تفسير سورة ق الجزء 2
( أَفَلَمْ يَنظُرُوَاْ إِلَى السّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيّنّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ . وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَىَ لِكُلّ عَبْدٍ مّنِيب وَنَزّلْنَا مِنَ السّمَآءِ مَآءً مّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبّ الْحَصِيدِ وَالنّخْلَ بَاسِقَاتٍ لّهَا طَلْعٌ نّضِيدٌ رّزْقاً لّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ).
يقول تعالى منبهاً للعباد على قدرته العظيمة التي أظهر بها ما هو أعظم مما تعجبوا مستبعدين لوقوعه :( أَفَلَمْ يَنظُرُوَاْ إِلَى السّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيّنّاهَا ) أي بالمصابيح .
( وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ ) قال مجاهد: يعني من شقوق, وقال غيره: فتوق, وقال غيره صدوع, والمعنى متقارب كقوله تبارك وتعالى: (الذي خلق سبع سموات طباقاً ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور . ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير) أي كليل عن أن يرى عيباً أو نقصاً.
كما قال تعالى (وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ ).
وقال تعالى (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ) .
( وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا ) أي وسعناها وفرشناها .
كما قال تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً ) .
وقال تعالى ( ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً ) .
وقال تعالى (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ ) .
وقال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ )،
( وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ) وهي الجبال لئلا تميد بأهلها وتضطرب, فإنها مقرة على تيار الماء المحيط بها من جميع جوانبها، كما قال تعالى : (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً )، وقال تعالى (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا )، وقال تعالى (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ ) .
( وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) أي من جميع الزروع والثمار والنبات والأنواع ، ذات المنظر الحسن، كما قال تعالى ( وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) وقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ )، وقال تعالى (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) وقال تعالى (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)، ( تَبْصِرَةً وَذِكْرَىَ لِكُلّ عَبْدٍ مّنِيب ( أي ومشاهدة خلق السموات والأرض وما جعل الله فيهما من الاَيات العظيمة تبصرة ودلالة وذكرى لكل عبد منيب أي خاضع خائف وجل رجاع إلى الله عز وجل، ( وَنَزّلْنَا مِنَ السّمَآءِ مَآءً مّبَارَكاً ( أي نافعاً، ( فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنّاتٍ ) أي حدائق من بساتين ونحوها، ( وَحَبّ الْحَصِيدِ ) وهو الزرع الذي يراد لحبه وادخاره .
كما قال تعالى (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ )، ( وَالنّخْلَ بَاسِقَاتٍ ) أي طوالاً شاهقات، ( لّهَا طَلْعٌ نّضِيدٌ ) أي منضود ، ( رّزْقاً لّلْعِبَادِ ) أي للخلق، ( وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مّيْتاً ) وهي الأرض التي كانت هامدة, فلما نزل الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج من أزاهير وغير ذلك, مما يحار الطرف في حسنها, وذلك بعد ما كانت لا نبات بها فأصبحت تهتز خضراء، ( كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ) أي أن خروج الناس أحياء من قبورهم بعد الموت كخروج النبات من الأرض بعد عدمه ، بجامع استواء الجميع في أنه جاء بعد عدم
كما قال تعالى: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقال تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ .ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)، وقال سبحانه : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
الفوائد :
*- وجوب النظر في آيات الله الكونية ليعرف الإنسان قدرة الله على كل شيء ومن ذلك البعث .
*-أن من أدلة إثبات البعث ، لفت الأنظار إلى خلق السموات والأرض وقد تنوعت طرق القرآن في إثبات البعث ، وهي سبعة طرق :
الطريقة الأولى :
آيات صريحة في إثبات ذلك : قال تعالى : (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) وقال تعالى : (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ) .وقال تعالى : (وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ)، وقال تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) .
وقال تعالى : (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)، وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد : فقال تعالى : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ) .وقال تعالى :(وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) .وقال تعالى : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) .
وذم الله المكذبين بالمعاد : فقال تعالى : ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) وقال تعالى : (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً )
الطريقة الثانية :
التذكير بنشأة الإنسان الأولى : قال تعالى : (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ . إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) .وقال تعالى : (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ .قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ).
الطريقة الثالثة :
الاستدلال بإنبات النبات على إحياء الأموات : قال تعالى : (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وقال تعالى : (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) وقال سبحانه : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
الطريقة الرابعة :
الإشارة ولفت الانتباه إلى خلق السماوات : قال تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
الطريقة الخامسة :
تنزيه الله سبحانه عن العبث . فلو فرضنا أنه لا جزاء ولا حساب ولا بعث ، فما فائدة الأوامر والنواهي، قال تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ) وقال تعالى : (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) أي : لا يؤمر ولا ينهى ، وقيل لا يبعث .
الطريقة السادسة :
تنزيه الله عن الظلم : فلو لم يكن هناك بعث لا استوى الناس ، فاستوى المؤمن الذي ترك كثيراً من الشبهات مخافة ربه ، والكافر لا يعرف ربه أصلاً .قال تعالى : (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) .
الطريقة السابعة :
ذكر وقائع وأحداث يستدل بها على البعث .
كما في قصة قتيل بني إسرائيل .
وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت .
وقصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها .
وقصة إبراهيم والطيور الأربعة .
وقصة أصحاب الكهف ، فقد أماتهم الله في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين ، قال تعالى في قصتهم : (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ ... ) .
1- كمال قدرة الله على كل شيء ، فلا يعجزه سبحانه شيء .
2- أن من يتأمل في مخلوقات الله وعظمتها ، فإن ذلك من علامة العقل
( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) .
-----------------------------------
يقول تعالى مهدداً لكفار قريش بما أحله بأشباههم ونظرائهم وأمثالهم من المكذبين قبلهم من النقمات والعذاب الأليم في الدنيا فقال تعالى : ( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ ) الذين عذبهم الله بالغرق العام لجميع أهل الأرض، ( وَأَصْحَابُ الرَّسِّ ) أي وأهلك أصحاب الرس وقد اختلف العلماء في المراد بهم، فقيل إنهم أهل قرية من قرى ثمود، وقيل: إنهم قوم رسّوا نبيهم أي دفنوه، وقيل: المراد بهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج واختار ذلك ابن جرير ( وَثَمُودُ ) ونبيهم صالح ، فقد أهلكهم الله بعد أن كذبوه وقالوا ( ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ) ( وَعَادٌ ) ونبيهم هود، وقد أهلكهم الله تعالى بالريح العقيم ( مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ )، ( وَفِرْعَوْنُ ) بعد أن أرسل الله له موسى وهارون فكفر وطغى فأهلكه الله وأغرقه، ( وَإِخْوَانُ لُوطٍ ) أي قوم لوط ، وقد أرسل الله لهم النبي لوط ، فكذبوه ، فأهلكهم الله، ( وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ ) وهم قوم شعيب ، والأيكة الشجر الملتف ، كانت تحيط بهم البساتين والأشجار الكثيرة ، الملتف بعضها على بعض ، أرسل الله إليهم شعيباً ، وكان ظلمهم بشركهم بالله ، وقطعهم الطريق ، ونقصهم المكيال والميزان ، فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة ، وقد كانوا قريباً من قوم لوط بعدهم في الزمان ، ولهذا لما أنذر شعيب قومه قال في نذارته إياهم (وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ )، ( وَقَوْمُ تُبَّعٍ ) قال المفسرون : هو ملِك كان باليمن ، أسلم ودعا قومه إلى الإسلام ، فكذبوه وهو تبع اليماني .( كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ ) أي كل من هذه الأمم وهؤلاء القرون كذب رسولهم ، قوله ( كل كذب الرسل ) لأن من كذب رسولاً فقد كذب بجميع الرسل بدليل قوله تعالى ( كذبت قوم نوح المرسلين ) وإنما جاءهم رسول واحد ، فهم في نفس الأمر لو جاءهم جميع الرسل كذبوهم ، ( فَحَقَّ وَعِيدِ ) أي فحق عليهم ما أوعدهم الله تعالى على التكذيب من العذاب والنكال ، فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم ، فإنهم قد كذبوا رسولهم كما كذب أولئك ، ( أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ) أي أفأعجزنا ابتداء الخلق حتى هم في شك من الإعادة ، والمعنى : أن ابتداء الخلق لم يعجزنا والإعادة أسهل منه كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) وقال تعالى (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ )، وقال ( يقول تعالى : يؤذيني ابن آدم : يقول لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون من إعادته )
.
قال القرطبي: هو توبيخ لمنكري البعث وجواب لقولهم ( ذلك رجع بعيد ) فهذه الآية من أدلة إثبات البعث ، ( بَلْ هُمْ ) أي هؤلاء المنكرون للبعث، ( فِي لَبْسٍ ) في شك وتردد، ( مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) أي إعادة الخلق، وحالهم عجب : يقرون بأول الخلق ، ثم ينكرون البعث بعد الموت .
الفوائد :
1- أن كثيراً من الأمم كذبت رسلها .
2- أن تكذيب الرسل سبب للهلاك .
3- وجوب الحذر من تكذيب الرسل، حتى لا يصيبنا ما أصاب الأمم الماضية .
4- أن العبرة بالإيمان والعمل الصالح، لا بالأحساب والأنساب ، فكل من كذب أهلكه الله .
5- أن من أساليب الدعوة، تذكير الناس بهلاك الأمم الماضية بسبب ذنوبها .
6- أن من كذب رسولاً واحداً فقد كذب بجميع الرسل .
7- شدة عقوبة الله للمكذبين .
8- تنزيه الله عن النقص والتعب والعجز .
9- وجوب إثبات صفات الكمال لله تعالى .