( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم ) يقول تعالى وكم أهلكنا قبل هؤلاء المكذبين .
( كم ) للتكثير .
( مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً ) أي كانوا أكثر منهم قوة وأثاروا الأرض ، وعمروها أكثر مما عمروها .
( فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ ) أي طافوا بالبلاد وفتشوا .
( هَلْ مِن مَّحِيصٍ ) أي هل من مفر كان لهم من قضاء الله وقدره ، وهل نفعهم ما جمعوه ، وردّ عنهم عذاب الله إذ جاءهم لما كذبوا الرسل ، فأنتم أيضاً لا مفر لكم ولا محيد ولا مناص ولا محيص .
مباحث هلاك القرى ؟
أولاً : أخبر الله أنه أهلك كثيراً من القرى .قال تعالى ( وكم من قرية أهلكناها .... )، وقال تعالى ( وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة )، وقال تعالى ( وكم قصمنا من قرية .. ) .
ثانياً : أخبر الله أن هلاك القرى والأمم بسبب ذنوبهم وكفرهم .
قال تعالى ( وَتِلْكَالْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً )، قال تعالى ( فكلاً أخذنا بذنبه )، وقال تعالى ( كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم )، وقال تعالى (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ )، وقال تعالى ( وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ).
ثالثاً : أن الله لا يهلك القرى حتى يرسل إليهم الرسل .
قال تعالى ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً )، وقال تعالى ( وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون )، وقال تعالى ( وما ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً ) .
رابعاً : أن الله يقص خبر الأمم السابقة للعبرة والاتعاظ .
سادساً : أخبر تعالى لو أن أهل القرى آمنوا لكان خيراً لهم .
قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ )، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى ) أي لعبرة .( لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ ) أي لب يعي به، ( أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) أي استمع الكلام فوعاه وتعقله بعقله وتفهمه بلبه .
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ) يخبر تعالى أنه خلق السموات السبع في ارتفاعها وعظمتها، والأرض في كثافتها وسعتها، وما بينهما من المخلوقات البديعة في ستة أيام، وما مسنا من تعب ولا إعياء.
قال بعض العلماء : هذه الآية رد على اليهود حيث زعموا أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة ، وأنه تعب فاستراح يوم السبت .
( فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ) أي اصبير يا محمد على ما يقوله اليهود وغيرهم من المكذبين من كفار قريش ، واهجرهم هجراً جميلاً .
( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ) أي ونزّه ربك عما لا يليق به ، وصل له واعبده وقتي العصر والمغرب ، وخصهما بالذكر لزيادة فضلهما وشرفهما .
( وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ ) قيل : التسبيح بعد الصلاة .
( وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ) قيل : هما الركعتان بعد المغرب .
الفوائد :
أن الله أهلك كثيراً من القرون والأمم بسبب ذنوبها .
أن الله لا يعجزه شيء .
التهديد الشديد لمن كذب بالرسول محمد r ، فإن الله قد أهلك قبلهم من هم أقوى منهم وأشد عدة وعتاداً .
وجوب الاعتبار بهلاك الأمم الماضية .
من علامات كمال العقل أن يعتبر الإنسان بأخبار من مضى وهلاكهم .
أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام .
تنزيه الله عن صفات النقص كالتعب والعجز .
الرد على اليهود الذين قالوا إن الله تعب فاستراح السبت .واليهود – عليهم لعائن الله – وصفوا الله بأقبح الأوصاف، فقد قالوا (لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء )، ونسبوا له الولد (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ ) .
وجوب الصبر على مشاق الدعوة ، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين .وقد قال تعالى ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ) .
أن الصلاة وكثرة ذكر الله من أسباب توفيق الله للعبد على الصبر وتحمل المشاق .
( يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ) قال قتادة : قال كعب الأحبار : يأمر تعالى ملكاً أن ينادي على صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء .
( يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ) يعني النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي كان أكثرهم فيه يمترون
( ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ ) أي من الأجداث .
( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ) أي هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ، وإليه مصير الخلائق كلهم ، فيجازي كلاً بعمله ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر .
( يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ) أي يوم تنشق الأرض عنهم فيخرجون من القبور مسرعين إلى موقف الحساب استجابة لنداء المنادي .
( ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ) أي تلك إعادة سهلة علينا ، يسيرة لدينا .
كما قال تعالى (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) .
وقال تعالى (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) .
( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ) أي نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب ، فلا يهولنك ذلك .
( وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ) أي ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى ، وليس ذلك مما كلفت به ، إنما أنت مبلغ .
( فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ ) أي بلغ يا محمد رسالة ربك ، فإنما يتذكر من يخاف الله ، ويخاف وعيده ويرجو وعده كقوله ( إنما عليك البلاغ ) .
تعريفه : هو جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم
والحشر ثابت بالكتاب والسنة والإجماع .قال تعالى (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ . لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ)، وقال تعالى ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، وقال تعالى (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ)، وقال تعالى (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، وقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، وقال تعالى ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) ، وقال e : ( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفْراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد ) متفق عليه .
ويحشر كل شيء حتى البهائم . ودل على حشر البهائم عدة أدلة :
ج_ وحديث أبي ذر .( أن النبي e رأى شاتين ينتطحان فقال يا أباذر أتدري فيما ينتطحان؟ قال قلت لا، قال لكن الله يدري وسيقضي بينهما ) رواه أحمد .
د- وحديث ( مانع صدقة الإبل والبقر والغنم وأنها تجيء يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطأوه بأظلافها ) متفق عليه .
هـ- الآثار الواردة في قوله تعالى (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً) وأن الله تعالى يجمع الوحوش ثم يقتص من بعضها لبعض ، ثم يقول لها: كوني تراباً ، فتكون تراباً ، فعندها يقول الكافر ( يا ليتني كنت تراباً ) .
كيف يحشر الناس ؟ يحشرون حفاة عراة غرلاً، لحديث عائشة قالت قال رسول الله e : ( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً ، قالت : يا رسول الله ! الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال : يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ) متفق عليه .
وعن ابن عباس عن النبي e قال ( إنكم تُحشرون حفاة عراة غُرلاً ، ثم قرأ ( كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين ) وأول من يُكسَى يوم القيامة إبراهيم ) متفق عليه .
حفاة : جمع حاف وهو من ليس عليه نعال .
عراة : جمع عار وهو من ليس عليه ثياب .
غرلاً : أي غير مختونين .
أول من يكسى إبراهيم . للحديث السابق ( وأول من يكسى إبراهيم عليه السلام ) .والحكمة في ذلك :
قيل : لم يكن في الأولين والآخرين لله عز وجل عبد أخوف من إبراهيم فتعجل له كسوته أماناً له ليطمئن قلبه .
وقيل : لأنه أول من أمر بلبس السراويل إذا صلى مبالغة في التستر .
وقيل أن الذين ألقوه في النار جردوه ونزعوا عنه ثيابه على أعين الناس، فلما صبر واحتسب وتوكل على الله جازاه على ذلك بأن جعله أول من يدفع عنه العرى يوم القيامة، وهذا أحسنها .
أرض المحشر الشام .عن سهل بن سعد قال قال رسول الله e : ( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ، ليس فيها معلم لأحد ) رواه البخاري .
عفراء : أي ليس بياضها ناصع
كقرصة النقي : الدقيق الخالص من الغش
ليس فيها معلم لأحد : أي : شيء من العلامات التي يهتدى بها في الطرقات كالجبل والصخرة والبناء .
التهديد للكفار الذي يتكلمون بالرسول ويكذبونه ، فإن الله محيط بهم ومطلع عليهم وسيجازيهم على ذلك .
أن الهداية بيد الله .
أن الرسول r لا يملك أن يهدي أحداً ، وإنما عليه البلاغ وهداية الدلالة .
تسلية للدعاة بأن لا يغتموا بعدم إيمان بعض أقاربهم ، فلله الحكمة البالغة .
أنه لا يستفيد من القرآن إلا من اتبعه وخاف وعيده وعمل به .
ليس كل أحد يستفيد من القرآن .
كما قال تعالى ( قلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى )، وقال تعالى (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً )، وقال تعالى (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً ) .