يعاند الإنسان ويكابر في وقت الرخاء، بل قد يزيده الرخاء والأمن غفلة وبعداً عن الله إن كان من ذوى القلوب المريضة، ولكنه في وقت الشدة لا يستطيع أن يستمر في عناده ومكابرته!
أثر الشدة على الإنسان :
إنه من جهة ينكشف أمام نفسه، عاجزاً قليل الحيلة محتاجاً إلي العون، وتزول عنه عنجهيته الفارغة التي يستكبر بها على الله والناس!
ومن جهة أخرى يتيقظ الإيمان المركوز في فطرته، والذي تشهد به الفطرة كما قال سبحانه وتعإلي : ((إذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا)) (الأعراف : 172).
إنه ينسى الشركاء المزعومين إن كان يعبد شركاء من دون الله أو مع الله. أو ينسى إلحاده إن كان من الملحدين المنكرين لوجود الله أصلاً، ويتوجه من أعماق قلبه إلي الله الحق، يدعوه ليكشف ما به من سوء!
والقرآن يواجه الناس بحقيقتهم ليكشفها لهم، ويكشفهم هم أمام أنفسهم! بل إنه يواجههم بحقيقة أخرى، أشد دلالة على ما في نفوسهم من انحراف .
فياليتهم بعد أن عرفوا الله في وقت الشدة، وانكشف لهم الحق من الباطل، وأدركوا أن الله وحده هو الذي يملك كشف الضر، وهو الذي تجب عبادته وحده دون شريك، والتوجهن إليه وحده دون شريك.. ليتهم بعد أن عرفوا كل ذلك قد استقاموا عليه!
ولكنهم – لما في أنفسهم من اعوجاج ومرض- ما يكاد ينكشف عنهم الضر الذي دعوا الله من أجله مخلصين له الدين، حتى يعودوا إلي سيرتهم الأولى كأن لم يحدث شيء، وكأنهم لم يمروا بالشدة، ولم يؤمنوا بالله في أثنائها!
وهذا الذي يواجههم به القرآن لعلهم يراجعون أنفسهم فيتخلون عن انحرافهم ويستقيمون : ((وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلي ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون)) (يونس : 12).
((هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين(22) فلما أنجاهم إذا هم يبقون في الأرض بغير الحق يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون))(يونس : 22،23).
هذه الآيات كلها من سورة يونس، تصور حالة عامة للإنسان يصيبه الضر فيلتجئ إلي الله، ويدعوه أن يكشف ما حل به من الشدة. والآية تصوره على جميع أوضاعه، فإذا كان الضر الذي أصابه قد ألجأه إلي النوم على جنبه من مرض أو نحوه فإنه يدعو الله على حاله تلك ((دعانا لجنبه)). وإن كان قاعداً أو قائماً دعا الله كذلك في قعوده أو قيامه. أي أنه حيثما كان وضعه في حالة وقوع الضر عليه فإنه يلتجئ إلي الله ضارعاً أن يصرف عنه ما به من سوء. وقد يكون الهم الذي حل به هماً نفسياً لا جسمياً، وهو في هذه الحالة يدعو الله كذلك. يدعوه في كل وضع من أوضاعه: ((لجنبه أو قاعداً أو قائماً)) لأن الهم الذي ركبه يلازمه في جميع أحواله، فيلجئه إلي الدعاء في كل حال.
فهل حين يكشف الله عنه الضر يتذكر؟ هل يتذكر كيف كان في وقت الشدة ضارعاً إلي الله، موقناً في دخيلة نفسه ألا منقذ له سواه؟ كلا! ((فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلي ضر مسه))!
والتعبير القرآنى بكلمة ((مر)) يصور تصويراً دقيقاً حالة ذلك الإنسان وقد عوفي من البلاء الذي حل به، سواء أكان جسمانياً أو نفسياً، فإذا هو منتفش مزهو ((يمر)) دون مبالاة ولا اعتبار كأن لم يكن بالأمس القريب يجأر بالشكوى ويجأر بالدعاء! لقد نسى! ((وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأي بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض )((فصلت:51).
أما الآيتان الثانيتان من سورة يونس فتصفان حالة خاصة. حالة قوم ركبوا في سفينة والجو رخاء والريح ساكنة، وهى تجرى بهم جرياً مطمئناً على صفحة الماء. فالقوم فرحون بركوبهم، مستبشرون برحلتهم مستمتعون بها. وفجأة تهب الريح عاصفة فتيغير كل شيء في لمحة! تتغير الملامح والمشاعر والأفكار! فيحل القلق محل الطمأنينة والانزعاج محل الاستبشار. ويبدو الكرب على الملامح التي كانت وادعة ناعمة من قبل! فلمن يلجئون عندئذ؟ إنه لا ملجأ إلا إلي الله! ((دعوان الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)).
لقد تقطعت بهم الأسباب، وتعلقت نفوسهم بقدر الله. علموا أنه لا منقذ لهم مما هم فيه من الكرب إلا رحمة الله. فالكرب أكبر من قوتهم، وهم عاجزون إزاءه.. والإنسان يطغى ويستكبر وهو يحس بالقوة، فيعتقد أنه لن ينهزم أمام شيء! فإذا رأي قوته تتضاءل وتتضاءل حتى يدركها العجز،ن ورأي الكرب يشتد حتى لم تعد له به قوة .. عندئذ يرى نفسه على حقيقتها، ويزول عنه الكبر المزيف والطغيان. ويلجأ إلي القوة الحقيقية: قوة الله، موقناً أنها هى وحدها التي تنقذه، وأن كل ما عداها هباء
والتعبير القرآني يظهر هذه الحقيقة بوضوح ((دعوا الله مخلصين له الدين)). ففي تلك اللحظة الحرجة، لحظة الانقطاع من كل أمل في الخلاص أو العون، يكون إحساس الإنسان بالذات الإلهية واضحاً مستقراً عميقاً في النفس، كأنما كان هناك ستار يغشى هذه الحقيقة في النفس فإنجاب الستار وانكشفت الحقيقة. ويكون التوجه إلي الله مخلصاً كذلك. فالخطر الداهم مفزع، والملجأ الوحدي هو الله . عندئذ يتشبث الإنسان بالملجأ، صادق الرغبة في الالتجاء. وحين يدعون الله مخلصين له الدين يكونون في لحظتها صادقين في قولتهم: ((لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)) ذلك أنهم في فزعهم يشعرون أن الله قد يرضى عنهم ويخلصهم مما هم فيه من الكرب إذا تابوا إليه من انحرافهم واستقاموا على أمره، فيلجئهم الفزع إلي نية التوبة وإلي الوعد بالشكران. ولا يكون الشكران إلا بطاعة الله.
ولكن .. كم تبقى تلك المشاعر على إخلاصها؟! فقط لحين تنتهى الشدة ويزول الكرب! (( فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق))!! ما أسوأ هذا الإنسان وما أخسره!
لقد عاد الستار الذي كان يحجب حقيقة الألوهية في نفسه فانسدل كما كان، وران على قلبه ما كان يرين عليه من قبل. ولم تكن تلك الصحوة إلا صحوة عارضة أنشأتها الشدة، فلما زالت الشدة عاد إلي ما كان فيه من غفلة، واستنام إلي ما كان فيه من بهتان!
((يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا)).
نعم! إنه متاع الحياة الدنيا، ذلك المتاع الزائل الزائف هو الذي يلهيهم فينسيهم ربهم، وينسيهم آخرتهم، فيغرقون في هذا المتاع القريب غافلين عن كل ما عداه .
ولكن بغيهم هذا هو في الحقيقة على أنفسهم. فماذا بعد ذلك المتاع القصير، المحدود بسنوات العمر المعدودة، ولو خلصت سنوات العمر كلها للمتاع؟!
((ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون)). وعندئذ يذهب ذلك المتاع، بل تذهب حتى ذكراه، ولا يتبقى له إلا مصيره البائس الذي يذكر به فينساه!
تجد هذا المعنى مكرراً في القرآن في أكثر من موضع، وتستطيع أن تراجع هذه الآيات :
((قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين)) (الأنعام : 63) .
((وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلي البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً)) (الإسراء:67).
((لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط(49) ولئن أذقناه رحمة منا من بعده ضراء مسته ليقولن هذا لى وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلي ربى إن لى عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ))(فصلت : 49،5.).
يبين الله في كتابه الكريم حقيقة الألوهية للناس كافة. فقد نزل القرآن للبشرية كلها منذ بعثة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه و سلم إلي أن تقوم الساعة فلا نبى بعد محمد صلى الله عليه و سلم ، ولا كتاب يتنزل من عند الله بعد القرآن.
ولما كانت نقطة البداية بالنسبة للبشر جميعاً هى أن يتعرفوا على إلههم الحق لتستقيم أحوالهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فلا يعبدوا غيره، ولا يتلقوا منهج حياتهم من غيره، وإنما يعبدونه وحده سبحانه، ويلتزمون بما أمرهم به، فيكون لهم في الحياة الدنيا نظام ربانى ينظم حياتهم، ويكون لهم في الآخرة جزاء الحسنى: جنات تجرى من تحتها الأنهار، لذلك فإن أهم ما يتولى القرآن بيانه للناس هو حقيقة الألوهية والربوبية ، وقد رأينا في الفصول الثلاثة السابقة كيف يتولى القرآن تعريف الناس بإلههم.
مرة بإيقاظ وجدانهم لآيات الله في الكون والحياة .
ومرة بمناقشة عقولهم بالبراهين والأدلة التي تبين الحق.
ومرة بتذكيرهم بما يكون منهم في أحوال الشدة من اللجوء إلي الله وحده ونبذ كل شريك مع الله أو من دون الله، ولكن القرآن لا يكتفي بهذا البيان المتعدد الوسائل، بل يتتبع دعاوى المبطلين واحدة واحدة يرد عليها ويفندها، حتى لا يبقى عذر لأحد من البشر جميعاً يتعلل به في الانحراف عن الإيمان بالله الحق، ولقد كانت الدعوة الإسلامية تواجه وقت نزول القرآن ألواناً عديدة من الانحرافات تتعلق بحقيقة الألوهية والربوبية .
نماذج من الانحرافات التي كانت موجودة وقت نزول القرآن :
كانت الوثنية في الجزيرة العربية تعبد الأصنام وتعتبرها آلهة تشارك الله في بعض صفاته، كما كان بعضهم يعبدوا الجن.
وكان المنحرفون من أهل الكتاب يزعمون لله ولداً : ((وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله))(التوبة : 3.) كما كانت العرب في الجاهلية تقول : الملائكة بنات الله!
وكانت الجاهلية العربية تنكر على الله قدرته على البعث وتعد الحديث عنه جنوناً لا يتقبله العقل!
والدهريون ينفون البعث أصلاً، أو ينفون أن يكون لله دخل بالأمر كله : ((وقالوا ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر)) (الجاثية : 24) .
كما كان هؤلاء جميعاً يقعون في شرك واحد مشترك هو عدم اتباع ما أنزل الله، والحكم بغير ما أنزل الله ، وتولى القرآن الرد على ذلك كله منذ أربعة عشر قرناً، ففند تلك الدعاوى الباطلة كلها، وأبطلها من أساسها، وبين وجه الحق فيها ، واليوم ينظر الإنسان إلي البشرية الضالة في أرجاء كثيرة من الأرض، فيجد ضالات اليوم كضلالات الأمس:
((وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون)) (البقرة : 118)، ويجد أن القرآن قد تولى الرد عليها سلفاً منذ أربعة عشر قرناً، وما جاءوا في إفكهم بجديد! ويحس الإنسان وهو يتلو القرآن ويتدبره كأنما يتنزل اللحظة للرد على أولئك الشاردين وردهم إلي دعوة الحق! ((كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب))(ص:29).
وفي هذا الفصل نستعرض ردود القرآن على دعاوى المنحرفين، وسنرى أن بعضها قد ورد من قبل في أثناء شرح طريقة القرآن في بيان حقيقة الألوهية وبعضها لم يرد له ذكر من قبل، وسنجد في النهاية أنه قد تجمع لدينا بعون الله بيانشامل بطريقة القرآن في معالجة الموضوع بتمامه.
1- الشرك :
كان المشركون يعبدون آلهة شتى في صورة أصنام، أو يعبدون الملائكة أو يعبدون الجن، ويزعمون أنها تشفع عند الله فيستجيب الله لشفاعتها! أي أنهم يتوسلون بها إلي الله كما حكى عنهم القرآن : ((ما نعبدهم إلا ليقربونا إلي الله زلفي)) (الزمر : 3) .
فبين القرآن حقيقة الأمر في هذا الشأن بطريقين :
الطريق الأول : بيان أن الله وحده هو الخالق المدبر لهذا لكون، فلا هو في حاجة إلي معونة من أحد على الإطلاق في تدبير الأمر، ولا هناك من يقوم أصلاً بالتدخل في أمر الله! فمادام لا يوجد أحد يشارك الله في الخلق- وهو أمر لا يجادل فيه أحد حتى المشركون- فكيف يوجد من يشاركه في التدبير؟ ((ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)) (الأعراف : 54).
والطريق الثانى : بيان عجز أولئك الشركاء عن أن يملكوا لأنفسهم نفعاً ولا ضراً. فكيف ينفعون غيرهم أو يضرونهم؟ ! وأحياناً يجتمع الطريقان معاً في الآية الواحدة أو مجموعة الآيات، وأحياناً يختص السياق بواحد من الطريقين.
( أ ) فمن أمثلة الطريق الأول : (وإن كان يحوى إشارة إلي الطريق الآخر) :
((والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون(65) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصاً سائغاً للشاربين(66) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً إن في ذلك لآيةن لقوم يعقلون(67) وأوحى ربك إلي النحل أن اتخذى من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون(68) ثم كلى من كل الثمرات فاسلكى سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون(69) والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلي أرذل العمر لكى لا يعلم بعد علم شيئاً إن الله عليم قدير (7.) والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادى رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) والله جعل لكم والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون(72) ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً ولا يستطيعون))(النحل:65-73).
فهنا عرض مستفيض لآيات من آيات الله في الخلق وفي الرزق معاً في سياق واحد. فآية في الماء النازل من السماء بقدرة الله يحي الأرض بعد موتها وينبت فيها الزرع. وآية في الأنعام يخرج الله من بطونها لبناً خالصاً سائغاً للشاربين. ومن أين يخرج هذا اللبن؟ من بين فرث ودم. والفرث هو بقايا الغذاء المهضوم في الأمعاء. وتحول العصارات الهضمية إلي دم، ومرور هذا الدم على أعضاء الجسم المختلفة يعطى كل واحد منها غذاءه، ثم قيام كل عضو بوظيفته بعد أن يتلقى غذاءه من الدم، وقيام الغدد البنية في الضرع بإفراز اللبن، أو بعبارة أخرى تحول الفرث إلي دم ثم تحوله إلي لبن: كل ذلك من آيات الله المعجزة في الخلق، وهو كذلك من آيات الله في الرزق الذي من به على الإنسان.
وآية في النحل التي تأكل من رحيق الزهور وتخرج منه هذا الغذاء العجيب الذي لا تنحصر فائدته في خواصه الغذائية فحسب، بل هو شفاء لكثير من الأمراض. وهى كذلك آية في الخلق وفي الرزق في ذات الوقت، وآية في خلق البشر واختلاف أعمارهم. ثم إشارة إلي وضع كان قائماً يومئذ عند العرب وهو وجود أرقاء بين أيديهم، يستخدمه القرآن لتقريب القضية إلي أذهان المخاطبين به يومئذ، فيقول إن الله فضل بعضهم على بعض في الرزق فجعل بعضهم سادة وبعضهم عبيداً، فهل يقبل السادة المفضلون أن يشركوا معهم عبيدهم في السيادة والسلطة فيصبحوا سواء هم وعبيدهم؟ فإذا كانوا لا يقبلون ذلك لأنفسهم فلماذا يقبلونه بالقياس إلي الله سبحانه وتعإلي فيشركون معه عباداً من عباده فيجعلونهم آلهة مع الله؟.
ثم يعود إلي آية أخرى في الخلق والرزق فيشير إلي أن الله جعل لكم من أنفسكم –أي من جنسكم- أزواجاً وجعل لكم عن طريق الزواج بنين وحفدة، ورزقكم من كل الطيبات … أفتكون نتيجة ذلك كله الكفر بدلاً من الشكر؟ والكفر الذي يمارسونه هو الموضح في الآية الأخيرة: ((ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً من السموات والأرض شيئاً ولا يستطيعون)).
وتبدو هذه العبادة شيئاً منكراً بعد عرض هذه الآيات كلها على الوجدان والعقل. ويبدو الذين يمارسونها قوماً ناقصى الآدمية، لأأنهم يؤمنون بالباطل على غير أساس، ويجحدون الحق بغير برهان.
* ((قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفي آلله خير أما يشركون(59) أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون(6.) أمن جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسى وجعل بين البحرين حاجزاً أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون(61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكرون(62) أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشراً بين يدى رحمته أإله مع الله تعإلي الله عما يشركون))(النمل:59-64).
(وقد سبق شرحه في الفصل السابق).
*((يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنفذوه منه ضعف الطالب والمطلوب))(الحج:73).
(ب) ومن أمثلة الطريق الثانى :
((أيشركون مالا يخلق شيئاً وهم يخلقون(191) ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون(192) وإن تدعوهم إلي الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون(193) إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين(194) ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون (195) إن وليى الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين(196) والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون(197) وإن تدعوهم إلي الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون))(الأعراف : 191-198).
بدأت الآية الأولى بسؤال يوضحخ مفرق الطريق؛ فالإله الذي ينبغى أن يؤمن به الإنسان ويعبده هو الإله الخالق. فما بال هؤلاء المشركين يشركون آلهة لا تخلق شيئاً وهى ذاتها مخلوقة، يصنعها الناس بأيديهم ثم يجعلونها آلهة؟ (والإشارات كلها هنا إلي الأصنام) هل في ذلك منطق يقبله العقل أو تقبله فطرة سوية؟
ثم يستطرد السياق فيشرح حال هذه الأصنام التي يعبدها المشركون، فهى لا تستطيع نصر أنفسها إذا اعتدى عليها معتد فضلاً عن أن تنصر غيرها! وهى لا تسمع لو دعاها أحد، فسواء عليك أحدثتها أم لم تحدثها فالنتيجة واحدة!
ثم يقرر السياق حقيقة تشمل كل معبود من دون الله : ((إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم)). ومع أن الإشارة مازالت خاصة بالأصنام السابق ذكرها إلا أن هذا الوصف يدخل فيه كل من يعبد وكل ما يعبد من دون الله، سواء أكانوا أشخاصاً من البشر أحياء أو أمواتاً، أو كانوا من الجن أو الملائكة، أو كانوا شجراً أو حجراً أو شمساً أو نجماً أو كوكباً من الكواكب. كلهم مخلوقات من مخلوقات الله، ومن ثم فهم عباد الله : ((عباد أمثالكم)) فلا ينبغى التوجه إليهم بالعبادة أو الدعاء .
ويستمر السياق في وصف تلك الأصنام المشار إليها في الآيات: هل لها أرجل أو أيد أو أعين أو آذان، لتمشى أو تبطش أو تبصر أو تسمع؟ فلأي شيء يا ترى يعبدها أولئك العابدون، وهم يرونها أمام أعينهم العجز المزرى؟!
ثم يتوجه الخطاب إلي الرسول صلى الله عليه و سلم أن يتحداهم أن يضروه بأصنامهم تلك- وقد كانوا يهددون الرسول بأن تلك الآلهة المزعومة ستصيبه بالضرر نتيجة مهاجمته إياها! – فيقول الله تعإلي له : قل لهم : هلموا كيدكم الذي تهددون به، ولا تتأخروا (لا تنظرونى) وأرونى ماذا تستطيع آلهتكم أن تصنع! إن الله هو الذي يتولانى، وهو يتولى المؤمنين الصالحين ويحميهم ويرعاهم، أما آلهتكم فلا تستطيع أن تنصركم إن أراد الله بكم ضراً ولا تستطيع حتى أن تنصر نفسها، وهى لا تسمع ولا تبصر. فهى لا تستحق العبادة ولا الدعاء .
* ((تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً(1) الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً(2) واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً))(الفرقان : 1-3) .
* ((ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلي يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون)) (الأحقاب:5).
2- ادعاء الولد لله :
يشترك في هذه الضلالة اليهود والنصارى ومشركو العرب، وهى ضلالة واحدة وإن اختلفت صورها. فاليهود يقولون : عزير ابن الله، والنصارى تقول : المسيح ابن الله، ومشركو العرب يقولون : الملائكة بنات الله.
والقرآن يتناول هذه الضلالة فيفندها على نحو يماثل ما يفند به ضلالة الشرك، لأنها شرك في الحقيقة وإن اتخذت صورة محددة، هى نسبة الولد لله سبحانه وتعإلي :
*((إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحى ذلكم الله فأنى تؤفكون (95) فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (96) وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون(97) وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون(98) وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلي ثمرة إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون(99) وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعإلي عما يصفون(100) بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم (101) ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل (102) لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)) (الأنعام : 95-103).
هذا النص الشامل يناقش قضية البنوة عامة، ويدخل فيه كل من يدعى لله ولداً : ((وخرقوا له بنين وبنات بغير علم)) . وهو يبدأ بعرض رائع لآيات الله في الكون، يشمل مجالات واسعة من السماوات والأرض والإنسان والنبات، تملأ الوجدان بحقيقة الألوهية، وتعرف الناس بربهم الحق، بحيث تبدو ضلالة المضلين بعدها غير ذات معنى، وغير ذات موضوع.
تبدأ الآيات بتقرير أن الله هو الذي يفلق الحب والنوى ليخرج منه أنواع الزرع المختلفة. وهى حقيقة يغفل عنها الناس أحياناً فيحسبون أن الزرع ينبت من تلقاء نفسه، وما عليك إلا أن تبذر البذرة في الأرض وترويها بالماء! نعم إنك تصنع ذلك، ولكن من الذي يفلق الحبة أو النواة في باطن الأرض ليخرج منها النبتة الصغيرة التي تظل تنمو حتى تثمر؟! أليس هو الله الخالق سبحانه؟ أليس هو الذي أودع فيها خصائص النمو؟ أو ليس هو الذي يأذن لكل حبة بذاتهان أن تنمو .. وإلا فلا نماء ولا إنبات؟!
والله هو الذي يخرج الحى من الميت (كما ينبت الزرع من الأرض المجدية)، ويخرج الميت من الحى (بعد أن تنتهى دورة الحياة في الكائن الحى فيموت) وكلاهما يتم بقدر من الله ، ويجئ التعقيب بعد ذلك : ((ذلكم الله فأنى تؤفكون))؟.
ذلك هو الله الحق، الذي ينبت الزرع ويحي ويمت. وهذه مجالات من مجالات قدرته. فهل من الشركاء من يفعل شيئاً من ذلك؟ فأنى تصرفون عن الحق وتتعاطون الإفك؟، وإذا كانت الجولة الأولى في الحب والنوى، والحى والميت على الأرض، فالجولة الثانية في الأفلاك: ((فالق الإصباح وجعل الليل سكناً والشمس والقمر حسباناً ذلك تقدير العزيز العليم)).
إن الله فالق الحب والنوى هو كذلك فالق الإصباح، أي مخرج الصبح من باطن الظلمة، كما تخرج النبتة المشرقة من باطن الأرض المظلم و هو الذي جعل الليل سكناً. فمن حكمته سبحانه أن جعل أكثر الكائنات الحية التي خلقها تنشط للنور في النهار وتسكن للظلمة في الليل. وبمناسبة الحديث عن النهار والليل يأتى الحديث عن الشمس والقمر فيقول : ((والشمس والقمر حسباناً)) أي أن الله جعل الشمس والقمر حسباناً، تحسب بهما الأيام والشهور والسنين كما أن لكل منهما دورة محسوبة بالحساب الربانى الدقيق الذي لا يختل قيد شعرة ((ذلك تقدير العزيز العليم))، وبسبب هذا الانضباط الدقيق يحسب بهما الإنسان الوقت، ويتعلم الإنسان الدقة من دقة الكون من حوله !
((وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر)) فتعرفوا بها اتجاهكم في ظلمة الليل حيث لا نور ولا دليل، ثم هذه جولة ثالثة في محيط الإنسان :
(( وهو ا لذى أنشأكم من نفس واحدة)) من آدم الذي خلقه الله من تراب، ثم جعل منه زوجة حواء.
((فمستقر ومستودع)) إذ جعل الله النسل بعد ذلك يأتى بالتزاوج، الذي يتم فيه التقاء الخلية المذكرة المستقرة في صلب الرجل بالخلية المؤنثة في مستودعها بالرحم .
(( قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون)) فالأمر في حاجة إلي تدبر واعٍ يدرك هذه المعجزة فيدرك عظمة الصانع الحكيم .
موهذه الجولة الأخيرة في عالم النبات :
(( وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء))، فالنبات كله يحتاج إلي الماء، ولا يخرج من الأرض بغير رى، ثم يأخذ السياق في التفصيل بعد الإجمال :
((فأخرجنا منه خضراً نخرج منه حباً متراكباً ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه)).
فهذا هو النبات كله يخرج أخضر طريا في مبدأ الأمر ثم يأخذ طريقه في النمو، فيخرج منه الحب المتراكطب ( مثل سنابل القمح والشعير وغيرها)، ويخرج منه النخل بأنواعه، والأعناب والزيتون والرمان، مختلف الأشكال والألوان والروائح والمذاقات، بل إن كل نوع من هذه الأنواع تجد في ثماره المتشابه وغير المتشابه، وحين يتملى الإنسان بخياله هذه اللوحة الجميلة المتملئة بأشكال النبات المختلفة، فإن وجدانه ينفعل بها، ويحب أن يتأمل فيها ويشبع نظره منها ، والسياق القرآنى بالفعل يدعوه إلي ذلك !
إنه هنا لا يدعوه إليالأكل منها! ففي مكان آخر من السورة يذكر الأكل : ((وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفاً أكله والزيتون والرومان متشابهاً وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين))(الأنعام: 141).
ولكنه هنا في هذا السياق لا يأمر بالأكل ولا يوجه إليه، إنما يوجه إلي شيء آخر (( انظروا إلي ثمره إذا أثمر وينعه)).
انظروا إلي هذا الجمال البديع الذي أخرجته يد الصانع المبدع ..
أملئوا وجدانكم ومشاعركم بهذا الجمال، ثم تدبروا … فماذا تجدون في هذا المنظر الرائع الأخاذ؟
((إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون)) فكل من ينظر ويتدبر يجد الآيات التي تهديه إلي الإيمان .
وهنا – والوجدان في قمة تأثره – يعرض السياق ضلالة المشركين فتبدو – بعد هذه الآيات كلها – سخفاً لا معنى له وأمراً تشمئز منه النفس ولا تسيغه: ((وجعلوا الله شركاء الجن وخلقهم)) فهم من خلقه، ومع ذلك فهؤلاء المشركون يجعلونهم شركاء له !
(( وخرقوا له بنين وبنات بغير علم)) اختلقوا بنين وبنات نسبوهم إلي الله بغير علم .. وأي علم هذا الذي ينتج هذه الأضاليل؟! (( سبحانه وتعإلي عما يصفون)).
((بديع السموات والأرض)) الذي أبدعها على غير مثال. ((أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم)) .
يناقشهم بمنطقهم : كيف يكون له ولد وليست له زوجة؟ وقد نسوا - – وهم يلفقون هذه الأبناء والبنات لله – نسوا أن يلفقوا له زوجة كذلك لتلد هؤلاء البنين والبنات!
ثم إنه سبحانه وتعإلي هو خالق كل شيء – وهم يقرون بذلك – فأي شيء يدعو الخالق أن يتخذ بنين وبنات؟ ما حاجته إليهم وهو الذي يقول الشيء كن فيكون، وهو صانع هذه الآيات المعروضة في السماوات والأرض (وهو بكل شيء عليم))؟
ثم يجئ التعقيب الأخير بعد عرض آيات الخلق، ومناقشة الضالين في ضلالتهم، يحسم الأمر كله :
((ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل)) . ذلكم .. الخالق الذي رأيتم آيات خلقه .. هو ربكم الذي لا إله إلا هو .. فاعبدوه وحده مخلصين له الدين، لا تشركوا به شريكاً من ولد مزعوم أو آلهة مدعاة .. وهو المسيطر المتصرف في كل شيء : ((وهو على كل شيء وكيل)). ((لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)). لا تراه الأبصار في الدنيا، بينما يرى هو سبحانه كل الأبصار من عليائه، وهو اللطيف الخبير بخلقه وما يدور في نفوسهم من أفكار ومشاعر، سواء منهم المهتدى والممعن في الضلال.
*((وقالوا اتخذ الرحمن ولداً (88) لقد جئتم شيئا إداً(89) تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا(9.) أن دعوا للرحمن ولداً (91) وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولداً(92) إن كل من في السموات والأرض إلا آتى الرحمن عبداً (لقد أحصاهم وعدهم عداً(94) وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً)) (مريم 88-95).
3- إنكار البعث :
كان من أشد ضلالات العرب في الجاهلية إنكارهم على الله أنه يستطيع أن يبعث الموتى بعد أن ماتوا وتحولوا إلي تراب! وبلغ بهم الأمر في التكذيب أنهم كانوا يعجبون من الرسول صلى الله عليه و سلم حين يحدثهم بأمر البعث حتى روى القرآن عنهم: ((وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة)) (سبأ : 7،8) .
وكان القرآن يعالج هذا الأمر بتعريفهم بقدرة الله الخالق، التي لا تنتهى عند حد، ولا يعجزها شيء في السماوات والأرض، وأن الذي خلق الخلق أول مرة من العدم قادر على أن يعيد خلقه مرة أخرى، ثم يريهم من آيات الإحياء حولهم ما يلفت نظرهم إلي عملية إخراج الحى من الميت معروضة أمامهم في كل لحظة. والذي يستطيع أن يخرج الحى من الميت يستطيع حين يشاء أن يبعث الموتى ويردهم إلي الحياة :
*((ق والقرآن المجيد(1) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب(2) أئذا متنا وكنا تراباً ذلك رجع بعيد(3) قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ(4) بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج(5) أفلم ينظروا إلي السماء فوقهم كيف بنيناهم وزيناها وما لها من فروج(6) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسى وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج(7) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب(8) ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جناب وحب الحصيد(9) والنخل باسقات لها طلع نضيد(1.) رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج (11) كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان لوط (13) وأصحاب الإيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد(14) أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد))(ق:1-15).
تعرض الآيات مجالات القدرة الإلهية التي تخلق وتحي الموات، فيبدو إنكار البعث بعدها تفاهة في الفكر وسخافة في العقل، لا تصدر عن إنسان سوى التفكير .
تبدأ الآية الأولى بذكر القرآن المنزل من الله على رسول اللهصلى الله عليه و سلم يدعو إلي الهدى، ولكن الكافرين الذين نزل القرآن لهدايتهم عجبوا حين جاءهم المنذر صلى الله عليه و سلم يحدثهم عن البعث فقالوا : ((هذا شيء عجيب)) . وموضع العجب عندهم أنهم لا يتصورون أن الله يقدر على بعثهم بعد أن يصيروا تراباً فيقولون: ((ذلك رجع بعيد)).
ثم تقرر الآيات أن الله العليم سبحانهن يعلم كل من يموت منهم فلا يضيع منهم أحد خارج علم الله، وأن عنده سبحانه كتاباً مسجلاً فيه كل شيء. وذلك رداً على توهمهم أنهم إذا ضاعوا في الأرض وأصبحوا تراباً فقد ضاع كل أثر لهم على الإطلاق! فهم يحسبون أنه ما دام قد ضاع منهم هم فقد ضاع من الله أيضاً ولم يعد الله قادراً على الإتيان به فضلاً عن بعثه من جديد !
ثم يلفت السياق نظرهم إلي آيات الخلق من فوقهم ومن حولهم. فهذه السماء الضخمة وهذه الأرض الممتدة إلي آخر مدى النظر وما فيها من جبال وزروع.
ثم يعدد الآيات الدالة على قدرة الله على الإنشاء والإحياء، فمن الماء النازل تنبت في الأرض جنات من الفاكهة وزروع تنتج الحب والنخيل الباسقات وكلها رزق للعباد. وبالمطر يحي الله الأرض الموات المجدبة. وبالكيفية ذاتها يحيى الموتى. ويخرجهم من الأرض كما يخرج النبات والزرع. إن عملية الإحياء واحدة في الحالين، والذي يقدر على الأولى يقدر على الثانية، ولكن البشر المطموس البصيرة لا يدركون هذه الحقيقة، فيسلمون بالأولى ولا يسلمون بالثانية .
ويذكر السياق أنهم ليسوا وحخدهم الذين يكذبون بالبعث؛ فقد كذبت قبلهم جاهليات كثيرة يعدد منهم السياق قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاداً وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة (الذي أرسل إليهم شعيب) وقوم تبع. ثم يقدم النذير للعرب المنكرين: إن هؤلاء الأقوام كلهم كذبوا فدمر الله عليهم وحقق فيهم وعيده، وهؤلاء إن أصروا على تكذيبهم فليس لهم عند الله إلا ذات المصير.
ويختم السياق بهذا السؤال الإنكار الذي يقرر الحقيقة : ((أفعيينا بالخلق الأول)) ؟ لقد خلق الله الكون كله من قبل، وها هم أولاء يرون الكون متماسكاً أمامهم مما يدل على عظمة الخالق وقدرته، فعلى أي أساس يشكون في قدرته على البعث؟!
*((المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون(1) الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون(2) وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسى وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون(3) وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون(4) وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا تراباً أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون))(الرعد : 1-5) .
* ((وضرب لنا مثلا ونسى خلقه قال من يحيى العظام وهى رميم(78) قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم(79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون(8.) أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم(81) إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون (82) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون))(يس : 78 – 83) .