تحريم حلق اللحى
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما وغيرهما، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى وأحفوا الشوارب } (1) ، ولهما عنه أيضا: أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى } (2) ، وفي رواية: أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى } (3).و اللحية: اسم للشعر النابت على الخدين والذقن، قال ابن حجر: "وفِّروا" بتشديد الفاء، من التوفير: وهو الإبقاء، أي اتركوها وافرة، وإعفاء اللحية: تركها على حالها ومخالفة المشركين يفسره حديث أبي هريرة إن أهل الشرك يعفون شواربهم ويحفون لحاهم فخالفوهم، فأعفوا اللحى وأحفوا الشوارب } (4) رواه البزار بسند حسن، ولمسلم عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم خالفوا المجوس } (5)؛ لأنهم كانوا يقصرون لحاهم ويطولون الشوارب، ولابن حبان، عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه و سلم المجوس فقال: إنهم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم، فخالفوهم } (6) فكان يحفي سباله، وله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم { من فطرة الإسلام أخذ الشارب وإعفاء اللحى، فإن المجوس تعفي شواربها وتحفي لحاها، فخالفوهم، خذوا شواربكم وأعفوا لحاكم }، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: أمرنا بإحفاء الشوارب وإعفاء اللحية } (7)، وله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم { جزوا الشوارب وأرخوا اللحى } (8) و معنى جزوا: قصوا، وأرخوا: أي أطيلوا، ورواه بعضهم بلفظ "أرجو" أي: اتركوا، وما روي بلفظ: "قصوا" لا ينافي الإحفاء؛ لأن رواية الإحفاء في الصحيحين ومعينة للمراد، وفي رواية { أوفوا اللحى } أي: اتركوها وافية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يحرم حلق اللحية. وقال القرطبي: لا يجوز حلقها ولا نتفها ولا قصها.
وحكى أبو محمد بن حزم: الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، واستدل بحديث ابن عمر: خالفوا المشركين، أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى } (9) ، وبحديث زيد بن أرقم المرفوع: من لم يأخذ شاربه فليس منا } (10) صححه الترمذي، وبأدلة أخر، قال في الفروع: هذه الصيغة عند أصحابنا تقتضي التحريم، وقال في الإقناع: ويحرم حلقها، وروى الطبراني، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: من مثل بالشعر ليس له عند الله خلاق ، قال الزمخشري: معناه: صيره مثلة، بأن نتفه أو حلقه من الخدود أو غيره بسواد، وقال في النهاية: مثل بالشعر: حلقه من الخدود، وقيل: نتفه أو تغييره بسواد.
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أعفوا اللحى وجزوا الشوارب، ولا تشبهوا باليهود والنصارى } (11)، وللبزار، عن ابن عباس مرفوعا: لا تشبهوا بالأعاجم أعفوا اللحى } (12)، وروى أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تشبه بقوم فهو منهم } (13)، وله عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى } (14) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فمخالفتهم أمر مقصود للشارع، والمشابهة في الظاهر تورث مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، قال: ومشابهتهم فيما ليس من شرعنا يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفرا بحسب الأدلة الشرعية، وقال: وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط علق الحكم به ودار التحريم عليه، فمشابهتهم في الظاهر سبب لمشابهتهم في الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر، وقد يتعسر أو يتعذر زواله، وكل ما كان سببا إلى الفساد فالشارع يحرمه.
وروي عن ابن عمر: "من تشبه بهم حتى يموت حشر معهم"، وروى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف } (15)، زاد الطبراني: ولا تقصوا النواصي، وأحفوا الشوارب وأعفوا اللحى } (16)، وفي شروط عمر على أهل الذمة أن يحلقوا مقادم رؤوسهم ليتميزوا من المسلمين، فمن فعل ذلك فقد تشبه بهم، وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه و سلم نهى عن القزع } (17) و هو حلق بعض الرأس وترك بعضه، وعن ابن عمر - في الرأس -: { احلقه كله أو دعه } رواه أبو داود، وحلق القفا لا يجوز لمن لم يحلق رأسه كله ولم يحتج إليه؛ لأنه من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم، وروى ابن عساكر عن عمر حلق القفا من غير حجامة مجوسية.
وأيضا نهى الله تبارك وتعالى عن اتباع أهوائهم فقال: قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم (18) و قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع (19) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم.
وروى ابن أبي شيبة: أن رجلا من المجوس جاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم وقد حلق لحيته وأطال شاربه، فقال له النبي صلى الله عليه و سلم ما هذا؟ قال: هذا ديننا، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لكن في ديننا أن نحفي الشوارب وأن نعفي اللحية }، وأخرج الحارث بن أبي أسامة، عن يحيى بن كثير قال: أتى رجل من العجم المسجد، وقد وفر شاربه وجز لحيته، فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم ما حملك على هذا؟ فقال: إن ربي أمرني بهذا، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن الله أمرني أن أوفر لحيتي وأحفي شاربي }، وروى ابن جرير، عن زيد بن حبيب قصة رسولي كسرى قال: ودخلا على رسول الله صلى الله عليه و سلم وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما، وقال: ويلكما من أمركما بهذا؟ قالا: أمرنا ربنا، يعنيان: كسرى، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ولكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي }، وروى مسلم عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم كثير شعر اللحية } (20)، وللترمذي عن عمر: كث اللحية } ((21) وفي رواية: كثيف اللحية } (22) وفي أخرى: عظيم اللحية } (23) وعن أنس: كانت لحيته قد ملأت من ههنا إلى ههنا، وأمر يده على عارضيه } ورخص بعض أهل العلم في أخذ ما زاد على القبضة؛ لفعل ابن عمر (24) وأكثر العلماء يكرهه، وهو أظهر لما تقدم، وقال النووي: والمختار تركها على حالها، وألا يتعرض لها بتقصير شيء أصلا، وأخرج الخطيب، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يأخذ أحدكم من طول لحيته }، وقال في الدر المختار: وأما الأخذ منها وهي دون القبضة كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد ا .
وقال الله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر (25) وقال: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى } (26) وقال: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين } (27) وقال: و من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين" } (28) والله تبارك وتعالى جمل الرجال باللحى، ويروى: ومن تسبيح الملائكة: سبحان من زين الرجال باللحى، وقال في التمهيد: ويحرم حلق اللحية، ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال
فاللحية زينة الرجال، ومن تمام الخلق، وبها ميز الله الرجال من النساء، ومن علامات الكمال، ونتفها في أول نباتها تشبه بالمرد، ومن المنكرات الكبار (29) (وكذلك حلقها أو قصها أو إزالتها بالنورة من أشد المنكرات، ومعصية ظاهرة، ومخالفة لأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم ووقوع فيما نهى عنه.وذكر الغزالي في الإحياء: أن نتف الفنيكين بدعة وهما: جانبا العنفقة، قال: وشهد عند عمر بن عبد العزيز رجل كان ينتف فنيكيه فرد شهادته، ورد عمر بن الخطاب وابن أبي ليلى قاضي المدينة شهادة من كان ينتف لحيته.
قال الإمام أبو شامة: وقد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نقل عن المجوس من أنهم كانوا يقصونها، وهذا في زمانه رحمه الله فكيف لو رأى كثرة من يفعله اليوم!. وما لهم قاتلهم الله أنى يؤفكون!. أمرهم الله بالتأسي برسوله صلى الله عليه و سلم فخالفوه وعصوه وتأسوا بالمجوس والكفرة، وأمرهم الله بطاعة رسوله صلى الله عليه و سلم وقد قال صلى الله عليه و سلم أعفوا اللحى } (30) ، { أوفوا اللحى }، { أرخوا اللحى }، { أرجوا اللحى }، وفروا اللحى } (31) ، فعصوه وعمدوا إلى لحاهم فحلقوها، وأمرهم بحلق الشوارب فأطالوها، فعكسوا القضية، وعصوا الله جهارا؛ لتشويه ما جمل الله به أشرف شيء من ابن آدم وأجمله، أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من (32) اللهم إنا نعوذ بك من عمى القلوب، ورين الذنوب، وخزي الدنيا وعذاب الآخرة إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (33). وفي هذا كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم(34) والله أعلم.
(1) البخاري اللباس (5553)،مسلم الطهارة (259)،الترمذي الأدب (2764)،النسائي الزينة (5046)،أبو داود الترجل (4199)،أحمد (2/52).
(2) البخاري اللباس (5554)،مسلم الطهارة (259)،الترمذي الأدب (2763)،النسائي الطهارة (15)،أبو داود الترجل (4199)،أحمد (2/16)،مالك الجامع (1764).
(3) البخاري اللباس (5554)،مسلم الطهارة (259)،الترمذي الأدب (2764)،النسائي الطهارة (15)،أبو داود الترجل (4199)،أحمد (2/16).
(4) البخاري اللباس (5553)،مسلم الطهارة (259)،الترمذي الأدب (2764)،النسائي الطهارة (12)،أبو داود الترجل (4199).
(5) مسلم الطهارة (260)،أحمد (2/366).
(6) أحمد (5/265).
(7) البخاري اللباس (5554)،مسلم الطهارة (259)،الترمذي الأدب (2764)،النسائي الطهارة (12)،أبو داود الترجل (4199)،أحمد (2/16)،مالك الجامع (1764).
(8) مسلم الطهارة (260)،أحمد (2/366
(9) مسلم الطهارة (260)،أحمد (2/366).
([1]) البخاري اللباس (5553)،مسلم الطهارة (259)،الترمذي الأدب (2764)،النسائي الطهارة (12)،أبو داود الترجل (4199)،أحمد (2/118).
10 الترمذي الأدب (2761)،النسائي الزينة (5047).
11 البخاري اللباس (5554)،مسلم الطهارة (259)،الترمذي الأدب (2763)،النسائي الزينة (5046)،أبو داود الترجل (4199)،أحمد (2/16)،مالك الجامع (1764).
12 البخاري اللباس (5554)،مسلم الطهارة (259)،الترمذي الأدب (2763)،النسائي الزينة (5046)،أبو داود الترجل (4199)،أحمد (2/16)،مالك الجامع (1764).
13 أبو داود اللباس (4031).
14 الترمذي الاستئذان والآداب (2695).
15 الترمذي الاستئذان والآداب (2695).
16 البخاري اللباس (5553)،مسلم الطهارة (259)،الترمذي الأدب (2764)،النسائي الطهارة (15)،أبو داود الترجل (4199)،أحمد (2/16).
17 البخاري اللباس (5577)،مسلم اللباس والزينة (2120)،النسائي الزينة (5050)،أبو داود الترجل (4194)،ابن ماجه اللباس (3637)،أحمد (2/106).
18 سورة المائدة، الآية: 77.
19 مسلم الفضائل (2344).
20 النسائي الزينة (5232).
21مسلم الفضائل (2344).
22 الترمذي المناقب (3638)،أحمد (1/117).
23 الحجة في روايته لا في رأيه، ولا شك أن قول الرسول وفعله أحق وأولى بالاتباع من قول غيره أو فعله كائنا من كان.
24 سورة الأحزاب، الآية: 21.
25 سورة الحشر، الآية: 7.
26 سورة النور، الآية: 63.
27 سورة النساء، الآية: 115.
28 قاله النووي، والغزالي وغيرهما.
29 البخاري اللباس (5554)،مسلم الطهارة (259)،الترمذي الأدب (2763)،النسائي الزينة (5046)،أبو داود الترجل (4199)،أحمد (2/16)،مالك الجامع (1764).
30 البخاري اللباس (5553).
31 سورة فاطر، الآية: 8.
32 سورة الأنفال، الآيتان: 22، 23.
33 سورة البقرة، الآية: 145.
34 سورة الكهف، الآية: 17.