ قال تعالى :

{ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله وباليوم الآخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } [ البقرة : 8 ]
هذه أول صفات المنافقين في القرآن الكريم ، يعلنون الإيمان وفي قلوبهم الكفر ، ولذلك فإن إيمانهم كله تظاهر ، إذا ذهبوا للصلاة لا تكتب لهم ، لأنهم يتظاهرون بها ، ولا يؤدونها عن إيمان ، وإذا أدوا الزكاة ، فإنها تكون عليهم حسرة ، لأنهم ينفقونها وهم لها كارهون ، لأنها في زعمهم نقص من مالهم . لا يأخذون عليها ثوابا في الآخرة ، وإذا قتل واحد منهم في غزوة ، انتابهم الحزن ، والأسى ، لأنهم أهدروا حياتهم ولم يقدموها في سبيل الله .
وهكذا يكون كل ما يفعلونه شقاء بالنسبة لهم .
أما المؤمن فحين يصلي أو يؤدي الزكاة أو يستشهد في سبيل الله فهو يرجو الجنة ، وأما المنافقون فإنهم يفعلون كل هذا ، وهم لا يرجون شيئا . . فكأنهم بنفاقهم قد حكم عليهم الله سبحانه وتعالى بالشقاء في الدنيا والآخرة ، فلا هم في الدنيا لهم متعة المؤمن فيما يفعل في سبيل الله ، ولا هم في الآخرة لهم ثواب المؤمن فيما يرجو
من الله .

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)

وتأتي الصفة الثانية من صفات المنافقين ، وهي صفة تدل على غفلتهم وحمق تفكيرهم ، فإنهم يحسبون أنهم بنفاقهم يخدعون الله سبحانه وتعالى ، وهل يستطيع بشر أن يخدع رب العالمين؟
إن الله عليم بكل شيء ، عليم بما نخفي وما نعلن ، عليم بالسر وما هو أخفى من السر ، وهل يوجد ما هو أخفى من السر؟ نقول نعم ، السر هو ما أسررت به لغيرك ، فكأنه يعلمه اثنان ، أنت ومن أسررت إليه . ولكن ما هو أخفى من السر ، ما تبقيه في نفسك ولا تخبر به أحدا ، أنه يظل في قلبك لا تسر به لإنسان ، والله سبحانه وتعالى يقول : { وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى } [ طه : 7 ]
فلا يوجد مخلوق ، يستطيع أن يخدع خالقه ، ولكنهم من غفلتهم ، يحسبون أنهم يستطيعون خداع الله جل جلاله . وفي تصرفهم هذا لا يكون هناك سلام بينهم وبين الله . بل يكون هناك مقت وغضب .
وهم في خداعهم يحسبون أيضا أنهم يخدعون الذين آمنوا ، بأنهم يقولون أمامهم غير ما يبطنون ، ولكن هذا الخداع شقاء عليهم ، لأنهم يعيشون في خوف مستمر ، وهم دائما في قلق أو خوف من أن يكشفهم المؤمنون ، أو يستمعوا إليهم في مجالسهم الخاصة ، وهم يتحدثون بالكفر ويسخرون من الإيمان ، ولذلك إذا تحدثوا لابد أن يتأكدوا أولا من أن أحدا من المؤمنين لا يسمعهم ، ويتأكدوا ثانيا من أن أحدا من المؤمنين لن يدخل عليهم وهم يتحدثون ، والخوف يملأ قلوبهم أيضا ، وهم مع المؤمنين ، فكل واحد منهم يخشى أن تفلت منه كلمة ، تفضح نفاقه وكفره .
وهكذا فلا سلام بينهم وبين المؤمنين . . والحقيقة أنهم لا يخدعون إلا أنفسهم . فالله سبحانه وتعالى ، يعلم نفاقهم ، والمؤمنون قد يعلمون هذا النفاق ، فإن لم يعلموه ، فإن الله يخبرهم به ، واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى : { وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول والله يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ } [ محمد : 30 ]
ألم يأت المنافقون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليشهدوا أنه رسول الله ففضحهم الله أمام رسوله وأنزل قوله تعالى : { إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ } [ المنافقون : 1 ]
جاء المنافقون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون بصدق رسالته ، والله سبحانه وتعالى يعلم أن هذه الشهادة حق وصدق ، لأنه جل جلاله ، يعلم أن رسوله صلى الله عليه وسلم ، صادق الرسالة ، ولكنه في الوقت نفسه يشهد بأن المنافقين كاذبون . كيف؟
كيف يتفق كلام الله مع ما قاله المنافقون ثم يكونون كاذبين؟
نقول : لأن المنافقين قالوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، فهم شهدوا بألسنتهم فقط أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله ولكن قلوبهم منكرة لذلك ، مكذبة به ، ولذلك فإن ما قاله المنافقون رغم أنه حقيقة إلا أنهم يكذبون ، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، لأن الصدق هو أن يوافق الكلام حقيقة ما في القلب ، وهؤلاء كذبوا ، لأنهم في شهادتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يعبرون عن واقع في قلوبهم ، بل قلوب
هم تُكَذِّبُ ما يقولون .

.
وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم يفضح الله سبحانه وتعالى فيها المنافقين وينبئ رسوله صلى الله عليه وسلم بما يضمرونه في قلوبهم ، إذن فخداعهم للمؤمنين ، رغم أنه خداع بشر لبشر ، إلا أنه أحيانا تفلت ألسنتهم ، فتعرف حقيقتهم ، وإذا لم يفلت اللسان ، جاء البيان من الله سبحانه وتعالى ليفضحهم ، وتكون حصيلة هذا كله ، أنهم لا يخدعون أحدا ، فالله يعلم سرهم وجهرهم ، فمرة يعين الله المؤمنين عليهم فيكشفونهم ، ومرة تفلت ألسنة المنافقين فيكشفون أنفسهم .
إذن فسلوك المنافق ، لا يخدع به إلا نفسه ، وهو الخاسر في الدنيا والآخرة ، عندما يؤدي عملا إيمانيا ، فالله يعلم أنه نفاق ، وعندما يحاول أن يخدع المؤمنين ، ينكشف ، والنتيجة أنهم يعتقدون بأنهم حققوا لأنفسهم نفعا ، بينما هم لم يحققوا لأنفسهم إلا الخسران ال
مبين .

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)

فالله سبحانه وتعالى ، شبه ما في قلوب المنافقين بأنه مرض ، والمرض أولا يورث السقم ، فكأن قلوبهم لا تملك الصحة الإيمانية التي تحيي القلب فتجعله قويا شابا ، ولكنها قلوب مريضة ، لماذا كانت مريضة؟ لقد أتعبها النفاق وأتعبها التنافر مع كل ما حولها ، وأحست أنها تعيش حياة ملؤها الكذب ، فاضطراب القلب ، جعله مريضا ، ولا يمكن أن يشفى إلا بإذن الله ، وعلاجه هو الإيمان الحقيقي الصادق ، ذلك الذي يعطيه الشفاء ، والله سبحانه وتعالى يقول : { وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً } [ الإسراء : 82 ]
إذن فالإيمان والقرآن هما شفاء القلوب ، كلاهما بعيد عن قلوب هؤلاء المنافقين ، فكأن المرض يزداد في قلوبهم مع الزمن ، والله سبحانه وتعالى بنفاقهم وكفرهم يزيدهم مرضا . وهذه هي الصفة الثالثة للمنافقين . . أنهم أصحاب قلوب مريضة سقيمة ، لا يدخلها نور الإيمان ، ولذلك فهي قلوب ضعيفة ، ليس فيها القوة اللازمة لمعرفة الحق . وهي قلوب خائفة من كل ما حولها ، مرتعبة في كل خطواتها ، مضطربة بين ما في القلب وما على اللسان ، والمريض لا يقوى على شيء وكذلك هذه القلوب لا تقوى على قول الحق ، ولا تقوى على الصدق ، ولا ترى ما حولها ، تلك الرؤية التي تتناسب وتتفق مع فطرة الإيمان ، التي وضعها الله تعالى في القلوب ، ولذلك إذا دخل المنافقون في معركة في صفوف جيش المسلمين . . فأول ما يبحثون عنه هو الهرب من المعركة ، يبحثون عن مخبأ يختفون فيه ، أو مكان لا يراهم فيه أحد ، والله سبحانه وتعالى يصفهم بقوله : { لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ } [ التوبة : 57 ]
لماذا؟ لأنهم أصحاب قلوب مريضة ، لا تقوى على شيء ، ومرضها يجعلها تهرب من كل شيء ، وتختفي . وليت الأمر يقتصر عند هذا الحد ، ولكن ينتظرهم في الآخرة عذاب أليم ، غير العذاب الذي عانوه من قلوبهم المريضة في الدنيا ، فبما كانوا يكذبون على الله وعلى رسوله ، ينتظرهم في الآخرة عذاب أليم أشد من عذاب الكافرين ، والله سبحانه وتعالى يقول : { إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار } [ النساء :
145 ]

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11)

الفساد في الأرض هو أن تعمد إلي الصالح فتفسده ، وأقل ما يطلب منك في الدنيا ، أن تدع الصالح لصلاحه ، ولا تتدخل فيه لتفسده ، فإن شئت أن ترتقي إيمانيا ، تأت للصالح ، وتزد من صلاحه ، فإن جئت للصالح وأفسدته فقد أفسدت فسادين ، لأن الله سبحانه وتعالى ، أصلح لك مقومات حياتك في الكون ، فلم تتركها على الصلاح الذي خلقت به ، وكان تركها في حد ذاته ، بعدا عن الفساد ، بل جئت إليها ، وهي صالحة بخلق الله لها فأفسدتها ، فأنت لم تستقبل النعمة الممنوحة لك من الله ، بأن تتركها تؤدي مهمتها في الحياة ، ولم تزد في مهمتها صلاحا ، ولكنك جئت إلى هذه المهمة فأفسدتها . . فلو أن هناك بئرا يشرب منها الناس ، فهذه نعمة لضرورة حياتهم ، تستطيع أنت بأسباب الله في كون الله أن تأتي وتصلحها ، بأن تبطن جدرانها بالحجارة ، حتى تمنع انهيار الرمال داخلها ، أو أن تأتي بحبل وإناء حتى تعين الناس على الوصول إلى مياهها ، ولكنك إذا جئت وردمتها تكون قد أفسدت الصالح في الحياة .
وهكذا المنافقون . . أنزل الله تعالى منهجا للحياة الطيبة للإنسان على الأرض ، وهؤلاء المنافقون بذلوا كل ما في جهدهم لإفساد هذا المنهج ، بأن تآمروا ضده وادعوا أنهم مؤمنون به ليطعنوا الإسلام في داخله .
ولقد تنبه أعداء الإسلام ، إلى أن هذا الدين القوي الحق ، لا يمكن أن يتأثر بطعنات الكفر ، بل يواجهها ويتغلب عليها . فما قامت معركة بين حق وباطل إلا انتصر الحق ، ولقد حاول أعداء الإسلام أن يواجهوه سنوات طويلة ، ولكنهم عجزوا ، ثم تنبهوا إلى أن هذا الدين لا يمكن أن يهزم إلا من داخله ، وأن استخدام المنافقين في الإفساد ، هو الطريقة الحقيقية لتفريق المسلمين ، فانطلقوا إلى المسلمين اسما ليتخذوا منهم الحربة التي يوجهونها ضد الإسلام ، وظهرت مذاهب واختلافات ، وما أسموه العلمانية واليسارية وغير ذلك ، كل هذا قام به المنافقون في الإسلام وغلفوه بغلاف إسلامي ، ليفسدوا في الأرض ويحاربوا منهج الله .
وإذا لفت المؤمنون نظرهم إلى أنهم يفسدون في الأرض ، وطلبوا منهم أن يمتنعوا عن الإفساد ، ادعوا أنهم لا يفسدون ولكنهم يصلحون ، وأي صلاح في عدم اتباع منهج الله والخروج عليه بأي حجة
من الحجج؟

أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)

وهكذا يعطينا الله سبحانه وتعالى حكمه عليهم بأنهم كما أنهم يخدعون أنفسهم ولا يشعرون ويحسبون أنهم يخدعون الله سبحانه وتعالى والمؤمنين . كذلك فإنهم يفسدون في الأرض ويدعون أنهم مصلحون ، ولكنهم في الحقيقة مفسدون لماذا؟ . . لأن في قلوبهم كفراً وعداء لمنهج الله ، فلو قاموا بأي عمل يكون ظاهره الإصلاح ، فحقيقته هي الإفساد ، تماماً كما ينطقون بألسنتهم بما ليس في قلوبهم .
والكون لا يصلح إلا بمنهج الله ، فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق ، وهو الذي أوجد ، وهو أدرى بصنعته وبما يفسدها وبما يصلحها ، لأنه هو الصانع ، ولا يوجد من يعلم سر ما يصلح صنعته أكثر من صانعها .
ونحن في المنهج الدنيوي إذا أردنا إصلاح شيء اتجهنا لصانعه؛ فهو الذي يستطيع أن يدلنا على الإصلاح الحقيقي لهذا الشيء ، فإذا لم يكن صانعه موجوداً في البلدة نفسها اتجهنا إلى من دربهم الصانع على الإصلاح ، أو إلى ما يسمونه « الكتالوج » الذي يبين لنا طريق الإصلاح ، وبدون هذا لا نصلح ، بل نفسد ، والعجيب أننا نتبع هذه الطريقة في حياتنا الدنيوية ، ثم نأتي إلى الإنسان والكون ، فبدلاً من أن نتجه إلى صانعه وخالقه لنأخذ عنه منهج الإصلاح ، وهو أدرى بصنعته ، نتجه إلى خلق الله يضعون لنا المناهج التي تفسد ، وظاهرها الإصلاح لكنها تزيد الأمور سوءا والغريب أننا نسمي هذا فلاحا ، ونسميه تقدما . ولكن لماذا لا نتجه إلى الصانع أو الخالق ، الذي أوجد وخلق؟ هو سبحانه وتعالى أدرى بخلقه وبما يصلحهم وما يفسدهم .
ومادام الحق سبحانه وتعالى ، قد حكم على المنافقين ، بأنهم هم المفسدون فذلك حكم يقيني ، وكل من يحاول أن يغير من منهج الله ، أو يعطل تطبيقه بحجة الإصلاح ، فهو مفسد وإن كان لا يشعر بذلك ، لأنه لو أراد إصلاحا لاتجه إلى ما يصلح الكون ، وهو المنهج السماوي الذي أنزله خالق هذا الكون وصانعه ، وهذا المنهج موجود ومُبَلَّغٌ ولا يخفى
على أحد .

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13)

والسفهاء في قصد المنافقين هم الفقراء ، ولكن ما معنى السفه في اللغة : السفه معناه الطيش والحمق والخفة في تناول الأمور ، فهل تنطبق صفة السفيه على المؤمنين ، الذين آمنوا بالله ، أو أنها تنطبق على أولئك الذين لم يؤمنوا بالله؟ إذا كنتم تعتقدون أن الذين آمنوا هم السفهاء فلماذا تدعون الإيمان كذبا ، لتكونوا سفهاء؟ لاشك أن هناك تناقضاً موجوداً في كل تصرفات المنافقين .
فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم للإيمان ، والمسلمون يدعونهم للإيمان ، ولكنهم يصفون الذين آمنوا بأنهم سفهاء أي فقراء لا يملكون شيئاً ، لأن سادة قريش لم يؤمنوا . . وهم يدعون أن الذين آمنوا ، تصرفوا تصرفا أحمق ، طائشاً ، ولكن الغفلة هي المرض الذي يملأ قلوبهم لا يجعلهم ينتبهون إلى حقيقة مهمة ، وهي أنهم يتظاهرون بالإيمان ، ويدعون الإيمان ثم يصفون المؤمنين بالسفهاء ، إذا كان هؤلاء سفهاء كما تدعون . فهل تتظاهرون بالإيمان لتصبحوا سفهاء مثلهم؟!
إن المنطق لا يستقيم ويدل على سفاهة عقول المنافقين ، أنَّ هذه العقول . لم تتنبه إلى أنها حينما وصفت المسلمين بالسفهاء ، قد أدانت نفسها ، لأن المنافقين يدعون أنهم مؤمنون ، إذن فكل تصرفات المنافقين فيها تناقض . تناقض مع العقل والمنطق ، هذا التناقض يأتي من تناقض ملكات النفس بعضها مع بعض . . فاللسان يكذب القلب . والعمل يكذب العقيدة . والتظاهر بالإيمان يحملهم مشقة الإيمان ولا يعطيهم شيئا من ثوابه . ولو كان لهم عقول ، لتنبهوا إلى هذا كله ، ولكنهم لا يشعرون وهم يمضون في هذا الطريق ، طريق النفاق ، إنهم يجسدون السفاهة بعينها ، بكل ما تحمله من حمق واستخفاف ، وعدم التنبه إلى الحقيقة ، والرعونة التي يتصرفون بها ، والله سبحانه وتعالى حين وصفهم بالسفهاء ، كان وصفا دقيقاً ، لحالتهم وطريقة حي
اتهم .

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)

وهكذا يرينا الحق سبحانه ، أن كل منافق له أكثر من حياة يحرص عليها ، والحياة لكي تستقيم ، يجب أن تكون حياة واحدة منسجمة مع بعضها البعض ، ولكن انظر إلى هؤلاء . . مع المؤمنين يقولون آمنا ، ويتخذون حياة الإيمان ظاهرا ، أي أنهم يمثلون حياة الإيمان ، كما يقوم الممثل على المسرح بتمثيل دور شخصية غير شخصيته تماماً . . حياتهم كلها افتعال وتناقض ، فإذا بعدوا عن الذين آمنوا ، يقول الحق تبارك وتعالى : { وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ } .
وانظر إلى دقة الأداء القرآني ، الشيطان هو الدس الخفي ، الحق ظاهر وواضح ، أما منهج الشيطان وتآمره فيحدث في الخفاء لأنه باطل والنفس لا تخجل من حق أبدا ، ولكنها تخشى وتخاف وتحاول أن تخفي الباطل .
ولنضرب لذلك مثلا بسيطا ، رجل يجلس مع زوجته في منزله ، وطرق الباب طارق ، ماذا يحدث؟ يقوم الرجل بكل اطمئنان ، ويفتح الباب ليرى من الطارق ، فإن وجده صديقاً أو قريبا أكرمه ورحب به وأصر على أن يدخل ليضيفه . وتقوم الزوجة بإعداد الطعام أو الشراب الذي سيقدم للضيف ، نأخذ هذه الحالة نفسها إذا كان الإنسان مع زوجة غيره في شقته وطرق الباب طارق ، يحدث ارتباك عنيف ، ويبحث الرجل عن مكان يخفي فيه المرأة التي معه ، أو يبحث عن باب خفي ليخرجها منه ، أو يحاول أن يطفئ الأنوار ويمنع الأصوات لعل الطارق يحس أنه لا يوجد أحد في المكان فينصرف ، وقبل أن يُخْرِجَ تلك المرأة المحرمة عليه ، فإنه يفتح الباب بحرص ، وينظر يمينا ويسارا ليتأكد هل يراه أحد ، وعندما لا يجد أحدا يسرع بدفع المرأة إلى الخارج ، لأنها إثم يريد أن يتخلص منه ، وإذا نزل ليوصلها يمشي بعيدا عنها ، ويظل يرقب الطريق ، ليتأكد من أن أحدا لم يره ، وعندما يركبان السيارة ينطلقان بأقصى سرعة .
هذا هو الفرق بين منهج الإيمان ، ومنهج الشيطان ، الحادثة واحدة ، ولكن الذي اختلف هو الحلال والحرام . انظر كيف يتصرف الناس في الحلال . . في النور . . في الأمان ، وكيف يتصرفون في الحرام ومنهج الشيطان في الظلام وفي الخفية ويحرصون على ألا يراهم أحد ، ومن هنا تأتي دقة التعبير القرآني . . { وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ } .
إن منهج الشيطان يحتاج إلى خلوة ، إلى مكان لا يراك فيه أحد ، ولا يسمعك فيه أحد ، لأن العلن في منهج الشيطان يكون فضيحة ، ولذلك تجد غير المستقيم يحاول جاهدا أن يستر حركته في عدم الاستقامة ، ومحاولته أن يستتر هي شهادة منه بأن ما يفعله جريمة وقبح ، ولا يصح أن يعلمه أحد عنه ، ومادام لا يصح أن يراه أحد في مكان ما ، فاعلم أنه يحس أن ما يفعله في هذا المكان هو من عمل الشيطان الذي لا يقره الله ، ول
ا يرضى عنه .

ولابد أن نعلم أن القيم ، هي القيم ، حتى عند المنحرف ، وقوله تعالى : { وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا } معناها أنهم عندما يتظاهرون بالإيمان يأخذون جانب العلن ، بل ربما افتعلوه ، وكان المفروض أن يكون المقابل عندما يخلون إلى شياطينهم أن يقولوا : لم نؤمن .
وهناك في اللغة جملة اسمية وجملة فعلية ، الجملة الفعلية ، تدل على التجدد ، والجملة الاسمية تدل على الثبوت ، فالمنافقون مع المؤمنين يقولون آمنا ، إيمانهم غير ثابت ، متذبذب ، وعندما يلقون الكافرين ، لو قالوا لم نؤمن ، لأخذت صفة الثبات ، ولكنهم في الفترة بين لقائهم بالمؤمنين ، ولقائهم بالكافرين ، الكفر متجدد ، لذلك قالوا : { إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ
} .

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)

أن هؤلاء المنافقين قوم لا حول لهم ولا قوة ، ولكن الله سبحانه وتعالى ، وهو القادر القوي حينما يستهزئ بهم يكون الاستهزاء أليماً ، وإذا كان المنافق ، قد أظهر بلسانه ما ليس في قلبه ، فإن الله سبحانه وتعالى يعامله بمثل فعله ، فإذا كان له ظاهر وباطن ، يعامله في ظاهر الدنيا ، معاملة المسلمين ، وفي الآخرة يوم تبلى السرائر يجعله في الدرك الأسفل من النار ، لا يسويه بالكافر لأن ذنب المنافق أشد .
{ الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ } والاستهزاء هو السخرية ، فهم يأتون يوم القيامة محاولين أن يتمسكوا بالظاهر ، فيظهر الله سبحانه وتعالى لهم باطنهم . والحق سبحانه وتعالى يقول : { ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } [ الهمزة : 1 ] .
والهمزة هو الذي يسخر من الناس ولو بالإشارة . .
يرى إنسانا مصابا بعاهة في قدمه ، يمشي وهو يعرج فيحاول أن يقلده بطريقة تثير السخرية ، إما بالإشارة وإما بالكلام ، وهناك همز وهمزه . . الهمز الاستهزاء والسخرية من الناس ، علامة عدم الإيمان ، لأننا كلنا مخلوقون من إله واحد ، فهذه الصفة التي سخرت فيها من إنسان أعرج مثلا ، لا عمل له فيها ، ولا حول له ولا قوة . . والإنسان لم يصنع نفسه ، والحقيقة أنك تسخر من صنع الله ، والذي يسخر من خلق الله إنسان غبي لأنه سخر من خلق الله في عيب ، ولم يقدر ما تفضل الله به عليه ، كما أنه سخر من عيب ولم يفطن إلى أن الحق سبحانه وتعالى قد أعطى ذلك الإنسان خصالا ومميزات ربما لم يعطها له ، والله سبحانه وتعالى يقول : { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ } [ الحجرات : 11 ] .
إن مجموع كل إنسان ، يساوي مجموع كل إنسان آخر ، وذلك هو عدل الله ، فإذا كنت أحسن من إنسان في شيء فابحث عن النقص فيك . فإن استهزأت بمؤمن في شيء ، فالاستهزاء غير مفصول عن صنعة الله ، إذن فمن المنطق عندما قالوا : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } أن يرد الله عليهم { الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } أي يزيدهم في هذا الطغيان ، لأن المد هو أن تزيد الشيء ، ولكن مرة تزيد في الشيء من ذاته ، ومرة تزيد عليه من غيره ، قد تأتي بخيط وتفرده إلى آخره ، وقد تصله بخيط آخر ، فتكون مددته من غيره ، فالله يزيدهم في طغيانهم . وقوله تعالى « يعمهون » العمه يختلف عن العمى ، والخلاف في الحرف الأخير ، العمى عمى البصر ، والعمه عمى البصيرة ، ويعمهون أي يتخبطون ، لأن العمه ينشأ عنه التخبط سواء التخبط الحسي ، من عمى البصر ، أو التخبط في القيم ومنهج الحياة من عمى البصيرة . والله تعالى يقول : { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور } فكأنما العمى المادي ، قد لا يكون ، ولكن يكون هناك عمى البصيرة ، واقرأ قوله تعالى : { قَالَ رَبِّ لِمَ حشرتني أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كذلك أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى } [ طه : 125-126 ] .
فكأن عمى البصيرة في الدنيا ، يعمي بصر الإنسان ، عن رؤية آيات الله في كونه ، ويعميه عن الإي
مان والمنهج . .

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)

يعطينا الحق سبحانه وتعالى صفة أخرى من صفات المنافقين ، فيصفهم بأنهم الذين اشتروا الضلالة بالهدى . ومادام هناك شراء ، فهناك صفقة ، تتطلب مشتريا وبائعا ، وقد كانت السلعة في الماضي تشترى بسلعة أخرى ، أما الآن فإن كل شيء يشترى بالمال ، ماذا اشتروا؟
إن هؤلاء المنافقين اشتروا الضلالة ، واشتروها بأي ثمن؟! . . اشتروها بالهدى! الباء في اللغة تدخل على المتروك ، عندما تشتري شيئا تترك ثمنه ، إذن كأن هؤلاء قد تركوا الهدى واشتروا الضلالة ، ولكن هل كان معهم هدى ساعة الصفقة؟ .
إن الحال يقتضي أن يكون معهم هدى ، كأن يهتدي إنسان ثم يجد أن الهدى لا يحقق له النفع الدنيوي الذي يطلبه فيتركه ليشتري به الضلال ليحقق به ما يريد ، والهدى الذي كان معهم ، قد يكون هدى الفطرة ، فكأن هؤلاء كان يمكنهم أن يختاروا الهدى فاختاروا الضلالة .
والله سبحانه وتعالى يهدي كل الناس ، هدى دلالة ، فمن اختار الهدى يزده . واقرأ قوله تعالى : { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } [ فصلت : 17 ]
وقول الحق { فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ } التجارة بيع وشراء ، الشاري مستهلك ، والبائع قد يكون منتجا ، أو وسيطا بين المنتج والمستهلك . ما حظ البائع من البيع والشراء؟ أن يكسب فإذا ما كسب قيل ربحت تجارته . وإذا لم يكسب ولم يخسر ، أو إذا خسر ولم يكسب ، ففي الحالين لا يحقق ربحا ، ونقول ما ربحت تجارته . .
فقوله تعالى { فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } يدل على أنهم خسروا كل شيء لأنهم لم يربحوا ، فكأنهم لم يحققوا شيئا له فائدة ، وخسروا الهدى ، أي خسروا الربح ورأس المال . ما ربحت تجارتهم ربما يكونون لم يكسبوا ولم يخسروا ، ولكن هم قدموا الهدى ثمنا للضلال فلم يربحوا وضاع منهم الهدى ، أي رأس مالهم . .
ونفسية المنافق إذا أردت أن تحددها ، فهو إنسان بلا كرامة ، بلا رجولة لا يستطيع المواجهة ، بلا قوة ، يحاول أن يمكر في الخفاء ، ولذلك تكون صورته حقيرة أمام نفسه ، حتى لو استطاع أن يخفي عيوبه عن الناس ، فيكفي أنه كاذب أمام نفسه لتكون صورته حقيرة أمام نفسه ، وفي ذلك يقول الشاعر :
إذا أنا لم آت الدنية خشية ... من الناس كان الناس أكرم من نفسي
كفى المرء عارا أن يرى عيب نفسه ... وإن كان في كُنٍّ عن الجن والأنس
فالمهم رأيك في نفسك . . والتمزق الذي عند المنافق أنه ير
يد أن يخفي عيوبه عن الناس .

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)

يريد الحق سبحانه وتعالى أن يقرب صفات التمزق في المنافقين إلى فهمنا ، ولذلك فهو يضرب لنا الأمثال ، والأمثال جمع مثل وهو الشبيه الذي يقرب لنا المعنى ويعطينا الحكمة ، والأمثال باب من الأبواب العريقة في الأدب العربي . فالمثل أن تأتي بالشيء الذي حدث وقيل فيه قولة موجزة ومعبرة ، رأى الناس أن يأخذوا هذه المقولة لكل حالة مشابهة .
ولنضرب مثلا لذلك ، ملك من الملوك ، أراد أن يخطب فتاة من فتيات العرب ، فأرسل خاطبة اسمها عصام لِترى هذه العروس وتسأل عنها وتخبره ، فلما عادت قال لها ما وراءك يا عصام؟ أي بماذا جئت من أخبار ، قالت : له أبدي المخض عن الزبد . المخض هو أن تأتي باللبن الحليب وتخضه في القربة حتى ينفصل الزبد عن اللبن ، فصار الاثنان السؤال والجواب يضربان مثلا . تأتي لمن يجيئك تنتظر منه أخبارا فتقول له : ما وراءك يا عصام .
ولا يكون اسمه « عصام » . . ولم ترسله لاستطلاع أخبار ، بينما تريد أن تسمع ما عنده من أخبار .
وحينما تريد مثلا . . أن تصور تنافر القلوب . . وكيف أنها إذا تنافرت لا تلتئم أبدا . . ويريد الشاعر أن يقرب هذا المعنى فيقول :
إن القلوب إذا تنافر ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يشعب ( أي لا يجبر )
وساعة تنكسر الزجاجة لا تستطيع اصلاحها . . ولكي يسهل هذا المعنى عليك وتفهمه في يسر وسهولة . . فإنك لا تستطيع أن تصور أو تشاهد معركة بين قلبين . . لأن هذه مسألة غيبية . . فتأتي بشيء مشاهد وتضرب به المثل . . وبذلك يكون المعنى قد قرب . . لأنك شبهته بشيء محسوس . . تستطيع أن تفهمه وتشاهده . .
ولقد استخدم الله سبحانه وتعالى الأمثال في القرآن الكريم في أكثر من موضع . . ليقترب من أذهاننا معنى الغيبيات التي لا نعرفها ولا نشاهدها . . ولذلك ضرب لنا الأمثال في قمة الإيمان . . وحدانية الله سبحانه وتعالى . . وضرب لنا المثل بنوره جل جلاله . . الذي لا نشهده وهو غيب عنا . . وضرب لنا الأمثال بالنسبة للكفار والمنافقين . . لنعرف فساد عقيدتهم ونتنبه لها . . وضرب لنا الأمثال فيما يمكن أن يفعله الكفر بالنعمة . . والطغيان في الحق . . وغير ذلك من الأمثال . . قال الله تعالى : { وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً } [ الإسراء : 89 ]
وقد ضرب الله جل جلاله لنا الأمثال في الدنيا وفي الآخرة ، وفي دقة الخلق . . وقمة الإيمان . . ومع ذلك فإن الناس منصرفون عن حكمة هذه الأمثال . . كافرون بها . . مع أن الحق تبارك وتعالى . . ضربها ل
نا لتقرب لنا المعنى .

. تشبيها بماديات نراها في حياتنا الدنيا . . وكان المفروض أن تزيد هذه الأمثال الناس إيمانا . . لأنها تقرب لهم معاني غائبة عنهم . . ولكنهم بدلا من ذلك ازدادوا كفرا!!
ولابد قبل أن نتعرض للآية الكريمة : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } . . أن نتحدث عن بعض الأمثال التي ضُربت في القرآن الكريم . . لنرى كيف أن الله سبحانه وتعالى حدثنا عن قضايا غيبية بمحسات دنيوية :
ضرب الله تبارك وتعالى لنا مثلا بالقمة الإيمانية . . وهي أنه لا إله إلا الله . . وكيف أن هذه رحمة من الله سبحانه وتعالى . . يجب أن نسجد له شكرا عليها . . لأن فيها وقاية لنا من شقاء . . ومع ذلك فإن الله تبارك وتعالى يريد بعباده الرحمة ، ولكن بعض الناس يريد أن يشقي نفسه فيشرك بالله جل جلاله . . وبدلا من أن يأخذ طريق الإيمان الميسر . . يأخذ طريق الكفر والنفاق والشرك بالله الذي يملك كل شيء في الدنيا والآخرة . . يقول الحق جل جلاله : { ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 29 ]
بهذه الصورة المحسة التي نراها . . ولا يختلف فيها اثنان . . يريد الله تبارك وتعالى أن يقرب إلى أذهاننا صورة العابد لله وحده ، وصورة المشرك بالله . . ويعطينا المثل في عبد مملوك لشركاء . . رجل مملوك لعشرة مثلا . . وليس هؤلاء الشركاء العشرة متفقين . . بل هم متشاكسون أي أنهم مختلفون . . ورجل آخر مملوك لسيد واحد . . أيهما يكون مستريحا يعيش في رحمة؟ . . طبعا المملوك لسيد واحد في نعمة ورحمة . . لأنه يتبع أمرا واحدا ونهيا واحدا . . ويطيع ربا واحدا . . ويطلب رضا سيد واحد . . أما ذلك الذي يملكه شركاء حتى لو كانوا متفقين . . فسيكون لكل واحد منهم أمر ونهي . . ولكل واحد منهم طلب . . فما بالك إذا كانوا مختلفين؟ أحد الشركاء يقول له تعالَ . . والآخر يقول له لا تأت ، وأحد الشركاء يأمره بأمر ، والآخر يأمره بأمر مناقض . . ويحتار أيهما يرضي وأيهما يغضب؟ . . وهكذا تكون حياته شقاء وتناقضا . .
إن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقرب لنا الصورة . . في قضية هي قمة اليقين . . وهي الإيمان بالواحد الأحد . . يريدنا أن نلمس هذه الصورة . . بمثل نراه ونشهده . . وأن نرى فيض الله برحمته على عباده . . ويمضي الحق سبحانه ليلفتنا إلى أن نفكر قليلا في مثل يضربه لنا في القرآن الكريم : { وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ على شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل وَهُوَ على صِرَاطٍ مّ
ُسْتَقِيمٍ }

[ النحل : 76 ]
فالحق تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة . . يطلب منا أن نفكر في مثل مادي محسوس . . أيهما خير؟ . . أذلك الصنم الذي يعبده الكفار وهو لا يأتي لهم بخير أبدا . . لأنه لا يستطيع أن ينفع نفسه فكيف يأتي بالخير لغيره . . بل هو عبء على من يتخذونه إلها . . فإنهم يجب أن يضعوه وأن يحملوه من مكان إلى آخر إذا أرادوا تغيير المعبد أو الرحيل . . وإذا سقط فتهشمت أجزاء منه . . فإنه يجب أن يصلحوها . .
إذن فزيادة على أنه يأتي لهم بخير . . فإنه عبء عليهم يكلفهم مشقة . . ويحتاج منهم إلى عناية ورعاية . .
أعبادة مثل هذا الصنم خير؟ أم عبادة الله سبحانه الذي منه كل الخير وكل النعم . . والذي يأمر بالعدل . . فلا يفضل أحدا من عباده على أحد . . والذي يعطي لعباده الصراط المستقيم . . الذي لا اعوجاج فيه . . والموصل إلى الجنة في الآخرة . . إن الله سبحانه وتعالى يشرح بهذا المثل غباء فكر المشركين الذين يعبدون الأصنام ويتركون عبادة الله تبارك وتعالى .
وهكذا يعطينا هذان المثلان توضيحا لقضية الوحدانية والألوهية . . ثم يأتي الله سبحانه وتعالى بمثل آخر . . يضرب لنا مثلا لنوره . . هذا النور الإلهي الذي يضيء الدنيا والآخرة . . فيضيء القلوب المؤمنة . . إنه يريد أن يضرب لنا مثلا لهذا النور بشيء مادي محس . . فيقول جل جلاله : { الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ } [ النور : 35 ]
كأن الله سبحانه وتعالى . . يريدنا أن نعرف بتشبيه محس . . أن مثل نوره كمشكاة . . والمشكاة هي ( الطاقة ) . . وهي فجوة في الحائط بالبيت الريفي . . ونحن نضع المصباح في هذه الطاقة . . إذن المصباح ليس في الحجرة كلها . . ولكن نوره مركز في هذه الطاقة فيكون قويا في هذا الحيز الضيق . . ولكن المصباح في زجاجة . . تحفظه من الهواء من كل جانب . . فيكون الضوء أقوى . . صافيا لا دخان فيه . . كما أن الزجاج يعكس الأشعة فيزيد تركيزه . . والزجاجة غير عادية ولكنها : « كوكب دري » . . أي هي مضيئة بذاتها وكأنها كوكب . . ووقودها من شجرة مباركة يملؤها النور لا شرقية ولا غربية . . أي يملؤها النور من الوسط ويخرج صافيا . . والزيت مضيء بذاته دون أن تَمَسَّهُ النار . . فهي نور على نور . . أيكون جزء من هذه المشكاة ذات المساحة ا
لصغيرة مظلما؟ .

. أم تكون كلها مليئة بالنور القوي؟ .
وهذا ليس نور الله تبارك وتعالى عن التشبيه والوصف ، ولكنه مثل فقط للتقريب إلى الأذهان . . فكأن نور الله يضيء كل ركن وكل بقعة . . ولا يترك مكانا مظلما . . فهو نور على نور . .
ولقد أراد أحد الشعراء أن يمدح الخليفة وكانت العادة أن يشبه الخليفة . . بالأشخاص البارزين ذوي الصفات الحسنة . . فقال :
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
وكل هؤلاء الذين ضرب بهم الشاعر المثل كانوا مشهورين بهذه الصفات . . فعمرو كان مشهورا بالإقدام والشجاعة . . وحاتم كان مشهور بالسماحة . . وأحنف يضرب به المثل في الحلم . . وإياس شعلة في الذكاء . . وهنا قام أحد الحاضرين وقال : الأمير أكبر من كل شيء ممن شبهته بهم . . فقال أبو تمام على الفور :
لا تنكروا ضَرْبي لَه مَنْ دُونَهُ ... مثلاً شَرُوداً في النَّدَى والباسِ
فاللهُ قَدْ ضَربَ الأقلَّ لنوره ... مثلاً من المِشْكَاةِ والنّبْراسِ
فأعجب أحمد بن المعتصم والحاضرون من ذكائه وأمر بأن تضاعف جائزته . والله سبحانه وتعالى . . يضرب لنا المثل بما سيشهده المؤمنون في الجنة . . فيقول جل جلاله : { مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } [ محمد : 15 ]
هذه ليست الجنة . . ولكن هذا مثل يقرب الله سبحانه وتعالى لنا به الصورة بأشياء موجودة في حياتنا . . لأنه لا يمكن لعقول البشر أن تستوعب أكثر من هذا . . والجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . . ومن هنا فإنه لا توجد أسماء في الحياة تعبر عما في الجنة . . واقرأ قوله تعالى : { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ السجدة : 17 ]
فإذا كانت النفس لا تعلم . . فلا توجد ألفاظ تعبر عما يوجد في الجنة . . والمثل متى شاع استعماله بين الناس سمي مثلا . . فأنت إذا رأيت شخصا مغترا بقوته . . وتريد أن تفهمه أنك أقوى منه تقول له . . إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا . . ولا توجد ريح ولا إعصار فيما يحدث بينكما . . وإنما المراد المعنى دون التقيد بمدلول الألفاظ .
فالحق سبحانه وتعالى . . يريد أن يعطينا صورة . . عما في داخل قلوب المنافقين . . من اضطراب وذبذبة وتردد في استقبال منهج الله . . وفي الوقت نفسه ما يجري في القلوب غيب عنا . . وأراد الله أن يقرب هذا المعنى إلينا . . فقال : { مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً } . . أي حاول أن يوقد نارا
. . والذي يحاول أن يوقد نارا .

. لابد أن له هدفا . . والهدف قد يكون الدفء وقد يكون الطهي . . وقد يكون الضوء وقد يكون غير ذلك . . المهم أن يكون هناك هدف لإيقاد النار . .
يقول الحق سبحانه وتعالى : { فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } . . ذلك أنهم في الحيرة التي تملأ قلوبهم . . كانوا قد سمعوا من اليهود أن زمن نبي جديد قد أتى . . فقرروا أن يؤمنوا به . . ولكن إيمانهم لم يكن عن رغبة في الإيمان . . ولكنه كان عن محاولة للحصول على أمان دنيوي . . لأن اليهود كانوا يتوعدونهم ويقولون أتى زمن نبي سنؤمن به ونقتلكم به قتل عاد وإرم . . فأراد هؤلاء المنافقون أن يتقوا هذا القتل الذي يتوعدهم به اليهود . . فتصوروا أنهم إذا أعلنوا أنهم آمنوا بهذا النبي نفاقا أن يحصلوا على الأمن . .
إن الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة . . إنهم أوقدوا هذه النار . . لتعطيهم نورا يريهم طريق الإيمان . . وعندما جاء هذا النور بدلا من أن يأخذوا نور الإيمان انصرفوا عنه . . وعندما حدث ذلك ذهب الله بنورهم . . فلم يبق في قلوبهم شيء من نور الإيمان . . فهم الذين طلبوا نور الإيمان أولا . . فلما استجاب الله لهم انصرفوا عنه . . فكأن الفساد في ذاتهم . . وكأنهم هم الذين بدأوا بالفساد . . وساعة فعلوا ذلك ذهب الله بنور الإيمان من قلوبهم .
ونلاحظ هنا دقة التعبير القرآني . . في قوله تعالى : { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } ولم يقل ذهب الله بضوئهم . . مع أنهم أوقدوا النار ليحصلوا على الضوء . . ما هو الفرق بين الضوء والنور؟ . . إذا قرأنا قول الحق سبحانه وتعالى : { هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً } [ يونس : 5 ]
نجد أن الضوء أقوى من النور . . والضوء لا يأتي إلا من إشعاع ذاتي . . فالشمس ذاتية الإضاءة . . ولكن القمر يستقبل الضوء ويعكس النور . . وقبل أن تشرق الشمس تجد في الكون نورا . . ولكن الضوء يأتي بعد شروق الشمس . . فلو أن الحق تبارك وتعالى قال ذهب الله بضوئهم . . لكان المعنى أنه سبحانه ذهب بما يعكس النور . . ولكنه أبقى لهم النور . . ولكن قوله تعالى : { ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } . . معناها أنه لم يبق لهم ضوءا ولا نورا . . فكأن قلوبهم يملؤها الظلام . . ولذلك قال الله بعدها؛ { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } . . لنعلم أنه لا يوجد في قلوبهم أي نور ولا ضوء إيماني . . كل هذا حدث بظلمهم هم وانصرافهم عن نور الله .
ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى . . لم يقل وتركهم في ظلام . . بل قال : « في ظلمات » . . أي أنها
ظلمات متراكمة .

. ظلمات مركبة لا يستطيعون الخروج منها أبدا . .
من أين جاءت هذه الظلمات؟ . . جاءت لأنهم طلبوا الدنيا ولم يطلبوا الآخرة . . وعندما جاءهم نور الإيمان انصرفوا عنه فصرف الله قلوبهم . .
مثلا إذا أخذنا قصة زعيم المنافقين عبد الله بن أُبَيِّ ، نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المدينة وأهلها يستعدون لتتويج عبد الله بن أبي ملكا عليها . . وعندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف الناس عن عبد الله بن أبي إلى استقبال الرسول عليه الصلاة والسلام . . فوصول الرسول عليه الصلاة والسلام ضيع على عبد الله بن أبي الْمُلْك . . ولقد كان من الممكن أن يؤمن . . وأن يلتمس النور من رسول الله صلى الله عليه وسلم . . ولو آمن حينئذ ربما أعطى في الآخرة ملكا دائما . . يفوق الملك الذي كان سيحصل عليه في الدنيا . . ولكن لأن في قلبه الدنيا وليس الدين . . ولأنه يريد رفعة في الدنيا . . ولا يريد جنة في الآخرة ، فقد ملأ الحقد قلبه فكان ظلمة . . وملأ الحسد قلبه فكان ظلمة . . وملأت الحسرة قلبه فكانت ظلمة . . وملأت الكراهية والبغضاء قلبه فكانت ظلمة . . إذن هي ظلمات متعددة . .
وهكذا في قلب كل منافق ظلمات متعددة . . ظلمة الحقد على المؤمنين وظلمة الكراهية لهم . . وظلمة تمني هزيمة الإيمان . . وظلمة تمني أن يصيبهم سوء وشر . . وظلمة التمزق والألم من الجهد الذي يبذله للتظاهر بالإيمان وفي قلوبهم الكفر . . كل هذه ظلمات . . ولكن لا تحاول أن تأخذها بمقاييس عقلك . . والمفروض أن المثل هنا لتقريب المعنى . . لأنك إذا قرأت قول الحق سبحانه وتعالى : { وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَاباً مَّسْتُوراً } [ الإسراء : 45 ]
كيف يكون الحجاب مستورا؟ . . مع أن الحجاب هو الساتر الذي يستر شيئا عن شيء . . ولكن الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم . . أنه برغم أن الحجاب يستر شيئا عن شيء ، فإن الحجاب نفسه مستور لا نراه . . وبعض العلماء يقولون : إن مستورا اسم مفعول . . وهو في معنى اسم الفاعل ساتر . . نقول لا . . واقرأ قوله تبارك وتعالى : { جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً } [ مريم : 61 ]
مأتيا اسم مفعول واسم الفاعل آتى . . ويقول البعض وضع اسم المفعول مكان اسم الفاعل . . نقول أنك لم تفهم . . هل وعد الله يلح في طلب العبد . . أم أن العبد يلح في طلبه بعمله فكأنه ذاهب إليه . . والموعود هو المستفيد وليس الوعد . . إذن من دقة القرآن الكريم . . أنه يريد أن ينبهنا إلى أن الموعود هو الذي يسعى للقاء الوعد . . وليس الوعد هو الذي يطلب لقاء الموعود فيستخ
دم اسم الفاعل .

فحين يقول الحق سبحانه وتعالى : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ } . . نفى النور عنهم . . والنور لا علاقة له بالسمع ولا بالشم ولا باللمس . . ولكنه قانون البصر . .
وانظر إلى دقة التعبير القرآني . . إذا امتنع النور امتنع البصر . . أي أن العين لا تبصر بذاتها . . ولكنها تبصر بانعكاس النور على الأشياء ثم انعكاسه على العين . .
واقرأ قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ الليل وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً } [ الإسراء : 12 ]
فكأن الذي يجعل العين تبصر هو الضوء أو النور . . فإذا ضاع النور ضاع الإبصار . . ولذلك فأنت لا تبصر الأشياء في الظلام . . وهذه معجزة قرآنية اكتشفها العلم بعد نزول
القرآن .

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)

فالحق سبحانه وتعالى . . بعد أن أخبرنا أنه بظلم هؤلاء المنافقين لأنفسهم . . ذهب بنور الإيمان من قلوبهم فهم لا يبصرون آيات الله . . أراد أن يلفتنا إلى أنه ليس البصر وحده هو الذي ذهب . . ولكن كل حواسهم تعطلت . . فالسمع تعطل فهم صم . . والنطق تعطل فهم بكم . . والبصر تعطل فهم عمى . . وهذه هي آلات الإدراك في الإنسان . . واقرأ قوله تبارك وتعالى : { والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ النحل : 78 ]
إذن كونهم في ظلمات لا يبصرون معناها أنها قد تعطلت وسائل الإدراك الأخرى؛ فآذانهم صُمَّتْ فهي لا تسمع منهج الحق ، وألسنتهم تعطلت عن نقل ما في قلوبهم وأبصارهم لا ترى آيات الله في الكون إذن فآلات إدراكهم لهدى الله معطلة عندهم . .
وقوله تعالى : { فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } . . أي لن تعود إليهم هذه الوسائل ليدركوا نور الله في كونه . . الإدراك غير موجود عندهم . . ولذلك فلا تطمعوا أن يرجعوا إلى منهج الإيمان أبدا . . لقد فسدت في قلوبهم العقيدة . . فلم يفرقوا بين ضر عاجل وما هو نفع آجل . . نور الهداية كان سيجعلهم يبصرون الطريق إلى الله . . حتى يسيروا على بينة ولا يتعثروا . . ولكنهم حينما جاءهم النور رفضوه وانصرفوا عنه . . فكأنهم انصرفوا عن كل ما يهديهم إلى طريق الله!! .
فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة . . أعطانا وصفا آخر من صفات المنافقين هو أن أدوات الإدراك التي خلقها الله جل جلاله معطلة عندهم . . ولذلك فإن الإصرار على هدايتهم وبذل الجهد معهم لن يأتي بنتيجة . . لأن الله تبارك وتعالى بنفاقهم وظلمهم عطل وسائل الهداية التي كان من الممكن أن يعودوا بها إلى طر
يق الحق .

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19)

وقول الحق سبحانه وتعالى : { أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء } . . الصيب هو المطر . . والله تبارك وتعالى ينزل الماء فتقوم به الحياة . . مصداقا لقوله جل جلاله : { وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } [ الأنبياء : 30 ]
ومن البديهي أننا نعرف أن إنزال المطر . . هو من قدرة الله سبحانه وتعالى وحده . . ذلك أن عملية المطر فيها خلق بحساب . . وفيها عمليات تتم كل يوم بحساب أيضا . . وفيها عوامل لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى . . فمسألة المطر أعدت الأرض لها حين الخلق . . فكانت ثلاثة أرباع الأرض من الماء والربع من اليابسة . . لماذا؟ من حِكَمِ الله في هذا الخلق أن تكون عملية البخر سهلة وممكنة . . ذلك أنه كلما اتسع سطح الماء يكون البخر أسهل . . وإذا ضاق السطح تكون عملية البخر أصعب . . فإذا جئنا بكوب مملوء بالماء ووضعناه في حجرة مغلقة يوما . . ثم عدنا إليه نجد أن حجم الماء نقص بمقدار سنتيمتر أو أقل . . فإذا أخذنا الماء الذي في هذا الكوب وقذفناه في الحجرة . . فإنه يختفي في فترة قصيرة . . لماذا؟ . ؛ لأن سطح الماء أصبح واسعا فتمت عملية البخر بسرعة .
والله سبحانه وتعالى حين خلق الأرض . . وضع في الخلق حكمة المطر في أن تكون مساحة الماء واسعة لتتم عملية البخر بسهولة . . وجعل أشعة الشمس التي تقوم بعملية البخر من سطح الماء . . وتم ذلك بحساب دقيق . . حتى لا تغرق الأمطار الأرض أو يحدث فيها جفاف . . ثم سخر الريح لتدفع السحاب إلى حيث يريد الله أن ينزل المطر . . وقمم الجبال الباردة ليصطدم بها السحاب فينزل المطر . . كل هذا بحساب دقيق في الخلق وفي كل مراحل المطر . .
ومادام الماء هو الذي به الحياة على الأرض . . فقد ضرب الله لنا به المثل كما ضرب لنا المثل بالنار وضوئها . . فكلها أمثلة مادية لتقرب إلى عقولنا ما هو غيب عنا . . فالماء يعطينا الحياة . .
لكن هؤلاء المنافقين . لم يلتفوا إلى هذا الخير . الذي ينزل عليهم من السماء من غير تعب أو جهد منهم . بل التفتوا إلى أشياء ثانوية ، كان من المفروض أن يرحبوا بها لأنها مقدمات خير لهم . فالمطر قبل أن ينزل من السماء لابد أن يكون هناك شيء من الظلمة في السحاب الذي يأتي بالمطر . فيحجب أشعة الشمس إن كنا نهارا . ويخفي نور القمر والنجوم إن كنا ليلا . هذه الظلمة مقدمات الخير والماء . .
إنهم لم يلتفتوا إلى الخير الذي ملأ الله به سبحانه وتعالى الأرض . بل التفتوا إلى الظلمة فنفروا من الخير . . كذلك صوت الر
عد ونور البرق .

الرعد يستقبله الإنسان بالأذن وهي آلة السمع . والبرق تستقبله العين . . وصوت الرعد قوي ، أقوى من طاقة الأذن . ولذلك عندما يسمعه الإنسان يفزع ، ويحاول أن يمنع استقبال الأذن له ، بأن يضع أنامله في أذنيه .
وهؤلاء المنافقون لم يضعوا الأنامل . ولكن كما قال الله سبحانه وتعالى : { يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم } ولم يقل أناملهم . وذلك مبالغة في تصوير تأثير الرعد عليهم . فكأنهم من خوفهم وذعرهم يحاول كل واحد منهم أن يدخل كل إصبعه في أذنه . ليحميه من هذا الصوت المخيف . فكأنهم يبالغون في خوفهم من الرعد .
ونلاحظ هنا أن الحديث ليس عن فرد واحد ، ولكن عن كثيرين . . لأنه سبحانه وتعالى يقول « أصابعهم » نقول أن الأمر لجماعة يعني أمراً لكل فرد فيها ، فإذا قال المدرس للتلاميذ أخرجوا أقلامكم ، فمعنى ذلك أن كل تلميذ يخرج قلمه . . وإذا قال رئيس الجماعة اركبوا سياراتكم ، فمعنى ذلك أن كل واحد يركب سيارته . . لذلك فإن معنى { يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم } أن كل واحد منهم يضع إصبعيه في أذنيه . .
لماذا يفعلون ذلك؟! أنهم يفعلونه خوفا من الموت . لأن الرعد والبرق يصاحبهما الصواعق أحيانا ، ولذلك فإنهم من مبالغتهم في الخوف يحس كل واحد منهم أن صاعقة ستقتله . . فكأنهم يستقبلون نعمة الله سبحانه وتعالى بغير حقيقتها . . هم لا يرون النعمة الحقيقية في أن هذا المطر يأتي لهم بعوامل استمرار الحياة . ولكنهم يأخذون الظاهر في البرق والرعد . وكذلك المنافقون . . لا يستطيع الواحد منهم أن يصبر على شهوات نفسه ونزواتها . . إنه يريد ذلك العاجل ولا ينظر إلى الخير الحقيقي الذي وعد الله به عباده المؤمنين في الآخرة . . وهو ينظر إلى التكاليف كأنها شدة ومسألة تحمل النفس بعض المشاق . ويغفل عن حقيقة جزاء التكاليف في الآخرة . وكيف أنها ستوفر لهم النعيم الدائم . . تماما كما ينظر الإنسان إلى المطر على أنه ظلمة ورعد وبرق ، وينسى أنه بدون هذا المطر من المستحيل أن تستمر حياته . .
هم يأخذون هذه الظواهر على أنها كل شيء . بينما هي في الحقيقة تأتي لوقت قصير وتختفي ، فهي قصيرة كالحياة الدنيا ، وقتية . ولكن نظرتهم إليها وقتية ومادية لأنهم لا يؤمنون إلا بالدنيا وغفلوا عن الآخرة . . غفلوا عن ذلك الماء التي يبقى فترة طويلة ، وتنبهوا إلى تلك الظواهر الوقتية التي تأتي مع المطر فخافوا منها وكان خوفهم منها يجعلهم لا يحسون بما في المطر من خير . والمنافقون يريدون أن يأخذوا خير الإسلام دون أن يقوموا بواجبات هذا الدين!!
ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى قضية هامة . وهي أن خوفهم من زوال متع الدنيا ونفوذها لن يفعل لهم شيئا . لأن الله محيط بالكافرين . . والإحاطة معناها السيطرة التامة على الشيء بحيث لا يكون أمامه وسيلة للإفلات ، وقدرة الله سبحانه وتعالى محيطة بالكافرين وغير الكافرين . .
إذن عدم التفاتهم للنفع الحقيقي ، وهو منهج الله ، لا يعطيهم قدرة الإفلات من قدرة الله سبحانه وتعالى ف
ي الدنيا والآخرة .

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)

أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن البرق الذي هو وقتي وزمنه قليل . هو الذي يسترعي انتباههم . ولو آمنوا لأضاء نور الإيمان والإسلام طريقهم . ولكن قلوبهم مملوءة بظلمات الكفر فلا يرون طريق النور . . والبرق يخطف أبصارهم ، أي يأخذها دون إرادتهم . فالخطف يعني أن الذي يخطف لا ينتظر الإذن ، والذي يتم الخطف منه لا يملك القدرة على منع الخاطف . والخطف غير الغصب . فالغصب أن تأخذ الشيء برغم صاحبه .
ولكن . . ما الفرق بين الأخذ والخطف والغصب؟ . الأخذ أن تطلب الشيء من صاحبه فيعطيه لك . أو تستأذنه . أي تأخذ الشيء بإذن صاحبه . والخطف أن تأخذه دون إرادة صاحبه ودون أن يستطيع منعك .
والغصب أن تأخذ الشيء رغم إرادة صاحبه باستخدام القوة أو غير ذلك بحيث يصبح عاجزا عن منعك من أخذ هذا الشيء .
ولنضرب لذلك مثلا ولله المثل الأعلى . إذا دخل طفل على محل للحلوى وخطف قطعة منها ، يكون صاحب المحل لا قدرة له على الخاطف لأن الحدث فوق قدرات المخطوف منه ، فهو بعيد وغير متوقع للشيء ، فلا يستطيع منع الخطف . . أما الغصب فهو أن يكون صاحب المحل متنبها ولكنه لا يملك القدرة على منع ما يحدث ، وإذا حاول أن يقاوم . . فإن الذي سيأخذ الشيء بالرغم عنه لابد أن يكون أقوى منه . أي أن قوة المُغْتَصِب ، تكون أقوى من المُغْتَصَب منه .
وقوله تعالى : { يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ } .
لابد أن نتنبه إلى قوله تعالى « يكاد » أي يكاد أو يقترب البرق من أن يخطف أبصارهم . وليس للإنسان القدرة أن يمنع هذا البرق من أن يأخذ انتباه البصر .
وقوله تعالى { كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ } .
أي أنهم يمشون على قدر النور الدنيوي . الذي يعطيه لهم البرق . فلا نور في قلوبهم . ولذلك إذا أظلم عليهم توقفوا ، لأنه لا نور لهم .
وقوله تعالى { وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } .
يدعي بعض المستشرقين أن ذلك يتعارض مع الآية الكريمة التي تقول { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } كيف يكونون صما بكما عميا . . أي أن منافذ الإدراك عندهم لا تعمل ، ونحن هنا نتحدث عن العمى الإيماني ، ثم يقول تبارك وتعالى { وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } مع أنهم صم وبكم وعمي؟ . .
نقول أن قول الحق سبحانه وتعالى : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } أي لا يرون آيات الله ويقين الإيمان ، ولا يسمعون آيات القرآن ويعقلونها . . إذن فوسائل إدراكهم للمعنويات تتعطل . ولكن وسائل إدراكهم بالنسبة للمحسات تبقى كما هي . فالمنافق الذي لا يؤمن بيوم القيامة ، لا يرى ذلك العذاب الذي ينتظره في الآخرة .
ولو شاء الله سبحانه
وتعالى أن يذهب بسمعهم وأبصارهم .

بالنسبة للأشياء المحسة . لاستطاع لأنه قادر على كل شيء ، ولكنه سبحانه وتعالى لم يشأ ذلك . حتى لا يأتوا مجادلين في الآخرة ، من أنهم لو كان لهم بصر لرأوا آيات الله . ولو كان لهم سمع لتدبروا القرآن . فأبقى الله لهم أبصارهم وأسماعهم . لتكون حجة عليهم ، بأن لهم بصرا ولكنهم انصرفوا عن آيات الله إلى الأشياء التي تأتيهم بفائدة عاجلة في الدنيا مهما جاءت بغضب الله . وأن لهم سمعا يسمعون به كل شيء من خطط المؤامرات على الإسلام . وضرب الإيمان وغير ذلك . فإذا تليت عليهم آيات الله فأنهم لا يسمعونها . وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى : { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً } [ محمد : 16 ]
أي أنهم يسمعون ولا يعقلون ولا يدخل النور إلى قلوبهم ، فكأنهم صم عن آيات الله لا يسمعونها .
والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا مثل المنافقين بأنهم لا يلتفتون إلى القيم الحقيقية في الحياة . ولكنهم يأخذون ظاهرها فقط . يريدون النفع العاجل ، وظلمات قلوبهم . لا تجعلهم يرون نور الإيمان . وإنما يبهرهم بريق الدنيا مع أنه زائل ووقتي . فيخطف أبصارهم . ولأنه لا نور في قلوبهم ، فإذا ذهبت عنهم الدنيا ، تحيط بهم الظلمات من كل مكان لأنهم لا يؤمنون بالآخرة . مع أن الله سبحانه وتعالى لو شاء لذهب بسمعهم وأبصارهم ، لأنهم لا يستخدمونها الاستخدام الإيماني المطلوب . والمفروض أن وسائل الإدراك هذه . تزيدنا إيمانا . . ولكن هؤلاء لا يرون إلا متاع الدنيا . ولا يسمعون إلا وسوسة الشيطان ، فالمهمة الإيمانية لوسائل الإدراك توقفت ، وكأن هذه الوسائل غير مو
جودة .

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)

بعد أن حدثنا الله سبحانه وتعالى عن صفات المنافقين في ثلاث عشرة آية وأعطانا أوصافهم الظاهرة . وأعطانا أمثلة لما يحدث في قلوبهم كي يعرفهم المؤمنون ظاهرا وباطنا . ويحذروهم ولا يأمنوا لهم . بين لنا كيف أن المنافقين لم يكفروا بالله كإله فقط . ويستروا وجوده ، ولكن كفروا به كرب . والرب عطاؤه مكفول لكل من خلق مؤمنهم وكافرهم ، فهو سبحانه وتعالى الذي استدعاهم للوجود وخلقهم . ولذلك فإنه سبحانه يضمن لهم رزقهم وحياتهم .
والله سبحانه وتعالى لا يحرم خلقا من خلقه من عطاء ربوبيته في الدنيا . فالشمس تشرق على المؤمن والكافر . والمطر ينزل على من قال لا إله إلا الله ومن ستر وجوده تعالى : والهواء يتنفس به ذلك الذي يقيم الصلاة والذي لم يركع ركعة في حياته . . والطعام يأكله الذي يحب الله والذي يكفر بنعم الله . . ذلك أن هذه عطاءات ربوبية يعطيها الله تعالى لكل خلقه في الدنيا . .
أما عطاءات الألوهية ، فهي للمؤمنين في الدنيا والآخرة .
فالله سبحانه وتعالى يلفت انتباه خلقه إلى أن عطاء الربوبية من الله سبحانه وتعالى لهم يكفي ليؤمنوا بالله ويعبدوه .
والحق سبحانه وتعالى حينما يخاطب الناس في القرآن الكريم ، ذلك الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فلابد أن يكون الخطاب للناس في كل زمان ومكان . منذ نزول القرآن الكريم إلى يوم القيامة .
وخطاب الله سبحانه وتعالى خاص بقضية الإيمان في القمة ، وهي الخضوع لإله واحد لا شريك له .
وقوله تعالى { الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ } معناه أن من مقتضيات العبادة . أن الله هو خالق الناس جميعا . وليس في قضية الخلق كما قلنا شبهة؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يدعي أنه خلق نفسه ، أو خلق هذا الكون ، بل إن الحق سبحانه وتعالى يطلب منا أن نحترم السببية المباشرة في وجودنا؛ فالأب والأم هنا سبب في وجود الإنسان . فنجد الله سبحانه وتعالى يقول : { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ وبالوالدين إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً } [ الإسراء : 23 ]
وهكذا نرى أن الحق قد احترم السببية في الموجد ، مع أنه سبحانه وتعالى الموجد الذي خلق كل شيء . ولكن الله يحترم عمل الإنسان . مع أنه سبب فقط ، فالمال هو مال الله ، يعطيه لمن يشاء . لكننا نجد الحق سبحانه وتعالى هو يحث على الصدقة يقول : { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً } [ البقرة : 245 ]
فكأنه سبحانه احترم عمل الإنسان في الحصول على المال ، رغم أن المال مال الله . فقال وهو الخالق الأعظم : { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً } وهكذا
تتجلى رحمة الحق بالخلق .

الله يقول : « ولَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » نتقي ماذا؟ نتقي صفات الجلال في الله . فالله سبحانه وتعالى له صفات جلال وصفات جمال ، صفات الجلال هي « الجبار والقهار والمتكبر والقوي والقادر والمقتدر والضار » وغيرها من صفات الجلال .
فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نجعل بيننا وبين صفات الجلال وقاية حتى لا نغضب الله ، فيعاملنا بمتعلقات صفات جلاله ، وأن نتمسك بصفات جمال الله : الرحيم الودود ، الغفار ، التواب ، فإذا نجحنا في ذلك كان لنا نجاة من النار التي هي أحد جنود الله ، ومتعلقات جلاله .
على أننا لابد أن نتنبه إلى أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول « يا أيها الناس » إنما يخاطب كل الناس ، فإذا أراد الحق سبحانه وتعالى مخاطبة المؤمنين قال : « يا أيها الذين آمنوا » أي يا أيها الذين آمنتم بالله إلها ، ودخلتم معه في عقد إي
ماني .

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)

فبعد أن بين لنا الحق سبحانه وتعالى أن عطاء ربوبيته الذي يعطيه لخلقه جميعا ، المؤمن والكافر ، كان يكفي لكي يؤمن الناس ، كل الناس . . أخذ يبين لنا آيات من عطاء الربوبية . ويلفتنا إليها لعل من لم يؤمن عندما يقرأ هذه الآيات يدخل الإيمان في قلبه . فيلفتنا الله سبحانه وتعالى إلى خلق الأرض في قوله تعالى :
{ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً } .
والأرض هي المكان الذي يعيش في الناس ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه خلق الأرض أو أوجدها . إذن فهي آية ربوبية لا تحتاج لكي نتنبه إليها إلى جهد عقلي . لأنها بديهات محسومة لله سبحانه وتعالى . وقوله تعالى : « فراشا » توحي بأنه أعد الأرض إعداداً مريحاً للبشر . كما تفرش على الأرض شيئا ، تجلس عليه أو تنام عليه ، فيكون فراشا يريحك .
ونحن نتوارث الأرض جيلا بعد جيل . وهي تصلح لحياتنا جميعاً .
ومنذ أن خلقت الأرض إلى يوم القيامة . ستظل فراشا للإنسان .
قد يقول بعض الناس أنك إذا نمت على الأرض فقد تكون غير مريحة تحتك فيها حصى أو غير ذلك مما يضايقك . نقول أن الإنسان الأول كان ينام عليها مستريحا . . إذن فضرورة النوم ممكنة على الأرض .
وعندما تقدمت الحضارة وزادت الرفاهية ظلت الأرض فراشاً رغم ما وجد عليها من أشياء لينة . فكأن الله تعالى . قد أعدها لنا إعداداً يتناسب مع كل جيل . فكل جيل رفه في العيش بسبب تقدم الحضارة كشف الله سبحانه من العلم ما يطوع له الأرض ويجعلها فراشاً .
ونلاحظ أن الله سبحانه وتعالى في آية أخرى يقول : { جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداًَ } [ الزخرف : 10 ]
والمهد هو فراش الطفل ، ولابد أن يكون مريحا لأن الطفل إذا وجد في الفراش أي شيء يتعبه . فإن لا يملك الإمكانات التي تجعله يريحه ، ولذلك تمهد الأم لطفلها مكان نومه ، حتى ينام نوماً مريحاً . ولكن الذي يمهد الأرض لكل خلقه هو الله سبحانه وتعالى . يجعلها فراشاً لعباده . وإذا قرأت قوله تعالى : { هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ } [ الملك : 15 ]
فإن معنى ذلك أن الحق سبحانه جعل الأرض مطيعة للإنسان ، تعطيه كل ما يحتاج إليه .
ويأتي الحق سبحانه وتعالى إلى السماء فيقول : « والسماء بناءً » والبناء يفيد المتانة والتماسك . أي أن السماء وهي فوقك لا نرى شيئا يحملها حتى لا تسقط عليك . إنها سقف متماسك متين . . ويؤكد الحق هذا المعنى بقوله تعالى : { وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [ الحج : 65 ]
وفي آية أخرى يقول : { وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً } [ الأنبياء : 32 ]
والهدف من هذه الآيات كلها . أن نطمئن ونحن نعيش على الأرض أن السم
اء لن تتساقط علينا لأن الله يحفظها .

إذن من آيات الحق سبحانه وتعالى في الأرض أنه جعلها فراشاً أي ممهدة ومريحة لحياة الإنسان . وحفظ السماء بقدرته جل جلاله ، فهي ثابتة في مكانها ، لا تهدد سكان الأرض وتفزعهم ، بأنها قد تسقط عليهم ، ثم جاء بآية أخرى :
{ وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ }
فكأن الحق سبحانه وتعالى وضع في الأرض وسائل استبقاء الحياة . فلم يترك الإنسان على الأرض دون أن يوفر له وسائل استمرار حياته . فالمطر ينزل من السماء ، والسماء هي كل ما علاك فأظلك . فينبت به الزرع والثمر ، وهذا رزق لنا ، والناس تختلف في مسألة الرزق . والرزق هو ما ينتفع به ، وليس هو ما تحصل عليه . فقد تربح مالاً وافراً ولكنك لا تنفقه ولا تستفيد منه فلا يكون هذا رزقك ولكنه رزق غيرك ، وأنت تظل حارساً عليه ، لا تنفق منه قرشاً واحداً ، حتى توصله إلى صاحبه . والرزق في نظر معظم الناس هو المال ، قال عليه الصلاة والسلام :
« يقول ابن آدم مالي مالي . . وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، ولبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت » .
هذا هو رزق المال . وهو جزء من الرزق . ولكن هناك رزق الصحة . ورزق الولد . ورزق الطعام . ورزق في البركة . وكل نعمة من الله سبحانه وتعالى هي رزق وليس المال وحده .
فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا بهذه الآية الكريمة إلى أن نفكر قليلاً ، فيمن خلق هذا الكون . لنعرف أنه قبل أن يخلق الإنسان خلق له عناصر بقائه . ولكن هذا الإعداد لم يتوقف عند الحياة المادية . بل إن الله كما أعد لنا مقومات حياتنا المادية أعد لنا مقومات حياتنا الروحية ، أو القيم في الوجود . وإذا قرأت في سورة الرحمن قوله تعالى : { الرحمن * عَلَّمَ القرآن * خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان } [ الرحمن : 1-4 ]
لوجدت القرآن يعطينا قيم الحياة ، التي بدونها تصبح الدنيا كلها لا قيمة لها . لأن الدنيا امتحان أو اختبار لحياة قادمة في الآخرة . فإذا لم تأخذها بمهمتها في أنها الطريق الذي يوصلك إلى الجنة . أهدرت قيمتها تماماً .
ولم تعد الدنيا تعطيك شيئاً إلا العذاب في الآخرة .
وقد ربط الحق سبحانه وتعالى الرزق في هذه الآية بالسماء فقال سبحانه :
{ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ }
ليلفتنا إلى أن الرزق ، لا يأتي إلا من أعلى ، وضرب الله سبحانه وتعالى المثل بالماء لأنه رزق مباشر محسوس منا ، والماء ينزل من السماء في أنقى صوره مقطراً . كل ما يأتينا من السماء . فيه علو . ينزل ليزيد حياة القيم ارتقاءً ، عملية لو أراد البشر أن يقوموا بها ما استطاعوا لأنها كانت ستكلف ملايين الجنيهات ، لتعطينا ماءً لا يكفي أسرة واحدة . ولكن الله سبحانه وتعالى أنزل من السماء ماءً في أنقى صوره لينبت به الثمرات ، التي تضمن
استمرار الحياة في هذا الكون .

وبعد أن نفهم هذه النعم كلها . والإعجاز الذي فيها ونستوعبها يقول الحق تبارك وتعالى : { فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } .
« أندادا » جمع نِدّ ، والند هو النظير أو الشبيه . وأي عقل فيه ذرّة من فكر يبتعد عن مثل هذا ، فلا يجعل لله تعالى شبيهاً ولا نظيراً ولا يُشَبِّهُ بالله تعالى أحداً . فالله واحد في قدرته ، واحد في قوته ، واحد في خلقه . واحد في ذاته ، وواحد في صفاته .
ولا توجد مقارنة بين صفات الحق سبحانه وتعالى وصفات الخلق . والله خلق لكل منا عقلاً يفكر به ، لو عرضت هذه المسألة على العقل لرفضها تماماً ، لأنها لا تتفق مع عقل أو منطق ، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى :
{ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }
أي تعرفون هذا جيداً بعقولكم لأن طبيعة العقل ترفض هذا تماماً .
فمنذا الذي يستطيع أن يدعي أنه خلقكم والذين من قبلكم؟! ومنذا الذي يستطيع أن يدعي ولو كذبا ، أنه هو الذي جعل الأرض فراشاً ، وجعل السماء سقفاً محفوظاً ، أو أنزل المطر وأنبت الزرع؟ لا أحد . إذن فأنتم تعلمون أن العقل كله لله وحده ، ومادام لا يوجد معارض ولا يمكن أن يوجد . فالقضية محسومة للحق تبارك وتعالى .
والحق سبحانه وتعالى يقول : { وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله والذين آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ } [ البقرة : 165 ]
لماذا اتخذ هؤلاء الناس لله تعالى أنداداً؟ لأنهم يريدون دينا بلا منهج . يريدون أن يرضوا فطرة الإيمان التي خلقها الله فيهم . وفي الوقت نفسه يتبعون شهواتهم . عندما فكروا في هذا وجدوا أن أحسن طريقة هي أن يختاروا إلهاً بلا منهج ، لا يطلب منهم شيئاً ، ولذلك كل دعوة منحرفة تجد أنها تبيح ما حرم الله ، وتحل الإنسان من كل التكاليف الإيمانية كالصلاة والزكاة والجهاد وغيرها .
أما الذين آمنوا . فإنهم يعرفون أن الله سبحانه وتعالى إنما وضع منهجه لصالح الإنسان : فالله لا يستفيد من صلاتنا ولا من زكاتنا . ولا من منهج الإيمان شيئاً ، ولكننا نحن الذين نستفيد من رحمة الله . ومن نعم الله ومن جنته في الآخرة .
ولأن الذين آمنوا يعرفون هذا فإنهم يحبون الله حبا شديداً ، والذين كفروا رغم كل ما يدعون فإنهم ساعة العسرة يلجأون إلى الله سبحانه وتعالى باعتباره وحده الملجأ والملاذ . واقرأ قوله تبارك وتعالى : { وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ } [ يونس : 12 ]
لماذا لم يستدع الأنداد؟ لأن الإنسان لا يغش نفسه أبداً في ساعة الخطر ، ولأن هؤلاء يعرفون بعقولهم أنه لا يمكن أن يوجد لله أنداد . ولكنه يتخذهم لأغراض دنيوية . فإذا جاء الخطر . يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى . لأنه يعلم يقينا أنه وحده الذي يكشف الضر ، فحلاق الصحة الذي يعالج الناس دجلا . إذا مرض ابنه أسرع به إلى الطبيب لأنه يغش الناس . ولكنه لا يمكن أن يغش نفسه .
ولقد كان الأصمعي واقفاً عند الكعبة ، فسمع إعرابياً يدعو ويقول :
« يا رب أنت تعلم أني عاصيك وكان من حقك علي ألا أدعوك وأنا عاص . ولكني أعلم أنه لا إله إلا أنت فلمن أذهب . » فقال الأصمعي : يا
هذا إن الله يغفر لك لحسن مسألتك « .

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)

بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى لنا أن هؤلاء الذين يتخذون من دون الله أنداداً لا يعتمدون على منطق ولا عقل . ولكنهم يعتمدون على شهوات دنيوية عاجلة . أراد أن يأتي بالتحدي بالنسبة للقرآن الكريم المعجزة الخالدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يثبت لهم أن الله سبحانه وتعالى إذا كان قد جعل خلق الكون إعجازاً محسا . . فإن القرآن منهج معجز إعجازاً قيماً . . قال الله جل جلاله :
{ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ } الخطاب هنا لكل كافر ومنافق غير مؤمن ، لأن الذين آمنوا بالله ورسوله ليس في قلوبهم ريب ، بل هم يؤمنون بأن القرآن موحى به من الله ، مبلغ إلى محمد صلى الله عليه وسلم بالوحي المنزل من السماء .
والريب : هو الشك . وقوله تعالى : { إِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ } أي إن كنتم في شك . من أين يأتي هذا الشك والمعجزة تحيط بالقرآن وبرسوله صلى الله عليه وسلم ؟ ما هي مبررات الشك ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب ولم يعرف بالبلاغة والشعر بين قومه حتى يستطيع أن يأتي من عنده بهذا الكلام المعجز الذي لم يستطع فطاحل شعراء العرب الذين تمرسوا في البلاغة واللغة أن يأتوا بآيةٍ من مثله . هذه واحدة . والثانية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكذب أبداً ولم يعرف عنه كذب قبل تكليفه بالرسالة بل كانوا يلقبونه صلى الله عليه وسلم بالصادق الأمين . والذين كانوا يلقبون رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين اتهموه بأن هذا القرآن ليس من عند الله . أيصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام مع الناس . ويكذب على الله؟! . . هذا مستحيل .
الكلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن لم يكن أحد ليستطيع أن يأتي به من فطاحل علماء البلاغة العرب . والعلم الذي نزل في القرآن الكريم . لم يكن يعرفه بشر في ذلك الوقت . فكيف جاء النبي الأمي بهذا الكلام المعجز . وبهذا العلم الذي لا يعلمه البشر؟! لو جلس إلى معلم أو قرأ كتب الحضارات القديمة . لقالوا ربما استنبط منها ، ولكنه لم يفعل ذلك .
فمن أين دخل الريب إلى قلوبهم؟ لاشك أنه دخل من باب الباطل . والباطل لا حجة له . وبلا شك لقد فضحوا أنفسهم بأنهم لا يرتابون في القرآن ولكنهم كانوا يريدونه أن ينزل على سيد من سادة قريش . واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى : { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ]
وهؤلاء المرتابون لم يجدوا حجة يواجهون بها القرآن ، فقالوا ساحر ، وهل للمسحور إرادة مع الساحر؟ إذا كان ساحرا فلماذا لم يسحركم أنتم؟
وقالوا مجنون .

والمجنون يتصرف بلا منطق . . يضحك بلا سبب . ويبكي بلا سبب . ويضرب الناس بلا سبب . ولذلك رد الحق سبحانه عليهم بقوله تعالى : { ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم : 1-4 ]
فهل يكون المجنون على خلق عظيم؟ إذن فأسباب الريب كلها أو الأسباب التي تثير الشك غير موجودة . وغير متوافرة . ولا يوجد سبب حقيقي واحد يجعلهم يشكون في أن القرآن ليس من عند الله . ولكنهم هم القائلون كما يروي لنا الحق تبارك وتعالى : { وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الأنفال : 32 ]
إذن فكل أسباب الشك غير موجودة وأسباب اليقين هي الموجودة ومع ذلك ارتابوا وشكوا . وقوله سبحانه وتعالى :
{ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا }
فالقرآن الكريم وجد في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الإنسان ، وعندما جاء وقت مباشرته لمهمته في الكون نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا دفعة واحدة ثم أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بقدر ما احتاجت إليه المناسبات والأحداث .
إذن فقوله « نزلنا » أي نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا دفعة واحدة . وقوله تعالى « أنزل » أي أنزله آيات على محمد صلى الله عليه وسلم بحسب اقتضاء الأحداث والمناسبات .
الحق سبحانه وتعالى يقول : « على عبدنا » وهذه محتاجة إلى وقفة . فالله جل جلاله . له عبيد وله عباد . كل خلق الله في كونه عبيد لله سبحانه وتعالى . لا يستطيعون الخروج عن مشيئة الله أو إرادته . هؤلاء هم العبيد . ولكن العباد هم الذين اتحدت مراداتهم مع ما يريده الله سبحانه وتعالى . . تخلوا عن اختيارهم الدنيوي ، ليصبحوا طائعين لله باختيارهم ، أي أنهم تساووا مع المقهورين في أنهم اختاروا منهج الله وتركوا أي اختيار يخالفه .
هؤلاء هم العباد ، وإذا قرأت القرآن الكريم تجد أن الله سبحانه وتعالى يشير إلى العباد بأنهم الصالحون من البشر فيقول الحق تبارك وتعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } [ البقرة : 186 ]
هذا ليس لكل خلق الله ، ولكنه للعباد . الذين إذا قال الله تعالى لهم افعلوا فعلوا وإذا قال الله لا تفعلوا لم يفعلوا . أي أنهم لا يخالفون بقدرتهم على الاختيار منهج الله سبحانه وتعالى . ولذلك في الجهاد لا يقول الحق سبحانه وتعالى عن المجاهدين أنهم عبيد . بل يقول جل جلاله : { فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً } [ الإسراء : 5 ]
وبعض المستشرقين الذين يحاولون الطعن في القرآن الكريم يقولون أن كلمة عباد قد جاءت في وصف
غير المؤمن في قوله تعالى :

{ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل } [ الفرقان : 17 ]
نقول : إنكم لم تفهموا أن هذا ساعة الحساب في الآخرة ، وفي الآخرة كلنا عباد لأننا كلنا مقهورون فلا اختيار لأحد في الآخرة وإنما الاختيار البشري ينتهي ساعة الاحتضار ، ثم يصبح الإنسان بعد ذلك مقهوراً .
فنحن جميعا في الآخرة عباد ولكن الفرق بين العبيد والعباد هو في الحياة الدنيا فقط . والعبودية هي أرقى مراتب القرب من الله تعالى . لأنك تأتي إلى الله طائعاً . منفذاً للمنهج باختيارك . ولقد عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ملكاً رسولاً ، أو عبداً رسولا . فاختار أن يكون عبداً رسولا . وإذا أردنا أن نعرف معنى العبودية نقرأ في سورة الإسراء : { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } [ الإسراء : 1 ]
لنرى أنه في أعلى درجات الأنعام من الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم في المعجزة الكبرى التي لم تحدث لبشر قبله صلى الله عليه وسلم سواء كان رسولاً أو غير رسول ، ولن تحدث لبشر بعده . . ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد إلى السماوات السبع بالروح وبالجسد ثم عاد إلى الأرض . وتجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة جبريل فتجاوز سدرة المنتهى وهي المكان الذي ينتهي إليه علم خلق الله من البشر والملائكة المقربين .
وبشرية الرسول أخذت جدلاً كبيرا منذ بدأت الرسالات السماوية . وحتى عصرنا هذا . واقرأ قوله تعالى : { فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا } [ هود : 27 ]
وقوله تعالى : { فقالوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ } [ القمر : 24 ]
وقوله تعالى : { وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً } [ الإسراء : 94 ]
وقوله تعالى : { وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ } [ المؤمنون : 34 ]
إذن فبشرية الرسول اتخذت حجة للذين لا يريدون أن يؤمنوا والرسول مبلغ عن الله . ولابد أن يكون من جنس القوم الذين أرسل إليهم . ولابد أن يكون قد عاش بينهم فترة قبل الرسالة واشتهر بالأمانة والصدق حتى لا يكذبوه . وفي الوقت نفسه هو قدرة . ولذلك لابد أن يكون من جنس قومه . لأنه سيطبق المنهج عمليا أمامهم . ولو كان من جنس آخر لقالوا لا نطيق ما كلفتنا به يا رب . لأن هذا رسول الله مخلوق من غير مادتنا . ومقهور على الطاعة .
إذن فبشرية الرسول حتمية . وكل من يحاول أن يعطي الرسول صفة غير البشرية . إنما يحاول أن ينقص من كمالات رسالات الله ، والله سبحانه وتعالى ليس عاجزاً ، عن أن يحول البشر إلى ملائكة واقرأ قوله تعالى : { وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي الأرض يَخْلُفُونَ } [ الزخرف : 60 ]
إذن فبشر
ية الرسول هي من تمام الرسالة .

ثم يأتي التحدي من الله سبحانه وتعالى { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ } والمطلوب أن يأتي العرب بسورة من مثل ما جاء به القرآن الكريم .
الشهود الذين يطلب الله دعوتهم هم شهود ضعفاء . شهود من البشر وليست شهادة من الله بالغيب .
والله سبحانه وتعالى وضع في هذه الآية معظم الشكوك لنفحصها ، ولنصل فيما بعد ذلك إلى جوهر الإعجاز القرآني .
والحق سبحانه وتعالى تدرج في التحدي مع الكافرين . فطلب منهم أن يأتوا بمثل القرآن ، ثم طلب عشر سور من مثله . ثم تدرج في التحدي فطلب سورة واحدة . والنزل في التحدي من القرآن كله إلى عشر سور . إلى سورة واحدة . دليل ضد من تحداهم . فلا يستطيعون أن يأتوا بمثل القرآن ، فيقول : إذن فأتوا بعشر سور . فلا يستطيعون ويصبح موقفهم مدعاة للسخرية . فيقول : فأتوا بسورة . وهذا منتهى الاستهانة بالذين تحداهم الله سبحانه وتعالى وإثباتاً لأنهم لا يقدرون على شيء . وكلمة بمثل . معناها أن الحق سبحانه وتعالى يطلب المثيل ولا يطلب نص القرآن وهذا إمعان وزيادة في إظهار عجز القوم الذين لا يؤمنون بالله ويشككون في القرآن . وقوله تعالى : { وادعوا شُهَدَآءَكُم } .
معناه أن الله سبحانه وتعالى زيادة في التحدي يطالبهم بأن يأتوا هم بالشهداء ويعرضوا عليهم الآية ليحكم هؤلاء الشهود إذا كان ما جاءوا به مثل القرآن أم لا . أليس هذا إظهار منتهى القوة لله سبحانه وتعالى لأنه لم يشترط شهداء من الملائكة ولا شهداء من الذين اشتهر عنهم الصدق . وأنهم يشهدون بالحق . بل ترك الحق سبحانه لهم أن يأتوا بالشهداء وهؤلاء الشهداء لن يستطيعوا أن يشهدوا أن كلام هؤلاء المشككين يماثل سورة من القرآن .
الله سبحانه وتعالى طلب منهم أن يأتوا بأي شهداء متحيزين لهم . وأطلقها سبحانه وتعالى على كل أجناس الأرض فقال : { مِّن دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ولكن إياكم أن تقولوا يشهد الله بأن ما جئنا به مثل القرآن . لأنكم تكونون قد كذبتم على الله وادعيتم شيئا لم يقله سبحانه وتعالى .
ولكن ما معنى قوله تعالى : { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } صادقين في ماذا؟ وما هو الصدق؟ الصدق يقابل الكذب ، والصدق والكذب ، كل منهما نسبي . كلنا يعلم أن هناك كلاماً غير مفيد ، فإذا قلت محمد وسَكَتَّ فمن يسمعك سيسألك ، ماذا تقصد بقولك محمد؟ وسؤاله دليل على أنه لم يستفد شيئاً ، ولكنه لو سألك من عندك؟ وأجبت محمد فكأنك تخبره بأن عندك محمداً وهذه كلمة واحدة لكنك فهمتها بالمعنى الذي أخذته من كلام السائل . إذن فلا تقل كلمة واحدة ولكن قل كلاماً مفيداً . إذن فالكلام المفيد هو الذي يسكت السامع عليه .
وكل متكلم قبل أن ينطق بالكلام يكون عنده نسبة ذهنية لما سيقول ، يعبر عنها بنسبة كلامية . ولكن هناك نسبة خارجية ل
ما يقول تمثل الواقع .

أي أنك لو قلت محمد مجتهد فلابد أن يكون هناك شخص اسمه محمد . ولابد أن يكون مجتهداً فعلاً . لتتطابق النسبة الكلامية . مع النسبة الواقعية . فإذا لم يكن هناك شخص اسمه محمد . أو كان هناك شخص اسمه محمد ولكنه ليس مجتهداً ، فإن النسبة الكلامية تخالف النسبة الواقعية .
والصدق أن تتطابق النسبة الكلامية والنسبة الواقعية . « والكذب » ألا تتطابق النسبة الكلامية مع النسبة الواقعية . . هذا المفهوم ضرورة لعرض معنى الآية الكريمة .
إذن فقوله تعالى « صادقين » أي أن تتطابق النسبة الكلامية التي ستقولونها مع نسبة واقعية تستطيعون أن تدللوا عليها . فإن لم يحدث ذلك فأنتم كاذبون .
فالله سبحانه وتعالى يريد منكم الدليل عل
ى صدقكم .

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)

بعد أن تحدث الله سبحانه وتعالى عن الأدلة التي يستند إليها المشككون في القرآن الكريم . وهي أدلة لا تستند إلى عقل ولا إلى منطق . تحداهم بأن يأتوا بسورة مثل القرآن ، وأن يستعينوا بمن يريدون من دون الله ، لأن القرآن كلام الله ، والله سبحانه هو القائل . وبما أنهم يحاولون التشكيك في أن القرآن كلام الله . وأنه منزل من عند الله ، فليستعينوا بمن يريدون ليأتوا بآية من مثله ، لأن التحدي هنا لا يمكن أن يتم إلا إذا استعانوا بجميع القوى ما عدا الله سبحانه وتعالى .
ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك بالنتيجة قبل أن يتم التحدي . لأن الله سبحانه وتعالى يعلم أنهم لن يفعلوا ولن يستطيعوا .
إن قوله سبحانه : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ } معناه أنه حكم عليهم بالفشل وقت نزول القرآن وبعد نزول القرآن إلي يوم القيامة . لأن الله لا يخفى عن علمه شيء . فهو بكل شيء عليم . وكلمة « لم تفعلوا » عندما تأتي قد تثير الشك . فنحن نعرف أن مجيء إن الشرطية يثير الشك . . لأن الأمر لكي يتحقق يتعلق بشرط . وأنت إن قلت إن ذاكرت تنجح ، ففي المسألة شك . . أما إذا قلت كقول الحق { إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح } فمعنى ذلك أن نصر الله آت لا محالة .
و « إن » حرف و « إذا » ظرف ، وكل حدث يحتاج إلى مكان وزمن . فإذا جئت بأداة الشرط فمعنى ذلك أنك تقربها من عنصر تكوين الفعل والحدث . فإذا أردت أن تعبر عن شيء سيتحقق تقول إذا ، وإذا أردت أن تشكك فيه تقول « إن » والله سبحانه وتعالى قال « فإن لم تفعلوا » ولأن الفعل ممكن الحدث أراد أن يرجح الجانب المانع فقال « ولن تفعلوا » هذا أمر اختياري . فإذا تكلمت عن أمر اختياري ثم حكمت أنه لن يحدث . فكأن قدرتك هي التي منعته من الفعل . فلا يقال أنك قهرته على ألا يفعل . لا . علمت أنه لن يفعل . فاستعداداته لا يمكن أن تمكنه من الفعل .
وهذه أمور ضمن اخبارات القرآن الكريم في القضايا الغيبية التي أخبر عنها ، فعندما يقول الله سبحانه وتعالى { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ } معناه أنهم مصدقون ولكن ألسنتهم لا تعترف بذلك . وقوله تعالى « فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا » معناه أن الشك مفتعل في نفوسهم؛ هم لا يريدون أن يؤمنوا ولذلك يأتون بسبب مفتعل لعدم الإيمان . لقد استقر فكرهم على أنهم لا يؤمنون ، ومادام هذا هو ما قررتموه . فإنكم ستظلون تبحثون عن أسباب ملفقة لعدم الإيمان .
وقوله تعالى : { فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الن
اس والحجارة } .

الحق سبحانه وتعالى يريد هنا أن يلفتنا إلى صورة أخرى عن عجز هؤلاء الكفار . فهم بحثوا عن أعذار ، ليبرروا بها عدم إيمانهم وتظاهروا بأنهم يشكون في القرآن الكريم . يقول لهم : لو كانت لكم قدرة وذاتية فعلا فامنعوا أنفسكم من دخول النار يوم القيامة . كما منعتم انفسكم من الإيمان في الدنيا .
وهذا وعيد من الله . لقد أعطاهم ذاتية الاختيار في الدنيا ولم يختاروا قهراً بل اختاروا عدم الإيمان بمشيئة الاختيار التي أعطاه الله لهم . ولكن هناك وقت ليس فيه اختيار وهو الآخرة فحاولوا أن تتقوا في الآخرة عذاب النار يوم القيامة . ولكن لن يكون لأحد اختيار . فالله سبحانه وتعالى يقول في ذلك اليوم : { لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر : 16 ]
ويقول جل جلاله : { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } [ الانفطار : 19 ]
فإرادتكم التي منعتكم من الإيمان . . لن تقيكم يومئذ من عذاب النار ، واقرأ قوله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } [ الأنبياء : 98 ]
لماذا هم وما يعبدون؟ لأن العابد يرتجي نفع المعبود . فكأنهما عندما يرى كل منهما الآخر في العذاب . تكون الحسرة أشد . ولذلك فإن الحجارة والأصنام التي يعبدونها ستكون معهم في النار يوم القيامة . وليس هذا عقاباً للأحجار والأصنام . لأنها خلق مقهور لله مسبح له ، ولكن هذه الأصنام والأحجار تكون راضية وهي تحرق الذين كفروا بالله . وتقول : « عبدونا ونحن أعبد لله من المستغفرين بالأسحار » .
وقوله تعالى : { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } الله سبحانه وتعالى يخبرهم وهم في الدنيا ، أن النار أعدت للكافرين . وقوله تعالى النار أعدت للكافرين تطمين غاية الاطمئنان للمؤمن . وإرهاب غاية الإرهاب للكافر . . وقوله تعالى « أعدت » معناها أنها موجودة فعلاً وإن لم نكن نراها . وأنها مخلوقة وإن كانت محجوبة عنا .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
« عرضت عليّ الجنة ولو شئت أن آتيكم منها بقطاف لفعلت » .
وهذا دليل على أنها موجودة فعلاً .
والمؤمن حينما يعلم أن الجنة موجودة فعلاً وأن الإيمان سيقوده إليها فإنه يحس بالسعادة ويشتاق للجنة . فإذا سمع قول الحق سبحانه وتعالى : { أولئك هُمُ الوارثون * الذين يَرِثُونَ الفردوس هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [ المؤمنون : 10-11 ]
ساعة تقرأ هذه الآية الكريمة تعرف أن الله سبحانه وتعالى سيجعلك في الجنة تأخذ ما كان لغيرك . لأن الميراث يأتيك من غيرك . وقد سبق علم الله سبحانه وتعالى خلق الناس جميعاً . وقبل أن يخلق أعد لكل خلقه مقعداً في النار ومقعداً في الجنة . الذين سيدخلون النار خالدين فيها ، مقاعدهم في الجنة ستكون خالية ، فيأتي الله سبحانه وتعالى يعطيها للمؤمنين ليرثوها فوق مقاعدهم ومنازلهم في الجنة . والحق سبحانه عندما يقول
: « أعدت » فهي موجودة فعلاً .

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)

وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى لنا مصير الكافرين الذين يشككون في القرآن ليتخذوا من ذلك عذراً لعدم الإيمان . قال : إذا كنتم قد اخترتم عدم الإيمان ، بما أعطيتكم من اختيار في الدنيا ، فإنكم في الآخرة لن تستطيعوا أن تتقوا النار . ولن تكون لكم إرادة .
ثم يأتي الحق تبارك وتعالى بالصورة المقابلة . والقرآن الكريم إذا ذكرت الجنة يأتي الله بعدها بالصورة المقابلة وهي العذاب بالنار . وإذا ذكرت النار بعذابها ولهيبها ذكرت بعدها الجنة . وهذه الصورة المتقابلة لها تأثير على دفع الإيمان في النفوس . فإذا قرأ الإنسان سورة للعذاب ثم جاء بعدها النعيم فإنه يعرف أنه قد فاز مرتين . فالذي يزحزح عن النار ولا يدخلها يكون ذلك فوزاً ونعمة ، فإذا دخل الجنة تكون نعمة أخرى ، ولذلك فإن الله تعالى يقول : { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } [ آل عمران : 185 ]
ولم يقل سبحانه ومن أدخل الجنة فقد فاز . لأن مجرد أن تزحزح عن النار فوز عظيم . . وفي الآخرة . وبعد الحساب يضرب الصراط فوق جهنم ، ويعبر من فوقه المؤمنون والكافرون . فالمؤمنون يجتازون الصراط المستقيم كل حسب عمله منهم من يمر بسرعة البرق . ومنهم من يمر أكثر بطأً وهكذا ، والكافرون يسقطون في النار . ولكن لماذا يمر المؤمنون فوق الصراط . والله سبحانه وتعالى قال : { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً } [ مريم : 71-72 ]
لأن مجرد رؤية المؤمنين لجهنم نعمة كبرى ، فحين يرون العذاب الرهيب الذي أنجاهم الإيمان منه يحس كل منهم بنعمة الله عليه . أنه أنجاه من هذا العذاب . وأهل النار وأهل الجنة يرى بعضهم بعضاً . فأهل الجنة حينما يرون أهل النار يحسون بعظيم نعمة الله عليهم . إذ أنجاهم منها ، وأهل النار حين يرون أهل الجنة يحسون بعظيم غضب الله عليهم أن حرمهم من نعيمه ، فكأن هذه الرؤية نعيم لأهل الجنة وزيادة في العذاب لأهل النار . . والله سبحانه وتعالى يقول :
« وبشر » والبشارة هي الأخبار بشيء سار قادم لم يأت وقته بعد . فأنت إذا بشرت إنساناً بشيء أعلنته بشيء سار قادم . والبشارة هنا جاءت بعد الوعيد للكافرين .
والإنذار هو اخبار بأمر مخيف . لم يأت وقته بعد .
ولكن البشارة تأتي أحيانا في القرآن الكريم ويقصد بها الكفار . واقرأ قوله تعالى : { وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الجاثية : 7-8 ]
البشارة هنا تهكمية من الله سبحانه وتعالى . فالحق تبارك وتعالى يريد أن يزيد عذاب الكفار ، فعندما يسمعون كلمة « فبشرهم » يعتقدون أنهم سيسمعون خبراً ساراً ، فيأتي بعدها العذاب الأليم
ليزيدهم غما على غم .

يقول الحق سبحانه وتعالى : { وَبَشِّرِ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } .
البشرى هنا إعلام بخير قادم للمؤمنين ، والإيمان هو الرصيد القلبي للسلوك . لأن من يؤمن بقضية يعمل من أجلها ، التلميذ يذاكر لأنه مؤمن أنه سينجح ، وكل عمل سلوكي لابد أن يوجد من ينبوع عقيدي . والإيمان أن تنسجم حركة الحياة مع ما في القلب وفق مراد الله سبحانه وتعالى : ونظام الحياة لا يقوم إلا على إيمان . . فكأن العمل الصالح ينبوعه الإيمان . ولذلك يقول القرآن الكريم : { والعصر * إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } [ العصر : 1-3 ]
وفي آية أخرى : { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المسلمين } [ فصلت : 33 ]
ولكن هل يكفي الإعلان عن كوني من المسلمين؟ لا بل لابد أن يقترن هذا الإعلان بالعمل بمرادات الله سبحانه وتعالى .
الحق سبحانه وتعالى يُريدُ أن يلفتنا . . إلى أن قولنا « لا إله إلا الله محمد رسول الله » . . لابد أن يصاحبه عمل بمنهج الإسلام . . ذلك أن نطقنا بالشهادة لا يزيد في ملك الله شيئا . . فالله تبارك وتعالى شهد بوحدانية ألوهيته لنفسه ، وهذه شهادة الذات للذات . . ثم شهد الملائكة شهادة مشهد لأنهم يرونه سبحانه وتعالى . . ثم شهد أولو العلم شهادة دليل بما فتح عليهم الله جل جلاله من علم . . وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط لاَ إله إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم } [ آل عمران : 18 ]
ولكن الحق سبحانه وتعالى يريد من المؤمنين أن يعملوا بالمنهج . . لماذا؟ . . حتى لا تتعاند حركة الحياة بل تتساند . . ومادامت حركة الحياة مستقيمة . . فإنها تصبح حياة متساندة وقوية . . وعندما انتشر الإسلام في بقاع الأرض لم يكن الهدف أن يؤمن الناس فقط لمجرد الإيمان . . ولكن لابد أن تنسجم حركة الحياة مع منهج الإسلام . . فإذا ابتعدت حركة الحياة عن المنهج . . حينئذ لا يخدم قضية الدين أن يؤمن الناس أو لا يؤمنوا . . ولذلك لابد أن ينص على الإيمان والعمل الصالح . . { والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } . . والصالحات هي جمع صالحة . . والصالحة هي الأمر المستقيم مع المنهج ، وضدها الفساد . . وحين يستقبل الإنسان الوجود . . فإن أقل الصالحات هو أن يترك الصالح على صلاحه أو يزيده صلاحا .
الحق تبارك وتعالى يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات تجري من تحتها الأنهار . . والجنات جمع جنة ، وهي جمع لأنها كثيرة ومتنوعة . . وهناك درجات في كل جنة أكثر من الدنيا . . واقرأ قوله تبارك وتعالى : { انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } [ الإسراء : 21 ]
الجنات نفسها متنوعة . . فهناك جنات الفردوس ، وجن
ات عدن ، وجنات نعيم .

. وهناك دار الخلد ، ودار السلام ، وجنة المأوى . . وهناك عِلِّيُون الذي هو أعلى وأفضل الجنات . . وأعلى ما فيها التمتع برؤية الحق تبارك وتعالى . . وهو نعيم يعلو كثيرا عن أي نعيم في الطعام والشراب في الدنيا . .
والطعام والشراب بالنسبة لأهل الجنة لا يكون عن جوع أو ظمأ . . وإنما عن مجرد الرغبة والتمتع . والله جل جلاله في هذه الآية يَعدُ بأمرٍ غيبي . . ولذلك فإنه لكي يقرب المعنى إلى ذهن البشر . . لابد من استخدام ألفاظ مشهودة وموجودة . . أي عن واقع نشهده . واقرأ ، قوله تبارك وتعالى : { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ السجدة : 17 ]
إذن ما هو موجود في الجنة لا تعلمه نفس في الدنيا . . ولا يوجد لفظ في اللغة يعبر عنه . . ولا ملكة من ملكات المعرفة كالسمع والنظر قد رأته . . ولذلك استخدم الحق تبارك وتعالى الألفاظ التي تتناسب مع عقولنا وإدراكنا . . فقال تعالى : { جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } . .
على أن هناك آيات أخرى تقول : { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } ما الفرق بين الاثنين . . تجري تحتها الأنهار . . أي أن نبع الماء من مكان بعيد وهو يمر من تحتها . . أما قوله تعالى : { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } فكأن الأنهار تنبع تحتها . . حتى لا يخاف إنسان من أن الماء الذي يأتي من بعيد يقطع عنه أو يجف . . وهذه زيادة لاطمئنان المؤمنين أن نعيم الجنة باق وخالد . .
ومادام هناك ماء فهناك خضرة ومنظر جميل ولابُدّ أَنْ يكون هناك ثمر . . وفي قوله تعالى : { كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً } . . حديث عن ثمر الجنة . . وثمر الجنة يختلف عن ثمر الدنيا . . إنك في الدنيا لابد أن تذهب إلى الثمرة وتأتي بها أو يأتيك غيرك بها . . ولكن في الجنة الثمر هو الذي يأتي إليك . . بمجرد أن تشتهيه تجده في يدك . . وتعتقد أن هناك تشابها بين ثمر الدنيا وثمر الجنة . . ولكن الثمر في الجنة ليس كثمر الدنيا لا في طعمه ولا في رائحته . . وإنما يرى أهل الجنة ثمرها ويتحدثون يقولون ربما تكون هذه الثمرة هي ثمرة المانجو أو التين الذي أكلناه في الدنيا . . ولكنها في الحقيقة تختلف تماما . . قد يكون الشكل متشابها ولكن الطعم وكل شيء مختلف . .
في الدنيا كل طعام له فضلات يخرجها الإنسان . . ولكن في الآخرة لا يوجد لطعام فضلات بل أن الإنسان يأكل كما يشاء دون أن يحتاج إلى إخراج فضلات ، وذلك لاختلاف ثمار الدنيا عن الآخرة في التكوين . .
إذن ففي الجنة الأنهار مختلف
ة والثمار مختلفة .

. والجنة يكون الرزق فيها من الله سبحانه وتعالى الذي يقول « للشيء كن فيكون » . . ولا أحد يقوم بعمل . ثم يقول الحق تبارك وتعالى : { وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }
الزوجة هي متعة الإنسان في الدنيا إن كانت صالحة . . والمنغصة عليه إن كانت غير صالحة . . وهناك منغصات تستطيع أن تضعها المرأة في حياة زوجها تجعله شقيا في حياته . . كأن تكون سليطة اللسان أو دائمة الشجار . . أولا تعطي اهتماما لزوجها أو تحاول إثارته بأن تجعله يشك فيها . . أما في الآخرة فتزول كل هذه المنغصات وتزول بأمر الله . فالزوجة في الآخرة مطهرة من كل ما يكرهه الزوج فيها ، وما لم يحبه في الدنيا يختفي . فالمؤمنون في الآخرة مطهرون من كل نقائص الدنيا ومتاعبها وأولها الغل والحقد . . واقرأ قوله جل جلاله : { وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ } [ الحجر : 47 ]
فمقاييس الدنيا ستختفي وكل شيء تكرهه في الدنيا لن تجده في الآخرة . . فإذا كان أي شيء قد نغص حياتك في الدنيا فإنه سيختفي في الآخرة . . والحق تبارك وتعالى ضرب المثل بالزوجات لأن الزوجة هي متعة زوجها في الدنيا . . وهي التي تستطيع أن تحيل حياته إلى نعيم أو جحيم . .
وقوله تعالى : { وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } . . أي لا موت في الآخرة ولن يكون في الآخرة وجود للموت أبدا ، وإنما فيها الخلود الدائم إما في الجنة وإما ف
ي النار .

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)

بعد أن تحدث الحق تبارك وتعالى عن الجنة . . وأعطانا مثلا يقرب لنا صور النعيم الهائلة التي سينعم بها الإنسان في الجنة . . أراد أن يوضح لنا المنهج الإيماني الذي يجب أن يسلكه كل مؤمن . . ذلك أن الله سبحانه وتعالى لا يكلف كافرا بعبادته . . ولكن الإنسان الذي ارتضى دخول الإيمان بالله جل جلاله قد دخل في عقد إيماني مع الله تبارك وتعالى . . ومادام قد دخل العقد الإيماني فأنه يتلقى عن الله منهجه في افعل ولا تفعل . . وهذا المنهج عليه أن يطبقه دون أن يتساءل عن الحكمة في كل شيء . . ذلك أن الإيمان هو إيمان بالغيب . . فإذا كان الشيء نفسه غائبا عنا فكيف نريد أن نعرف حكمته . .
إن حكمة أي تكليف إيماني هي : أنه صادر من الله سبحانه وتعالى ، ومادام صادرا من الله فهو لم يصدر من مُساوٍ لك كي تناقشه ، ولكنه صادر من إله وجبت عليك له الطاعة لأنه إله وأنت له عابد . . فيكفي أن الله سبحانه وتعالى قال افعل حتى نفعل . . ويكفي أنه قال لا تفعل حتى لا نفعل . .
الحكمة غائبة عنك . . ولكن صدور الأمر من الله هو الحكمة ، وهو الموجب للطاعة . . فأنا أصلي لأن الله فرض الصلاة ، ولا أصلي كنوع من الرياضة . . وأنا أتوضأ لأن الله تبارك وتعالى أمرنا بالوضوء قبل الصلاة . . ولكنني لا أتوضأ كنوع من النظافة . . وأنا أصوم لأن الله أمرني بالصوم . . ولا أصوم حتى أشعر بجوع الفقير . . لأنه لو كانت الصلاة رياضة لاستبدلناها بالرياضة في الملاعب . . ولو أن الوضوء كان نظافة لقمنا بالاستحمام قبل كل صلاة . . ولو أن الصوم كان لنشعر بالجوع ما وجب على الفقير أن يصوم لأنه يعرف معنى الجوع . .
إذن فكل تكاليف من الله نفعلها لأن الله شرعها ولا نفعلها لأي شيء آخر . . وكل ما يأتينا من الله من قرآن نستقبله على أنه كلام الله ولا نستقبله بأي صيغة أخرى . . ذلك هو الإيمان الذي يريد الله منا أن نتمسك به ، وأن يكون هو سلوك حياتنا .
تلك مقدمة كان لابد منها إذا أردنا أن نعرف معنى الآية الكريمة : { إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } وعندما ضرب الله مثلا بالبعوضة . . استقبله الكفار بالمعنى الدنيوي دون أن يفطنوا للمعنى الحقيقي . . قالوا كيف يضرب الله مثلا بالبعوضة ذلك المخلوق الضعيف . . الذي يكفي أن تضربه بأي شيء أو بكفك فيموت؟ . لماذا لم يضرب الله تبارك وتعالى مثلا بالفيل الذي هو ضخم الجثة ش
ديدة القوة .

. أو بالأسد الذي هو أقوى من الإنسان وضرب لنا مثلا بالبعوضة فقالوا : « ماذا أراد الله بهذا مثلا » . . ولم يفطنوا إلى أن هذه البعوضة دقيقة الحجم خلقها معجزة . . لأن في هذا الحجم الدقيق وضع الله سبحانه وتعالى كل الأجهزة اللازمة لها في حياتها . . فلها عينان ولها خرطوم دقيق جدا ولكنه يستطيع أن يخرق جلد الإنسان . . ويخرج الأوعية الدموية التي تحت الجلد ليمتص دم الإنسان . .
والبعوضة لها أرجل ولها أجنحة ولها دورة تناسلية ولها كل ما يلزم لحياتها . . كل هذا في هذا الحجم الدقيق . . كلما دق الشيء احتاج إلى دقة خلق أكبر . .
ونحن نشاهد في حياتنا البشرية أنه مثلا عندما اخترع الإنسان الساعة . . كان حجمها ضخما لدرجة أنها تحتاج إلى مكان كبير . . وكلما تقدمت الحضارة وارتقى الإنسان في صناعته وحضارته وتقدمه ، أصبح الحجم دقيقا وصغيرا ، وهكذا أخذت صناعة الساعات تدق . . حتى أصبح من الممكن صنع ساعة في حجم الخاتم أو أقل . . وعندما بدأ اختراع المذياع أو الراديو كان حجمه كبيرا . . والآن أصبح في غاية الدقة لدرجة أنك تستطيع أن تضعه في جيبك أو أقل من ذلك . . وفي كل الصناعات عندما ترتقي . . يصغر حجمها لأن ذلك محتاج إلى صناعة ماهر وإلى تقدم علمي . .
وهكذا حين ضرب الله مثلا بالبعوضة وما فوقها . . أي بما هو أقل منها حجما . . فإنه تبارك وتعالى أراد أن يلفتنا إلى دقة الخلق . . فكلما لطف الشيء وصغر حجمه احتاج إلى دقة الخلق . . ولكن الكفار لم يأخذوا المعنى على هذا النحو وإنما أخذوه بالمعنى الدنيوي البسيط الذي لا يمثل الحقيقة .
فالله سبحانه وتعالى حينما ضرب هذا المثل . . استقبله المؤمنون بأنه كلام الله . . واستقبلوه بمنطق الإيمان بالله فصدقوا به سواء فهموه أم لم يفهموه . . لأن المؤمن يصدق كل ما يجيء من عند الله سواء عرف الحكمة أو لم يعلمها . . واقرأ قوله تبارك وتعالى : { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ على عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خسروا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } [ الأعراف : 52-53 ]
إن كل مصدق بالقرآن لا يطلب تأويله أو الحكمة في آياته . . ولذلك قال الكافرون : { مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً } ويأتي رد الحق تبارك وتعالى : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } . . ومن هم الفاسقون؟ . . هم الذين ينقضون عهد الله . . أول شيء في الفسق أن ينق
ض الفاسق عهده .

. ويقال فسقت الرطبة أي بعدت القشرة عن الثمر . . فعندما تكون الثمرة أو البلحة حمراء تكون القشرة ملتصقة بالثمرة بحيث لا تستطيع أن تنزعها منها . . فإذا أصبحت الثمرة أو البلحة رطبا تسود قشرتها وتبتعد عن الثمرة بحيث تستطيع أن تنزعها عنها بسهولة . . هذا هو الفاسق المبتعد عن منهج الله . . ينسلخ عنه بسهولة ويسر ، لأنه غير ملتصق به . . وعندما تبتعد عن منهج الله فإنك لا ترتبط بأوامره ونواهيه . . فلا تؤدي الصلاة مثلا وتفعل ما نهى الله عنه لأنك فسقت عن دينه . . والذي أوجد الفسق هو أن الإنسان خلق مختارا . . قادرا على أن يفعل أو لا يفعل . . وبهذا الاختيار أفسد الإنسان نظام الكون . . فكل شيء ليس للإنسان اختيار فيه تراه يؤدي مهمته بدقة عالية كالشمس والقمر والنجوم والأرض . . كلها تتبع نظاما دقيقا لا يختل لأنها مقهورة . . ولو أن الإنسان لم يخلق مختارا . . لكان من المستحيل أن يفسق . . وأن يبتعد عن منهج الله ويفسد في الأرض . . ولكن هذا الاختيار هو أساس الفساد كله .

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)

بعد أن شرح الله لنا مفهوم الإيمان . في أننا نتلقى عن الله وننفذ الحكم ولو لم نعرف الحكمة . فكل ما يأتي من الله نأخذه بمنطق الإيمان ، وهو أن الله الذي قال . وليس بمنطق الكفر والتشكك . فكل شيء عن الله حكمته أنه صادر عن الحق سبحانه وتعالى .
وأخبرنا الحق تبارك وتعالى أن الفاسقين هم المبتعدون عن منهج الله . وأراد الحق أن يبين لنا صفات الفاسقين . فحددها في ثلاث صفات . . أولا : الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه . . ثانيا الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل . ثالثا : الذين يفسدون في الأرض . ثم حدد لنا الحق تبارك وتعالى حكمهم فقال : أولئك هم الخاسرون . والخسران أن الذي وصلوا إليه هو من عملهم . لأنهم تركوا المنهج وبدأوا يشرعون لأنفسهم بهوى النفس . ولذلك يقول الحق جل جلاله عنهم : { أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } [ البقرة : 16 ]
إذن هم الذين اختاروا ، وهم الذين اشتروا الضلالة ودفعوا ثمنها من هدى الله . فكأنهم عقدوا صفقة خاسرة . لأن هدى الله هو الذي يقودنا إلى الحياة الخالدة والنعيم الذي لا يزول .
والحق سبحانه وتعالى يعطينا الصورة في قوله تعالى : { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التوراة والإنجيل والقرآن وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم } [ التوبة : 111 ]
إذن فالمؤمنون باعوا لله سبحانه وتعالى أموالهم وأنفسهم ، وكانوا صادقين في عهدهم . أما الكفار والمنافقون ، فقد باعوا هدى الله ، واشتروا به ضلال الدنيا . فالحق سبحانه وتعالى ذكر لنا أول صفات الفاسقين أنهم لا عهد لهم . ليس بينهم وبين الناس فقط . ولكن لا عهد لهم مع الله أيضا . وكلما عاهدوا الله عهدا نقضوه . والله يحب الوفاء بالعهد . ولذلك يقول جل جلاله : { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً } [ الإسراء : 34 ]
ويقول تعالى : { وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ } [ الأعراف : 102 ]
ما هو العهد الموثق الذي أخذه الله على عباده فنقضوه؟ أنه الإيمان الأول . الإيمان الفطري الموجود في كل منا . فالله سبحانه وتعالى أخذ من البشر جميعا عهدا ، فوفى به بعضهم ونقضه بعضهم .
والله سبحانه وتعالى ذكر لنا في القرآن الكريم . أن هناك عهدا موثقا بينه وبين ذرية آدم . فقال جل جلاله : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بني ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ } [ الأعراف : 172 ]
وهكذا أخذ الله عهدا على ذرية آدم بأن يؤمن
وا به وأشهدهم أنه ربهم .

وجاءت الغفلة إلى القلوب بمرور الوقت . فنقضوا العهد واتخذوا آلهة من دون الله . إذن أول صفات الفاسقين أنهم نقضوا عهد الله . والذي ينقض عهدا مع بشر ، فسلوكه هذا لا يقبله الحق سبحانه وتعالى حتى مع الكفار وغير المؤمنين . واقرأ قوله تبارك وتعالى : { إِلاَّ الذين عَاهَدتُّم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } [ التوبة : 4 ]
وهكذا نرى أن الحق تبارك وتعالى حين أعلن براءته وبراءة رسوله صلى الله عليه وسلم وبراءة المؤمنين من كل كافر مشرك في قضية إيمانية كبرى . حرم الله فيها على الكفار والمنافقين أن يقتربوا من بيته الحرام في مكة ، احترم جل جلاله العهد . حتى مع المشركين . وطلب من المؤمنين أن يوفوا به . فإذا كان هذا هو المسلك الإيماني مع كل كافر ومشرك إن كنت قد عاهدته عهدا فأوف به إلى مدته . فكيف بالمشركين وقد عاهدوا الخالق الأعظم . ثم ينقضون عهده الموثق . أنهم قد خانوا منهج الله وعهده . وإذا لم يكن لهم عهد مع الله سبحانه وتعالى فهل يكون لهم عهد مع خلق الله؟!
إذن فالفاسقون أول صفاتهم أنه لا عهد لهم مع خالقهم ولا عهد لهم مع الناس . ولذلك لا نأمن لهم أبدا .
ثم تأتي بعد ذلك الصفة الثانية للفاسقين في قوله تعالى :
{ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } وما أمر الله به أن يوصل هو صلة الرحم . فقد أمرنا الله تعالى بأن نصل أرحامنا . فنحن كلنا أولاد آدم . والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع « كلكم لآدم وآدم من تراب » .
وهكذا نرى أن هناك روابط إنسانية يلفتنا الله سبحانه وتعالى إليها . وهذه الروابط . . تبدأ بالأسرة ثم تتسع لتشمل القرية أو الحي . ثم تتسع لتشمل الدولة والمجتمع ، ثم تتسع لتشمل المؤمنين جميعا ، ثم تتسع لتشمل العالم كله . هذه هي الأخوة الإنسانية التي يريد الحق تبارك وتعالى أن يلفتنا إليها .
ولكن اللفتة هنا لا تقتصر على الناحية الإنسانية ، بل تسجل أن ما فعلوا معصية ، ومخالفة لأمر الله تعالى . فالله أمر بأن نصل الرحم . وجاء هؤلاء وخالفوا وعصوا ما أمر الله به . وقطعوا هذه الصلة . إذن فالمسألة فيها مخالفة لمنهج ، وعصيان لأمر من أوامر الله سبحانه وتعالى . فصلة الرحم توجد نوعا من التكافل الاجتماعي بين البشر . فإذا حدث لشخص مصيبة . . أسرع أقاربه يقفون معه في محنته . ويحاول كل منهم أن يخفف عنه . هذا التلاحم بين الأسرة يجعلها قوية في مواجهة الأحداث . ولا يحس واحد منها بالضياع في هذا الكون ، لأنه متماسك مع أسرته ، متماسك مع حيه أو قريته . هكذا يختفي الحقد من المجتمع . ويختفي التفكك الأسري . .
ولعلنا إذا نظرنا إلي المجتمعات الغربية التي
يعتريها تفكك الأسرة .

نجد أن كل واحد منهم قد ضل طريقه وانحرف لأنه أحس بالضياع . فانحرف إلى المخدرات أو إلى الخمر أو إلى الزنا وغير ذلك من الرذائل التي نراها . جيل ضائع . من الذي أضاعه؟ عدم صلة الرحم .
وإذا تحدثنا عن الانحرافات التي نراها بين الشباب اليوم فلا نلوم الشباب ، ولكن نلوم الآباء والأمهات الذين تركوا أولادهم وبناتهم وأهدروا صلة الرحم . فشب جيل يعاني من عقد نفسية لا حدود لها ، إن الابن الذي يفقد جو الأسرة . يفقد ميزان حياته . والله سبحانه وتعالى يريد المؤمنين متضامنين متحابين خالين من كل العقد التي تحطم الحياة . إذن فعدم صلة الرحم تضيع أجيالا بأكملها .
ونأتي بعد ذلك إلي الصفة الثالثة من صفات الفاسقين بقوله تعالى : { وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض } . نقول : كل ما في الكون مخلوق على نظام : « قَدَّرَ فَهَدَى » أي كل شيء له هدى لابد أن يتبعه . ولكن الإنسان جاء في مجال الاختيار وأفسد قضية الصلاح في الكون .
ومن رحمة الله أنه جعل في كونه خلقا يعمل مقهورا . ليضبط حركة الكون الأعلى . فالشمس والنجوم والأرض وكل الكون ما عدا الإنس والجان . يسير وفق نظام دقيق . لماذا؟ لأنه يسير بلا اختيار له . والحق جل جلاله أخبرنا بأنه لكي يعتدل ميزان حياتنا . الاختيار الإنساني أن نبتعد عن منهج الله . لأن الله له صفة القهر . فهو يستطيع أن يخلقنا مقهورين ، ولكنه أعطانا الاختيار حتى نأتيه عن حب . وليس عن قهر . فأنت تحب الشهوات ولكنك تحب الله أكثر . فتقيد نفسك بمنهج الله . إذن فالاختيار لم يُعْطَ لنا لِنُفْسِدَ في الأرض . ولكنه أُعْطي لنا . لنأتي الله سبحانه وتعالى طائعين ولسنا مقهورين .
ولذلك فكل منا مختار في أن يؤمن أو لا يؤمن . وهذا الاختيار يثبت محبوبية الله سبحانه وتعالى في قلوبنا . ولكن الإنسان بدلا من أن يأخذ الاختيار ليأتي الله عن حب . فينال الجزاء الأعظم . أخذه ليفسد في الأرض . .
والفساد أن تنقل مجال افعل ولا تفعل . فتضع هذه مكان هذه . فينقلب الميزان أي أنك فيما قال الله فيه افعل . لا تفعل ، وفيما قال لا تفعل . تفعل . .
فتكون قد جعلت ميزان حياتك معكوسا . لماذا؟ لأننا غير محكومين بقاعدة كلية تنظم حياة الناس . فكل واحد سيضع قاعدة له . وكل واحد لن يفعل ما عليه . فيحدث تصادم في الحياة . وكل فساد يشكل قبحا في الوجود . فهب أنك تسير في الطريق . وترى عمارة مبنية حديثا . قد تسربت المياه من مواسيرها . عندما ترى ذلك تتأذى . لأن هناك قبحا في الوجود . في عدم أمانة إنسان في عمله . إذن فحين يفسد عامل واحد . بعدم الإخلاص في عمله . يفقد الكون نعمة يحبها الله . في أن ترى الشيء الجميل . فتقول : الله . .
فكل إنس
ان غير أمين في عمله .

يفسد في الكون . وكل إنسان غير أمين في خلقه يفسد في الكون . ويعتدي على حرمات الآخرين وأموالهم . وهذا يجعل الكون قبيحا ، فلا يوجد إنسان يأمن على عرضه وماله . .
لقد أراد المعتدي أن يحقق ما ينفع به نفسه عاجلا . ولكنه أحدث فسادا في الكون كذلك عندما يغش التاجر الناس . وعندما يكتسب الإنسان المال بالنهب والسرقة . فيفتح الله عليه أسوأ مصارف المال في الوجود . فهو أخذ الحسرة بالفساد في الأرض .
والفساد في الأرض أن تخرج الشيء عن حد اعتداله . فتسرف في شهواتك وتسرف في أطماعك . وتسرف في عقابك للناس . وتسرف باعتدائك على حقوق الغير . والفساد في الأرض . أن يوجد منهج مطبق غير منهج الله .
إن غياب منهج الله معناه أن يصبح كل منا عبد أهوائه . وإذا صارت الأمور حسب أهواء الناس . جاءت لهم حركة الحياة بالشقاء والشر بدلا من السعادة والأمن . أن ما نراه اليوم من شكوى الناس علامة على الفساد .
لأن معناها أن الناس تعاني ولا أحد يتحرك . ليرفع أسباب هذه الشكوى . ولن يستقيم أمر هذا الوجود ، ويتخلص من الفساد إلا إذا حكمنا منهج لا هوى له . والذي لا هوى له هو خالق البشر . واضع ميزان الكون .
وأول مظاهر الفساد . أن يوكل الأمر إلى غير أهله . لأنه إذا أعطى الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة . كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : « إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة » .
لماذا؟ لأن المجتمع حينئذ يكون مبنيا على النفاق واختلال الأمور ، لا على الإتقان والإخلاص . فالذي يجيد النفاق هو الذي يصل إلى الدرجات العلا ، والذي يتقن عمله لا يصل إلى شيء . وتكون النتيجة أن مجموعة من المنافقين الجهلة هم الذين يسيرون الأمور بدون علم . والفساد في الأرض هو أن يضيع الحق . ويضيع القيم . ويصبح المجتمع غابة . كل إنسان يريد أن يحقق هواه بصرف النظر عن حقوق الآخرين . ويحس من يعمل ولا يصل إلى حقه . . أنه لا فائدة من العمل ، فيتحول المجتمع كله إلى مجموعة من غير المنتجين .
والفساد في الأرض هو أن نجعل عقولنا هي الحاكمة . فلا نتأمل في ميزان الكون الذي خلقه الله ، وإنما نمضي بعقولنا نخطط . . فنقطع الأشجار ونرمي مخلفات المصانع في الأنهار فنفسدها . ونأتي بالكيماويات السامة نرش بها الزرع أو مجاري المياه والأنهار كما يحدث الآن فنملؤه سُما ثم نأكله ثم نجد التلوث قد ملأ الكون . وطبقة الأوزون قد أصابها ضرر واضح يعرض حياة البشر على الأرض لأخطار كبيرة . وتفسد مياه الأنهار . ولا تصبح صالحة للشرب ولا للري . ويضيع الخير من الدنيا بالتدريج . والفساد في الأرض . هو أن ينتشر الظلم . وتصبح الحياة سلسلة لا تنتهي من الشقاء . والفساد في الأرض
هو أن تضيع الأمانة .

فتفسد المعاملات بين الناس . وتضيع الحقوق .
هذه هي بعض أوجه الفساد في الأرض . والله سبحانه وتعالى قد وضع قانونا كليا ، هو منهجه ليتعامل به الناس . ولكن الناس تركوه . ومشوا يتخبطون في ظلام الجهل . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من استعمل رجلا من عصابة ، وفيهم من هو أرضى لله منه ، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين »
وهكذا يكون مدى حرص الإسلام على استقامة أمور الناس .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى : { أولئك هُمُ الخاسرون }
خسروا ماذا؟ خسروا دنياهم وآخرتهم وخسروا أنفسهم . لأن الإنسان له حياتان . . حياة قصيرة في الدنيا مليئة بالمتاعب . وحياة طويلة خالدة في الآخرة . والذي يبيع الحياة الأبدية ونعيمها وخلودها بحياة الدنيا التي لا يضمن فيها شيئا ، يكون من الخاسرين . . فعمر الإنسان قد يكون يوما أو شهرا أو عاما . والحياة الدنيا مهما طالت فهي قصيرة . ومهما أعطت فهو قليل . فالذي يبيع آخرته بهذه الدنيا ، أيكون رابحا أم خاسرا؟ طبعا يكون خاسرا . لأنه اشترى مالا يساوي بنعيم الله كله . .
وإذا كان الإنسان قد نسي الله سبحانه وتعالى وهو لاقيه حتما . ثم يبعث يوم القيامة ليجده أمامه . فيوفيه حسابه . أيكون قد كسب أم خسر؟! . . طبعا يكون خاسرا . لأنه أوجب على نفسه عذاب الله . وأوجب على نفسه عقاب الله .
إن قوله تعالى : « الخاسرون » تدل على أن الصفقة انتهت وضاع كل شيء لأن نتيجتها كانت الخسران ، وليس الخسران موقوتا ، ولا هو خسران يمكن أن يعوض في الصفقة القادمة . بل هو خسران أبدي ، والندم عليها سيكون شديدا . واقرأ قوله تبارك وتعالى : { إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً } [ النبأ : 40 ]
لماذا يتمنى الكافر أن يكون ترابا؟ لهول العذاب الذي يراه أمامه . وهول الخسران الذي تعرض له . وهذا دليل على شدة الندم . يوم لا ينفع الندم . على أنه سبحانه وتعالى تحدث في هذه الآية عن الخاسرين . ولكنه جل جلاله . تحدث في آية أخرى عن الأخسرين . فقال تعالى : { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً * الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أولئك الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً } [ الكهف : 103-105 ]
إذن فهناك خاسر . وهناك من أخسر منه . والأخسر هو الذي كفر بالله جل جلاله . وبيوم القيامة . واعتقد أن حياته في الدنيا فقط . ولم يكن الله في باله وهو يعمل أي عمل ، بل كانت الدنيا هي التي تشغله . ثم فوجئ بالحق سبحانه وتعالى يوم القيامة . ولم يحتسب له أية حسنة ، لأنه كان يقصد بحسناته الحياة الدنيا . فلا يوجد له رصيد في الآخرة .
والعجيب أنك ترى الناس . يعدون
للحياة الدنيا إعدادا قويا .

فيرسلون أولادهم إلى مدارس لغات . ويتحملون في ذلك مالا يطيقون . ثم يدفعونهم إلى الجامعات . أو إلى الدراسة في الخارج . هم في ذلك يعدونهم لمستقبل مظنون . وليس يقينا . لأن الإنسان يمكن أن يموت وهو شاب . فيضيع كل ما أنفقوه من أجله . ويمكن أن ينحرف في آخر مراحل دراسته . فلا يحصل على شيء . ويمكن أن يتم هذا الإعداد كله ، ثم بعد ذلك يرتكب جريمة يقضي فيها بقية عمره في السجن . فيضيع عمره .
ولكن اليقين الذي لاشك فيه هو أننا جميعا سنلاقي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة . وسيحاسبنا على أعمالنا . ومع أن هذا يقين ، فإن كثيرا من الناس لا يلتفتون إليه . يسعون للمستقبل المظنون . ولا يحس واحد منهم بيقين الآخرة . فتجد قليلا من الآباء هم الذين يبذلون جهدا لحمل أبنائهم على الصلاة وعبادة الله والأمانة وكل ما يقربهم إلى الله . . أنهم ينسون النعيم الحقيقي . ويجرون وراء الزائل فتكون النتيجة عليهم وبالا في الآخر
ة .

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)

كيف في اللغة للسؤال عن الحال . والحق سبحانه وتعالى أوردها في هذه الآية الكريمة ليس بغرض الاستفهام ، ولكن لطلب تفسير أمر عجيب ما كان يجب أن يحدث . وبعد كل ما رواه الحق سبحانه وتعالى في آيات سابقة من أدلة دامغة عن خلق السماوات والأرض وخلق الناس . . أدلة لا يستطيع أحد أن ينكرها أو يخطئها . . فكيف بعد هذه الأدلة الواضحة تكفرون بالله؟ . . كفركم لا حجة لكم فيه ولا منطق . . والسؤال يكون مرة للتوبيخ . . كأن تقول لرجل كيف تسب أباك؟ أو للتعجب من شيء قد فعله وما كان يجب أن يفعله . . وكلاهما متلاقيان . سواء كان القصد التوبيخ أو التعجب فالقصد واحد . . فهذا ما كان يجب أن يصح منك . ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بأدلة أخرى لا يستطيع أحد أن ينكرها أو يكذب بها . . فيقول جل جلاله : { وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } .
وهكذا ينتقل الكلام إلى أصل الحياة والموت . فبعد أن بين الحق سبحانه وتعالى . . ماذا يفعل الكافرون الفاسقون والمنافقون من إفساد في الأرض . . وقطع لما أمر الله سبحانه وتعالى به أن يوصل . . صعد الجدل إلى حديث عن الحياة والموت . وقوله تعالى { كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ } قضية لا تحتمل الجدل . . ربما استطاعوا المجادلة في مساءلة عدم اتباع المنهج ، أو قطع ما أمر الله به أن يوصل . . ولكن قضية الحياة والموت لا يمكن لأحد أن يجادل فيها . فالله سبحانه وتعالى خلقنا من عدم . . ولم يدع أحد قط أنه خلق الناس أو خلق نفسه . . وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للناس أن الذي خلقكم هو الله . . لم يستطع أحد أن يكذبه ولن يستطيع . . ذلك أننا كنا فعلا غير موجودين في الدنيا . . والله سبحانه وتعالى هو الذي أوجدنا وأعطانا الحياة . .
وقوله تعالى : « ثم يميتكم » . . فإن أحدا لا يشك في أنه سيموت . . الموت مقدر على الناس جميعا . . والخلق من العدم واقع بالدليل . . والموت واقع بالحس والمشاهدة . .
إن قضية الموت هي سبيلنا لمواجهة أي ملحد . . فإن قالوا إن العقل كاف لإدارة الحياة . . وأنه لا يوجد شيء اسمه غيب . . قلنا : الذي تحكم في الخلق إيجادا ، هو الذي يتحكم فيه موتا . . والحياة الدنيا هي مرحلة بين قوسين . . القوس الأول هو أن الله يخلقنا ويوجدنا . . وتمضي رحلة الحياة إلى القوس الثاني . . الذي تخمد فيه بشريتنا وتتوقف حياتنا وهو الموت . أي أننا في رحلة الحياة من الله وإليه . . إذن فحركة الحياة الدنيا هي بداية من الله بالحق ونهاية
بالموت .

. إنهم عندما تحدثوا عن أطفال الأنابيب . . وهي عملية لعلاج العقم أكثر من أي شيء آخر . . ولكنهم صوروها تصويرا جاهليا . . وكل ما يحدث أنهم يأخذون بويضة من رحم الأم التي يكون المهبل عندها مسدودا أو لا يسمح بالتلقيح الطبيعي . . يأخذون هذه البويضة من رحم الأم . . ويخصبونها بالحيوانات المنوية للزوج . . ثم يزرعونها في رحم الأم .
إنهم أخذوا من خلق الله وهي بويضة الأم والحيوان المنوي من الرجل . . وكل ما يفعلونه هو عملية التلقيح ومع ذلك يسمونه أطفال الأنابيب . . كأن الأنبوبة يمكن أن تخلق طفلا!! والحقيقة غير ذلك . . فبويضة الأم ، والحيوان المنوي للرجل هما من خلق الله . . وهم لم يخلقوا شيئا . . أننا نقول لهم : إذا كنتم تملكون الموت والحياة فامنعوا إنسانا واحدا أن يموت . . بدلا من إنفاق ألوف الجنيهات في معالجة عقم قد ينجح أو لا ينجح . . ابقوا واحدا على قيد الحياة . . ولن يستطيعوا . .
إن الموت أمر حسي مشاهد . . ولذلك فمن رحمة الله بالعقل البشري بالنسبة للأحداث الغيبية أن الله سبحانه وتعالى قربها لنا بشيء مشاهد . . كيف؟ . . عندما ينظر الإنسان إلى نفسه وهو حي . . لا يعرف كيف أحياه الله وكيف خلقه . . الله سبحانه وتعالى ذكر لنا غيب الخلق في القرآن الكريم فقال جل جلاله أنه خلق الإنسان من تراب ومن طين ومن حمأ مسنون ثم نفخ فيه من روحه . .
واقرأ قول الحق سبحانه : { إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ } [ الحج : 5 ]
وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ } [ المؤمنون : 12 ]
وقوله تعالى : { إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ } [ الصافات : 11 ]
وقوله تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } [ الحجر : 26 ]
وقوله تعالى : { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ } [ ص : 72 ]
فالحق تبارك وتعالى أخبرنا عن مرحلة في الخلق لم نشهدها . . ولكن الموت شيء مشهود لنا جميعا . . ومادام مشهودا لنا ، يأتي الحق سبحانه وتعالى به كدليل على مراحل الخلق التي لم نشهدها . . فالموت نقض للحياة . . والحياة أخبرنا الله تبارك وتعالى بأطوارها . . ولكنها غيب لم نشهده . .
ولكن الذي خلق قال أنا خلقتك من تراب . . من طين . من حمأ مسنون . من صلصال كالفخار . . فالماء وضع على تراب فأصبح طينا . . والطين تركناه فتغير لونه وأصبح صلصالا . . الصلصال . . جف فأصبح حمأ مسنونا ، ثم نحته في صورة إنسان ونفخ الحق سبحانه وتعالى فيه الروح فأصبح بشرا . . ثم يأتي الموت وهو نقض للحياة . . ونقض كل شيء يأتي على عكس بنائه . .
بناء العمارة يبدأ من أسفل إلى أعلى . .
وهدمها يبدأ من أعلى إلى أسفل .

. ولذلك فإن آخر مرحلة من رحلة ما . . هي أول خطوة في طريق العودة . . فإذا كنت مسافرا إلى الإسكندرية . . فأول مكان في طريق العودة هو آخر مكان وصلت إليه .
أول شيء يخرج من الجسد هو الروح وهو آخر ما دخل فيه . . ثم بعد ذلك يتصلب الجسد ويصبح كالحمأ المسنون . . ثم يتعفن فيصبح كالصلصال . . ثم يتبخر الماء الذي فيه فيعود ترابا . . وهكذا يكون الموت نقض صورة الحياة . . متفقا مع المراحل التي بينها لنا الحق سبحانه وتعالى . .
وقوله تعالى : { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } . . أي أن الله تبارك وتعالى يبعثكم ليحاسبكم . . لقد حاول الكفار والملحدون وأصحاب الفلسفة المادية أن ينكروا قضية البعث . . وهم في هذا لم يأتوا بجديد . . بل جاءوا بالكلام نفسه الذي قاله أصحاب الجاهلية الأولى . . واقرأ قوله تعالى عما يقوله أصحاب الجاهلية الأولى : { وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدهر } [ الجاثية : 24 ]
وأمنية الكافر والمسرف على نفسه . . ألا يكون هناك بعث أو حساب . . والذين يتعجبون من ذلك نقول لهم : أن الله سبحانه وتعالى الذي أوجدكم من عدم يستطيع أن يعيدكم وقد كنتم موجودين . . يقول جل جلاله : { وَهُوَ الذي يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ المثل الأعلى فِي السماوات والأرض وَهُوَ العزيز الحكيم } [ الروم : 27 ]
فإيجاد ما كان موجودا أسهل من الإيجاد من عدم على غير مثال موجود . . والله سبحانه وتعالى يرد على الكفار فيقول سبحانه : { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } [ يس : 78-79 ]
وهكذا فإن البعث أهون على الله من بداية الخلق . . وكل شيء مكتوب عند الله سبحانه وتعالى في كتاب مبين . . وما أخذته الأرض من جسد الإنسان ترده يوم القيامة . . ليعود من جديد .
وخلق السموات والأرض أكبر من خلق الإنسان . . واقرأ قوله تعالى : { لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } [ غافر : 57 ]
وقول الله سبحانه وتعالى : { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } . . هو اطمئنان لمن آمن . . ومادمنا إليه نرجع ومنه بدأنا . . فالحياة بدايتها من الله ونهايتها إلى الله . . فلنجعلها هي نفسها لله . . ولابد أن نلتفت إلى أن الله تبارك وتعالى أخفى عنا الموت زمانا ومكانا وسببا وعمرا . . لم يخفه ليحجبه ، وإنما أخفاه حتى نتوقعه في كل لحظة . . وهذا إعلام واسع بالموت حتى يسرع الناس إلى العمل الصالح . . وإلى المثوبة . لأنه لا يوجد عمر متيقن في الدنيا . . فلا الصغير آمن على عمره . . ولا الشاب آمن على عمره . . ولا
الكهل آمن على عمره .

. ولذلك يجب أن يسارع كل منا في الخيرات . . حتى لا يفاجئه الموت . . فيموت وهو عاص . .
ونلاحظ أن قصة الحياة جاء الله بها في آية واحدة . والرجوع إلى الله وهو يقين بالنسبة للمؤمنين يلزمهم بالمنهج ، فيعيشون من حلال . والتزامهم هذا هو الذي يقودهم إلى طريق الجنة . ويطمئنهم على أولادهم بعد أن يرحل الآباء من الدنيا .
فعمل الرجل الصالح ينعكس على أولاده من بعده . واقرأ قوله سبحانه وتعالى : { وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } [ النساء : 9 ]
إذن فصاحب الالتزام بالمنهج ، يطمئن إلى لقاء ربه ويطمئن إلى جزائه ، والذي لا يؤمن بالآخرة أخذ من الله الحياة فأفناها فيما لا ينفع . ثم بعد ذلك لا يجد شيئا إلا الحساب والنار . . واقرأ قوله تبارك وتعالى : { والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب } [ النور : 39 ]
أي أن الكافر سيفاجأ في الآخرة بالله الذي لم يكن في باله أنه سيحاسبه على ما فعل . . وقوله تعالى { إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تقرأ قراءتان . بضمة على التاء . ومرة بفتحة على التاء . الأولى معناها . أننا نُجْبِرُ على الرجوع . فلا يكون الرجوع إلى الله تعالى بإرادتنا ، وهذا ينطبق على الكفار الذين يتمنون عدم الرجوع إلى الله . أما الثانية « تَرجعون » فهذه فيها إرادة . وهي تنطبق على المؤمنين لأنهم يتمنون الرجو
ع إلى الله .

هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)

يذكرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه هو الذي خلق ما في الأرض جميعا . وقد جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى : { فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لتلفتنا إلى أن ما في الأرض كله ملك لله جل جلاله ، وأننا لا نملك شيئا إلا ملكية مؤقتة . وأن ما لنا في الدنيا سيصير لغيرنا . وهكذا .
والحق سبحانه وتعالى حين خلق الحياة وقال { كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ } كأن الحياة تحتاج إلى إمداد من الخالق للمخلوق حتى يمكن أن تستمر . فلابد لكي تستمر الحياة أن يستمر الإمداد بالنعم . ولكن النعم تظل طوال فترة الحياة ، وعند الموت تنتهي علاقة الإنسان بنعم الدنيا . ولذلك لابد أن يتنبه الإنسان إلى أن الأشياء مسخرة له في الدنيا لتخدمه . وأن هذا التسخير ليس بقدرات أحد . ولكن بقدرة الله سبحانه وتعالى . والإنسان لا يدري كيف تم الخلق . ولا ما هي مراحله إلا أن يخبرنا الله سبحانه وتعالى بها . فهو جل جلاله يقول : { مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً } [ الكهف : 51 ]
وماداموا لم يشهدوا خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم . فلابد أن نأخذ ذلك عن الله ما ينبئنا به الله عن خلق السموات والأرض وعن خلقنا هو الحقيقة . وما يأتينا عن غير الله سبحانه وتعالى فهو ضلال وزيف . ونحن الآن نجد بحوثا كثيرة عن كيفية السموات والأرض وخلق الإنسان . وكلها لن تصل إلى حقيقة . بل ستظل نظريات بلا دليل . ولذلك قال الله سبحانه وتعالى : { وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً } أي أن هناك من سيأتي ويضل . ويقول هكذا تم خلق السموات والأرض ، وهكذا خلق الإنسان . هؤلاء المضلون الذين جاءوا بأشياء هي من علم الله وحده . جاءوا تثبيتا لمنهج الإيمان . فلو لم يأت هؤلاء المضلون ، ولو لم يقولوا خلقت الأرض بطريقة كذا والسماء بطريقة كذا . لقلنا أن الله تعالى قد أخبرنا في كتابه العزيز أن هناك من سيأتي ويضل في خلق الكون وخلق الإنسان ولكن كونهم أتوا . فهذا دليل على صدق القرآن الذي أنبأنا بمجيئهم قبل أن يأتوا بقرون .
والاستفادة من الشيء لا تقتضي معرفة أسراره . . فنحن مثلا نستخدم الكهرباء مع أننا لا نعرف ما هي؟ وكذلك نعيش على الأرض ونستفيد بكل ظواهرها وكل ما سخره الله لنا . وعدم علمنا بسر الخلق والإيجاد لا يحرمنا هذه الفائدة . فهو علم لا ينفع وجهل لا يضر . والكون مسخر لخدمة الإنسان . والتسخير معناه التذليل ولا تتمرد ظواهر الكون على الإنسان . وإذا كانت هناك ظواهر في الكون تتمرد بقَدَر الله . مثل الفيضانات والبراكين والكوارث الطبيعية . نقول أن ذلك يحدث ليلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن كل ما في الكون لا يخدمنا
بذاتنا .

ولا بسيطرتنا عليه ، وإنما يخدمنا بأمر الله له ، وإلا لو كانت المخلوقات تخدمك بذاتك . فأقدر عليها حينما تتمرد على خدمتك . وكل ما في الكون خاضع لطلاقة قدرة الله . حتى الأسباب والمسببات خاضعة أيضا لطلاقة القدرة الآلهية . فالأسباب والمسببات في الكون لا تخرج عن إرادة الله .
لذلك إذا تمرد الماء بالطوفان . وتمرد الرياح بالعاصفة . وتمردت الأرض بالزلازل والبراكين . فما ذلك إلا ليعرف الإنسان أنه ليس بقدرته أن يسيطر على الكون الذي يعيش فيه . واقرأ قوله سبحانه وتعالى : { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } [ يس : 71-72 ]
والإنسان عاجز عن أن يخضع حيوانا إلا بتذليل الله له . . ومن العجيب أنك ترى الحيوانات تدرك ما لا يدركه الإنسان في الكون . فهي تحس بالزلزال قبل أن يقع . وتخرج من مكان الزلزال هاربة . بينما الإنسان لا يستطيع بعقله أن يفهم ما سيحدث .
والحق سبحانه وتعالى في قوله : { خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً } يستوعب كل أجناس الأرض . ولذلك فإن الإنسان لا يستطيع أن يوجد شيئا إلا من موجود . أي أن الإنسان لم يستحدث شيئا في الكون . فأنت إذا أخذت حبة القمح . من أين جئنا بها؟ من محصول العام الماضي . . ومحصول العالم الماضي . من أين جاء؟ . . من محصول العام الذي قبله . وهكذا يظل تسلسل الأشياء حتى تصل إلى حبة القمح الأولى . من أين جاءت؟ جاءت بالخلق المباشر من الله . وكذلك كل ثمار الأرض إذا أعدتها للثمرة الأولى فهي بالخلق المباشر من الله سبحانه وتعالى . فإذا حاولت أن تصل إلى أصل وجود الإنسان . ستجد بالمنطق والعقل . . أن بداية الخلق هي من ذكر وأنثى . خُلقا بالخلق المباشر من الله . لأنك أنت من أبيك وأبوك من جدك . وجدك من أبيه . وهكذا تمضي حتى تصل إلى خلق الإنسان الأول . فنجد أنه لا بد أن يكون خلقا مباشرا من الله سبحانه وتعالى . وما ينطبق على الإنسان ينطبق على الحيوان وعلى النبات وعلى الجماد . فكل شيء إذا رددته لأصله تجد أنه لابد أن يبدأ بخلق مباشر من الله سبحانه وتعالى .
بعض الناس يتساءل عن الرقي والحضارة وهذه الاختراعات الجديدة . أليس للإنسان فيها خلق؟ . . نقول فيها خلق من موجود . والله سبحانه وتعالى كشف من علمه للبشر ما يستطيعون باستخدام المواد التي خلقها الله في الأرض أن يرتقوا ويصنعوا أشياء جديدة . ولكننا لم نجد ولم نسمع عن إنسان خلق مادة من عدم .
الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق كل ما في هذا الكون من عدم . ثم بعد ذلك تكاثرت المخلوقات بقوانين سخرها الله سبحانه وتعالى لها . ولكن كل هذا التطور راجع إلى أن الله خلق المخلوقات وأعطاها خاصية التناسل والتزاوج لتستمر الحياة
جيلا بعد جيل .

وكل خلق الله الذي تراه في الكون الآن قد وضع الله سبحانه وتعالى فيه من قوانين الأسباب ما يعطيه استمرارية الحياة من جيل إلى جيل حتى ينتهي الكون . فإذا قال لك إنسان : أنا أزرع بذكائي وعلمي . فقل له : أنت تأتي بالبذرة التي خلقها الله . وتضعها في الأرض المخلوقة لله . وينزل الله سبحانه وتعالى الماء عليها من السماء . وتنبت بقدرة الله الذي وضع فيها غذاءها وطريقة إنباتها . إذن فكل ما يحدث أنك تحرث الأرض . وترمي البذرة . يقول الحق سبحانه وتعالى : { أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون } [ الواقعة : 63-64 ]
صحيح أن الإنسان يقوم بحرث الأرض ورمي البذرة . وربما تعهد الزرع بالعناية الري . ولكن ليس في كل ما يفعله مهمة خلق . بل أن الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء . ولو كنت تزرع بقدرتك فأت ببذرة من غير خلق الله . وأرض لم يخلقها الله . وماء لم ينزله الله من السماء . وطبعا لن تستطيع . . ولكن ما هو مصدر الأشياء التي استحدثت؟
نقول إن هناك فرقا بين وجود الشيء بالقوة . وجوده بالفعل . . فالنخلة مثلا حبة كانت موجودة بالقوة . كانت نواة . ثم زرعت فأصبحت موجودة بالفعل . وأنت لا عمل لك في الحالتين فلا أنت بقوتك خلقت النواة التي هي البذرة ولا أنت بفعلك جعلت النواة تكبر . لتصير نخلة بالفعل . على أن هناك أشياء مطمورة في الكون . خلقها الله سبحانه وتعالى مع بداية الخلق . ثم تركها مطمورة في الكون . حتى كشفها الله لمن يبحث عن أسراره في كونه .
وكل كشف له ميلاد . إذا أخذنا مثلا ما تحت الثرى . أو الكنوز الموجودة تحت سطح الأرض . لقد ظلت مطمورة حتى هدى الله الإنسان إليها . وعلمه كيف يستخرجها . فالإنسان لم يخترع مثلا أو يوجد البترول أو المعادن . ولكنها كلها كانت مطمورة في الكون حتى جاء الوقت الذي يجب أن تؤدي فيه دورها في الحياة . فدلنا الحق عليها ، فليس معنى أن الشيء كان غائبا عنا أنه لم يكن موجودا . أو أنه وجد لحظة اكتشافنا له . فالشيء الحادث الآن ، والشيء الذي سيحدث بعد سنوات . . خلق الله سبحانه وتعالى كل عناصره . وأودعها في الأرض لحظة الخلق . والإنسان بما يكشف الله له من علم يستطيع تركيب هذه العناصر . ولكنه لا يستطيع خلقها أو إيجادها . والحق سبحانه وتعالى يقول : { ثُمَّ استوى إِلَى السمآء } .
حينما يقول الله جل جلاله . استوى . . يجب أن نفهم كل شيء متعلق بذات الله على أنه سبحانه ليس كمثله شيء . فالله استوى والملوك تستوي على عروشها . وأنت تستوي على كرسيك . ولكن لأننا محكومون بقضية « ليس كمثله شيء » لابد أن نعرف أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس
كمثله شيء .

والله حي . وأنت حي . هل حياتك كحياته؟ والله سبحانه وتعالى يعلم وأنت تعلم . هل علمك كعلمه؟ والله سبحانه وتعالى يقدر . وأنت تقدر . هل قدرتك كقدرته . طبعا لا . فعندما تأتي إلى « استوى » فلا تحاول أن تفهمها أبدا بالمفهوم البشري . . فالله سبحانه وتعالى يعلم ما في الأرض وما في السماء . وهو سبحانه يعلم المكان بكل ذراته . والموجودين في هذا المكان أو المكين . بكل ذراته . وأنت تعرف ظاهر الأمر . . والله سبحانه وتعالى يعلم غيب السموات والأرض حتى يوم القيامة . وبعد يوم القيامة إذن فهو جل جلاله . ليس كمثله شيء . ولا يمكن أن تحيط أنت بعقلك بفعل يتعلق بذات الله سبحانه وتعالى . فعقلك قاصر عن أن يدرك ذلك . لذلك قل سبحان الله . ليس كمثله شيء في كل فعل يتصل بذات الله : { استوى إِلَى السمآء } هذا الكلام هو كلام الله . فالمتحدث هو الله عز وجل .
بعض الناس يقولون تلقينا القرآن وحفظناه . نقول لهم أن الذي حفظ القرآن هو الله سبحانه وتعالى . ومادام قد حفظ كلامه فهو جل جلاله يعلم أن الوجود كله لن يتعارض مع القرآن الكريم . . والله سبحانه وتعالى حفظ القرآن ليكون حجة له على الناس . ومادام الله جل جلاله هو الخالق . وهو القائل . فلا توجد حقيقة في الكون كله تتصادم مع القرآن الكريم . . واقرأ قوله سبحانه وتعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [ الحجر : 9 ]
وهذا من عظمة الله أن حفظ كلامه ليكون حجة على الناس . والله سبحانه وتعالى وجدت صفاته قبل أن توجد متعلقات هذه الصفات . فهو جل جلاله . خلق لأنه خالق . كأن صفة الخلق وجدت أولا . وإلا كيف خلق أول خلقه . إن لم يكن سبحانه وتعالى خالقا؟
والله سبحانه وتعالى رزاق . قبل أن يوجد من يرزقه . وإلا فبأي قدرة رزق الله أول خلقه؟ والله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون بكمال صفاته . وشهد أنه لا إله إلا هو قبل أن يشهد أي من خلق الله أنه لا إله إلا الله . واقرأ قوله تعالى : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط } [ آل عمران : 18 ]
فالله سبحانه وتعالى شهد أنه لا إله إلا هو قبل أن يوجد أحد من خلقه يشهد بوحدانية ألوهيته . شهد أنه لا إله إلا هو قبل أن يخلق الملائكة . ليشهدوا شهادة مشهد بأنه لا إله إلا الله . وأولوا العلم شهادة علم . فكأن شهادة الذات للذات . في قوله تعالى { شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } هي التي يعتد بها ، وهي أقوى الشهادات؛ فالله ليس محتاجا مِن خلقه إلى امتداد الشهادة .
الله سبحانه وتعالى : بعد أن خلق الأرض وخلق السماء واستتب له الأمر . قال { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } أي لا تغيب ذرة من ملكه عن علمه . فهو عليم بكل ذرات الأرض وكل ذرات الناس . وكل ذرات الكون . والكون كله لا يفعل إلا بأذنه ومراده . واقرأ قوله تعالى : { يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ }
[ لقمان : 16 ]

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)

بعد أن أخبرنا الحق سبحانه وتعالى . أنه خلق جميع ما في الكون . أراد أن يخبرنا عمن خلفه لعمارة هذا الكون . فكأن القصة التي بدأ الله سبحانه وتعالى بها قصص القرآن كانت هي قصة آدم أول الخلق . ولقد وردت هذه القصة في القرآن الكريم كثيرا لتدلنا لماذا أخبرنا الحق سبحانه وتعالى بهذه القصة؟ وجاءت لتدلنا أيضا على صدق البلاغ عن الله . واقرأ قوله تعالى : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق } [ الكهف : 13 ]
كلمة الحق التي جاءت هنا لتدلنا على أن هناك قصصا . ولكن بغير حق . والله سبحانه وتعالى أراد أن يخرج قصصه عن دائرة القصص التي يتداولها الناس أو قصص التاريخ لإمكان مخالفتها الواقع وتأتي بغير حق . وهناك قصص تروي في الدنيا ولا واقع لها ، بل هي من قبيل الخيال .
وكلمة قصة . مأخوذة من قص الأثر . بمعنى أن يتبع قصاص الأثر في الصحراء الآثار التي يشاهدها على الرمال حتى يصل إلى مراده . عندما يصل إلى نهاية الأثر . . ومادمنا قد عرفنا أن الله يقص الحق . نعرف أن قصص القرآن الكريم كلها أحداث وقعت فعلا . ولكل قصة في القرآن عبرة . أو شيء مهم يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إليه . فمرة تكون القصة لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت المؤمنين : واقرأ قوله تعالى : { وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } [ هود : 120 ]
فكل قصة تثبت فؤاد الرسول والمؤمنين في المواقف التي تزلزلهم فيها الأحداث . وقصص القرآن ليست لقتل الوقت . ولكن الهدف الأسمى للقصة هو تثبيت ونفع حركة الحياة الإيمانية . ولو نظرنا إلى قصص القرآن الكريم نجد أنها تتحدث عن أشياء مضت وأصبحت تاريخا . والتاريخ يربط الأحداث بأزمانها . وقد يكون التاريخ لشخص لا لحدث . ولكن الشخص حدث من أحداث الدنيا . ولو قرأت تاريخ كل حدث لوجدت أنه يعبر عن وجهة نظر راويه . فكل قصص التاريخ كتبت من وجهات نظر من رووها . ولذلك . فالقصة الواحدة تختلف باختلاف الراوي .
ولكن قصص القرآن الكريم . هو القصص الحق . . والعبرة في قصص القرآن الكريم أنها تنقل لنا أحداثا في التاريخ . تتكرر على مر الزمن . ففرعون مثلا هو كل حاكم يريد أن يُعْبَدَ في الأرض . وأهل الكهف مثلا هي قصة كل فئة مؤمنة هربت من طغيان الكفر وانعزلت لتعبد الله . وقصة يوسف عليه السلام هي قصة كل أخوة نزغ الشيطان بينهم فجعلهم يحقدون على بعضهم . وقصة ذي القرنين هي قصة كل حاكم مصلح أعطاه الله سبحانه الأسباب في الدنيا ومكنه في الأرض . فعمل بمنهج الله وبما يرضي الله . وقصة صالح هي قصة كل قوم طلبوا معجزة من الله . فحققها لهم
فكفروا بها .

وقصة شعيب عليه السلام . . هي قصة كل قوم سرقوا في الميزان والمكيال .
وهكذا كل قصص القرآن . قصص تتكرر في كل زمان . حتى في الوقت الذي نعيش فيه تجد فيه أكثر من فرعون . وأكثر من أهل كهف يفرون بدينهم . وأكثر من قارون يعبد المال والذهب . . ويحسب أنه استغنى عن الله . ولذلك جاءت شخصيات قصص القرآن مجهلة إلا قصة واحدة هي قصة عيسى بن مريم ومريم ابنة عمران . لماذا؟ لأنها معجزة لن تتكرر . ولذلك عرفها الله لنا فقال « مريم ابنة عمران » وقال « عيسى بن مريم » حتى لا يلتبس الأمر . وتدعي أي امرأة أنها حملت بدون رجل . مثل مريم . نقول : لا . معجزة مريم لن تتكرر . ولذلك حددها الله تعالى بالاسم . فقال : عيسى بن مريم . ومريم ابنة عمران . . أما باقي قصص القرآن الكريم فقد جاءت مجهلة . فلم يقل لنا الله تعالى من هو فرعون موسى . ولا من هم أهل الكهف ولا من هو ذو القرنين ولا من هو صاحب الجنتين . إلي آخر ما جاء في القرآن الكريم . لأنه ليس المقصود بهذه القصص شخصا بعينه . لا تتكرر القصة مع غيره ، وبعض الناس يشغلون أنفسهم بمن هو فرعون موسى؟ ومن هو ذو القرنين . . الخ نقول لهم لن تصلوا إلى شيء لأن الله سبحانه وتعالى قد روى لنا القصة دون توضيح للأشخاص . لنعرف أنه ليس المقصود شخصا بعينه . ولكن المقصود هو الحكمة من القصة .
والقصص في القرآن لا ترد مكررة . وقد يأتي بعض منها في آيات . وبعض منها في آيات أخرى . ولكن اللقطة مختلفة . تعطينا في كل آية معلومة جديدة . بحيث أنك إذا جمعت كل الآيات التي ذكرت في القرآن الكريم . تجد أمامك قصة كاملة متكاملة . كل آية تضيف شيئا جديدا .
وأكبر القصص في القرآن الكريم . قصة موسى عليه السلام . ويذكرنا القرآن الكريم بها دائما لأن أحداثها تعالج قصة أسوأ البشر في التاريخ . وفي كل مناسبة يذكرنا الله بلقطة من حياة هؤلاء . واقرأ قوله تعالى : { وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تحزني إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين } [ القصص : 7 ]
وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى : { إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى * أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ } [ طه : 38-39 ]
والفهم السطحي يظن أن هذا تكرار ونقول لا . فقوله تعالى : { وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم } .
وهذه اللقطة تدل على أن الله سبحانه وتعالى يعد أم موسى إعدادا إيمانيا للحدث . ولكن عند وقوع الحدث تتغير القصة على نمط سريع { أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِه
ِ اليم بالساحل } .

كلام يناسب لحظة وقوع الحدث . . فالآية الأولى . . بينت لنا أن أم موسى أرضعته قبل أن تضعه في التابوت . وأنها ستلقيه في اليم عندما يحدث خطر وتخاف عليه من القتل . وفيه تطمين لها . ألا تخاف ولا تحزن . لأن الله منجيه . وفيها بشارتان : أن الله سيرده لأمه . وأن الله قد اختاره رسولا .
نأتي إلى الآية الثانية التي تكمل لنا هذه اللقطة فتول { اقذفيه فِي التابوت } هنا نعرف أن أم موسى ستلقيه في تابوت ، وهو ما لم يذكر في الآية السابقة . ثم بعد ذلك نعلم أن الله سبحانه وتعالى أصدر أمره إلى الماء أن يلقي التابوت إلى الساحل . وهذا ما لم يرد في الآية السابقة . ونعرف أيضا أن الذي سيأخذه وهو فرعون . ستكون بينهما عداوة متبادلة . . وهكذا نرى أن آيتي القصة . يكمل بعضهما بعضا . وليس هناك تكرار . والله سبحانه وتعالى في الآية الثانية يريد أن يثبت أنه ستكون هناك عداوة متبادلة بين موسى وفرعون . . كما أثبتت عداوة فرعون لله جل جلاله ولموسى ، فقال : { عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ } ولكن العداوة لا تستقر إلا إذا كانت متبادلة . فتأتي آية ثالثة لتكمل الصورة . . في قوله تعالى : { فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } [ القصص : 8 ]
وهكذا بينت لنا الآية الكريمة كيف أن العداوة بين فرعون وموسى ستستقر حتى يقضى على فرعون . لأنه إذا كان إنسان عدوا لك . وأنت تقابل العداوة بالإحسان تخمد العداوة بعد قليل . إذن هذه الآيات ليست تكرارا ولكنها آيات تكمل القصة . . وتعطينا الصورة الكاملة المتكاملة .
ولكن لماذا لم تأت قصة موسى متكاملة كقصة يوسف؟ لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يثبت بها نبينا عليه الصلاة والسلام والمؤمنين . فتأتي هنا لقطة وهنا لقطة . لتؤدي ما هو مطلوب من التثبيت بما لا يخل . . لأن الآيات تعطينا القصة متكاملة .
وهكذا قصة آدم . جاءت لنا في آيات متعددة؛ لتعطينا في مجموعها قصة كاملة . وفي الوقت نفسه كل آية لها حكمة يحتاج إليها التوقيت الذي نزلت فيه . . فالله سبحانه وتعالى يروي لنا بداية الخلق . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب » .
والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعرفنا كيف بدأ الخلق . وقصة عداوة إبليس لآدم وذريته . . فتكلم الله سبحانه وتعالى عن أول البشر . عرفنا اسمه . وهو آدم عليه السلام . وتكلم عن المادة التي خلق منها . وتكلم عن المنهج الذي وضعه لآدم . وحدثنا عن النقاش الذي دار مع الملائكة . كما أخبرنا بأن آدم سيكون خليفة في الأرض . وأنه علمه الأسماء كلها ليقود حركة حياته . وعلمنا منطق علم الأشياء . وعلم مسمياتها . وحدثنا عن الحوار الذي حدث بين إبليس أمام ربه حين
ما أبى السجود .

وبين لنا حجة إبليس في الامتناع عن السجود ، وخطة إبليس ومدخله إلى قلوب المؤمنين بالإغواء والوسوسة وغير ذلك .
إذن فهناك أشياء كثيرة تتعرض لها قصة آدم ، ولو أن بشرا يريد أن يؤرخ لآدم ما استطاع أن يأتي بكل هذه اللقطات . ولكن الحق سبحانه وتعالى جعل كل لقطة تأتي للتثبيت .
والآية الكريمة التي نحن بصددها لم تأت في الأعراف ولا في الحجر ولا في الإسراء ولا في الكهف ولا في طه . وبهذا نعرف أنه ليس هناك تكرار . . فالله سبحانه وتعالى أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة . هنا لابد لنا من وقفة . أخلق آدم كفرد . أم خلقه الله وكل ذريته مطمورة فيه إلى يوم القيامة ، إذا قرأنا القرآن الكريم نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ } [ الأعراف : 11 ]
الخطاب هنا للجمع . لآدم وذريته . فكأنه سبحانه وتعالى يشير إلى أن الأصل الأول للخلق آدم ، وهو مطمور فيه صفات المخلوقين من ذريته إلى أن تقوم الساعة وراثة . أي أنه ساعة خلق آدم . . كان فيه الذرات التي سيأخذ منها الخلق كله . هذا عن هذا . . حتى قيام الساعة .
ولقد قلتُ إن كل واحد منا فيه ذرة أو جزئ من آدم ، فأولاد آدم أخذوا منه والجيل الذي بعدهم أخذ من الميكروب الحي الذي أودعه آدم في أولاده . والذين بعدهم أخذوا أيضا من الجزيء الحي الذي خُلِق في الأصل مع آدم . وكذلك الذين بعدهم . والذين بعدهم . والحياة لابد أن تكون حلقة متصلة . كل منا يأخذ من الذي قبله ويعطي الذي بعده . ولو كان هناك حلقة مفقودة . لتوقفت الحياة . كأن يموت الرجل قبل أن يتزوج . فلا تكون له ذرية من بعده . تتوقف حلقة الحياة . فكون حلقة الحياة مستمرة . دليل أنها حياة متصلة . لم تتوقف . ومادامت الحياة من عهد آدم إلى يومنا هذا متصلة . فلابد أن يكون في كل منا ذرة من آدم الذي هو بداية الحياة وأصلها . وانتقلت بعده الحياة في حلقات متصلة إلى يومنا هذا وستظل إلى يوم القيامة .
فأنا الآن حي . لأنني نشأت من ميكروب حي من أبي . وأبي أخذ حياته من ميكروب حي من أبيه . وهكذا حتى تصل إلى آدم ، إذن فأنت مخلوق من جزيء حي فيه الحياة لم تتوقف منذ آدم إلى يومنا هذا . ولو توقفت لما كان لك وجود .
إذن فحياة الذين يعيشون الآن موصولة بآدم . لم يطرأ عليها موت . والذين سيعيشون وقت قيام الساعة حياتهم أيضا موصولة بآدم أول الخلق . والحق سبحانه وتعالى . حين أمر الملائكة بالسجود لآدم . فإنهم سجدوا لآدم ولذريته إلى أن تقوم الساعة . وذرية آدم كانت مطمورة في ظهره . وشهدت الخلق الأول . إذن فقول الحق سبحانه وتعالى : { لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } فيه جزئية
جديدة لقصة الخلق .

وقوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ } أي أن الله سبحانه وتعالى يطلب من سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أن يقول أنه عند خلق آدم . خلقه خليفة في الأرض . والكلام هنا لا يعني أن الله سبحانه وتعالى يستشير أحدا في الخلق . بدليل أنه قال « إني جاعل » إذن فهو أمر مفروغ منه . ولكنه إعلام للملائكة . . والله سبحانه وتعالى . عندما يحدث الملائكة عن ذلك فلأن لهم مع آدم مهمة . فهناك المدبرات أمرا . والحفظة الكرام . وغيرهم من الملائكة الذين سيكلفهم الحق سبحانه وتعالى بمهام متعددة تتصل بحياة هذا المخلوق الجديد . فكان الإعلام . لأن للملائكة عملا مع هذا الخليفة .
قد يقول بعض الناس . أن حياة الإنسان على الأرض تخضع لقوانين ونواميس . نقول ما يدريك أن وراء كل ناموس ملكا؟
ولكن هذا الخليفة سيخلف من؟ قد يخلف بعضه بعضا . في هذه الحالة يكون هنا إعلام من الله بأن كل إنسان سيموت ويخلفه غيره . فلو كانوا جميعا سيعيشون ما خلف بعضهم بعضا . وقد يكون الإنسان خليفة لجنس آخر . ولكن الله سبحانه وتعالى . . نفى أن يخلف الإنسان جنسا آخر . واقرأ قوله جل جلاله : { . . . إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ } [ إبراهيم : 19-20 ]
والخلق الجديد هو من نوع الخلق نفسه الذي أهلكه الله . والله سبحانه وتعالى يخبرنا أن البشر سيخلفون بعضهم إلى يوم القيامة . . فيقول جل جلاله : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً } [ مريم : 59 ]
ولكن هذا يطلق عليه خَلْفٌ . ولا يطلق عليه خليفة . والشاعر يقول :
ذهب الذين يعاش في اكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب
ولكن الله جعل الملائكة يسجدون لآدم ساعة الخلق وجعل الكون مسخرا له فكأنه خليفة الله في أرضه . أمده بعطاء الأسباب . فخضع الكون له بإرادة الله . وليس بإرادة الإنسان . والله سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي : « يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك . . وإلا تفعل ملأت يدك شغلا ولم أسُدّ فقرك »
إذن كلمة خليفة . تأخذ عدة معان . .
ماذا قالت الملائكة : { قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } .
كيف عرف الملائكة ذلك؟ لابد أن هناك حالة قبلها قاسوا عليها . أو أنهم ظنوا أن آدم سيطغى في الأرض . ولكن كلمة سفك وكلمة دم . كيف عرفتهما الملائكة وهي لم تحدث بعد؟ لابد أنهم عرفوها من حياة سابقة . والله سبحانه وتعالى يقول : { والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم } [ الحجر : 27 ]
فكأن الجن قد خلق قبل الإنسان . وقوله تعالى : { إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } .
معنى ذلك أن علمك أيها المخلوق مناسب لمخلوقيتك . أما علم الله سبحا
نه وتعالى . . فهو أزلي لا نهائي .

ولكن هل قال الملائكة حين أخبرهم الله بخلق آدم ذلك علنا أم أسروه في أنفسهم؟ سواء قالوه أم أسروه . فقد علمه الله . لأنه يعلم ما يسرون وما يعلنون . وأنه يعلم السر وأخفى . فما هو السر . وما هو الأخفى من السر؟ السر هو ما أسررته إلى غيرك . فما أسر به إلى غيري . فهو السر . وما أخفيه في صدري ولا يطلع عليه أحد . هو أخفى من السر . فلا يقال أسررت إلا إذا بحت به لغيري . أما ما أخفيه في صدري . فلا يعلمه أحد إلا الله . فهذا هو ما أخفى من السر .
وعندما يقول الحق سبحانه وتعالى : { إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أراد أن يعطي القضية بعدها الحقيقي . وقد حكى القرآن الكريم قول الملائكة : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } .
والتسبيح هو التنزيه عما لا يليق بذات المنزه . والتقديس هو التطهير . . مأخوذ من الْقَدَس وهو الدلو الذي كانوا يتطهرون به . ولذلك نحن نقول سُبّوح قُدوس . سُبّوح أي مُنزه عن كل ما لا يليق بجلاله . وقدوس . أي مُطَهَّرْ . . التسبيح يحتاج إلى مُسبِّح . وإلى ما نسبحه . والملائكة قالوا : { سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ } .
وهذا تسبيح وتنزيه لله سبحانه وتعالى . . والتسبيح والتنزيه لا يكونان إلا للكمال المطلق الذي لا تشوبه أية شائبة . . والكمال المطلق هو لله سبحانه وتعالى وحده . لذلك صرف الله ألسنة خلقه عن أن يقولوا كلمة سبحانك لغير الله تعالى . فلا تسمع في حياتك أن إنسانا قال لبشر سبحانك . وهكذا صرفت ألسنة الخلق عن أن تسبح لغير الله سبحانه وتعالى . وقول الملائكة : { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ } كأن نقول سبحان الله وبحمده . ومعناها تنزيه لله سبحانه وتعالى في ذاته . . فلا تشبّه بذات . وفي صفاته . فلا تشبّه بصفات وفي أفعاله . فلا تشبه بأفعال . . ولكن ما معنى كلمة وبحمده؟ معناها أننا ننزهك ونحمدك . أي يا رب تنزيهنا لك نعمة . ولذلك فإني أحمدك على أنك أعطيتني القدرة لأنزهك . . والتقديس هو تطهير الله سبحانه وتعالى من كل الأغيار . ولأنك يا ربي قدوس طاهر . لا يليق أن يرفع إليك إلا طاهر . ولا يليق أن يصدر عمن خلقته بيديك إلا طاهر . .
إنه عرّفنا معنى نسبح بحمدك ونقدس لك . ثم أراد الله بحكمته أن يرد على الملائكة فقال : { إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ولم يطلقها هكذا . ولكنه سبحانه أتى بالقضية التي تؤكد صد
ق الواقع . .

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)

فالحق سبحانه وتعالى . رد على الملائكة بهذه الآية الكريمة . لأنه علم آدم الأسماء كلها . . وكلمة كلها تفيد الإحاطة . ومعنى الإحاطة معرفة كل شيء عن هذه الأسماء .
هنا يتبادر سؤال : هل عَلّم الله سبحانه وتعالى آدم الأسماء منذ ساعة الخلق إلى قيام الساعة مادام الحق سبحانه وتعالى يقول كلها . فما هو حكم تلك الأسماء التي هي لمخترعات ستأتي بعد خلق آدم بقرون طويلة؟
نقول إن الله سبحانه وتعالى . حين علم آدم الأسماء وميزه على الملائكة يكون قد أعطى ذلك الأدنى عنصرا ميزه عن المخلوق من عنصر أعلى . فآدم مخلوق من طين . والملائكة مخلوقون من نور . وقدرات البشر لا تستطيع أن تعطي الأدنى شيئا أكثر من الأعلى . ولكن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعطي ذلك ليذكرنا أن ما نأخذه ليس بقدراتنا ولكن بقدرته هو سبحانه . ولذلك تجد سليمان وهو ملك ونبي . . أعطاه الله تعالى ملكا لا ينبغي لأحد من بعده . وميزه عن خلقه . يأتي الهدهد ليقول لسليمان : { أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } .
كيف يحيط الهدهد وهو طائر ضعيف محدود بما لم يحط به سليمان وهو الملك النبي الذي حكم الإنس والجن؟ لأن الله سبحانه وتعالى . . يكره الغرور من خلقه . ولذلك يأتي بآية تميز الأدنى عن الأعلى ليعلموا جميعا أن كل قدراتهم ليست بذاتهم . وإنما هي من الله . فيأتي موسى وهو الرسول والنبي . . فيتعلم من الخضر وهو العبد الصالح ما لم يكن يعلمه .
وقد خلق الله سبحانه المسميات وإن كنا لا نعرف وجودها وجعل الملائكة تتلقى أسماء هذه المسميات من آدم . وأن البعض يتساءل عن وسيلة تعليم الخالق الأكرم لآدم عليه السلام . وتعليم الخالق يختلف عن تعليم الخلق . لأن الخالق يعلم إلهاما . يقذف في قلب آدم أسماء المسميات كلها لكل ما في الكون من أسماء المخلوقات . .
إذن فالمشهد الأول . لآدم مع الملائكة . كان قد تم إيجاد كل المسميات وألهمها الله لآدم . بدليل أن الملائكة لم تتعرف على هذه المسميات . بينما عرفها آدم . وهنا لابد لنا من وقفة . إن الكلام هو ناتج السمع . واللغة ناتج البيئة ، والله سبحانه وتعالى علم آدم الأسماء . وهذا العلم لا يمكن أن يأتي إلا إذا كان آدم قد سمع من الله سبحانه وتعالى . . ثم نطق . فأنت إذا أتيت بطفل عربي . . وتركته في لندن مثلا . . فتراه يتكلم الإنجليزية بطلاقة . . ولا يفهم كلمة واحدة من اللغة العربية . والعكس صحيح . إذا أتيت بطفل إنجليزي . وتركته في بلد عربي . يتكلم العربية . . ولا يعلم شيئا عن الإنجليزية . إذن فاللغة ليست وراثة ولا
جنسا ولا بيئة .

ولكنها محاكاة يسمعها الإنسان فينطق بها . وإذا لم يسمع الإنسان شيئا وكان أصم فإنه لا يستطيع النطق بحرف واحد . فإذا كان آدم قد نطق بهذه الأسماء . فلابد أنه سمع من الله سبحانه وتعالى . .
والعجيب أن الطريقة التي علم الله سبحانه وتعالى آدم بها . هي الطريقة نفسها التي تتبعها البشرية إلى يومنا هذا . فأنت لا تعلم الطفل بأن تقص عليه الأفعال . ولكن لابد أن يبدأ تعليمه بالأسماء والمسميات . تقول له : هذا كوب . وهذا جبل وهذا بحر . وهذه شمس . وهذا قمر . وبعد أن يتعلم المسميات . يستطيع أن يعرف الأفعال . ويتقدم في التعليم بعد ذلك . .
وهكذا نتعرف على النشأة الأولى للكلام . وطلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى علمت آدم الأسماء .
وهنا نتوقف لنجيب عن سؤالين : الأول : إذا كان الله سبحانه وتعالى قد علم آدم الأسماء كلها . فهل كان فيها أسماء ما سيستجد من مخترعات في العالم؟
نقول : إنه حتى لو تعلم آدم الأسماء التي يحتاج إليها في أولويات الوجود ويستخدمها في متطلبات حياته على الأرض . فإذا جد جديد ، فإن أولاد آدم يستخدمون هذه الأسماء من المقدمات والأسماء التي تعلموها . فما يجد في الوجود من أسماء . تدخل على اللغة . لم تأت من فراغ . وإنما جاءت من اللغة التي تنطق بها وتكتب بها .
كذلك كل شيء في هذا الكون . لو أعدته الآن إلى أصله . تجد أن أصله من الله . فلو أعدت البشرية إلى أصلها لابد أن تصل إلى أن الإنسان الأول خلقه الله سبحانه وتعالى . ولو أعدت العلم إلى أصله . وكل علم يحتاج إلى معلم . نقول لك . . من الذي علم المعلم الأول . أليس من البديهي أن العلم بدأ بمعلم علمه الله سبحانه وتعالى . وكان هذا هو المعلم الأول . . إذن فالذي علم الأسماء لآدم هو الله سبحانه وتعالى . وهو علمها لأولاده . وأولاده علموها لأولادهم وهكذا . .
يأتي السؤال الثاني : إذا كان الله هو المعلم للكلام . فلماذا اختلفت اللغات على الأرض وأصبح هناك ألوان من اللغات والألسنة؟
نقول إن تنوع فترات التاريخ وانتشار الإنسان على الأرض جعل كل مجموعة من البشر تقترب من بعضها لتكون لها لغة واحدة . وكل لغة موجودة مأخوذة من لغة قديمة . فالفرنسية والإنجليزية والإيطالية . مأخوذة من اللاتينية . والعبرية والسريالية لهما علاقة باللغة العربية . واللهجات التي يتكلم بها العالم العربي صاحب اللغة الواحدة ، تختلف . . حتى أن لهجة الجزائر أو المغرب مثلا . تجدها مختلفة عن اللهجة المصرية أو السودانية . ولكننا إذا تكلمنا باللغة العربية فَهِمَ بعضنا بعضا ، ولغة هؤلاء جميعا في الأصل هي لغة القرآن . وهي العربية . ولكن في فترات الوهن التاريخي الذي مر على العرب انعزلت البلاد العربية بعضها عن بعض ومضى كل مجتمع يأخذ
اللغة كمظهر اجتماعي .

فيسقط التفاهم بين اللهجات المختلفة .
وهكذا علم الله سبحانه وتعالى آدم الأسماء كلها . ثم عرضهم على الملائكة وقال لهم { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ؟ أي أن الله سبحانه وتعالى كرم آدم في العلم . وأعطاه علما لم يعطه للملائكة . ثم جعل آدم هو الذي يعلمهم أسماء مسميات لم يعرفوها . وهذا دليل على طلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى . يفعل ما يشاء في كونه . وكما قلنا إن تمييز الأدنى عن الأعلى . لا يتم إلا بفعل الله وحده .
ولكي نقرب هذا إلى العقول : هب أن إنسانا ضعيفا يريد أن يحمل حملا ثقيلا . . لا يقدر . وإذا كان هناك إنسان قوي يعينه فإنه لا يستطيع أن يعطيه من قوته ليحمل هذا الحمل . ولكن يعينه بأن يحمل عنه . أما الذي يستطيع أن يجعل هذا الضعيف قويا يمكنه أن يحمل هذا الحمل الثقيل فهو الله سبحانه وتعالى . . فالإنسان لا يستطيع أن يعطي إنسانا آخر من قوته . ولكن الله وحده هو القادر على أن يجعل الضعيف قويا والقوي ضعيفا .
وقوله تعالى : { إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وهل يكذب الملائكة؟ إن الملائكة خلق من نور يسبحون الله . ويفعلون ما يؤمرون . . نقول إن قوله تعالى { أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فيما قستم عليه الأحداث . أو فيما قلتموه ضربا بالغيب .
ولو أن الملائكة قاسوا حكمهم على حكم جنس آخر كان في الأرض كالجن مثلا الذين خلقوا قبل الإنسان . . يقول الحق تعالى أنكم أخطأتم في قياسكم هذا . أو إن كنتم صادقين فيما تنبأتم به من غيب؛ فلا يعلم الغيب إلا الله تعالى . فالقياسان جانبهما التوفيق .
وليس هذا طعنا في الملائكة . ولكنه تصحيح لهم . وتعريف لنا بأن الملائكة لا يعلمون الغيب . ولذلك فهم حينما قاسوا أو حكموا على غيب . . جانبهم التوفيق . لأن الله وحده هو علام الغيوب . والذي دفع الملائكة إلى أن يقولوا أو يبطنوا هذا الكلام هو حبهم الشديد لله تعالى . . وكراهيتهم ل
إفساد في كونه .

Publicité
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article